المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإيمان بنشر الدواوين والحساب


عبد العزيز الداخل
11-11-2008, 01:36 PM
وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ - وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ- فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ، وَآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ ، كَمَا قَالَ - سُبْحَانَهُ - : {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مِنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}[سُورَةُ الإِسْرَاءِ :13-14] ويُحاسِبُ اللهُ الخلقَ، ويخلو بعبدِه المؤمِنِ فِيقرره بذنوبه كمَا وُصِفَ ذلك فِي الكِتَاب والسُّنةِ .
وأمَّا الكفارُ فلا يُحاسبونَ مُحاسبةَ مَن تُوزَنُ حسناتهُ وسيئاته ؛ فإنَّهُ لا حسنات لهم، ولكن تُعَدُّ أعمَالُهم وتُحصى فِيوقفون عليها، وَيُقَرَّرُونَ بِهَا وَيُجْزَوْنَ بها .

فاطمة
12-22-2008, 12:50 PM
ليس للشيخ تعليق على هذه الجزئية

فاطمة
12-22-2008, 12:52 PM
وتُنْشَرُ الدواوينُ -وهي صحائِفُ الأعمالِ- فآخذٌ كتابَهُ بيمينه وآخِذٌ كتابَهُ بشمالِهِ، أو من وراء ظهره، كما قال سبحانه وتعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) [الإسراء: 13-14] ويُحاسِبُ اللهُ الخلائِقَ، ويخلو بعبدِه المؤمن فيقرره بذنوبه كما وُصِفَ ذلك في الكتابِ والسُّنةِ. وأما الكفارُ فلا يُحاسبونَ مُحاسبةَ مَنْ تُوزَنُ حسناتهُ وسيئاته فإنَّهُ لا حسنات لهم ولكن تُعَدُّ أعمالُهم فتُحصى فيوقفون عليها، ويُقرَّرُونَ بها([1] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=11327#_ftn1)).

([1]) ذكر المصنِّف رحمه الله هذا الكلام النفيس المتعلِّق باليوم الآخر المأخوذ من نصوص الكتاب والسُّنة، و هو كلامٌ واضحٌ جامعٌ، وأحال على الكتاب والسُّنة، في بقية تفاصيل اليوم الآخر. وقد كتب أهل الإسلام من النصوص الكثيرة من الكتاب والسُّنة فيما يتعلّق باليوم الآخر، وبالجنّة والنار وتفاصيل ذلك الكثير وصنّفوا المصنَّفات المطوّلة والمبسوطة، والمهم أن ذلك كله داخل في الإيمان باليوم الآخر.
واعلم أن أصل الجزاء على الأعمال خيرها وشرّها ثابت بالعقل، وواقع بالسّمع، فإن الله نبّه العقول إلى ذلك في مواضع كثيرة من الكتاب وذكر بما هو مستقرّ في العقول الصحيحة من أنه لا يليق بحكمة الله وحمده أن يترك الناس سدى، أو أن يكونوا خلقوا عبثاً، لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون، وأن العقول الصحيحة تنكر ذلك أشدّ الإنكار، وهذا شيء مشاهد محسوس متناقل بين الناس بالتواتر الذي لا يقبل الشك، ولا يزال الله يري عباده من آياته في الآفاق وفي أنفسهم ما يتبين به الحقّ لأولي العقول والألباب.
وأما تفاصيل الجزاء ومقاديره فلا يُدرك إلا بالسمع والنقول الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ومن الحكمة في محاسبة الخلْق على أعمالهم ووزنها وظهورها مكتوبة في الصحف، مع إحاطة علم الله بذلك، لِيُري عباده كمال حمده وكمال عدله وسعة رحمته وعظمة ملكه، ولهذا قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) مع أن ملكه عام مطلق لهذا اليوم ولغيره.

فاطمة
12-22-2008, 01:00 PM
وتُنْشَرُ الدَّوَاوِيْنُ، وهِيَ صَحائِفُ الأعْمَالِ، فآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَميِنهِ، وآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمالِهِ أَوْ مِنْ وَراءِ ظهْرِهِ؛ كَما قالَ سُبحانَهُ وتَعالى: ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) (64) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=1129#_ftn1).
( ويُحاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ، ويَخْلُو بعَبْدِهِ المُؤمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذلكَ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ.
وأَمَّا الكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وسَيِّئاتُهُ؛ فإِنَّهُ لا حَسَناتَ لهُمْ، ولكِنْ تُعَدُّ أَعمالُهُمْ، فَتُحْصى، فَيُوقَفُونَ عَليها، ويُقَرَّرونَ بِها، [ ويُخْزَوْنَ بها ]) (65) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=1129#_ftn2).

