مشاهدة النسخة كاملة : حكْمُ الصَّحِيحَيْنِ والتعليقِ
عبد العزيز الداخل
11-14-2008, 03:36 PM
حكْمُ الصَّحِيحَيْنِ والتعليقِ
(40) واقْطَعْ بصِحَّةٍ لِمَا قد أُسْنِدَا = كذا له وقيلَ ظَنًّا وَلَدَى
مُحَقِّقِيهِمْ قد عَزاهُ النَّوَوِي = وفي الصحيحِ بعضُ شيءٍ قد رُوِي
مضَعَّفًا ولهما بلا سَنَدْ = أشْيَا فإنْ يَجْزِمْ فصَحِّحْ أو وَرَدْ
مُمَرَّضاً فلا ولكنْ يُشْعِرُ = بصحَّةِ الأَصْلِ له كيُذْكَرُ
وإنْ يَكُنْ أوَّلُ الاسنادِ حُذِفْ = معْ صِيغةِ الْجَزْمِ فتَعليقًا عُرِفْ
(45) ولو إلى آخِرِه أمَّا الذي = لشيخِهِ عَزَا بِقَالَ فكَذِي
عَنْعَنَةٍ كخَبَرِ الْمَعَازِفِ = لا تُصْغِ لابْنِ حزْمٍ الْمُخَالِفِ
مسلمة 12
12-03-2008, 12:34 PM
حكْمُ الصحيحينِ والتعليقِ
(40) واقْطَعْ بصِحَّةٍ لِمَا قد أَسْنَدَا كذا له وقيلَ ظَنًّا وَلَدَى
(41)مُحَقِّقِيهِمْ قد عَزاهُ النَّوَوِي وفي الصحيحِ بعضُ شيءٍ قد رُوِي
(42)مضَعَّفًا ولهما بلا سَنَدْ أشْيَا فإنْ يَجْزِمْ فصَحِّحْ أو وَرَدْ
(43)مُمَرَّضاً فلا ولكنْ يُشْعِرُ بصحَّةِ الأَصْلِ له كيُذْكَرُ
أيْ: ما أَسْنَدَه البخاريُّ ومسلِمٌ ، يُريدُ: رَوَيَاهُ بإسنادِهما الْمُتَّصِلِ. فهو مَقطوعٌ بصِحَّتِه، كذا قالَ ابنُ الصَّلاحِ قالَ: والعلْمُ اليَقِينِيُّ النظَرِيُّ واقِعٌ به خِلافاً لِمَن نَفَى ذلك مُحْتَجًّا بأنه لا يُفيدُ في أصْلِه إلاَّ الظَّنَّ، وإنما تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بالقَبولِ؛ لأنه يَجِبُ عليهم العمَلُ بالظَّنِّ: والظنُّ قد يُخْطِئُ، قالَ: وقد كنتُ أَمِيلُ إلى هذا وأَحْسَبُه قَوِيًّا، ثم بَانَ لي أنَّ الْمَذْهَبَ الذي اخْتَرْناهُ أوَّلاً هو الصحيحُ؛ لأنَّ ظَنَّ مَن هو معصومٌ مِن الخطَأِ لا يُخْطِئُ إلى آخِرِ كلامِه، وقد سَبَقَ إلى نَحْوِ ذلك محمَّدُ بنُ طاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ، وأبو نَصْرٍ عبدُ الرَّحيمِ بنُ عبدِ الخالِقِ بنِ يُوسُفَ.
قالَ النوويُّ: وخالَفَ ابنَ الصلاحِ الْمُحَقِّقُونَ والأكثرونَ فقالوا: يُفيدُ الظنَّ ما لم يَتواتَرْ.
وقولُه: (ظَنًّا) منصوبٌ بفِعْلٍ محذوفٍ أيْ: يُفيدُ ظَنًّا.
وقولُه: (بعضُ شيءٍ) إشارةٌ إلى تقليلِ ما ضُعِّفَ مِن أحاديثِ الصحيحينِ، ولَمَّا ذَكَرَ ابنُ الصلاحِ أنَّ ما أَسْنَدَاهُ مَقطوعٌ بِصِحَّتِه قالَ: سِوَى أَحْرُفٍ يَسيرةٍ تَكَلَّمَ عليها بعضُ أهْلِ النقْدِ كالدارقُطنِيِّ وغيرِه، وهي مَعروفةٌ عندَ أهْلِ هذا الشأنِ. انتهى.
ورُوِّينَا عن محمَّدِ بنِ طاهِرٍ الْمَقْدِسِيِّ ومِن خَطِّهِ نَقَلْتُ. قالَ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ محمَّدَ بنَ أبِي نَصْرٍ الْحُمَيْدِيَّ ببَغدادَ يقولُ: قالَ لنا أبو محمَّدِ بنُ حَزْمٍ: وما وَجَدْنَا للبخارِيِّ ومسلِمٍ في كِتَابَيْهِمَا شيئاً لا يَحْتَمِلُ مَخْرَجاً، إلاَّ حَديثينِ لكلِّ واحدٍ منهما حديثٌ تَمَّ عليه في تخريجِه الوَهْمُ مع إتقانِهما وحِفْظِهما وصِحَّةِ مَعْرِفَتِهما.
فذَكَرَ مِن عندِ البخارِيِّ حديثَ شَريكٍ عن أنَسٍ في الإسراءِ أنه قَبْلَ أنْ يُوحَى إليه وفيه شَقُّ صَدْرِه، قالَ ابنُ حزْمٍ: والآفَةُ مِن شَريكٍ، والحديثُ الثاني عندَ مسلِمٍ حديثُ عِكرمةَ بنِ عَمَّارٍ عن أبي زُمَيْلٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ قالَ: "كانَ المسلمونَ لا يَنظرونَ إلى أبي سُفيانَ ولا يُقَاعِدُونَه فقالَ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: ثلاثٌ أُعْطِيتُهُنَّ. قالَ: نَعَمْ. قالَ: عِندي أحسَنُ العرَبِ وأَجْمَلُه أمُّ حَبيبةَ بنتُ أبي سُفيانَ أُزَوِّجُكَها" قالَ: ((نَعَمْ)) الحديثَ.
قالَ ابنُ حزْمٍ: هذا حديثٌ مَوضوعٌ لا شَكَّ في وَضْعِه، والآفَةُ فيه مِن عِكْرِمَةَ بنِ عَمَّارٍ.
وقد ذَكَرْتُ في (الشرْحِ الكبيرِ) أحاديثَ غيرَ هَذَيْنِ، وقد أَفْرَدْتُ كِتاباً لِمَا ضُعِّفَ مِن أحاديثِ الصحيحينِ مع الجوابِ عنها، فمَن أرادَ الزيادةَ في ذلك فلْيَقِفْ عليه ففيه فوائدُ ومُهِمَّاتٌ.
وقولُه: (ولهما بِلاَ سَنَدْ أَشْيَا) أيْ: وللبخاريِّ ومسلِمٍ في الصحيحِ مَوَاضِعُ لم يَصِلاَهَا بإسنادِهما، بلْ قَطَعَا أوَّلَ أسانِيدِهما مِمَّا يَلِيهِمَا، وذكَرَ ابنُ الصلاحِ أنَّ ذلك وقَعَ في الصحيحينِ، قالَ: وأغلَبُ ما وَقَعَ ذلك في كتابِ البخاريِّ، وهو في كتابِ مُسْلِمٍ قليلٌ جِدًّا.
قلتُ: في كتابِ مُسْلِمٍ مِن ذلك مَوْضِعٌ واحِدٌ في التيَمُّمِ، وهو حديثُ أبي الْجُهَيْمِ بنِ الحارِثِ بنِ الصِّمَّةِ: "أقْبَلَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن نحوِ بئرِ جَمَلٍ" الحديثَ. قالَ فيه مسلِمٌ: وروى الليثُ بنُ سعْدٍ. ولم يُوَصِّلْ مسلِمٌ إسنادِه إلى الليثِ، وقد أسْنَدَه البخاريُّ عن يحيى بنِ بُكَيْرٍ عن الليثِ، ولا أعْلَمُ في مسْلِمٍ بعدَ مُقَدِّمَةِ الكتابِ حديثاً لم يَذْكُرْه إلاَّ تَعليقاً، غيرَ هذا الحديثِ، وفيه مواضِعُ أُخَرُ يَسيرةٌ رَواها بإسنادِه الْمُتَّصِلِ، ثم قالَ: ورَواهُ فُلانٌ.
