المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المحافظة على الجماعة وبذل النصيحة


عبد العزيز الداخل
11-11-2008, 02:20 PM
وَيُحَافِظُونَ عَلَى الْجَمَاعَاتِ ، وَيَدِينُونَ بِالنَّصِيحَةِ لِلأُمَّةِ ، وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: ((الْمُؤْمنُ لِلْمُؤْمنِ كَالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا)) وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ المؤمِنِينَ فِي تَوادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِم وتَعَاطُفِهِم كَمَثَلِ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تََدَاعَى لَهُ سَائرُ الجَسَدِ بِالحُمّى والسَّهَرِ)) ،

فاطمة
12-28-2008, 06:29 PM
ليس للشيخ تعليق على هذه الجزئية

فاطمة
12-28-2008, 06:38 PM
وهذا كلام جامع واضح نادر جمعه في موضع واحد، لا يحتاج إلى شرح ولا إلى مزيد من الإيضاح

فاطمة
12-28-2008, 06:40 PM
قولُهُ: (( ثمَّ هُمْ معَ هذهِِ الأُصولِ … )) إلخ. جَمَعَ المُؤَلِّفُ في هذا الفصلِ جمَاعَ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، التَّي يَتَخَلَّقُ بهَا أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ؛ من الأمْرِ بالمَعْرُوفِ، وهوَ مَا عُرِفَ حُسْنُهُ بالشَّرْعِ والَعَقْلِ، والنَّهيِ عنِ المُنْكَرِ، وهوَ كلُّ قبيحٍ عَقْلاً وشَرْعًا، على حَسَبِ ما تُوجبُهُ الشَّرِيعَةُ مِنْ تلكَ الفريضَةِ؛ كمَا يُفْهَمُ مِنْ قولِهِ عليهِ السَّلامُ: (( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا؛ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَبِلِسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ )).
ومِنْ شُهُودِ الجُمَعِ والجَمَاعَاتِ والحَجِّ والجِهَادِ معَ الأُمَراءِ أيًّا كانُوا؛ لقولِهِ عليهِ السَّلام: (( صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ )).
ومِنَ النُّصْحِ لكلِّ مُسْلِمٍ؛ لقولِهِِ عليهِ السَّلامُ: (( الدِّينُ النَّصِيحَةُ )).
ومِنْ فَهْمٍ صَحِيحٍ لِمَا تُوجِبُهُ الأُخُوَّةُ الإِيمَانِيَّةُ مِنْ تَعَاطُفٍ وتَوَادٍّ وتَنَاصُرٍ؛ كمَا في هذهِِ الأحاديثِ التَّي يُشَبِّهُ فيهَا الرَّسُولُ المؤمنينَ بِالبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ المُتَمَاسِكِ اللَّبِنَاتِ، أوْ بِالْجَسَدِ الْمُتَرَابِطِ الأعْضَاءِ مِنْ دعوةٍ إلى الخيرِ، وإلى مكارمِ الأخلاقِ، فَهُمْ يَدْعُونَ إلى الصَّبْرِ على المَصَائِبِ، والشَّكْرِ على النَّعْمَاءِ، والرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ وقَدَرِهِ … إلى غيرِ ذلكَ مِمَّا ذَكَرَهُ.
(الشرح مكرر مع الجزئية السابقة)