(64) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=1129#_ftnref1) هناكَ تُنْصَبُ الْمَوَازِينُ، فتوزَنُ بهَا أعمالُ العبادِ، وهيَ موازينُ حقيقيةٌ، كلُّ ميزانٍ منهَا لهُ لسانٌ وكفَّتانِ، ويَقْلِِبُ اللهُ أعمالَ العبادِ – وهيَ أعراضٌ – أجسامًا؛ لهَا ثُقْلٌ، فتُوْضَعُ الحسناتُ في كِفَّةٍ، والسَّيِّئاتُ في كِفَّةٍ؛ كمَا قالَ تعالى:
{ وَنَضَعُ المَوَازِيْنَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإِنْ كَانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبينَ }.
ثمَّ تُنْشَرُ الدَّواوينُ، وهيَ صحائفُ الأعمالِ، { فأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ؛ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيْنَقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ } أَوْ مِنْ وراءِ ظَهْرِهِ؛ { فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا }، ويقولُ: { يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوْتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ }؛ قَالَ تعالَى:
{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرى المُجْرِمينَ مُشْفِقينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولونَ يا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغيرَةً ولاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا }.
وأَمَّا قولُهُ تعالى: { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْناهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ … }؛ فقَدْ قالَ الرَّاغِبُ: (( أيْ: عَمَلُهُ الذي طَارَ عنهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ )).
ولكنَّ الظَّاهِرَ أنَّ المرادَ بالطائرِ هُنَا نَصيبهُ في هذهِِ الدُّنيا، ومَا كُتِبَ لهُ فيهَا من رِزْقٍ وعملٍ؛ كمَا في قولهِ تعالى: { أوَّلئِكَ يَنَا لُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ }، يعني: ما كُتِبَ عليهِمْ فيهِ.

(65) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=1129#_ftnref2) قولُهُ: (( ويحاسبُ اللهُ الْخَلاَئِقَ … )) إلخ. الْمُرادُ بتلكَ المحاسبةِ تَذْكِيرُهمْ وَإِنْبَاؤُهُمْ بمَا قدَّموهُ مِنْ خيرٍ وشرٍّ { أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ }؛ قالَ تعالى:
{ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلونَ }.
وفي الحديثِ الصَّحيحِ:
(( مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ )).
فقالَتْ عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: يا رَسُولَ اللهِ! أَوَ لَيْسَ اللهُ يَقُولُ: { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا }؟)).
فقالَ: (( إنَّمَا ذَلِكَ العَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكُ )).
وأَمَّا قولُهُ: (( وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ ))؛ فقَدْ وَرَدَ عن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: ((أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْنِي مِنْهُ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عليهِ كَنَفَهُ، وَيُحَاسِبُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: أَلَمْ تَفْعَلْ كَذَا يَوْمَ كَذَا؟ أَلَمْ تَفْعَلْ كَذَا يَوْمَ كَذَا؟ حتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ؛ قالَ لَهُ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ)).
وأَمَّا قولُهُ: ( فإنَّهُ لاَ حسناتَ لهُمْ )؛ يعني: الكفارَ؛ لقولِهِ تعالى:
{ وقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا }.
وقولِه: { مَثَلُ الَّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ }.
والصَّحيحُ ( أنَّ) أعمالَ الخيرِ التَّي يعملهَا الكافرُ يُجَازَى بهَا في الدُّنيا فقطْ، حتَّى إذَا جاءَ يومُ القيامةِ وجدَ صحيفةَ حسناتِهِ بَيْضَاءَ.
وقيلَ: يخفَّفُ بهَا عنهُ من عذابِ غيرِ الْكُفْرِ.

فاطمة
12-22-2008, 01:02 PM
وتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وهِيَ صَحائِفُ الأعْمَالِ، فآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَميِنهِ، وآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمالِهِ أَوْ مِنْ وَراءِ ظهْرِهِ؛ كَما قالَ سُبحانَهُ وتَعالى: ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) ويُحاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ، ويَخْلُو بعَبْدِهِ المُؤمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذلكَ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ.وأَمَّا الكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وسَيِّئاتُهُ؛ فإِنَّهُ لا حَسَنات لهُمْ، ولكِنْ تُعَدُّ أَعمالُهُمْ، فَتُحْصى، فَيُوقَفُونَ عَليها، ويُقَرَّرونَ بِها.