وهذا ليس مِن بابِ التعليقِ، إنما أرادَ ذِكْرَ مَن تابَعَ راويَه الذي أسْنَدَه مِن طريقِه عليه أو أرادَ بيانَ اختلافٍ في السنَدِ كما يَفعَلُ أهْلُ الحديثِ، ويَدُلُّ على أنه ليس مَقصودُه بهذا إدخالَه في كتابِه أنه يَقَعُ في بعْضِ أسانيدِ ذلك مَن ليس هو في شرْطِ مسلِمٍ كعبدِ الرحمنِ بنِ خالدِ بنِ مسافِرٍ، وقد بَيَّنْتُ بَقِيَّةَ الْمَواضِعَ في الشرْحِ الكبيرِ.
وقولُه: (فإنْ يَجْزِمْ فصَحِّحْ) أيْ إنْ أتى به بصِيغةِ الجَزْمِ كقولِه: قالَ فُلانٌ، أو روى فُلانٌ. أو نحوَ ذلك فاحْكُمْ بصِحَّتِه عمَّن عَلَّقَه عنه؛ لأنه لا يَستجيزُ أنْ يَجْزِمَ بذلك عنه إلاَّ وقد صَحَّ عِنْدَه عنه، ثم الحُكْمُ بصِحَّةِ الحديثِ مُطْلَقاً يتَوَقَّفُ على ثِقَةِ رجالِه واتِّصالِه مِن موضعِ التعليقِ، فإنْ كان فيمَن أَبْرَزَه مَن لا يَحْتَجُّ به فليس فيه إلاَّ الْحُكْمُ بصِحَّتِه عمَّنْ أَسْنَدَ إليه كقولِ البُخارِيِّ: وقالَ بَهْزٌ عن أبيه عن جَدِّه، عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ)).
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: فهذا ليس مِن شَرْطِه قَطْعاً، ولذلك لم يُورِدْه الْحُمَيْدِيُّ في جَمْعِه بينَ الصحيحينِ.
و(إنْ وَرَدَ مُمَرَّضًا) أيْ: أتى بصِيغَةِ التمريضِ كقولِه: ويُذْكَرُ ، ويُرْوَى ، ويُقالُ، ونُقِلَ ، ورُوِيَ، ونحوِها، فلا تَحْكُمَنَّ بصِحَّتِه كقولِه: ويُرْوَى عن ابنِ عبَّاسٍ وجَرْهَدٍ ومحمَّدِ بنِ جَحْشٍ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: ((الْفَخِذُ عَوْرَةٌ)) لأنَّ هذه الألفاظَ استعمالُها في الضعيفِ أكْثَرُ، وإن استُعْمِلَتْ في الصحيحِ، وكذا قولُه: وفي البابِ تُسْتَعْمَلُ في الأمرينِ معاً.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ومع ذلك فإيرادُه له في أثناءِ الصحيحِ مُشْعِرٌ بصِحَّةِ أصْلِه إشعاراً يُؤْنَسُ به ويُرْكَنُ إليه، وحَمَلَ ابنُ الصلاحِ قولَ البُخارِيِّ: ما أَدْخَلْتُ في كتابِي الجامعِ إلاَّ ما صَحَّ. وقولَ الأئمَّةِ في الحكْمِ بصِحَّتِه على أنَّ المرادَ مَقاصِدُ الكتابِ وموضوعُه ومُتونُ الأبوابِ دُونَ التراجِمِ ونحوِها.
(44) وإنْ يَكُنْ أوَّلُ الإسنادِ حُذِفْ معْ صِيغةِ الْجَزْمِ فتَعليقًا عُرِفْ
(45) ولو إلى آخَرِه أمَّا الذي لشيخِهِ عَزَا بِقَالَ فكَذِي
(46) عَنْعَنَةٍ كخَبَرِ الْمَعَازِفِ لا تُصْغِ لابْنِ حزْمٍ الْمُخَالِفِ
هذا بيانٌ لحقيقةِ التعليقِ، والتعبيرُ به موجودٌ في كلامِ الدارقُطنيِّ والْحُمَيْدِيِّ في الجمْعِ بينَ الصحيحينِ وهو أنْ يَسْقُطَ مِن أوَّلِ إسنادِ البخاريِّ أو مسلِمٍ مِن جِهَتِه راوٍ فأكثَرَ ويُعْزَى الحديثَ إلى مَن فَوْقَ المحذوفِ مِن رُواتِه بصيغَةِ الجزْمِ كقولِ البخارِيِّ في الصوْمِ: وقالَ يَحْيَى بنُ كثيرٍ عن عمرَ بنِ الحكَمِ بنِ ثَوبانَ عن أبي هُريرةَ قالَ: "إذا قاءَ فلا يُفْطِرْ". وكقولِ مسلِمٍ في التَّيَمُّمِ: ورَوَى الليْثُ بنُ سَعْدٍ فذَكَرَ حديثَ "أَقْبَلَ مِن نحوِ بِئْرِ جَمَلٍ" الحديثَ. وقد تَقَدَّمَ.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: وكأنَّ التعليقَ مَأخوذٌ مِن تعليقِ الْجِدارِ وتَعليقِ الطلاقِ ونحوِه، لِمَا يَشْتَرِكُ الجميعُ فيه مِن قَطْعِ الاتِّصالِ قالَ: ولم أَجِدْ لفْظَ التعليقِ مُسْتَعْمَلاً فيما سَقَطَ منه بعضُ رجالِ الإسنادِ مِن وَسَطِه أو مِن آخِرِه ولا فيما ليس فيه جَزْمٌ كيُرْوَى ويُذْكَرُ.
قلتُ: استَعْمَلَ غيرُ واحِدٍ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ التعليقَ في غيرِ المجزومِ به ، منهم الحافِظُ أبو الحجَّاجِ الْمِزِّيُّ، كقولِ البخارِيِّ في بابِ مَسِّ الْحَريرِ مِن غيْرِ لُبْسٍ، ويُرْوَى فيه عن الزُّبَيْدِيِّ عن الزُّهْرِيِّ عن أنَسٍ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ. ذَكَرَه في الأطرافِ، وعَلَّمَ عليه عَلامَةَ التعليقِ للبُخارِيِّ.
وقولُه: ولو إلى آخِرِه، أيْ: ولو حَذَفَ الإسنادَ إلى آخِرِه واقْتَصَرَ على ذِكْرِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ في الحديثِ المرفوعِ أو على الصحابِيِّ في الموقوفِ كقولِه في العلْمِ.
وقالَ عُمَرُ: "تَفَقَّهُوا قبْلَ أنْ تُسَوَّدُوا" أيْ فإنَّهُ يُسَمَّى تَعليقاً ، هكذا حكاه ابنُ الصلاحِ عن بعضِهم ولم يَحْكِ غيرَه فقالَ: إنَّ لفْظَ التعليقِ وَجَدْتُه مُسْتَعْمَلاً فيما حُذِفَ مِن مُبْتَدَأِ إسنادِه واحدٌ فأكثَرُ حتى إنَّ بعضَهم استَعْمَلَه في حَذْفِ كلِّ الإسنادِ. انتهى.
ولم يَذْكُرِ الْمِزِّيُّ هذا في الأطرافِ في التعليقِ، بل ولا ما اقْتُصِرَ فيه على ذِكْرِ الصحابِيِّ غالباً وإنْ كانَ مَرفوعاً.
وقولُه: (أمَّا الذي لشيخِهِ عَزَا بِقَالَ فكَذِي) أيْ: أمَّا ما عَزَاهُ البخارِيُّ إلى بعْضِ شيوخِه بصيغةِ الْجَزْمِ كقولِه: قالَ فُلانٌ وزادَ فُلانٌ ونحوِ ذلك ، فليسَ حُكْمُه حُكْمَ التعليقِ عن شيوخِ شيوخِه، ومَن فوقَهم بل حُكْمُه حُكْمُ الإسنادِ الْمُعَنْعَنِ، وحُكْمُه كما سَيَأْتِي في مَوْضِعِه الاتِّصالُ بشرْطِ ثُبوتِ اللقاءِ والسلامةِ مِن التدليسِ ، واللِّقاءُ في شُيوخِه معروفٌ، والبخاريُّ سالِمٌ مِن التدليسِ فله حُكْمُ الاتِّصالِ.