فاطمة
12-28-2008, 06:42 PM
وقولُه: (ويُحافِظونَ على الجَماعاتِ) أيْ: ومِن صفاتِ أهلِ السُّنَّةِ أنَّهم يُحافِظونَ على حُضورِ صلاةِ الفريضةِ مع الجماعةِ جُمعةً أو غيرَها؛ لأنَّ ذَلِكَ مِن أعظمِ شعائِرِ الإسلامِ وطاعةً لِلَّهِ ورسولِه في ذَلِكَ، خِلافاً للشِّيعةِ الذين لا يَرَوْن الصَّلاةَ إلاَّ مع الإمامِ المعصومِ. وخِلافا للمُنافِقِين الذين يتخلَّفونَ عن صلاةِ الجماعةِ. وقد وَرَدتْ أحاديثُ في فضْلِ صلاةِ الجماعةِ، والأمرِ بها، والنَّهْيِ عن تَرْكِها ليس هَذَا موضعَ ذِكْرِها.
قولُه: (ويَدِينونَ بالنَّصيحةِ للأمَّةِ) أي يَرَوْنها مِن الدِّينِ. وأصلُ النُّصحِ في اللُّغةِ: الخُلوصُ، وشَرْعاً: هِيَ إرادةُ الخيرِ للمَنصوحِ له، وإرشادُه إلى مَصالِحِه، فأهلُ السُّنَّةِ يُريدُونَ الخيرَ للأمَّةِ ويُرشِدُونها إلى ما فيه صَلاحُها. ومِن صفاتِ أهلِ السُّنَّةِ التَّعاوُنُ على الخيِر، والتَّألُّمُ لأَلَمِ المُصابِينَ منهم، فهُم (يَعتقِدونَ معنى قولِه صلى اللهُ عليه وسلم (( الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ )) رواه البخاريُّ ومسلمٌ، وقولُه صلى اللهُ عليه وسلم: (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ )) رواه البُخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما.
فالحديثانِ يُمثِّلانِ ما ينبغي أنْ يكونَ عليه المسلِمونَ مِن تعاوُنٍ وتراحُمٍ. وأهلُ السُّنَّةِ يَعملونَ بمُقتضاهُما، وقولُه: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ) وقولُه: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ) المرادُ بالإيمانِ هنا الإيمانُ الكاملُ (كَالْبُنْيَانِ) هَذَا التَّمْثيلُ يُقصَدُ منه التَّقريبُ للفَهْمِ (يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً) بيانٌ لوَجهِ الشَّبَهِ (وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) تمثيلٌ آخرُ يُقصَدُ منه التَّقريبُ للفَهْم. قولُه: (كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ) أيْ: بالنِّسبةِ إلى جميعِ أعضائِهِ مِن حَيْثُ الشُّعورُ بالرَّاحةِ أو التَّعَبِ (تَوَادِّهِمْ) أيْ: محبَّةِ بعضِهم لبعضٍ (تَعَاطُفِهِمْ) أيْ: عَطْفِ بعضِهم على بعضٍ (إِذَا اشْتَكَى) تَأَلَّمَ (تَدَاعَى) شارَكَ بعضُه البعضَ الآخَرَ في الأَلَمِ (سَائِرُ الجَسَدِ) باقِيه (بِالْحُمَّى) ما ينشأُ عن الألمِ مِن حرارةِ الجِسمِ (السَّهَرِ) عدمُ النَّومِ.
وهَذَا الحديثُ خبرٌ معناه الأمرُ أيْ: كما أَنَّهُ إذا تأَلَّمَ بعضُ جَسَدِه سَرَى ذَلِكَ الألَمُ إلى جميعِ جَسَدِه، فكذا المؤمِنونَ ليكونوا كنَفْسٍ واحدةٍ إذا أصابَ أحدَهم مصيبةٌ يغْتَمُّ جميعُهم ويَعملون على إزالَتِها، وفي هَذَا التَّشبِيهِ تقريبٌ للفَهْمِ وإظهارُ المعاني في الصُّوَرِ المَرئيَّةِ.

فاطمة
12-28-2008, 06:43 PM
يدرج لاحقا

فاطمة
12-28-2008, 06:44 PM
يدرج لاحقا

فاطمة
12-28-2008, 06:46 PM
ويُحافِظونَ عَلى الجُمَعِ الجَماعاتِ.( 233) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=12321#_ftn1)
ويَدِينُونَ بالنَّصِيحَةِ للأمَّةِ.( 234) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=12321#_ftn2)
ويَعْتَقِدونَ معنى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( المُؤْمِنُ لِلْمُؤِمِنِ كَالبُنْيانِ المَرْصوصِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً ))، وشَبكَ بينَ أَصابِعِهِ.( 235) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=12321#_ftn3)
وقوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وَتَراحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ: إِذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالحُمَّى وَالسَّهَرِ )).(236) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=12321#_ftn4)