ومما ذَكَرَ الشَّيخُ مِن حوادثِ هَذَا اليومِ العظيمِ، قولَه: (وتُنْشَرُ الدَّواوِينُ وهِيَ صحائفُ الأعمالِ) أي الصَّحائِفُ التي كُتِبَتْ فيها أعمالُ العِبادِ التي عَمِلُوها في الدُّنيا، وكتَبَتْها عليهم الحَفَظةُ؛ لأنَّها تُطْوى عندَ الموتِ وتُنْشَرُ، أيْ: تُفتَحُ عندَ الحسابِ ليَقِفَ كُلُّ إنسانٍ على صحيفَتِه فيَعْلَمَ ما فيها (فآخِذٌ كتابَه بيَمينِه، وآخِذٌ كتابَه بشِمالِه، أو مِن وراءِ ظَهرِه) هَذَا فيه بيانُ كيفيَّةِ أخْذِ النَّاسِ لصُحُفِهم، كما جاء ذَلِكَ في القرآنِ الكريمِ، وَهُوَ على نوعَيْنِ: آخِذٌ كتابَه بيمينِه، وَهُوَ المؤمِنُ، وآخِذٌ كتابَه بشمالِه أو مِن وراءِ ظَهرِه وَهُوَ الكافرُ ـ بأنْ تُلوى يَدُه اليُسرى مِن وراءِ ظهرِه ويُعطى كتابَه بها ـ كما جاءتِ الآياتُ بهَذَا وهَذَا، ولا مُنافاةَ بينهما؛ لأنَّ الكافرَ تُغَلُّ يُمْناهُ إلى عُنُقِه، وتُجْعَلُ يُسراهُ وراءَ ظَهْرِه فيَأْخُذُ بها كتابَه.
ثم استدَلَّ الشَّيخُ بقولِه تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فيِ عُنُقِهِ) الآيةَ، وطائِرُه: ما طار عنه مِن عَمَلِه مِن خيرٍ وشرٍّ (في عُنُقِه) أي يُلْزَمُ به ويُجازَى به لا مَحِيدَ له عنه، فَهُوَ لازِمٌ له لُزومَ القِلادةِ في العُنُقِ. (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً) أيْ: نَجمَعُ له عَمَلَه كُلَّه في كتابٍ يُعطاهُ يومَ القيامةِ، إما بيَمينِه إنْ كان سعيداً، أو بشِمالِه إنْ كان شقِياًّ (مَنْشُوراً) أيْ: مفتوحاً يَقرَؤُه هُوَ وغيرُه. وإنما قال سُبْحَانَهُ (يَلْقَاهُ مَنْشُوراً) تعجيلا للبُشْرى بالحَسَنةِ والتَّوبِيخِ على السَّيِّئةِ (اقْرَأْ كِتَابَكَ) أيْ: نقولُ له ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَقرأَ ذَلِكَ الكتابَ مَن كان قارِئاً، ومَن لم يكُن قارِئاً (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) أيْ: حاسِباً، وَهُوَ منصوبٌ على التَّمييزِ، وهَذَا أعظمُ العَدلِ حَيْثُ جَعَلَه حَسِيبَ نَفْسِه ليَرى جميعَ عمَلِه لا يُنْكِرُ منه شيئاً.
والشَّاهِدُ مِن الآيةِ الكريمةِ: أنَّ فيها إثباتَ إعطاءِ كُلِّ إنسانٍ صحيفةَ عَمَلِه يومَ القيامةِ يَقرَؤُها بنَفْسِه، ويطَّلِعُ عليها هُوَ لا بواسِطةِ غيرِه.
4- ثم ذَكَرَ الشَّيخُ رَحِمَهُ اللَّهُ الحسابَ، فقال: (ويُحاسِبُ اللَّهُ الخلائِقَ) الحسابُ: هُوَ تعريفُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ للخلائقِ بمقاديرِ الجزاءِ على أعمالِهم، وتَذْكيرُه إيَّاهُم ما قد نَسُوهُ مِن ذَلِكَ، أو بعبارةٍ أخرى: هُوَ توقيفُ اللَّهِ عبادَه قَبْلَ الانصرافِ مِن المَحْشَرِ على أعمالِهم خيراً كانت أو شراًّ.
ثم ذَكَرَ الشَّيخُ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الحسابَ على نوعَيْنِ:
النَّوعُ الأوَّلُ: حسابُ المؤمِنِ، قال فيه: (ويَخْلو بعبدِه المؤمِنِ فيُقرِّرُه بذُنوبِه، كما وُصِفَ ذَلِكَ بالكتابِ والسُّنَّةِ) كما قال اللَّهُ تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلىَ أَهْلِهِ مَسْرُوراً) الآيتانِ (8، 9) الانْشِقَاق، وفي الصَّحيحَيْنِ عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم يقولُ: (( إِنَّ اللَّهَ يُدْنِى الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنوُبِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنْ قَدْ هَلَكَ قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ )) ومعنى يُقَرِّرُه بذُنوبِه: يجعَلُه يُقِرُّ، أيْ: يَعترِفُ بها، كما في هَذَا الحديثِ: " أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ " ومِن المؤمِنينَ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ بغيرِ حسابٍ، كما صَحَّ في حديثِ السَّبْعِينَ الألْفِ الذين يَدْخُلونَ الجَنَّةَ بلا حسابٍ ولا عذابٍ.
والحسابُ يختلِفُ، فمنه اليَسيرُ، وَهُوَ العَرْضُ ومنه المُناقَشةُ.
وفي الصَّحيحَيْنِ عن عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: (( لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ هَلَكَ )) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعالَى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسيِراً) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم: " إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاّ عُذِّبَ )).
النَّوعُ الثَّاني: حسابُ الكفارِ، وقد بَيَّنَه بقولِه: (وأمَّا الكفارُ فلا يُحاسَبونَ محاسَبةَ مَن تُوزَنُ حسناتُه وسيِّئاتُه، فإنَّهُ لا حَسَناتَ لهم) أي ليس لهم حسناتٌ تُوزَنُ مع سيِّئاتِهم؛ لأنَّ أعْمالَهُم قد حَبِطَتْ بالكُفْرِ، فلم يَبْقَ لهم في الآخرةِ إلاَّ السيِّئاتُ. فحِسَابُهم معناه أنَّهم (تُعدُّ أعمالُهم فتُحصَى، فيُوقَفونَ عليها ويُقرَّرُونَ بها، ويُجزَوْنَ بها) أيْ: يُخبَرونَ بأعمالِهم الكفريَّةِ، ويَعترِفونَ بها، ثم يُجازَوْنَ عليها، كما قال تعالى: (فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) الآيةَ (50) فُصِّلَتْ، وقال تعالى: (وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) الآية (37) الأَعْرَاف، وقال: (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ) الآية (11) المُلْك.