هكذا جَزَمَ به ابنُ الصلاحِ في الرابعِ مِن التفريعاتِ التي تَلِي النوعَ الحادِيَ عشَرَ ثم قالَ: وبَلَغَنِي عن بعضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِن أهْلِ الْمَغْرِبِ أنه جَعَلَه قِسماً مِن التعليقَ ثانياً وأضافَ إليه قولَ البخاريِّ في غيرِ مَوْضِعٍ مِن كتابِه: وقالَ لي فلانٌ، وزادَنا فلانٌ فوَسَمَ كلَّ ذلك بالتعليقِ الْمُتَّصِلِ مِن حيثُ الظاهِرِ، المنفَصِلِ مِن حيثُ الْمَعْنَى، وسيأتِي حُكْمُ قولِه: قالَ لنا فُلانٌ. عندَ ذِكْرِ أقسامِ التَّحَمُّلِ، وما ذكَرَهُ ابنُ الصلاحِ هنا هو الصوابُ.
وقد خالَفَ ذلك في مِثالٍ مَثَّلَ به في السادسةِ مِن الفوائدِ في النوْعِ الأوَّلِ فقالَ: وأمَّا الذي حُذِفَ مِن مُبْتَدَأِ إسنادِه واحدٌ أو أكثَرُ ثم قالَ: مثالُه قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كذا، قالَ ابنُ عَبَّاسٍ كذا ، قالَ مجاهِدٌ كذا ، قالَ عفَّانُ كذا ، قالَ القَعْنَبِيُّ كذا، إلى آخِرِ كلامِه. فقولُه: قالَ عفَّانُ كذا .
قالَ القَعْنَبِيُّ كذا في أمْثِلَةِ ما سَقَطَ مِن أوَّلِ إسنادِه واحدٌ مخالِفٌ لكلامِه الذي قَدَّمْناه عنه؛ لأنَّ عَفَّانَ والقَعْنَبِيَّ كِلاَهُمَا شيخُ البخاريِّ، حَدَّثَ عنه في مَوَاضِعَ مِن صحيحِه مُتَّصِلاً بالتصريحِ فيكونُ قولُه: قالَ عَفَّانُ قالَ القَعْنَبِيُّ مَحْمُولاً على الاتِّصالِ كالحديثِ الْمُعَنْعَنِ، وعلى هذا عمَلُ غيرِ واحدٍ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ كابنِ دقيقِ العيدِ والْمِزِّيِّ فجَعَلاَ حديثَ أبي مالِكٍ الأشعريِّ الآتي ذِكْرُه مِثالاً لهذه المسألةِ تَعليقاً، وفي كلامِ أبي عبدِ اللهِ بنِ مَنْدَهْ أيضاً ما يَقْتَضِي ذلك.
فقالَ في جُزْءٍ له في اختلافِ الأَئمَّةِ في القراءةِ والسَّماعِ والْمُناوَلَةِ والإجازةِ: أخرَجَ البُخارِيُّ في كُتُبِه الصحيحةِ وغيرِها، قالَ لنا فُلانٌ . وهي إجازةٌ، وقالَ فُلانٌ. وهو تدليسٌ.
قالَ: وكذلك مسلِمٌ أخْرَجَه على هذا. انتهى كلامُ ابنِ مَنْدَهْ ولم يُوَافَقْ عليه.
وقولُه: (كخبَرِ الْمَعَازِفِ) هو مِثالٌ لِمَا ذَكَرَه البُخاريُّ عن بعضِ شُيوخِه مِن غيرِ تصريحٍ بالتحديثِ أو الإخبارِ أو ما يقومُ مَقَامَهُ كقولِه: قالَ هشامُ بنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنا صَدَقَةُ بنُ خالِدٍ ، قالَ: حَدَّثَنا عبدُ الرحمنِ بنُ يَزيدَ بنِ جابِرٍ، قالَ: حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بنُ قَيْسٍ، قالَ: حَدَّثَنِي عبدُ الرحمنِ بنُ غَنْمٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبو عامِرٍ أو أبو مالِكٍ الأشْعَرِيُّ أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: ((لَيَكُونَنَّ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ)) الحديثَ.
فإنَّ هذا الحديثَ حُكْمُه الاتِّصالُ؛ لأنَّ هِشامَ بنَ عَمَّارٍ مِن شيوخِ البخاريِّ حَدَّثَ عنه بأحاديثَ ، وخالَفَ ابنُ حَزْمٍ في ذلك فقالَ في (الْمُحَلَّى): هذا حديثٌ منْقَطِعٌ لم يَتَّصِلْ ما بينَ البخارِيِّ وصَدَقَةَ بنِ خالِدٍ. قالَ: ولا يَصِحُّ في هذا البابِ شيءٌ أبداً، قالَ: وكلُّ ما فيه فموضوعٌ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ولا الْتِفَاتَ إليه في رَدِّه ذلك، قالَ: وأَخطأَ في ذلك مِن وُجوهٍ. قالَ: والحديثُ صحيحٌ معروفُ الاتِّصالِ بشَرْطِ الصحيحِ.
قالَ: والبخاريُّ قد يَفعلُ ذلك لكونِ الحديثِ مَعروفاً مِن جِهةِ الثِّقاتِ عن الشخْصِ الذي علَّقَه عنه، أو لكونِه ذَكَرَه في مَوْضِعٍ آخَرَ مِن كِتابِه مُتَّصِلاً، أو لغيرِ ذلك مِن الأسبابِ التي لاَ يَصْحَبُها خَلَلُ الانقطاعِ. انتهى.
والحديثُ مُتَّصِلٌ مِن طُرُقٍ مِن طريقِ هشامٍ وغيرِه, قالَ الإسماعيليُّ في (المستَخْرَجِ): حَدَّثَنا الحسَنُ وهو ابنُ سفيانَ النَّسَوِيُّ الإمامُ قالَ: حَدَّثَنا هشامُ بنُ عَمَّارٍ فذَكَرَه، وقالَ الطَّبَرَانِيُّ في مسنَدِ الشامِيِّينَ: حَدَّثَنا محمدُ بنُ يَزيدَ بنِ عبدِ الصمَدِ. حَدَّثَنا هشامُ بنُ عَمَّارٍ.
مسلمة 12
12-21-2008, 10:07 AM
حكْمُ الصحيحينِ والتعليقِ
واقْطَعْ بصِحَّةٍ لِمَا قد أَسْنَدَا كذا له وقيلَ ظَنًّا وَلَدَى
مُحَقِّقِيهِمْ قد عَزاهُ النَّوَوِيْ وفي الصحيحِ بعضُ شيءٍ قد رُوِي
مُضَعَّفٌ ولهما بلا سَنَدْ أشْيَا فإنْ يَجْزِمْ فصَحِّحْ أو وَرَدْ
مُمَرَّضاً فلا ولكنْ يُشْعِرُ بصحَّةِ الأَصْلِ له كيُذْكَرُ
(حكْمُ الصحيحينِ) فيما أُسْنِدَ فيهما وغيرِه (و) حكْمُ (التعليقِ) الواقِعِ فيهما مع تَعريفِه:
(واقْطَعْ بصِحَّةٍ لِمَا قد أَسْنَدَا) أيِ: البخاريُّ ومسلِمٌ مُجْتَمِعَيْنِ ومُنْفَرِدَيْنِ؛ لتلَقِّي الأمَّةِ المعصومةِ في إجماعِها بخبرِ: ((لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ)) لذلك بالقَبولِ.
وهذا يُفيدُ عِلْمًا نَظريًّا؛ لأنَّ ظَنَّ مَن هو معصومٌ مِن الخطأِ لا يُخْطِئُ.
(كذا له) أيْ: لابنِ الصلاحِ؛ أيْ: كذا قالَه تَبَعًا لجماعةٍ.
وحاصِلُه: أنَّ ذلك صحيحٌ قَطْعًا، وأنه يُفيدُ عِلْمًا.
(وقيلَ:) صحيحٌ، أو يُفيدُ (ظَنًّا) بنَصْبِه على الأوَّلِ تَمييزًا، وعلى الثاني مفعولاً (و) هذا القولُ (لدى) أيْ: عندَ (مُحَقِّقِيهِمْ) وأكثرِهم هو الْمُعتبَرُ كما (قد عَزَاهُ) إليهم (النَّوويْ) مُحْتَجًّا بأنَّ أخبارَ الآحادِ لا تُفيدُ إلاَّ الظنَّ، ولا يَلْزَمُ مِن إجماعِ الأمَّةِ على العمَلِ بما فيهما إجماعُها على أنه مَقطوعٌ بأنه مِن كلامِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ.
(وفي الصحيحِ) لكلٍّ مِن البخاريِّ ومسلِمٍ (بعضُ شيءٍ) مِن أحاديثِهما (قد رُوِي مُضَعَّفٌ) بالرفْعِ صِفةٌ لـ (بعضُ)، وفي نُسخةٍ: (مُضَعَّفًا) بالنصْبِ بالحالِيَّةِ.