(233) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=12321#_ftnref1) قولُه: (وَيحافِظُون على الجُمَعِ والجَماعَاتِ) لأنَّها مِن أَوْكَدِ العِباداتِ، ومِن أجلِّ الطَّاعاتِ، ومِن أَعظمِ شَعائرِ الإسلامِ الظَّاهرةِ، وقد تكاثَرَت الأدِلَّةُ في الحثِّ على حُضورِ الجُمعُ والجماعاتِ والتَّرغيبِ في ذَلِكَ؛ وتحريمِ التَّخلُّفِ عنهما إلاَّ لِعذُرٍ، هَذَا ما عليه أهلُ السُّنَّةِ خِلافًا للمبتدِعَةِ مِن الرَّافِضةِ وغيرِهم، الذين لا يَرَوْن الجهادَ ولا حضورَ الجماعةِ إلاَّ مع الإمامِ المعصومِ، وإمامُهم هَذَا الذي يَزْعُمون هُوَ معدومٌ، وهم يَنْتَظِرونه مِن مدَّةٍ طويلةٍ، ولم يَقِفُوا على عَينٍ ولا أَثرٍ، إنْ هي إلا مجرَّدُ أوهامٍ وأمانيَّ وظُنونٍ كاذبةٍ، وإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي عن الحقِّ شيئًا (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: ومَن ظَنَّ أنَّ صلاتَه وَحْدَه أفضلُ مِن أجْلِ خَلوتِه، أو غيرِ ذَلِكَ فهُوَ مُخطِئٌ ضالٌّ، وأضلُّ مِنه مَن لم يَرَ الجماعةَ إلاَّ خَلفَ معصومٍ، فعطَّلَ المساجِدَ وعَمَّرَ المشَّاهِدَ. انتهى. وصلاةُ الجماعةِ فَرْضُ عَيْنٍ، وهَذَا هُوَ المشهورُ عن أحمدَ وغيرِه مِن أئمَّةِ السَّلَفِ وعلماءِ الحديثِ، وقال بعضُ العلماءِ: إنَّ صلاةَ الجماعةِ شرطٌ لحديثِ ((لا صَلاَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ)) واختارَهُ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ وابنُ عقيلٍ وغيرُهم، وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: ومَن قال لا تَجوزُ خَلْفَ مَن لا تُعرفُ عقيدَتُه، وما هُوَ عليه فَهُوَ قولٌ لم يَقُلْه أحدٌ مِن المسلِمِينَ، فإنَّ أهلَ الحديثِ والسُّنَّةِ كالشَّافِعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وغيرِهم متَّفِقون على أنَّ صلاةَ الجمعةِ تُصلَّى خَلفَ البَرِّ والفاجِرِ، حتى إنَّ أَكْثَرَ أهلِ البِدَعِ كالجهميَّةِ الذين يَقولون بخَلْقِ القُرآنِ، وأَنَّ اللَّهَ لا يُرى في الآخرةِ، ومع أنَّ أحمدَ ابْتُلِي بهم وهُوَ أشهرُ الأئمَّةِ بالإمامةِ في السُّنَّةِ، ومع هَذَا لم تَخْتَلِفْ نُصوصُه أنَّه تُصلَّى الجمعةُ خَلفَ الجهميِّ والقدَريِّ والرَّافِضيِّ، وليس لأحدٍ أنْ يَدَعَ الجمعةَ لبِدعةٍ في الإمامِ، لكن تَنازَعوا هل تُعادُ؟ على قولَيْنِ: هما روايتانِ عن الإمامِ أحمَد، قيل: تُعادُ خَلفَ الفاسِقِ، ومذهبُ الشَّافِعيِّ وأبي حنيفةَ لا تُعادُ. ا.هـ.
وهَذَا هُوَ الصَّحيحُ فإنَّ الصَّحابةَ كانوا يُصَلُّونَ الجمعةَ والجماعةَ خَلْفَ الأئمَّةِ والفُجَّارِ ولا يُعيدونَ، كما كان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ يُصلِّي خَلْفَ الحجَّاجِ بنِ يوسفَ، وَكَذَلِكَ أنسٌ وَكَذَلِكَ عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ -رضي اللَّهُ عنهم-، وغيرُهم يُصلُّونَ خلفَ الوليدِ بنِ عقبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ، وكان يَشربُ الخمرَ.
وأخرجَ الدَّارقُطنيُّ مِن حديثِ أبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه- مرفوعًا: ((صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ))، وقال: لم يَلْقَ مَكحولٌ أبا هريرةَ، وفي إسنادِه معاويةُ بنُ صالِحٍ مُتكلَّمٌ فيه، وقد احتجَّ بِهِ مُسلمٌ في "صحيحِه"، وخرَّجَ الدَّارقُطنيُّ أيضًا وأبو داودَ عن مكحولٍ عن أبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((الصَّلاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَراًّ كَانَ أَوْ فَاجِراً، وَإِنْ عَمِلَ بِالْكَبَائِرِ، وَالْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَراًّ كَانَ أَوْ فَاجِراً وَإِنْ عَمِلَ بِالْكَبَائِرِ)) انتهى.