فاطمة
12-22-2008, 01:03 PM
===========

فاطمة
12-22-2008, 03:21 PM
* الحساب وتطاير الصحف *

وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ، فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَميِنهِ، وَآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ مِن وَرَاءِ ظَهْرِه، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:{ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }.
وَيُحَاسِبُ اللَّهُ الخَلائِقَ، فَيَخْلُو بِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ كَمَا وُصِفَ ذَلكَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَأَمَّا الكُفَّارُ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَن تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَإِنَّهُ لا حَسَنَاتَ لهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ فَتُحْصَى، فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا، ويُقَرَّرونَ بِهَا، [ ويُجْرَوْنَ عليهَا ].
قَالَ تَعَالَى:{ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ } الآيَاتِ.
قَوْلُهُ: وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ، نَشْرُ الدَّوَاوِينِ فَتْحُهَا وَبَسْطُهَا.
قَوْلُه تَعَالَى:{ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ } طَائِرُهُ مَا طَارَ لَهُ مِن عَمَلِهِ المُقَـدَّرِ لهُ مِن خَـيْرٍ وَشَـرٍّ. وَخَصَّ العُنُقَ بِالذِّكْرِ لكَوْنِهِ عُضواً مِن الأَعْضَـاءِ لا نَظِيرَ لهُ فِي الجَسَدِ، وَمَن أُلْزِمَ بِشَيْءٍ فِيهِ فَلا مَحِيدَ لهُ عَنْهُ، وَتَقَـدَّمَ حَدِيثُ: " مَا مِنْكُمْ مِن أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ ليْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" ليْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلا هَلَكَ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً }؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّمَا ذَلكَ العَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الحِسَابَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلا عُذِّبَ". وَلَهُمَا عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ وَيَقُـولُ لهُ: أَتَعْـرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنْ قَدْ هَلَكَ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لك اليَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ .
وَأَمَّا الكُفَّارُ وَالمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ:{ هَـؤُلاءِ الذين كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالمِينَ } أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلاثَ عَرَضَاتٍ فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الأَيْدِي فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشَمَالِه "، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ موقوفاً نَحْوَهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَا يُبْكِيك ؟" قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْليكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ فَلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَداً: عِنْدَ المِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانهُ أَوْ يَثْقُلُ ؟ وَعِنْدَ الكِتَابِ حِينَ يُقَـالُ:{ هَاؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ } حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَـعُ كِتَابُهُ أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شَمَـالِهِ أَمْ مِن وَرَاءِ ظَهْـرِهِ ؟ وَعِنْدَ الصِّـرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْـرَيْ جَهَنَّمَ ". وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الدَّوَاوِينُ عِنْدَ اللَّهِ ثَلاثَةٌ:دِيوَانٌ لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئاً، وَدِيوَانٌ لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئاً، وَدِيوَانٌ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ: فَأَمَّا الدِّيوَانُ الذي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:{ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } الآيَةَ، وَقَالَ:{ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ } وَأَمَّا الدِّيوَانُ الذي لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئاً فَظُلْمُ العَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ مِن صَوْمِ يَوْمٍ تَرَكَهُ. أَوْ صَلاةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذَلكَ وَيَتَجَاوَزُ إِنْ شَاءَ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الذي لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئاً فَظُلْمُ العِبَادِ بَعْضَهُمْ بَعْضاً، القِصَاصُ لا مَحَالَةَ" رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ المُتَقَدِّمِ " ليْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ هَلَكَ" ثُمَّ قَالَ أخيراً وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الحِسَابَ إِلا عُذِّبَ ". وَكِلاهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ؛ لأَنَّ المُرَادَ بِالمُحَاسَبَةِ تَحْرِيرُ الحِسَابِ فَيَسْتَلْزِمُ المُنَاقَشَةَ وَمَنْ عُذِّبَ فَقَدْ هَلَكَ، وَقَالَ القُرْطُبِيُّ فِي المُفْهِمِ قَوْلُه:" حُوسِبَ" أَيْ: حِسَابَ اسْتِقْصَاءٍ، وَقَوْلُه:" عُذِّبَ" أَيْ: فِي النَّارِ جَزَاءً عَلَى السَّيِّئَاتِ الَّتِي أَظْهَرَهَا حِسَابُهُ، وَقَوْلُهُ:" هَلَكَ" أَيْ: بِالعَذَابِ فِي النَّارِ، قَالَ: وَتَمَسَّكَتْ عَائِشَةُ بِظَاهِرِ لَفْظِ الحِسَابِ؛ لأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ القَليلَ وَالكَثِيرَ، قَالَ القُرْطُبِيّ: مَعْنَى قَوْلِهِ:" إِنَّمَا ذَلكَ العَرْضُ" أَنَّ الحِسَابَ المَذْكُورَ فِي الآيَةِ إِنَّمَا هُوَ أَنْ تُعْرَضَ أَعْمَالُ المُؤْمِنِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي سَتْرِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي عَفْوِهِ عَنْهَا فِي الآخِرَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى، قَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ " عُذِّبَ" لهُ مَعْنَيَانِ:

( أَحَدُهُمَا ): أَنَّ مُنَاقَشَةَ الحِسَابِ، وَعَرْضَ الذُّنُوبِ، وَالتَّوْقِيفَ عَلَى قَبِيحِ مَا سَلَفَ وَالتَّوْبِيخَ تَعْذِيبٌ.
( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى اسْتِحْقَاقِ العَذَابِ إِذْ لا حَسَنَةَ للْعَبْدِ إِلا مِن عِنْدِ اللَّهِ لاِقْدَارِهِ عَلَيْهَا وَتَفَضُّلِه عَلَيْهِ بِهَا وَهِدَايَتِهِ لهَا وَلأَنَّ الخَالِصَ لوَجْهِهِ قَليلٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِي قَوْلُه فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: "هَلَكَ"، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: التَّأْوِيلُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ ؛ لأَنَّ التَّقْصِيرَ غَالِبٌ عَلَى النَّاسِ فَمَنْ اسْتَقْصَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَامِحْ هَلَكَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَجْهُ المُعَارَضَةِ أَنَّ لفْظَ الحَدِيثِ عَامٌّ فِي تَعْذِيبِ كُلِّ مَنْ حُوسِبَ وَلَفْظَ الآيَةِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لا يُعَذَّبُ، وَطَرِيقُ الجَمْـعِ أَنَّ المُرَادَ بِالحِسَابِ فِي الآيَةِ العَـرْضُ وَهُوَ إِبْرَازُ الأَعْمَالِ وَإِظْهَارُهَا فَيُعْرَفُ صَاحِبُهَا بِذُنُوبِهِ ثُمَّ يُتَجَاوَزُ عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ البَزَّارِ والطَّبَرَانِيِّ مِن طَـرِيقِ عَبَّـادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ سَمِعْتُ عَائِشَـةَ تَقُـولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِسَابِ اليَسِيرِ ؟ قَالَ:" الرَّجُلُ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ ثُمَّ يُتَجَاوَزُ لهُ عَنْهَا".
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلمٍ:" يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ " الحَدِيثَ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَن عَائِشَةَ مرفوعاً:" لا يُحَاسَبُ رَجُلٌ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ دَخَلَ الجَنَّةَ" وَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَهَا المَذْكُورَ فِي البَابِ، وَطَرِيقُ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الحَدِيثَيْنِ معاً فِي حَقِّ المُؤْمِنِ. وَلا مُنَافَاةَ بَيْنَ التَّعْذِيبِ وَدُخُولِ الجَنَّةِ؛ لأَنَّ المُوَحِّدَ وَإِنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ فَإِنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ أَوْ بِعُمُومِ الرَّحْمَةِ.
وَأَمَّا الكُفَّارُ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَن تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً } وَلَكِنَّهُمْ يُجْزَوْنَ بِأَعْمَالِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً } وَقِيلَ: تُوزَنُ أَعْمَالُ الكَافِرِ لقولِه تَعَالَى:{ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ المُفْلحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ ) الآيَاتِ
وَنَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَن بَعْضِ العُلَمَـاءِ أَنَّهُ قَالَ: الكَافِـرُ لا ثَوَابَ لهُ، وَعَمَلُهُ مُقَابَلٌ بِالعَـذَابِ، فَلا حَسَنَةَ لهُ تُوزَنُ فِي مَوَازِينِ القِيَـامَةِ، وَمَن لا حَسَنَـةَ لهُ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَاسْتَدَلَّ بِقَـوْلهِ تَعَالَى:{ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً } وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ فِي:" الكَافِرُ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ "، وَمَنْ قَالَ تُوزَنُ أَعْمَالُ الكَافِرِ قَالَ فِي الحَدِيثِ:" إِنَّ المُرَادَ بِهِ بَيَانُ حَقَارَةِ قَدْرِهِ وَلا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الوَزْنِ.
وَحَكَى القُرْطُبِيُّ فِي صِفَةِ وَزْنِ عَمَلِ الكَافِرِ وَجْهَيْنِ:
( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ كُفْرَهُ يُوضَعُ فِي الكِفَّةِ وَلا يَجِدُ لهُ حَسَنَةً يَضَعُهَا فِي الأُخْرَى فَتَطِيشُ الَّتِي لا شَيْءَ فِيهَا، قَالَ: وَهَذَا ظَاهِرُ الآيَةِ؛ لأَنَّهُ وَصَفَ المِيزَانَ بِالخِفَّةِ لا المَوْزُونَ.
( وَثَانِيهِمَا ) قَدْ يَقَعُ مِنْهُ العِتْقُ وَالبِرُّ وَالصِّلَةُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الخَيْرِ المَاليَّةِ مِمَّا لوْ فَعَلَهَا المُسْلمُ لكَانَتْ لهُ حَسَنَاتٌ، فَمَنْ كَانَتْ لهُ حَسَنَةٌ جُمِعَتْ وَوُضِعَتْ، غَيْرَ أَنَّ الكُفْرَ إِذَا قَابَلَهَا رَجَحَ بِهَا.
قَالَ الحَافِظُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجَازَى بِهَا عَمَّا يَقَعُ مِنْهُ مِن ظُلْمِ العِبَادِ - مثلاً - فَإِنْ اسْتَوَتْ عُذِّبَ بِكُفْرِهِ - مثلاً - فَقَطْ وَإِلا زِيدَ عَذَابُهُ بِكُفْرِهِ أَوْ خُفِّفَ عَنْهُ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي طَالبٍ اهـ.

فاطمة
12-22-2008, 03:22 PM
وتُنْشَرُ الدَّوَاوِيْنُ، وهِيَ صَحائِفُ الأعْمَالِ، فآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَميِنهِ، وآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمالِهِ أَوْ مِنْ وَراءِ ظهْرِهِ؛ كَما قالَ سُبحانَهُ وتَعالى: ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ).(163) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=11383#_ftn1)
( ويُحاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ، ويَخْلُو بعَبْدِهِ المُؤمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذلكَ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ.
وأَمَّا الكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وسَيِّئاتُهُ؛ فإِنَّهُ لا حَسَنات لهُمْ،(164) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=11383#_ftn2)
ولكِنْ تُعَدُّ أَعمالُهُمْ، فَتُحْصى، فَيُوقَفُونَ عَليها، ويُقَرَّرونَ بِها، [ ويُخْزَوْنَ بها ]).

(163) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=11383#_ftnref1) قولُه: (وتُنشَرُ الدَّواوينُ) جمعُ دِيوانٍ: وهُوَ الدَّفْتَرُ الذي تُكتَبُ فيه أعمالُ العِبادِ، والصَّحائفُ جمعُ صحيفةٍ: وَهِيَ الورقةُ يُكْتَبُ فيها مِن الرَّقِّ والقِرطاسِ، والمرادُ بها هنا: الكُتُبُ التي كتَبَتْهَا الملائكةُ وَأحْصَوْا ما فَعلَه كُلُّ إنسانٍ مِن سائرِ أعمالِه القولِيَّةِ والفعِليَّةِ، قال تعالى: (وَإِذَا الصَّحُفُ نُشِرَتْ) قال الثَّعلِبيُّ أي: التي فيها أعمالُ العِبادِ نُشِرَتْ للحسابِ، فيجبُ الإيمانُ بِنَشْرِ الصُّحفِ وأَخْذِها بالأيمانِ أو بالشَّمائِلِ، لثُبوتِ ذَلِكَ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، قال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا).
وعن أبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه- مَرفوعًا قال: ((يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَ عَرْضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالُ مَعَاذِيرٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الأَيْدِي فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ بِشِمَالِهِ))، رواه الترمذيُّ. وقال الترمذيُّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحسَنَ لم يَسمعْ مِن أبي هريرةَ، وهُوَ عندَ أحمدَ وابنِ ماجهْ مِن هَذَا الوجْهِ مرفوعا، وأَخرجَه البيهقيُّ في البعثِ بسَنَدٍ حسَنٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ مرفوعا.
وروى أحمدُ والترمذيُّ وأبو بكرِ بنُ أبي الدُّنْيَا، عن أبي موسى الأشعريِّ قال، قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((يُعْرَضُ النَّاسُ يومَ القيامةِ ثَلاَثَ عَرْضَاتٍ: فَعَرْضَتَانِ جِدَالٌ وَمَعَاذِيرٌ، وَعَرْضَةُ تَطَايُرِ الصُّحُفِ، فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَحُوسِبَ حِسَاباً يَسِيراً دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ دَخَلَ النَّارَ)).
قولُه: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ) الآيةَ، قال مجاهدٌ: تُجعلُ شِمالُه وراءَ ظَهْرِه فيأخذُ بها كتابَه، وقال سعيدُ بنُ المسيِّبِ: الذي يأخُذُه بشِمالِه تُلوى يدُه خَلْفَ ظَهرِه ثم يُعطَى كتابَه.
وقولُه -سُبْحَانَهُ- وتعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ) انْتَصَبَ كُلَّ بفِعلٍ مضمَرٍ، وقولُه: (طَائِرَهُ) هُوَ ما طار عنه مِن عَملِه مِن خيرٍ وشرٍّ. قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وغيرُهما: والمعنى أنَّ عَملَه لازمٌ له، والمقصودُ أنَّ عَملَ الإنسانِ محفوظٌ عليه قليلُه وكثيرُه، ويُكتبُ عليه ليلاً ونهارًا، كما قال -سُبْحَانَهُ-: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) وقال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) وقولُه: (في عُنُقِهِ) خَصَّ العُنُقَ بالذِّكْرِ؛ لأنَّ اللُّزومَ فيه أَشَدُّ، ومَن أُلزِمَ شيئاً فيه فلا مَحيدَ له عنه، والمعنى أنَّ عمَلَه لازمٌ له لُزومَ القِلادةِ، أو لَعلَّهُ في العُنُقِ لا يَنفكُّ عنه.
قولُه: (ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) أي: صحيفةَ أعمالِه بالحسَناتِ والسَّيِّئاتِ، يُعطاهُ بيَمينِه إنْ كان سعيدًا وبشِمالِه إنْ كان شَقِياًّ.
قولُه: (يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) أي: يَلْقى الإنسانُ ذَلِكَ الكتابَ، أي يَراهُ مَنشوراً، أي مَفتوحاً يَقرؤُه هُوَ وغيرُه، فيه جميعُ عَملِه مِن أوَّلِ عُمرِه إلى آخِرِه، كما قال تعالى: (يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ).
قولُه: (اقْرَأْ كِتَابَكَ) تقديرُه: يقالُ له اقرأْ كتابَك، أيْ: كِتابَ أعمالِكَ وما كان منكَ. قولُه: (كَفَى بِنَفْسِكَ) الباءُ زائدةٌ في الفاعِلِ، قولُه: (اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) أي محاسِباً، لأنَّكَ ذَكَرْتَ جميعَ ما كان منكَ وعَرفْتَه، ولا يَنْسى أحدٌ ما كان منه، وكُلُّ أحدٍ يقرأُ كتابَه مِن كاتبٍ وأُمِّيٍّ.
الحسابُ مصدرُ حاسَبَ وحَسَبَ الشَّيءَ يَحْسِبُه إذا عَدَّهُ فهُوَ لغةً: العددُ، واصطلاحا: هُوَ توقيفُ اللَّهِ العِبادَ قبل الانصرافِ مِن المحْشَرِ على أعمالِهم خيرًا كانت أو شراًّ إلاَّ مَن استثنى منهم، وهُوَ ثابتٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ أهلِ الحقِّ، فيجبُ الإيمانُ بِهِ واعتقادُ ثُبوتِه، قال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) الآيةَ، وقال تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يوَيْلَتَنَا مَا لِهَـذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) وقولُه: (مَا لِهَـذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا) أي عدَّها وكتَبَها وأَثْبَتَها فيه، إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الآياتِ الدَّالَّةِ على إثباتِ الحسابِ، وفي "الصَّحيحَيْنِ" من حديثِ عائشةَ -رضي اللَّهُ عنها- قالتْ: قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ))، قالت: فقلتُ: أليس يقولُ اللَّهُ: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) الآيةَ، فقال: ((إنَّمَا ذَلِكَ العَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ هَلَكَ))، والمعنى: أنَّه لو نَاقَشَ في حسابِه لعَبيدِه لعَذَّبَهم ولكنَّه يَعفو ويَصفَحُ.

(164) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=11383#_ftnref2) قولُه: (ويحاسِبُ اللَّهُ الخلائقَ) … إلخ، ظاهرُه العمومُ ولكنْ دلَّت الأدِلَّةُ أنَّه يُستثنَى مِن ذَلِكَ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ بغيرِ حسابٍ، كما في "الصَّحيحَيْنِ" من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ في السَّبعِينَ ألْفًا الذين يَدخلون الجَنَّةَ مِن غيرِ حسابٍ ولا عذابٍ.
قولُه: (ويَخلُو بعبدِه المؤمِنِ فيُقرِّرُه بذُنوبِه) أي: ينفرِدُ -سُبْحَانَهُ- بَعبدِه ويُقرِّرُه بذُنوبِه، فيقول: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كذا؟ أتَعْرِفُ ذنبَ كذا؟، يقالُ: قرَّرَه بكذا أي جَعَلَه يَعترفُ بِهِ كما في الصَّحيحِ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، وفيه ((يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلْيَكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لِكَ الْيَوْمَ)) ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حِسَابِهِ، وَأَمَّا الآخَرُونَ وهُم الكفارُ والمنافِقون فيُنادَى بِهم على رُءوسِ الخلائقِ: (هَـؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ). قال المهلَّبُ في الحديثِ: تَفضُّلُ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ- على عِبادِه وسَتْرُه لذُنُوبِهم يومَ القيامةِ، وأنَّه يَغفِرُ ذُنوبَ مَن شاءَ منهم، بخلافِ قولِ مَن أنفذَ الوَعيدَ على أهلِ الإيمانِ. ا. هـ.
قولُه: (وأمَّا الكفارُ …) إلخ أي: لأنَّه إنَّما يُحاسَبُ مَن له حسناتٌ وسيِّئاتٌ، والكافرُ ليس له في الآخرةِ حسناتٌ تُوزنُ، فإنَّ أعمالَهم حابطةٌ باطلةٌ؛ لأنَّها فاقدةٌ لشروطِ العبادةِ التي هي الإخلاصُ والمتابعةُ، فكُلُّ عَملٍ لا يكونُ خالِصاً وعلى الشَّريعةِ المرضِيَّةِ فهُوَ باطلٌ، وأعمالُ الكفارِ لا تخلو مِن ذَلِكَ فلا يَحصُلُ لهم مِن أعمالهم التي عَمِلُوها فائدةٌ، كما قال –سُبْحَانَهُ- وتعالى: (فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) ففيها دليلٌ على أنَّ الكافرَ لا تُوزنُ أعمالُه؛ إذْ لا ثوابَ له في الآخرةِ، ولا يجازَى فيها بشيءٍ مِن عملِه في الدُّنْيَا، قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) وإنْ عَمِلَ كافرٌ مِن نحوِ عِتقٍ أو صدقةٍ أو عملٍ حَسنٍ وُفِّي له في حياتِه الدُّنْيَا، فليس له في الآخرةِ جزاءُ عملٍ، لكنْ يُرْجىَ أنْ يَخفَّفَ عنه مِن عذابِ مَعاصِيه لحديثِ ثُويْبَةَ حين أعْتَقَها أبو طالبٍ. وفي "صحيحِ مسلمٍ" عن أنسِ بنِ مالكٍ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قال رسول اللَّهِ –صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((إنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مؤمنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا في الدُّنْيَا ويُجْزَى بِهَا في الآَخِرَةِ، وأَمَّا الكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ في الدُّنْيَا، حتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآَخِرَةِ لم تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا )).قال النوويُّ في شرحِ صحيحِ مسلمٍ: أَجْمعَ العلماءُ على أنَّ الكافرَ الذي ماتَ على كُفرِه لا ثوابَ له في الآخرةِ، ولا يُجازَى فيها بشيءٍ مِن عملِه في الدُّنْيَا متقرِّبًا بِهِ إلى اللَّهِ، وصرَّحَ في هَذَا الحديثِ بأنَّه يُطْعَمُ في الدُّنْيَا بما عَمِلَه مِن الحسناتِ، أي بما فَعلَه متقرِّبا بِهِ إلى اللَّهِ ممَّا لا تفتقِرُ صحَّتُه إلى النيَّةِ، كصِلةِ الرَّحمِ والصَّدقةِ والعِتقِ والضيافةِ وتسهيلِ الخيراتِ ونحوِها، وأمَّا المؤمنُ فيُدَّخَرُ له أيضًا حسناتُه وثوابُ أعمالِه إلى الآخَرَةِ ويُجزى بها مع ذَلِكَ في الدُّنْيَا، ولا مانِع من جزائِه بها في الدُّنْيَا والآخرةِ، وقد وردَ الشَّرعُ بِهِ فيَجِبُ اعتقادُه.