وأشارَ كما قالَ بـ (بعضِ شيءٍ) إلى تَقليلِ ذلك، وحاصِلُه استثناءُ ذلك مما ذُكِرَ.
ومِن ثَمَّ قالَ ابنُ الصلاحِ: سِوَى أحْرُفٍ يَسيرةٍ تَكَلَّمَ عليها بعضُ أهْلِ النقْدِ مِن الْحُفَّاظِ كالدارقُطنيِّ، وهي مَعروفةٌ عندَ أهْلِ هذا الشأنِ.
قالَ شيخُنَا: وسِوَى ما وَقَعَ التجاذُبُ بينَ مَدلولَيْهِ حيث لا تَرجيحَ؛ لاستحالةِ أنْ يُفيدَ المتناقِضانِ العلْمَ بصِدْقِهما مِن غيرِ ترجيحٍ لأَحَدِهما على الآخَرِ.
قالَ: وقد ضَعَّفَ الدارقُطنيُّ مِن أحاديثِهما مِائتينِ وعشرةً، يَخْتَصُّ البخاريُّ بثَمانينَ إلاَّ اثنينِ، ومُسلِمٌ بمائةٍ، ويَشتَرِكانِ في اثنينِ وثلاثينَ.
قالَ الناظِمُ في (نُكَتِه): وقد أَجابَ عنها العُلماءُ، ومع ذلك فليستْ يَسيرةً بل كثيرةً، وقد جَمَعْتُها في تَصنيفٍ مع الجوابِ عنها.
قلتُ: ما رُدَّ به على ابنِ الصلاحِ مِن أنها كثيرةٌ يُرَدُّ به عليه أيضًا لِمُوَافَقَتِه كما مَرَّ، فالأوْجَهُ أنْ يُقالَ: إنَّ كَثْرَتَها إنما هي كَثْرَتُها فِي نَفْسِها، فلا يُنافِي كونَها يسيرةً بالنظَرِ إلى ما لم يُضَعَّفْ في الصحيحينِ.
ثم بَيَّنَ حكْمَ التعليقِ الواقِعِ فيهما فقالَ:
(ولهما) أيِ: البخارِيِّ ومُسْلِمٍ في صحيحَيْهِمَا (بلا سَنَدْ) أصْلاً أو كامِلٍ (أَشْيَا) بالقصْرِ للوزْنِ، أو لنِيَّةِ الوقْفِ؛ كقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، أو كما قالَ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، أو الزُّهْرِيِّ، أو يُرْوَى عن فُلانٍ، أو يُذْكَرُ عنه، كما سيأتي، وذلك كثيرٌ في البخاريِّ، قليلٌ في مسلِمٍ.
حتى قالَ الناظِمُ: ليس عندَه بعدَ مُقَدِّمَةِ الكتابِ حديثٌ لم يُوصِلْه فيه سِوَى مَوْضِعٍ واحدٍ في التيَمُّمِ، وهو حديثُ أبي الْجَهْمِ بنِ الحارِثِ بنِ الصِّمَّةِ: (أَقْبَلَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ مِن نحوِ بِئْرِ جَمَلٍ ...) الحديث.
قالَ فيه مسلِمٌ: (وروى الليثُ بنُ سَعْدٍ) ولم يُوصِلْ إسنادَه إلى الليثِ، وقد أَسْنَدَه البخاريُّ عن يحيى بنِ بُكَيْرٍ عن الليثِ.
(فإنْ يَجْزِمْ) أيِ: الْمُعَلِّقُ منها بشيءٍ مِن ذلك كـ (قالَ) و(ذَكَرَ) و(زادَ) و(رَوَى) فُلانٌ (فَصَحِّحْ) أنتَ عمَّنْ عَلَّقَهُ عنه، فإنَّ معَلِّقَه لا يَستجيزُ إطلاقَه إلا وقدْ صَحَّ عندَه عنه.
(أو) لم يَجْزِمْ به، بل (وَرَد مُمَرَّضًا فلا) تُصَحِّحْه عَمَلاً بظاهِرِ الصِّيغَةِ، ولأنَّ استعمالَها في الضعيفِ أكثَرُ منه في الصحيحِ.
وحَمَلَ ابنُ الصلاحِ قولَ البخاريِّ: ما أَدْخَلْتُ في كتابِي (الجامِعِ) إلاَّ ما صَحَّ، وقولَ الأئمَّةِ: ما فيه مَحكومٌ بصِحَّتِه - على أنَّ المرادَ مَقاصِدُ الكتابِ وموضوعُه، ومُتونُ الأبوابِ، دُونَ التراجِمِ ونحوِها.
(ولكنْ) إيرادُ الْمُعَلَّقِ لذلك في أثناءِ صَحيحِه (يُشْعِرُ بصِحَّةِ الأصْلِ له) إشعارًا يُؤْنَسُ به ويُرْكَنُ إليه.
وألفاظُ التمريضِ: (كيُذْكَرُ), و(يُرْوَى) و(يُقالُ) و(ذُكِرَ) و(رُوِيَ) و(قِيلَ).
وكتعليقِهما تعليقُ كلِّ مَن التَزَمَ الصحَّةَ.
وإنْ يَكُنْ أوَّلُ الاسنادِ حُذِفْ معْ صِيغةِ الْجَزْمِ فتَعليقًا عُرِفْ
ولو إلى آخَرِه أمَّا الذي لشيخِهِ عَزَا بِقَالَ فكَذِي
عَنْعَنَةٍ كخَبَرِ الْمَعَازِفِ لا تُصْغِ لابْنِ حزْمٍ الْمُخَالِفِ
ثم عَرَّفَ التعليقَ بقولِه: (وإنْ يَكُنْ أوَّلُ) رُواةِ (الاسنادِ) بدَرْجِ الهمزةِ مِن جِهةِ الْمُعَلِّقِ (حُذِفْ) واحدًا كانَ أو أكثرَ، وعَزَا الحديثَ لِمَن فوقَ المحذوفِ (مع) ذِكْرِ (صِيغةِ الْجَزْمِ) بل أو صِيغةِ التمريضِ كما قالَه النوويُّ وغيرُه (فتَعليقًا) أيْ: فبالتعليقِ (عُرِفْ) عندَ أئمَّةِ هذا الشأنِ.
فتعليقًا منصوبٌ بنَزْعِ الخافضِ، ويَجوزُ نَصْبُه بـ (عُرِفْ) بتضمينِه معنى (سُمِّيَ).
والتعليقُ مأخوذٌ مِن تعليقِ الْجِدارِ، وتَعليقِ الطَّلاقِ ونحوِه؛ بجَامِعِ قطْعِ الاتِّصالِ.
(ولو) حُذِفَ رُواةُ الإسنادِ مِن أوَّلِه (إلى آخِرِه) بأنِ اقْتُصِرَ على الرسولِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ في المرفوعِ، أو على الصحابِيِّ في الموقوفِ - فإنه يُسَمَّى تَعليقًا.
وأمَّا ما حُذِفَ مِن آخِرِه أو أَثنائِه فليس تَعليقًا؛ لاختصاصِه بألقابٍ غيرِه؛ كالعَضْلِ، والقطْعِ، والإرسالِ.
(أمَّا الذي لشَيْخِه) أيْ: أمَّا الذي (عَزَا) مُصَنِّفٌ لشيخِه (بِقَالَ)، أو زادَ، أو نحوِه مِن صِيَغِ الجزْمِ (فكـ) إسنادٍ (ذِي عَنْعَنَةٍ) فيكونُ مُتَّصِلاً مِن البخاريِّ ونحوِه؛ لثُبوتِ اللِّقَا، والسلامةِ مِن التدليسِ، إذ شَرْطُ اتصالِ الْمُعَنْعَنِ ثُبوتُ ذلك كما سيأتِي في مَحَلِّه، فلا يكونُ ذلك تَعليقًا.
وقيلَ: إنه تَعليقٌ؛ وعليه جَرَى الْحُمَيْدِيُّ وغيرُه. وتَوَسَّطَ بعضُ مُتَأَخِّرِي المغارِبَةِ فوَسَمَ ذلك بالتعليقِ الْمُتَّصِلِ مِن حيثُ الظاهِرُ، المنفَصِلِ مِن حيثُ المعنَى، لكنه أَدْرَجَ معه (قالَ لِي) ونحوَها مما هو مُتَّصِلٌ جَزْمًا، ونُوزِعَ فيه كما سيأتِي في أقسامِ التحَمُّلِ.