(234) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=12321#_ftnref2) قولُه: (ويَدِينونَ بالنَّصيحَةِ للأمَّةِ) أي: يَتعبَّدُونَ، يقالُ: دانَ بالإسلامِ دِينا بالكسْرِ تعبَّدَ بِهِ، وتَدَّينَ بِهِ كذَلِكَ، أي أنَّ أهلَ السُّنَّةِ يَدِينونَ أي يتعبَّدُونَ بالنَّصيحةِ لجميعِ الأُمَّةِ، كما تكاثَرَت الأخبارُ في الحثِّ عليها والتَّرغيبِ فيها، ولأنَّ عليها مَدارَ الدِّينِ كما في "الصَّحيحَيْنِ" مِن حديثِ تميمٍ الدَّاريِّ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ))، قالها ثلاثًا، قُلنا: لمَنْ يا رسولَ اللَّهِ؟قال: (لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلأَئِمَّةِ المسلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)) فقد حَصرَ الدِّينَ فيها.
قال الخطَّابيُّ: النَّصيحةُ كلمةٌ جامعةٌ، معناها حِيازةُ الحظِّ للمَنْصوحِ له، وقال ابنُ بَطَّالٍ: والنَّصيحةُ تُسمَّى دِيناً وإسلامًا، والدِّينُ يَقعُ على العَملِ، كما يَقَعُ على القولِ، وقال: وَهِيَ فَرْضُ كفايةٍ يُجزئُ فيه مَن قام بِهِ ويَسْقُطُ عن البَاقِينَ، وقال: والنَّصيحةُ لازِمةٌ على قَدْرِ الطَّاقةِ إذا عَلِمَ النَّاصِحُ أنَّه يَقْبَلُ منه، وأَمِنَ على نَفسِه المكروهَ، فإنْ خَشِيَ على نَفْسِه أذًى فهُوَ في سَعةٍ. انتهى.
وأَخرجَ الطَّبرانيُّ مِن حديثِ حذيفةَ بنِ اليمانِ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّه قال: ((مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ المسلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُمْسِ وَيُصْبِحْ نَاصِحًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلإِمَامِهِ وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ)) قال الخطَّابيُّ: فمعنى النَّصيحةِ لِلَّهِ: صحَّةُ الاعتقادِ في وحدانِيَّتِه، وإخلاصُ النِيَّةِ في عبادتِه، والنَّصيحةُ لكتابِه الإيمانُ بِهِ والعملُ بما فيه، والنَّصيحةُ لِرَسولِه التَّصديقُ بنبوَّتِه وبذلُ الطَّاعةِ فيما أَمَرَ بِهِ ونَهى، والنَّصيحةُ لعامَّةِ المسلِمِينَ إرِشادُهم إلى مصالِحِهم.
وفي صحيحِ مسلمٍ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- مِن حديثِ أبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((حَقُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتٌّ)) فذَكَر منها: ((وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ)) وفي المسنَدِ عن حكيمِ بنِ أبي يَزيدَ عن أبيه عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: ((إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدَكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ)).

(235) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=12321#_ftnref3) قولُه: (ويَعتقِدُونَ معنى قولِه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-) إلخ: هَذَا الحديثُ رواهُ البُخاريُّ ومسلمٌ مِن حديثِ أبي موسى الأشعريِّ.
قولُه: (الْمُؤمِنُ لِلْمُؤْمِنِ) الحديثَ أي: المؤمنُ الإيمانَ الكامِلَ، في هَذَا الحديثِ الحثُّ على التَّناصُرِ والتَّناصُحِ والتَّعاوُنِ، وقد تكاثَرَت الأحاديثُ بمعنى هَذَا الحديثِ، وقال القاضي -رَحِمَهُ اللَّهُ-: هُوَ تمثيلٌ وتقريبٌ للفَهْمِ، يُريدُ الحثَّ على التَّعاوُنِ والتَّناصُرِ، فيَجِبُ امتثالُ ما حثَّ عليه، وقال ابنُ بطَّالٍ: والمعاوَنةُ في أمورِ الآخرةِ، وكذا في الأمورِ المباحَةِ مِن الدُّنْيَا مَندوبٌ إليها، وقد ثَبتَ في حديثِ أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: ((واللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)).
قولُه: (وَشَبَّكَ بين أصابِعِه) يُستفادُ منه أَنَّ الذي يُريدُ المبالغةَ في بيانِ أقوالِه يُمثِّلُها في حركاتِه، وليكونَ أَوْقَع في النَّفْسِ. ذَكَره في الفَتحِ.

(236) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=12321#_ftnref4) قولُه: (مَثلُ المؤمنينَ) هَذَا الحديثُ أَخرجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما مِن حديثِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ، وفي روايةٍ لمسلمٍ: ((الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِذَا اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِذَا اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ))، والمرادُ بـ (المؤمنين) الإيمانَ الكامِلَ.
قولُه: (كمَثلِ الجسَدِ الواحِدِ) أي: بالنِّسبةِ إلى جميعِ أعضائِه، ووَجْهُ التَّشبِيهِ فيه: التَّوافُقُ في التَّعبِ والرَّاحةِ.
قولُه: (في تَوادِّهِم) بتشديدِ الدَّالِ، مَصْدرُ تَوادَدَ أي تَحابَبَ وتَراحَمَ، أي تَلاطُفِهم.
قولُه: (تعاطُفِهم) عَطفُ بعضِهم على بعضٍ.
قولُه: (إذا اشْتَكى) أي: تَأَلَّمَ عُضوٌ مِن أعضاءِ جسَدِه (تداعى) أي دَعَى بعضُه بعضاً إلى المشارَكَةِ في الأَلَمِ.
قولُه: (سائِرُ) أي: باقي (والحمَّى) هي المرَضُ المعروفُ (والسَّهَرِ) عَدمُ النَّومِ في اللَّيلِ، قاله في القاموسِ، فهَذَانِ الحديثانِ دَلاَّ على أنَّ مِن صفاتِ المؤمنينَ التَّعاطُفُ فيما بينهم والتَّراحُمُ، ومحبَّةُ بعضِهم لبعضٍ الخيَر، وفي حديثِ أبي هريرةَ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: ((الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَنْهُ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ)).
رواه أبو داودَ، وخَرَّجَه الترمذيُّ بلفظِ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرَآةُ أَخِيهِ، فَمَنْ رَأَى بِهِ أَذًى فَلْيُمِطْهُ عَنْهَ)) وفيهما دليلٌ على أَنَّ المؤمِنَ يَسُرُّه ما يَسُرُّ أخاه المؤمنَ، ويَسُوؤهُ ما يَسوؤُه، ويُحِبُّ له ما يُحِبُّ لنَفْسِه مِن الخيرِ، وهَذَا كُلُّه ممَّا يدلُّ على سلامةِ القلبِ مِن الغِشِّ والحَسَدِ والحِقْدِ، وفيها أنَّ مِن صفاتِ المؤمنينَ الاجتماعُ والاتِّفاقُ والتَّعاضُدُ ومُساندَةُ بعضِهم لبعضٍ في غيرِ إثمٍ ولا مكروهٍ، قال النَّوويُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: هَذِهِ الأحاديثُ صريحةٌ في تعظيمِ حقوقِ المسلِمِينَ بعضِهم على بعضٍ، وحثِّهِم على التَّراحُمِ والملاطَفةِ والتَّعاضُدِ في غيرِ إثمٍ ولا مكروهٍ، وفيه جوازُ التَّشبِيهِ وضَرْبُ الأمثالِ لتقريبِ المعاني إلى الأفهامِ.