والمختارُ الذي لا مَحيدَ عنه كما قالَ شيخُنا: أنَّ حكْمَ "قالَ" في الشيوخِ مِثلُ غيرِها مِن التعاليقِ المجزومةِ, وأَمْثِلَةُ ذلك كثيرةٌ.
(كخَبَرِ الْمَعازِفِ) بفَتْحِ الميمِ، وبالزايِ والفاءِ - أيْ: آلاتِ الْمَلاهِي - حيثُ قالَ البُخاريُّ في (بابِ الأَشْرِبَةِ): قالَ هِشامُ بنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنا صَدَقَةُ بنُ خالدٍ، قالَ: حَدَّثَنا عبدُ الرحمنِ بنُ يَزيدَ بنِ جابِرٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَطِيَّةُ بنُ قَيْسٍ، قالَ: حَدَّثَنِي عبدُ الرحمنِ بنُ غُنْمٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبو عامرٍ، أو أبو مالِكٍ الأشعريُّ أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ يقولُ: ((لَيُكُونَنَّ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ)).
فهذا حُكْمُه الاتِّصالُ أو التعليقُ على ما مَرَّ؛ لأنَّ هِشامًا مِن شُيوخِ البُخاريِّ، وقد عَزَاهُ إليه بـ(قالَ) فاعْتَمِدْ ذلك، و (لا تُصْغِ) أيْ: تَمِلْ (لابنِ حزْمٍ) الحافظِ أبي محمَّدٍ علِيِّ بنِ أحمدَ بنِ سعيدِ بنِ حَزْمٍ، فهو منسوبٌ لِجَدِّ أبيهِ (المخالِفِ) في ذلك وغيرِه؛ لِجُمودِه على الظاهِرِ حيث حَكَمَ في مَوْضِعٍ مِن (مُحَلاَّهُ) بعَدَمِ اتِّصالِ ذلك.
وقالَ في الحديثِ المذكورِ: إنه مُنْقَطِعٌ، لم يَتَّصِلْ ما بينَ البخاريِّ وصَدَقَةَ. وحَقُّه أنْ يَقولَ: (وهشامٍ) بَدَلَ (وصَدَقَةَ).
ولم يَكْتَفِ بذلك، بل صَرَّحَ لتقريرِ قولِه بإباحةِ الْمَلاهِي: بأنه مع جَميعِ ما في هذا البابِ موضوعٌ.
قالَ ابنُ الصلاحِ: ولا التِفَاتَ إليه في ذلك، بلْ أَخْطَأَ فيه مِن وُجوهٍ، والحديثُ صحيحٌ مَعروفُ الاتِّصالِ بشرْطِ الصحيحِ.
قالَ: والبخاريُّ قد يَفْصِلُ ذلك؛ لكونِ الحديثِ معروفًا مِن جِهَةِ الثِّقاتِ عن الراوِي الذي عَلَّقَه عنه، أو لكونِه ذَكَرَه في مَوْضِعٍ آخَرَ مِن كتابِه مُتَّصِلاً، أو لغيرِ ذلك مِن الأسبابِ التي لا يَصْحَبُها خَلَلُ الانقطاعِ.
مسلمة 12
12-24-2008, 04:15 PM
حكْمُ الصحيحينِ والتَّعْلِيقِ
واقْطَعْ بصِحَّةٍ لِمَا قد أُسْنِدَا كذا له وقيلَ ظَنًّا وَلَدَى
مُحَقِّقِيهِمْ قد عَزاهُ النَّوَوِي وفي الصحيحِ بعضُ شيءٍ قد رُوِي
مضَعَّفًا ولهما بلا سَنَدْ أشْيَا فإنْ يَجْزِمْ فصَحِّحْ أو وَرَدْ
مُمَرَّضاً فلا ولكنْ يُشْعِرُ بصحَّةِ الأَصْلِ له كيُذْكَرُ
وإنْ يَكُنْ أوَّلُ الاسنادِ حُذِفْ معْ صِيغةِ الْجَزْمِ فتَعليقًا عُرِفْ
ولو إلى آخِرِه أمَّا الذي لشيخِهِ عَزَا بِقَالَ فكَذِي
عَنْعَنَةٍ كخَبَرِ الْمَعَازِفِ لا تُصْغِ لابْنِ حزْمٍ الْمُخَالِفِ
(حكْمُ الصحيحينِ) الماضِي ذِكْرُهما فيما أُسْنِدَ فيهما وغيرِه، (والتعليقِ) أيْ: تعريفِ التعليقِ الواقِعِ فيهما، وفي غيرِهما.
لَمَّا أُشِيرَ إلى شرْطِ صاحِبَيِ الصحيحينِ، وانْجَرَّ الكلامُ فيه إلى أنَّ العددَ ليسَ شَرْطاً عندَ واحدٍ منهما، حَسُنَ بيانُ الحكْمِ فيهما لسائلِه؛ أيُرْتَقَى عن أخبارِ الآحادِ لسُمُوِّهما، وجَلاَلَتِهما، وشُفوفِ تَحَرِّيهِما في الصحيحِ أمْ لا؟ فقيلَ له: (واقطَعْ بصِحَّةٍ لِمَا قَدْ أُسْنِدَا) أيْ: إنَّ الذي أوْرَدَه البخاريُّ ومسلِمٌ، مُجتمِعَيْنِ ومُنفرِدَيْنِ بإسنادَيْهِما المتَّصِلِ دُونَ ما سيأتي استثناؤُه مِن المنتَقَدِ، والتعاليقِ، وشِبْهِهما- مَقطوعٌ بصِحَّتِه؛ لتَلَقِّي الأمَّة المعصومةِ في إجماعِها عن الخطأِ، كما وَصَفَها صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقولِه: ((لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ)) لذلك بالقَبولِ مِن حيثُ الصحَّةُ، وكذا العمَلُ، ما لم يَمْنَعْ مِنه نسْخٌ أو تخصيصٌ أو نحوُهما.
وتَلَقِّي الأمَّةِ للخبَرِ المنْحَطِّ عن دَرجةِ المتواتِرِ بالقَبولِ يُوجِبُ العلْمَ النظريَّ (كذا له) أيْ: لابنِ الصلاحِ؛ حيثُ صَرَّحَ باختيارِه له والجزْمِ بأنه هو الصحيحُ، وإلاَّ فَقَدْ سَبَقَه إلى القولِ بذلك في الخبَرِ الْمُتَلَقَّى بالقَبولِ الجمهورُ مِن الْمُحَدِّثينَ والأُصُولِيِّينَ وعامَّةِ السلَفِ، بل وكذا غيرُ واحدٍ في الصحيحينِ.
ولفْظُ الأستاذِ أبي إسحاقَ الإسفرايِينِيِّ: "أهْلُ الصَّنْعَةِ مُجْمِعُونَ على أنَّ الأخبارَ التي اشتَمَلَ عليها الصَّحيحانِ- مَقطوعٌ بصِحَّةِ أصولِها ومُتونِها، ولا يَحْصُلُ الْخِلافُ فيها بحالٍ، وإنْ حَصَلَ فذاكَ اختلافٌ في طُرُقِها ورُواتِها. قالَ: فمَن خالَفَ حُكْمُه خَبَراً منها، وليس له تأويلٌ سائغٌ للخبَرِ، نَقَضْنَا حُكْمَه؛ لأنَّ هذه الأخبارَ تَلَقَّتْهَا الأمَّةُ بالقَبولِ.
(وقيلَ): هو صحيحٌ (ظَنًّا)؛ لأنه لا يُفيدُ في أصْلِه قَبْلَ التَّلَقِّي- لكونِه خَبَرَ آحادٍ- إلا الظنَّ، وهو لا يَنقلِبُ بتَلَقِّيهِم قَطْعِيًّا، وتصحيحُ الأئمَّةِ للخبَرِ المستَجْمِعِ للشروطِ الْمُقْتَضِيَةِ للصِّحَّةِ إنما هو مُجْرًى على حكْمِ الظاهِرِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ في ثاني مَسائلِ الكتابِ، وأيضاً فقد صَحَّ تَلَقِّيهِمْ بالقَبولِ لِمَا ظُنَّتْ صِحَّتُه (و) هذا القولُ (لدى) أيْ: عندَ (مُحَقِّيِقهِم) وكذا الأكثرونَ هو المختارُ كما (قد عَزَا) إليهم الإمامُ (النَّوَوِي).
لكن قدْ وافَقَ اختيارَ ابنِ الصلاحِ جماعةٌ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ مع كونِه لم يَنفرِدْ بنَقْلِ الإجماعِ على التَّلَقِّي، بل هو في كلامِ إمامِ الْحَرَمَيْنِ أيضاً؛ فإنه قالَ: لإجماعِ عُلماءِ المسلمينَ على صِحَّتِهما، وكذا هو في كلامِ ابنِ طاهِرٍ وغيرِه ولا شَكَّ -كما قالَ عَطاءٌ- أنَّ ما أَجْمَعَتْ عليه الأمَّةُ أقْوَى مِن الإسنادِ.
ونحوُه قَوْلُ شَيْخِنا: (الإجماعُ على القوْلِ بصِحَّةِ الخبَرِ أَقْوَى في إفادةِ العلْمِ مِن مُجَرَّدِ كَثرةِ الطرُقِ، وكذا مِن القَرائنِ الْمُحْتَفَّةِ التي صَرَّحَ غيرُ واحدٍ بإفادتِها العلْمَ، لاسيما وقد انْضَمَّ إلى هذا التَّلَقِّي الاحتفافُ بالقرائنِ، وهي جَلالةُ قَدْرِ مُصَنِّفِيهِما، ورُسُوخُ قَدَمِهِما في العلْمِ، وتَقَدُّمُهما في الْمَعْرِفةِ بالصناعةِ، وجَودةُ تَمييزِ الصحيحِ مِن غيرِه، وبلوغُهما أعلى الْمَراتِبِ في الاجتهادِ والإمامةِ في وَقْتِهما).
على أنَّ شَيْخَنا قد ذَكَرَ في (تَوضيحُ النُّخْبَةِ) أنَّ الْخِلافَ في التحقيقِ لَفْظِيٌّ، قالَ: لأنَّ مَن جَوَّزَ إطلاقَ العلْمِ، قَيَّدَهُ بكونِه نَظَرِيًّا، وهو الحاصِلُ عن الاستدلالِ، ومَن أَبَى الإطلاقَ خَصَّ لفْظَ العلْمِ بالْمُتَوَاتِرِ، وما عداه عندَه ظَنِّيٌّ، لكنه لا يَنْفِي أنَّ ما احْتَفَّ بالقرائنِ أرْجَحُ مما خلا منها، ولأجْلِ كونِه نَظَرِيًّا قيلَ: (في الصحيحِ) لكلٍّ مِن البخاريِّ ومسلِمٍ (بعضُ شيءٍ) وهو يَزيدُ على مِائَتَيْ حديثٍ (قد رُوِي) حالَ كونِه (مُضَعَّفاً) بالنسبةِ لبعضِ مَن تَأَخَّرَ عَنْهُما، وفاتَ بذلك فيه تَلَقِّي كلِّ الأمَّةِ المشارِ إليه، ومِن ثَمَّ اسْتَثْنَاهُ ابنُ الصلاحِ مِن القطْعِ بقولِه: (سوى أحْرُفٍ يَسيرةٍ تَكَلَّمَ عليها بعضُ أهْلِ النقْدِ مِن الْحُفَّاظِ؛ كالدارقُطْنِيِّ وغيرِه، وهي مَعروفةٌ عندَ أهْلِ هذا الشأنِ). انتهى.
ولا يَمْنَعُ الاستثناءُ اجتهادَ جماعةٍ في الجوابِ عنه، ودَفْعَ انتقادِ ضعْفِه، وأَفْرَدَ الناظمُ مُؤَلَّفاً لذلك، عُدِمَتْ مُسَوَّدَتُه قَبْلَ تَبْيِيضِهَا، وتَكَفَّلَ شيخُنا في مُقَدِّمَةِ شرْحِ البخاريِّ بما يَخُصُّه منه، والنوويُّ في شرْحِ مسلِمٍ بما يَخُصُّه منه، فكانَ فيهما، مع تَكَلُّفٍ في بعضِه، إِجزاءً في الْجُملةِ.
وأمَّا مَا ادَّعَاهُ ابنُ حَزْمٍ في كونِ كلِّ واحدٍ مِن الشيخينِ مع إتقانِه وحِفْظِه وصِحَّةِ مَعرِفَتِه، تَمَّ عليه الوَهْمُ في حديثٍ أوْرَدَهُ لا يُمْكِنُ الجوابُ عنه، وحَكَمَ على حديثِ مسلِمٍ خاصَّةً بالوضْعِ، فقد رَدَّه بعضُ الْحُفَّاظِ في جُزْءٍ مُفْرَدٍ، وأَوْضَحْتُ الكلامَ على ذلك مع مُهِمَّاتٍ كثيرةٍ في هذا البابِ، وفي غيرِه في (النُّكَتُ) لا يَسْتَغْنِي مَن يَرُومُ التبَحُّرَ في الفَنِّ عنها.
ويُسْتَثْنَى مِن القطْعِ أيضاً ما وَقَعَ التجاذُبُ بينَ مَدْلُولَيْهِ؛ حيثُ لا تَرجيحَ؛ لاستحالةِ أنْ يُفيدَ المتناقِضانِ العِلْمَ بصِدْقِهما، مِن غيرِ ترجيحٍ لأَحَدِهما على الآخَرِ؛ قالَه شيخُنا.
(و) كذا (لهما) في صَحِيحَيْهِما (بلا سَنَدْ) أَصْلاً أو كامِلٍ؛ حيثُ أُضِيفَ لبعضِ رُواتِه إمَّا الصحابِيُّ أو التابعِيُّ فمَن دُونَهُ، مع قطْعِ السنَدِ مما يَلِيهُما (أَشْيَا) بالقصْرِ للضرورةِ؛ كأنْ يُقالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أو قالَ ابنُ عَبَّاسٍ، أو عِكرمةُ، أو الزُّهْرِيُّ والجمْعُ بالنظَرِ إليهما معاً؛ إذ ليس عندَ مسلِمٍ بعدَ الْمُقَدِّمَةِ مما لم يُوصِلْهُ فيه سِوَى مَوْضِعٍ واحدٍ، والحكْمُ في ذلك مُخْتَلِفٌ.
(فإنْ يَجْزِم) المعلِّقُ مِنهما بنِسبتِه إلى رسولِ الله صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أو غيرِه ممن أضافَه إليه (فصَحِّحْ) أيُّها الطالِبُ إضافتَه لِمَنْ نُسِبَ إليه؛ فإنه لن يَستجيزَ إطلاقَه إلا وقد صَحَّ عندَه عنه، ولا الْتِفَاتَ لِمَنْ نَقَضَ هذه القاعدةَ، بل هي صحيحةٌ مُطَّرِدَةٌ، لكن مع عَدَمِ التزامِ كونِه على شرْطِه.
(أو) لم يَأْتِ الْمُعَلِّقُ بالجزْمِ، بل (وَرَدَ مُمَرَّضاً فلاَ) تَحْكُمْ له بالصحَّةِ عندَه عن المضافِ إليه، بِمُجَرَّدِ هذه الصِّيغةِ؛ لعَدَمِ إفادتِها ذلك، وحينئذٍ فلا يُنْتَقَدُ بما وَقَعَ بها مع وَصْلِه له في مَوْضِعٍ آخَرَ مِن كتابِه.
على أنَّ شَيْخَنا -وهو مِن أَئِمَّةِ الاستقراءِ خُصوصاً في هذا النوعِ- أفادَ أنه لا يَتَّفِقُ له مِثْلُ ذلك، إلا حيثُ عَلَّقَه بالمعنَى، أو اخْتَصَرَه، وجَزَمَ بأنَّ ما يأتي به بصِيغةِ التمريضِ- أيْ: فيما عَداهُ- مُشْعِرٌ بضَعْفِه عندَه إلى مَن عَلَّقَه عنه؛ لعِلَّةٍ خَفِيَّةٍ فيه، وقد لا تكونُ قادحةً، ولذلك فيه ما هو حَسَنٌ، بل وصحيحٌ عندَ بعضِ الأئمَّةِ، بل رواه مسلِمٌ في صحيحِه، وما قالَه هو التحقيقُ، وإنْ أَوْهَمَ صَنيعُ ابنِ كثيرٍ خِلافَه.
(ولكنْ) حيث تَجَرَّدَتْ، فإيرادُ صاحبِ الصحيحِ للمُعَلَّقِ الضعيفِ كذلك في أثناءِ صحيحِه (يُشْعِرُ بصِحَّةِ الأصْلِ له) إشعاراً يُؤْنَسُ به، ويُرْكَنُ إليه.
وألفاظُ التَّمريضِ كثيرةٌ (كيُذْكَرُ) ويُرْوَى ورُوِيَ، ويُقالُ، وقِيلَ، ونحوُها، واستغنَى بالإشارةِ إلى بَعْضِها عن أمْثِلَةِ الجزْمِ؛ كذَكَرَ، وزادَ، ورَوَى، وقالَ: وغيرِها لوُضُوحِه، حتى نَقَلَ النوويُّ اتِّفَاقَ مُحَقِّقِي الْمُحَدِّثينَ وغيرِهم على اعتبارِهما كذلك، وأنه لا يَنبغِي الْجَزْمُ بشيءٍ ضَعيفٍ؛ لأنها صِيغةٌ تَقتضِي صِحَّتَه عن الْمُضافِ إليه، فلا يَنبغِي أنْ تُطْلَقَ إلا فيما صَحَّ.
قالَ: (وقد أَهْمَلَ ذلك كثيرٌ مِن الْمُصَنِّفِينَ مِن الفُقهاءِ وغيرِهم، واشتَدَّ إنكارُ الْبَيْهَقِيِّ على مَن خالَفَ ذلك، وهو تَساهُلٌ قَبيحٌ جِدًّا مِن فاعِلِه؛ إذ يقولُ في الصحيحِ: يُذكرُ ويُرْوَى، وفي الضعيفِ قالَ: ورَوَى، وهذا قلْبٌ للمَعانِي، وحَيْدٌ عن الصوابِ، قالَ: وقد اعْتَنَى البخاريُّ، رَحِمَه اللهُ، باعتبارِ هاتينِ الصيغتينِ، وإعطائِهما حُكْمَهما في صحيحِه؛ فيقولُ في الترجمةِ الواحدةِ بعضَ كلامِه بتَمريضٍ، وبعضَه بِجَزْمٍ، واعياً لِمَا ذَكَرْنَا، وهذا مُشْعِرٌ بِتَحَرِّيهِ ووَرَعِه). انتهى. وستأتي المسألةُ في التنبيهاتِ التي بآخِرِ المقلوبِ.
والحاصلُ أنَّ المجزومَ به يُحْكَمُ بصِحَّتِه ابتداءً، وما لعَلَّهُ يكونُ كذلك مِن الْمُمَرَّضِ إنما يُحْكَمُ عليه بها بعدَ النظَرِ؛ لوُجودِ الأقسامِ الثلاثةِ فيه فافْتَرَقَا، وإذا حَكَمْتَ للمجزومِ به بالصحَّةِ، فانظُرْ فيمَنْ أُبْرِزَ مِن رِجالِه، تَجِدْ مَراتِبَهُ مُختلِفَةً؛ فتارةً تَلتَحِقُ بشَرْطِه، وتارةً تَتقاعَدُ عن ذلك، وهو إمَّا أنْ يكونَ حَسَناً صالحاً للحُجَّةِ؛ كالمعَلَّقِ عن بَهْزِ بنِ حكيمٍ عن أبيه عن جَدِّه، رَفَعَه: (اللهُ أَحَقُّ أنْ يُسْتَحْيَى منه مِن الناسِ)، فهو حسَنٌ مشهورٌ عن بَهْزٍ، أَخْرَجَه أصحابُ السنَنِ، بل ويكون صحيحاً عندَ غيرِه.
وقد يكونُ ضَعيفاً، لكنْ لا مِن جِهَةِ قَدْحٍ في رِجالِه، بل مِن جِهَةِ انقطاعٍ يَسيرٍ في إسنادِه؛ كالْمُعَلَّقِ عن طاوُسٍ: قالَ: قالَ معاذٌ: فإنَّ إسنادَه إلى طاوسٍ صحيحٌ، إلا أنه لم يَسمعْهُ مِن مُعاذٍ، وحينئذٍ فإطلاقُ الحكْمِ بصِحَّتِها ممن يَفْعَلُه مِن الفُقهاءِ ليس بِجَيِّدٍ.
والأسبابُ في تعليقِ ما هو مُلْتَحِقٌ بشَرْطِه: إمَّا التَّكرارُ، أو أنه أَسْنَدَ معناه في البابِ، ولو مِن طريقٍ آخَرَ، فنَبَّهَ عليه بالتعليقِ اختصاراً، أو أنه لم يَسمعْه ممن يَثِقُ به بقَيْدِ العُلُوِّ، أو مُطْلَقاً، وهو معروفٌ مِن جِهةِ الثِّقاتِ عن المضافِ إليه، أو سَمِعَه لكن في حالةِ المذاكَرَةِ، فقَصَدَ بذلك الفرْقَ بينَ ما يَأخذُه عن مشائِخِه في حالةِ التحديثِ أو المذاكَرَةِ احتياطاً.
وفي المتقاعِدِ عن شَرْطِه: إمَّا كونُه في مَعْرِضِ المتابَعَةِ، أو الاستشهادِ المتسامَحِ في إيرادِه مُطْلَقاً، فَضْلاً عن التعليقِ، أو أنه نَبَّهَ به على موضِعٍ يُوهِمُ تعليلَ الروايةِ التي على شَرْطِه، أو غيرِ ذلك في الطَّرَفينِ.
وبما تَقَدَّمَ تأيَّدَ حَمْلُ قَوْلِ البخاريِّ: (ما أَدْخَلْتُ في كتابِي إلاَّ ما صَحَّ) على مَقصودِه به، وهو الأحاديثُ الصحيحةُ المسنَدَةُ، دونَ التعاليقِ والآثارِ الموقوفةِ على الصحابةِ فمَن بعدَهم، والأحاديثِ المترْجَمِ بها ونحوِ ذلك.
وظَهَرَ افتراقُ ما لم يكنْ بطريقِ القصْدِ في الحكْمِ عن غيرِه واستثنائِه مِن إفادةِ العلْمِ (وإنْ يكُنْ أوَّلُ الاسنادِ) -بوَصْلِ الهمزةِ- مِن جِهةِ صاحبِ الصحيحِ مَثَلاًَ كشَيْخِه فمَن فَوْقَه (حُذِفْ) وأُضيفَ لِمَن بَعْدَ المحذوفِ مما هو في البخاريِّ كثيرٌ، كما تَقدَّمَ (مع صِيغةِ الجزْمِ) أيْ: مع الإتيانِ بها، بل والتمريضِ عندَ جماعةٍ ممن تَأَخَّرَ عن ابنِ الصلاحِ؛ كالنوويِّ والْمِزِّيِّ في (أَطرافِه) مما تَقَدَّمَ حُكْمُه في كِلَيْهِما.
(فَتَعْلِيقًا عُرِفْ) أيْ: عُرِفَ بالتعليقِ بينَ أئمَّةِ هذا الشأنِ؛ كالْحُمَيْدِيِّ والدارقُطْنِيِّ، بل كانَ أوَّلَ مَن وُجِدَ في كلامِه، وهو مأخوذٌ مِن تعليقِ الجدارِ، والطلاقِ ونحوِه، لِمَا يَشترِكُ فيه الجميعُ مِن قَطْعِ الاتِّصالِ.
واستبْعَدَ شيخُنا أخْذَه مِن تَعليقِ الْجِدارِ، وأَنه مِن الطلاقِ وغيرِه أقرَبُ، وشَيْخُه البُلْقِينِيُّ على خِلافِه، ولا يُشترَطُ في تَسميتِه تَعليقًا بقاءُ أحَدٍ مِن رِجالِ السنَدِ، بل (ولو) حُذِفَ مِن أوَّلِه (إلى آخِرِه) واقْتُصِرَ على الرسولِ في المرفوعِ، أو على الصحابِيِّ في الموقوفِ- كانَ تَعليقًا، حكاه ابنُ الصلاحِ عن بعضِهم وأَقَرَّه.
ولم يَذْكُرْه الْمِزِّيُّ في (أطرافِه)، بل ولا ما اقْتُصِرَ فيه على الصحابِيِّ مع كونِه مَرفوعًا، وكان يَلْزَمُه بخلافِ ما لو سَقَطَ البعْضُ مِن أثنائِه أو مِن آخِرِه، لاختصاصِه بألقابِ غيرِه؛ كالعَضْلِ والقطْعِ والإرسالِ.
وهل يَلتحِقُ بذلك ما يُحْذَفُ فيه جميعُ الإسنادِ، مع عدَمِ الإضافةِ لقائلٍ؛ كقولِ البخاريِّ في صحيحِه: وكانت أمُّ الدرداءِ تَجْلِسُ في الصلاةِ جِلسةَ الرجُلِ، وكانتْ فَقيهةً، وهو عندَه في (تَأْرِيخِه الصغيرِ)، وعندَ غيرِه عن مَكحولٍ؟ الظاهِرُ نَعَمْ، وحُكْمُه مِن غيرِ مُلْتَزِمِي الصحَّةِ الانقطاعُ، ولذا ذَكَرَه ابنُ الصلاحِ رابعَ التفريعاتِ التاليةِ للمُنْقَطِعِ، ومِن مُلْتَزِمِيها ما تَقَدَّمَ قريباً.
(أمَّا) المصنِّفُ (الذي لشَيْخِه عَزَا) ما أوْرَدَهُ (بقالَ) وزادَ ونحوِهما (فَكَـ) إسنادِ (ذِي عَنْعَنَةٍ) فيُشْتَرَطُ للحكْمِ باتِّصالِه شيئانِ: لُقِيُّ الراوِي لِمَن عَنْعَنَ عنه، وسَلامتُه مِن التَّدْلِيسِ، كما سيأتي في بابِه.
وأمثلةُ هذه الصِّيغةِ كثيرةٌ (كخبَرِ المعازِفِ) بالمهمَلَةِ والزاءِ والفاءِ؛ وهي آلاتُ الْمَلاهِي، الْمَرْوِيِّ عن أبي عامِرٍ، أو أبي مالِكٍ الأشعريِّ مَرفوعاً في الإعلامِ بِمَن يكونُ في أُمَّتِه يَسْتَحِلُّها، ويَسْتَحِلُّ الْحِرَ بالمهمَلَتَيْنِ وكسْرِ الأُولَى مع التخفيفِ، يَعْنِي الزِّنَا، فإنه اسمٌ لفَرْجِ المرأةِ، والحريرَ؛ فإنَّ البخاريَّ أوْرَدَه في الأَشْرِبَةِ مِن صحيحِه بقَولِه: (قالَ هِشامُ بنُ عَمَّارٍ: ثنا صَدَقَةُ بنُ خالِدٍ ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ) وسَاقَهُ سَنَداً وَمَتْناً، فهِشامٌ أحَدُ شيوخِ البخاريِّ، حَدَّثَ عنه بأحاديثَ حَصَرَها صاحِبُ (الزَّهْرَةِ) في أربعةٍ، ولم يَصِف البخاريَّ أحَدٌ بالتدليسِ، وحينئذٍ فلا يكونُ تَعليقاً، خِلافاًً للحُمَيْدِيِّ في مِثْلِه، وإنْ صَوَّبَه ابنُ دقيقِ العيدِ مع حُكْمِه بصِحَّتِه عن قائلِه.
وعلى الحكْمِ بكونِه تَعليقاً، مَشَى الْمِزِّيُّ في (أطرافِه)، ولم يَقُلْ: إنَّ حُكْمَه الانقطاعُ، ولكن قد حَكَمَ عبدُ الحقِّ وابنُ العربيِّ السُّنِّيُّ بعدَمِ اتِّصالِه.
وقالَ الذهبيُّ: (حُكْمُه الانقطاعُ)، ونحوُه قولُ أبي نُعيمٍ: (أخْرَجَه البخاريُّ بلا رِوايةٍ)، وهو مُقْتَضَى كلامِ ابنِ مَنْدَهْ؛ حيثُ صَرَّحَ بأنَّ "قالَ" تَدليسٌ، فالصوابُ الاتِّصالُ عندَ ابنِ الصلاحِ ومَن تَبِعَهُ، فلا تُعَوِّلْ على خِلافِه.
(ولا تُصْغِ لابنِ حَزْمٍ) الحافظِ أبي محمَّدٍ عَلِيِّ بنِ أحمدَ بنِ سعيدٍ، المنسوبِ هنا لِجَدِّ أبيهِ الأَنْدَلُسِيِّ القُرطبيِّ الظاهِرِيِّ (المخالِفِ) في أمورٍ كثيرةٍ، نَشأتْ عن غَلَطِه وجُمودِه على الظاهِرِ، مع سَعَةِ حِفْظِه وسَيَلانِ ذِهْنِه، كما وَصَفَه حُجَّةُ الإسلامِ الغزاليُّ، وقولُ العزِّ بنِ عبدِ السلامِ: (ما رأيتُ في كُتُبِ الإسلامِ مِثْلَ كتابِه (الْمُحَلَّى)، و(الْمُغْنِي) لابنِ قُدامةَ) إلى غيرِ ذلك، وكانتْ وَفاتُه في شعبانَ سَنةَ سِتٍّ وخمسينَ وأربعِمائةٍ (456هـ) عن اثنتينِ وسبعينَ سَنةً؛ حيثُ حَكَمَ بعدَمِ اتِّصالِه أيضاً، مع تَصريحِه في مَوْضِعٍ آخَرَ؛ بأنَّ العَدْلَ الراوي إذا روى عمَّن أدْرَكَه مِن العُدولِ، فهو على اللقاءِ والسماعِ؛ سواءٌ قالَ: أنا أو ثنا أو عَنْ فُلانٍ، أو قالَ فلانٌ، فكُلُّ ذلك محمولٌ منه على السماعِ وهو تَناقُضٌ، بل وما اكتَفَى حتى صَرَّحَ لأجْلِ تَقريرِ مَذهبِه الفاسِدِ في إباحةِ الْمَلاهِي بوَضْعِه مع كلِّ ما في البابِ، وأَخْطَأَ فقد صَحَّحَه ابنُ حِبَّانَ وغيرُه مِن الأئمَّةِ.
وقد وَقَعَ لي مِن حديثِ عَشرةٍ مِن أصحابِ هِشامٍ عنه، بل ولم يَنفرِدْ به كلٌّ مِن هِشامٍ وصَدَقَةَ وابنِ جَابرٍ.
ثم إنه كانَ الحامِلُ لهم على الحكْمِ بالانقطاعِ ما يُوجَدُ للبخاريِّ مِن ذلك مَرْوِيًّا في مَوْضِعٍ آخَرَ مِن ذلك الشيخِ بعَيْنِه بالواسِطَةِ مَرَّةً، وتصريحِه بعَدَمِ سماعِه له منه أُخْرَى، ولا حُجَّةَ لهم فيه، فَقَدْ وَقَعَ له إيرادُ بعضِ الأحاديثِ عن بعضِ شُيوخِه بـ "قالَ" في مَوْضِعٍ، وبالتصريحِ في آخَرَ.
وحينئذٍ فكُلُّ ما يَجيءُ عنه بهذه الصيغةِ مُحْتَمِلٌ للسماعِ وعَدَمِه، بل وسماعُه محتَمِلٌ لأنْ يكونَ فيِ حالةِ المذاكَرَةِ أو غيرِها، ولا يَسُوغُ مع الاحتمالِ الجزْمُ بالانقطاعِ، بل ولا الاتِّصالِ أيضاً؛ لتصريحِ الخطيبِ- كما سيأتِي- بأنها لا تُحْمَلُ على السماعِ إلا ممن عُرِفَ مِن عادَتِه أنه لا يُطْلِقُها إلا فيما سَمِعَه، نعمْ قالَ ما حاصِلُه: (إِنَّ مَن سَلَكَ الاحتياطَ في رِوايةِ ما لم يَسمعْه بالإجازةِ أو غيرِها مِن الْجِهاتِ الْمَوثوقِ بها- يَعْنِي كالْمُنَاوَلَةِ- فحديثُه مُحْتَجٌّ به، وإنْ لم يُصَرِّحْ بالسماعِ، بِناءً على الأصْلِ في تصحيحِ الإجازةِ). انتهى.
وهذا يَقتضِي أنْ يكونَ في حُكْمِ الموصولِ، لكنْ قالَ أبو نُعَيْمٍ في (المستخْرَجِ) عَقِبَ حديثٍ قالَ فيه البخاريُّ: (كَتَبَ إليَّ محمَّدُ بنُ بَشَّارٍ): إنه لا يَعْلَمُ له في كتابِه حديثاً بالإجازةِ، يَعْنِي عن شيوخِه غيرَه.
وتَوَسَّطَ بعضُ مُتَأَخِّرِي الْمَغارِبَةِ، فوَسَمَ الوارِدَ بـ "قالَ" بالتعليقِ المتَّصِلِ مِن حيثُ الظاهِرُ، المنفَصِلِ مِن حيثُ المعنَى، لكنَّه أَدْرَجَ معها "قالَ لي" ونحوَها مما هو مُتَّصِلٌ جَزْماً، ونُوزِعَ فيه، كما سيأتِي في أوَّلِ أقسامِ التحمُّلِ، إنْ شاءَ اللهُ.
وبالجملةِ فالمختارُ الذي لا مَحيدَ عنه -كما قالَه شيخُنا- أنَّ حُكْمَ "قالَ" في الشيوخِ مِثلُ غَيْرِها مِن التعاليقِ المجزومةِ.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir