المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الموضوع


عبد العزيز الداخل
11-14-2008, 06:47 PM
الْمَوضوعُ

(225) شَرُّ الضَّعيفِ الْخَبَرُ الْمَوضوعُ = الكَذِبُ الْمُخْتَلَقُ الْمَصنوعُ
وكيفَ كان لم يُجِيزُوا ذِكْرَهُ = لِمَنْ عَلِمْ ما لم يُبَيِّنْ أَمْرَهُ
وأَكْثَرَ الجامِعُ فيه إذْ خَرَجْ = لِمُطْلَقِ الضَّعْفِ عَنَى أبا الفَرَجْ
والواضعونَ للحديثِ أَضْرُبُ = أضَرُّهُمْ قومٌ لزُهْدٍ نُسِبُوا
قد وَضَعُوها حِسْبَةً فقُبِلَتْ = منهمْ رُكونًا لهمُ ونُقِلَتْ
(230) فقَيَّضَ اللهُ لها نُقَّادَهَا = فبَيَّنُوا بنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا
نحوُ أبي عِصْمَةَ إذ رَأَى الْوَرَى = زَعْماً نَأَوْا عن القُرانِ فافْتَرَى
لهمْ حديثاً في فَضائِلِ السُّوَرْ = عن ابنِ عَبَّاسٍ فبِئْسَ ما ابْتَكَرْ
كذا الحديثُ عن أُبَيٍّ اعْتَرَفْ = رَاوِيهِ بالوَضْعِ وبِئْسَ ما اقْتَرَفْ
وكلُّ مَن أَوْدَعَه كتابَهُ = كالوَاحِدِيِّ مُخْطِئٌ صَوَابَهُ
(235) وجَوَّزَ الوَضْعَ على الترغيبِ = قومُ ابنِ كَرَّامٍ وفي الترهيبِ
والواضعونَ بعضُهم قد صَنَعَا = مِن عِنْدِ نفْسِه وبعضٌ وَضَعَا
كلامَ بعْضِ الْحُكَمَا في الْمُسْنَدِ = ومنه نَوْعٌ وَضْعُه لم يُقْصَدِ
نحوَ حديثِ ثابتٍ (مَن كَثُرَتْ = صلاتُه) الحديثَ وَهْلَةٌ سَرَتْ
ويُعْرَفُ الوضْعُ بالاقرارِ ومَا = نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ ورُبَّمَا
(240) يُعْرَفُ بالرِّكَّةِ قُلتُ اسْتَشْكَلاَ = الثَّبَجِيُّ القطْعَ بالوَضْعِ عَلَى
ما اعْتَرَفَ الواضِعُ إذ قد يَكْذِبُ = بلى نَرُدُّهُ وعنه نُضْرِبُ

مسلمة 12
12-04-2008, 01:04 PM
الْمَوْضُوعُ
(225) شَرُّ الضَّعيفِ الْخَبَرُ الْمَوضوعُ الكَذِبُ الْمُخْتَلَقُ الْمَصنوعُ
(226) وكيفَ كان لم يُجِيزُوا ذِكْرَهْ لِمَنْ عَلِمْ ما لم يُبَيِّنْ أَمْرَهْ
(227) وأَكْثَرَ الجامِعُ فيه إذْ خَرَجْ لِمُطْلَقِ الضَّعْفِ عَنَى أبا الفَرَجْ
أيْ: شَرُّ الأحاديثِ الضعيفةِ الموضوعُ، وهو المكذوبُ، ويقالُ له المختلَقُ المصنوعُ، أي أنَّ واضِعَه اختَلَقَه وصَنَعَه، وهذا هو الصوابُ كما ذَكَرَه ابنُ الصلاحِ هنا، وأمَّا قولُه في قِسْمِ الضعيفِ: إنَّ ما عُدِمَ فيه جميعُ صِفاتِ الحديثِ الصحيحِ والحسَنِ هو القِسْمُ الآخَرُ الأَرْذَلُ، فهو محمولٌ على أنه أرادَ ما لم يكنْ مَوضوعاً، اللهمَّ إلا أنْ يُريدَ بفَقْدِ ثِقَةِ الراوي أنْ يكونَ كَذَّاباً، ومع هذا فلا يَلْزَمُ مِن وُجودِ كَذَّابٍ في السنَدِ أنْ يكونَ الحديثُ مَوضوعاً ؛ إذ مُطْلَقُ كَذِبِ الراوي لا يَدُلُّ على الوضْعِ، إلاَّ أنْ يَعْتَرِفَ بوَضْعِ هذا الحديثِ بعَينِه أو ما يَقومُ مقامَ اعترافِه على ما ستَقِفُ عليه، وكيف كان الموضوعُ أيْ: في أيِّ معنًى كانَ في الأحكامِ أو القَصَصِ أو الترغيبِ والترهيبِ وغيرِ ذلك، لم يُجِيزُوا لِمَنْ عَلِمَ أنه موضوعٌ أنْ يَذْكُرَه بروايةٍ أو احتجاجٍ أو ترغيبٍ إلاَّ مع بيانِ أنه موضوعٌ، بخِلافِ غيرِه مِن الضعيفِ المحتَمِلِ للصدْقِ، حيث جَوَّزُوا روايتَه في الترغيبِ والترهيبِ كما سيَأتِي.
قالَ ابنُ الصلاحِ: ولقد أكْثَرَ الذي جَمَعَ في هذا العصْرِ الموضوعاتِ في نحوِ مُجَلَّدَيْنِ فأوْدَعَ فيها كثيراً مما لا دليلَ على وضْعِه، وإنما حَقُّه أنْ يُذْكَرَ في مطْلَقِ الأحاديثِ الضعيفةِ، وأرادَ ابنُ الصلاحِ بالجامِعِ المذكورِ أبا الفرَجِ بنَ الْجَوْزِيَّ وأَشَرْتُ إلى ذلك بقولِي: (عَنَى أبا الفَرَجِ).
(228) والواضعونَ للحديثِ أَضْرُبُ أضَرُّهُمْ قومٌ لزُهْدٍ نُسِبُوا
(229)قد وَضَعُوها حِسْبَةً فقُبِلَتْ منهم رُكونًا لهمُ ونُقِلَتْ
(230) فقَيَّضَ اللهُ لها نُقَّادَهَا فبَيَّنُوا بنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا
(231)نحو أبي عِصْمَةَ إذ رَأَى الْوَرَى زَعْماً نَأَوْا عن القُرانِ فافْتَرَى
(232)لهم حديثاً في فَضائِلِ السُّوَرْ عن ابنِ عَبَّاسٍ فبِئْسَ ما ابْتَكَرْ
(233)كذا الحديثُ عن أُبَيٍّ اعْتَرَفْ رَاوِيهِ بالوَضْعِ وبِئْسَ ما اقْتَرَفْ
(234)وكلُّ مَن أَوْدَعَه كتابَهُ كالوَاحِدِيِّ مُخْطِئٌ صَوَابَهُ
الواضعونَ للحديثِ على أصنافٍ بِحَسَبِ الأمْرِ الحامِلِ لهم على الوضْعِ:
فضَرْبٌ مِن الزنادقةِ يَفعلونَ ذلك ليُضِلُّوا به الناسَ كعبدِ الكريمِ بنِ أبي العَوجاءِ الذي أمَرَ بضَرْبِ عُنُقِه محمَّدُ بنُ سليمانَ بنِ عليٍّ، وكَيبانَ الذي قَتَلَه خالِدٌ القَسريُّ وحَرَّقَه بالنارِ. وقد روى العُقَيْلِيُّ بسَنَدِه إلى حَمَّادِ بنِ زيدٍ قالَ: وَضَعَتِ الزَّنَادِقَةُ على رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ أربعةَ عشَرَ ألْفَ حديثٍ.
وضَرْبٌ يَفعلونَه انتصاراً لِمَذاهِبِهم كالْخَطَّابِيَّةِ والرافِضَةِ وقومٌ مِن السالْمِيَّةِ.
وضرْبٌ يَتقَرَّبُونَ لبعْضِ الْخُلفاءِ والأُمَرَاءِ بوَضْعِ ما يُوَافِقُ فِعْلَهم ورَأْيَهم كغَيَّاثِ بنِ إبراهيم حيثُ وَضَعَ للمَهْدِيِّ في حديثِ ((لاَ سَبْقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ)) فزادَ فيه ((أَوْ جَنَاحٍ)) وكان الْمَهْدِيُّ إذ ذاك يَلعبُ بالحمامِ فتَرَكَها بعدَ ذلك وأمَرَ بذَبْحِها، وقالَ: أنا حَمَلْتُه على ذلك.
وضَرْبٌ كانوا يَتَكَسَّبُون بذلك ويَرْتَزِقُون به في قَصَصِهم كأبي سعيدٍ الْمَدائِنِيِّ.
وضَرْبٌ امْتُحِنُوا بأولادٍ لهم أو ورَّاقِينَ فوَضَعُوا لهم أحاديثَ ودَسُّوها عليهم، فحَدَّثُوا بها مِن غيرِ أنْ يَشعُرُوا كعبدِ اللهِ بنِ محمَّدِ بنِ رَبيعةَ القُدَّامِيِّ.
وضرْبٌ يَلجئونَ إلى إقامةِ دليلٍ على ما أَفْتَوْا به بآرائِهم فيَضعونَ كما نُقِلَ عن أبي الْخَطَّابِ بنِ دِحْيَةَ أنه ثَبَتَ عنه.
وضَرْبٌ يَقْلِبُونَ سَنَدَ الحديثِ ليُسْتَغْرَبَ فيُرْغَبَ في سماعِه منهم، وسيأتي ذلك بعدَ هذا في الْمَقلوبِ.
وضَرْبٌ يَتَدَيَّنُونَ بذلك لترغيبِ الناسِ في أفعالِ الخيرِ بزَعْمِهم، وهم مَنسوبونَ إلى الزهْدِ وهم أعْظَمُ الأصنافِ ضَرَراً؛ لأنهم يَحتسبونَ بذلك ويَرَوْنَه قُربةً فلا يُمكِنُ تَرْكُهم لذلك، والناسُ يَثِقُونَ بهم ويَركنونَ إليهم لِمَا نُسِبُوا له مِن الزهْدِ والصلاحِ فيَنْقُلُونَها عنهم.
ولهذا قالَ يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ: ما رأيتُ الصالحينَ أكْذَبَ منهم في الحديثِ. يريدُ -واللهُ أعلَمُ- بذلك المنسوبينَ للصلاحِ بغيرِ عِلْمٍ يُفَرِّقُونَ به بينَ ما يَجوزُ لهم ويَمتنِعُ عليهم ، يَدُلُّ على ذلك ما رواه ابنُ عَدِيٍّ والعُقَيْلِيُّ بسَنَدِهما الصحيحِ إليه أنه قالَ: ما رأيتُ الكذِبَ في أحَدٍ أكْثَرَ منه فيمن يُنْسَبُ إلى الخيرِ.
أو أرادَ أنَّ الصالحينَ عندَهم حُسْنُ ظَنٍّ وسلامةُ صَدْرٍ فيَحملونَ ما سَمِعُوه على الصدْقِ ولا يَهتدونَ لتمييزِ الخطأِ مِن الصوابِ، ولكنِ الوَاضِعُونَ مِمَّن يُنْسَبُ للصلاحِ وإنْ خَفِيَ حالُهم على كثيرٍ مِن الناسِ فإنه لم يَخْفَ على جَهابِذَةِ الحديثِ ونُقَّادِه فقَامُوا بأعباءِ ما حُمِّلُوا فتَحَمَّلُوه فكَشَفوا عَوَارَها ومَحَوْا عارَها، حتى لقد رُوِّينَا عن سُفيانَ قالَ: ما سَتَرَ اللهُ أحَداً يَكْذِبُ في الحديثِ.
ورُوِّينَا عن عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيٍّ أنه قالَ: لو أنَّ رَجُلاً هَمَّ أنْ يَكْذِبَ في الحديثِ لأَسْقَطَه اللهُ. ورُوِّينَا عن ابنِ المبارَكِ قالَ: لو هَمَّ رجُلٌ في السَّحَرِ أنْ يَكْذِبَ في الحديثِ لأَصْبَحَ والناسُ يقولون: فُلانٌ كَذَّابٌ. ورُوِّينا عنه أنه قيلَ له: هذه الأحاديثُ المصنوعةُ؟ فقالَ: تعيشُ لها الْجَهابِذَةُ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. ورُوِّينَا عن القاسِمِ بنِ محمَّدٍ أنه قالَ: إنَّ اللهَ أَعاننا على الكَذَّابينَ بالنِّسيانِ.
ومِثالُ مَن كانَ يَضَعُ الحديثَ حِسبةً ما رُوِّينَاهُ عن أبي عِصمةَ نُوحِ بنِ أبي مريمَ الْمَرْوَزِيِّ قاضِي مَرْوٍ فيما رواهُ الحاكِمُ بسَنَدِه إلى أبي عَمَّارٍ الْمَرْوَزِيِّ أنه قيلَ لأبي عِصمةَ: مِن أينَ لك عن عِكرمةَ عن ابنِ عَبَّاسٍ في فضائلِ القرآنِ سُورةً سورةً، وليس عندَ أصحابِ عِكرمةَ هذا؟ فقالَ: إني رأيتُ الناسَ قد أعْرَضُوا عن القرآنِ واشْتَغَلُوا بفِقْهِ أبي حنيفةَ ومَغازِي محمَّدِ بنِ إسحاقَ فوَضَعْتُ هذا الحديثَ حِسبةً، وكان يُقالُ لأبي عِصمةَ هذا: نوحٌ الجامِعُ.
فقالَ أبو حاتمٍ بنُ حِبَّانَ: جَمَعَ كلَّ شيءٍ إلاَّ الصدْقَ.
وقالَ أبو عبدِ اللهِ الحاكِمُ: وضَعَ أحاديثَ فضائلِ القرآنِ، وروى ابنُ حِبَّانَ في مُقَدِّمَةِ (تاريخِ الضُّعفاءِ) عن ابنِ مَهْدِيٍّ قالَ: قُلتُ لِمَيْسَرَةَ بنِ عبدِ رَبِّه مِن أينَ جئتَ بهذه الأحاديثِ، مَن قَرَأ كذا فله كذا، قالَ: وضَعْتُها أُرَغِّبُ الناسَ فيها.
وهكذا حديثُ أبي الطَّوِيلِ في فضائلِ قراءةِ سُوَرِ القرآنِ سُورةً سورةً، فرُوِّينَا عن المؤمَّلِ بنِ إسماعيلَ قالَ: حدَّثَنِي شيخٌ به فقلتُ للشيخِ: مَن حدَّثَكَ به؟ فقالَ: حَدَّثَنِي رجُلٌ بالمدائِنِ وهو حَيٌّ. فصِرتُ إليه فقلتُ: مَن حدَّثَكَ؟ فقالَ: حدَّثَنِي شيخٌ بواسِطٍ وهو حَيٌّ . فَصِرْتُ إليه فقالَ: حَدَّثَنِي شيخٌ بالبصرةِ. فصِرتُ إليه، فقالَ: حدَّثَنِي شيخٌ بعَبادانَ. فصِرْتُ إليه فأَخَذَ بيَدِي فأَدْخَلَني بيتاً فإذا فيه قومٌ مِن الْمُتَصَوِّفَةِ ومعهم شيخٌ، فقالَ: هذا الشيخُ حَدَّثَنِي. فقلتُ: يا شيخُ مَن حَدَّثَك؟ فقالَ: لم يُحَدِّثْنِي أحَدٌ، ولكنا رأينا الناسَ قد رَغِبُوا عن القرآنِ فوَضَعْنَا لهم هذا الحديثَ ليَصْرِفوا قلوبَهم إلى القرآنِ.
وكلُّ مَن أَوْدَعَ حديثَ أُبَيٍّ المذكورَ تفسيرُه كالواحِدِيِّ والثعلَبِيِّ والزَّمَخْشَرِيِّ مُخطئٌ في ذلك لكنْ مَن أَبْرَزَ إسنادَه منهم كالثعْلَبِيِّ والواحِدِيِّ فهو أبْسَطُ لعُذْرِه إذ أَحالَ نَاظِرَه على الكشْفِ عن سَنَدِه، وإنْ كان لا يَجوزُ له السكوتُ عليه مِن غيرِ بيانِه كما تَقَدَّمَ وأَمَّا مَن لم يُبْرِزْ سَنَدَه وأَوْرَدَه بصِيغةِ الجزْمِ فخَطُؤُه أفْحَشُ كالزَّمَخْشَرِيِّ.
(235) وجَوَّزَ الوَضْعَ على الترغيبِ قومُ ابنِ كَرَّامٍ وفي الترهيبِ
ذكَرَ الإمامُ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ منصورٍ السَّمْعَانِيُّ أنَّ بعضَ الكَرَّامِيَّةِ ذهَبَ إلى جَوازِ وضْعِ الحديثِ على النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ ، فيما لا يَتعلَّقُ به حكْمٌ مِن الثوابِ والعِقابِ؛ تَرغيباً للناسِ في الطاعةِ وزَجْراً لهم عن الْمَعصِيَةِ، واستَدَلُّوا بما روي في بعضِ طرُقِ الحديثِ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
وحَمَلَ بعضُهم حديثَ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ)) أيْ: قالَ: إنه ساحِرٌ أو مجنونٌ. وقالَ بعضُ الْمَخْذُولِينَ: إنما قالَ مَن كذَبَ عليَّ، ونحن نَكْذِبُ له ونُقَوِّي شَرْعَه!! نسألُ اللهَ السلامةَ مِن الْخُذلانِ.
وروى العُقيليُّ بإسنادِه إلى محمَّدِ بنِ سعيدٍ -كأنه المصلوبُ- قالَ: لا بأسَ إذا كانَ كلامٌ حسَنٌ أنْ نَضَعَ له إسناداً.
وحكى القُرطبيُّ في (الْمُفْهِمِ) عن بعضِ أهلِ الرأيِ أنَّ ما وافَقَ القياسَ الْجَلِيَّ جازَ أنْ يُعْزَى إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ.
وروى ابنُ حِبَّانَ في مُقدِّمَةِ تاريخِ الضُّعفاءِ بإسنادِه إلى عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ الْمُقْرِي أنَّ رجُلاً مِن أهْلِ البِدَعِ رجَعَ عن بِدعتِه فجَعَلَ يقولُ: انْظُروا هذا الحديثَ عمَّن تَأخذونَه، فإنَّا كُنَّا إذا رَأينَا رَأْياً جَعَلْنَا له حَديثاً.
(236) والواضِعونَ بعضُهم قد صَنَعَا مِن عِنْدِ نفْسِه وبعضٌ وَضَعَا
(237)كلامَ بعْضِ الْحُكَمَا في الْمُسْنَدِ ومنه نَوْعٌ وَضْعُه لم يُقْصَدِ
(238)نحوَ حديثِ ثابتٍ (مَن كَثُرَتْ صلاتُه) الحديثَ وَهْلَةٌ سَرَتْ
ثم الواضعونَ مِنهم مَن يَضَعُ كلاماً مِن عنْدِ نفْسِه ويَرويهِ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ ومنهم مَن يَأخذُ كلامَ بعضِ الْحُكماءِ أو بعضِ الزُّهادِ أو الإسرائيليَّاتِ فيَجعلُه حديثاً مثلَ حديثِ: (حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ). فإنه إمَّا مِن كلامِ مالِكِ بنِ دِينارٍ، كما رواه ابنُ أبي الدُّنيا في كتابِ (مَكايِدِ الشيطانِ) بإسنادِه إليه، وإمَّا هو مَرْوِيٌّ مِن كلامِ عيسى ابنِ مريمَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ كما رواه البَيهقيُّ في كتابِ (الزهدِ) ، ولا أصْلَ له مِن حديثِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ إلاَّ مِن مَراسيلِ الحسَنِ البَصريِّ كما رواه البَيهقيُّ في شعَبِ الإيمانِ في البابِ الحادي والسبعينَ منه، ومَراسيلُ الحسَنِ عندَهم شِبْهُ الريحِ.
وكالحديثِ الموضوعِ: (الْمَعِدَةُ بيتُ الداءِ والْحِمْيَةُ رأسُ الدواءِ). فهذا مِن كلامِ بعضِ الأَطِبَّاءِ لا أصْلَ له عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ. ومِن أقسامِ الموضوعِ ما لم يُقْصَدْ وَضْعُه وإنما وَهِمَ فيه بعضُ الرُّواةِ.
وقالَ ابنُ الصلاحِ: إنه شِبْهُ الوضْعِ كحديثٍ رواه ابنُ ماجَهْ عن إسماعيلَ بنِ محمَّدٍ الطَّلْحِيِّ عن ثابتِ بنِ موسى الزاهدِ عن شَريكٍ عن الأعمَشِ عن أبى سُفيانَ عن جابِرٍ مرفوعاً: ((مَن كَثُرَتْ صلاتُه بالليلِ حَسُنَ وَجْهُه بالنهارِ)).
وقالَ أبو حاتمٍ الرازيُّ: كتَبْتُهُ عن ثابتٍ فذَكَرْتُه لابنِ نُمَيْرٍ فقالَ الشيخُ -يَعني ثابتًا-: لا بأسَ به والحديثُ مُنكرٌ. قالَ أبو حاتمٍ: والحديثُ موضوعٌ.
وقالَ الحاكِمُ: دخَلَ ثابتُ بنُ موسى على شَريكِ بنِ عبدِ اللهِ القاضِي والْمُسْتَمْلِي بينَ يَديهِ وشَريكٌ يقولُ: حَدَّثَنا الأعمَشُ عن أبي سُفيانَ عن جابِرٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ ولم يَذكُرِ الْمَتْنَ، فلمَّا نظَرَ إلى ثابتِ بنِ موسى قالَ: مَن كَثُرَتْ صلاتُه بالليلِ حَسُنَ وجهُهُ بالنهارِ. وإنما أرادَ ثابتاً لزُهْدِه ووَرَعِه، فظَنَّ ثابتٌ أنه روى هذا الحديث مَرفوعاً بهذا الإسنادِ، فكان ثابتٌ يُحَدِّثُ به عن شَريكٍ عن الأعمَشِ عن أبى سُفيانَ عن جابِرٍ.
وقالَ ابنُ حِبَّانَ: وهذا قولُ شَريكٍ قالَه عَقِبَ حَديثِ الأعمَشِ عن أبي سُفيانَ عن جابِرٍ: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ)). فأدْرَجَه ثابتٌ في الخبَرِ ثم سَرَقَه منه جماعةٌ ضعفاءُ وحَدَّثُوا به عن شَريكٍ، فعلى هذا هو مِن أقسامِ الْمُدْرَجِ.
وقالَ ابنُ عَدِيٍّ: إنه حديثٌ مُنْكَرٌ لا يُعْرَفُ إلاَّ بثابِتٍ وسَرَقَه منه مِن الضُّعفاءِ عبدُ الحميدِ بنُ بحرٍ وعبدُ اللهِ بنُ شُبْرُمَةَ الشَّرِيكِيُّ وإسحاقُ بنُ بشْرٍ الكاهِلِيُّ وموسى بنُ محمَّدٍ أبو الطاهرِ الْمَقدسيُّ.
قالَ: وحَدَّثَنا به بعضُ الضعفاءِ عن رَحْمَوَيْهِ وكَذَبَ؛ فإنَّ رَحْمَوَيْهِ ثِقَةٌ، قالَ: وبَلَغَنِي عن محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ نُمَيْرٍ أنه ذُكِرَ له هذا الحديثُ عن ثابتٍ فقالَ: باطلٌ شُبِّهَ على ثابتٍ.
وذلك أنَّ شَريكاً كان مَزَّاحاً وكانَ ثابتٌ رَجُلاً صالِحاً فيُشْبِهُ أنْ يكونَ ثابتٌ دَخَلَ على شَريكٍ وكان شَريكٌ يقولُ: حَدَّثَنا الأعمَشُ عن أبي سُفيانَ عن جابِرٍ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ فالتَفَتَ فرأى ثابِتاً فقالَ يُمَازِحُهُ: مَنْ كَثُرَتْ صَلاتُه بالليلِ حَسُنَ وجْهُه بالنهارِ. فظَنَّ ثابتٌ لغَفلتِه أنَّ هذا الكلامَ الذي قالَه شَريكٌ هو مَتْنُ الإسنادِ الذي قَرَأَهُ فحَمَلَه على ذلك، وإنما ذلك قولُ شَريكٍ وقالَ العُقَيْلِيُّ: إنه حديثٌ باطل ليس له أصْلٌ ولا يُتابِعُه عليه ثِقَةٌ.
وقالَ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ: كلُّ مَن حَدَّثَ به عن شَريكٍ فهو غيرُ ثِقَةٍ. وقد قالَ ابنُ مَعينٍ في ثابتٍ هذا: إنه كذَّابٌ.
وقولُه: وَهْلَةٌ، أيْ: غَفلةٌ، ومنه قولُ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها في الحديثِ الصحيحِ: (إنه لم يَكْذِبْ ولكنَّه وَهِلَ) أيْ: ذَهَبَ وَهْمُه إلى ذلك.
(239) ويُعْرَفُ الوضْعُ بالاقرارِ ومَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهْ ورُبَّمَا
(240) يُعْرَفُ بالرِّكَّةِ قُلتُ اسْتَشْكَلاَ الثَّبَجِيُّ القطْعَ بالوَضْعِ عَلَى
(241)ما اعْتَرَفَ الواضِعُ إذ قد يَكْذِبُ بلى نَرُدُّهُ وعنه نُضْرِبُ
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: وإنما يُعْرَفُ كونُ الحديثِ مَوضوعاً بإقرارِ واضِعِه أو ما يَنْزِلُ مَنزِلَةَ إقرارِه. قالَ: وقد يَفهمونَ الوَضْعَ مِن قَرينةِ حالِ الراوي أو الْمَرْوِيِّ، فقد وُضِعَتْ أحاديثُ طَويلةٌ يَشْهَدُ بوَضْعِها ركاكةُ ألفاظِها ومَعانِيها. انتهى.
ورُوِّينَا عن الربيعِ بنِ خثيمٍ قالَ: إنَّ للحديثِ ضَوْءاً كضَوْءِ النهارِ تَعْرِفُه، وظُلْمَةً كظُلمةِ الليلِ تُنْكِرُه، قالَ ابنُ الْجَوْزِيِّ: واعلَمْ أنَّ الحديثَ الْمُنْكَرَ يَقْشَعِرُّ له جِلْدُ الطالِبِ للعلْمِ ويَنْفِرُ منه قلْبُه في الغالِبِ وقد استَشْكَلَ ابنُ دقيقِ العيدِ الاعتمادَ على إقرارِ الراوِي بالوضْعِ فقالَ: هذا كافٍ في ردِّه، لكن ليس بقاطِعٍ في كونِه مَوضوعاً، لجوازِ أنْ يَكْذِبَ في هذا الإقرارِ بعينِه.
وهذا هو الْمَعْنِيُّ بقولِي: (استَشْكَلَ الثَّبَجِيُّ) وهو ابنُ دقيقِ العيدِ، وربما كانَ يَكتُبُ هذه النِّسْبَةَ في خَطِّه؛ لأنه وُلِدَ بثَبَجِ البحْرِ بساحِلِ يَنْبُعَ مِن الْحِجَازِ.
ومنه الحديثُ الصحيحُ: (يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ) أيْ: ظَهْرَه، وقيلَ: وسَطَه.

مسلمة 12
12-21-2008, 10:31 AM
الموضوعُ
مِن (وَضَعَ الشيءَ)، أيْ: حَطَّه، سُمِّيَ بذلك؛ لانحطاطِ رُتبتِه دائمًا، بحيثُ لا يَنْجَبِرُ أصْلاً.
شَرُّ الضَّعيفِ الْخَبَرُ الْمَوضوعُ الكَذِبُ الْمُخْتَلَقُ الْمَصنوعُ
وكيفَ كان لم يُجِيزُوا ذِكْرَهْ لِمَنْ عَلِمْ ما لم يُبَيِّنْ أَمْرَهْ
وأَكْثَرَ الجامِعُ فيه إذْ خَرَجْ لِمُطْلَقِ الضَّعْفِ عَنَى أبا الفَرَجْ
والواضعونَ للحديثِ أَضْرُبُ أضَرُّهُمْ قومٌ لزُهْدٍ نُسِبُوا
قد وَضَعُوها حِسْبَةً فقُبِلَتْ منهم رُكونًا لهمُ ونُقِلَتْ
فقَيَّضَ اللهُ لها نُقَّادَهَا فبَيَّنُوا بنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا
(شَرُّ) أنواعِ (الضعيفِ) مِن مُرْسَلٍ ومنقَطِعٍ وغيرِهما (الخبرُ الموضوعُ) أيِ: المحطوطُ، (الكَذِبُ) أيِ: المكذوبُ على النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، (المختَلَقُ) - بفتْحِ اللامِ - أيِ: الذي لا يُنْسَبُ إليه أَصْلاً، (المصنوعُ) مِن واضِعِه.
وجِيءَ في تعريفِه بهذه الألفاظِ الثلاثةِ المتقارِبَةِ للتأكيدِ في التنفيرِ منه، والأوَّلُ منها مِن زِيادتِه.
وأَوْرَدَ الموضوعَ في أنواعِ الحديثِ مع أنه ليس بحديثٍ، نَظَرًا إلى زعْمِ واضِعِه، ولتُعْرَفَ طرُقُه التي يُتَوَصَّلُ بها لِمَعرِفَتِه ليُنْفَى عن القَبولِ.
(وكيفَ كان) الموضوعُ، أيْ: في أيِّ معنًى كانَ مِن حُكْمٍ، أو قِصَّةٍ، أو تَرغيبٍ، أو تَرهيبٍ، أو غيرِها (لم يُجِيزُوا) أيِ: العلماءُ (ذِكْرَه) بروايةٍ أو غيرِها كاحتجاجٍ أو ترغيبٍ (لِمَنْ عَلِمْ) - بإدغامِ ميمِه في ميمِ ما الآتيةِ - أنه موضوعٌ؛ لخبرِ: ((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى - أَيْ يَظُنُّ - أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ)) بالتثنيةِ والجمْعِ (ما لم يُبَيِّنْ) ذاكِرُه (أمْرَه) فإنْ بَيَّنَه كأنْ قالَ: هذا كَذِبٌ، أو باطلٌ, جازَ ذِكْرُه.
(و) لقد (أكثَرَ الجامعُ فيه) مُصَنَّفًا نحوَ مُجَلَّدَيْنِ (إذ خَرَجْ) عن موضوعِ مصَنَّفِه (لِمُطْلَقِ الضعْفِ) حيث أَوْدَعَ فيه كثيرًا مِن الأحاديثِ الضعيفةِ التي لا دَليلَ على وَضْعِها، بل ربما أَوْدَعَ فيه الحسَنَ والصحيحَ.
و(عَنَى) أيِ: ابنُ الصلاحِ بالجامعِ المذكورِ (أبا الفرَجِ) بنَ الْجَوْزِيِّ، والموقِعُ له في ذلك استنادُه غالِبًا لضعْفِ رواي الحديثِ الذي رُمِيَ بالكَذِبِ مَثَلاً غافلاً عن مَجيئِه مِن وَجهٍ آخَرَ.
(والواضِعونَ للحديثِ) وهم كثيرونَ معروفونَ في كُتُبِ الضعفاءِ، كـ (الْمِيزانِ) للذهبيِّ، و(لسانِه) لشيخِنا (أَضْرُبُ):
فضَرْبٌ يَفعلونَه استخفافًا بالدِّينِ ليُضِلُّوا به الناسَ كالزنادقةِ وهم: الذينَ يُبْطِنُونَ الكفْرَ ويُظْهِرونَ الإسلامَ، أو الذين لا يَتَدَيَّنُونَ بدِينٍ.
وضَرْبٌ يَفعلونَه انتصارًا وتَعَصُّبًا لِمَذاهبِهم كالْخَطَّابِيَّةِ: فِرقَةٍ تُنْسَبُ لأبي الْخَطَّابِ الأَسَدِيِّ كان يقولُ بالْحُلولِ.
وكالسالِمِيَّةِ: فِرقَةٍ تُنْسَبُ للحسَنِ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ سالِمٍ السالِمِيِّ.
وضَرْبٌ يَتقرَّبونَ لبعضِ الخلفاءِ والأمراءِ بوَضْعِ ما يُوَافِقُ أفعالَهم وآراءَهم؛ ليكونَ كالعُذْرِ لهم فيما أَتَوْا به؛ كغَيَّاثِ بنِ إبراهيمَ؛ حيثُ وَضَعَ للمَهْدِيِّ في حديثِ: ((لاَ سَبْقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ)) فزَادَ فيه: "أو جَناحٍ"؛ وكان المهديُّ إذ ذاك يَلعَبُ بالحمامِ فتَرَكَها بعدَ ذلك وأَمَرَ بذَبْحِها، وقالَ: أنا حَمَلْتُه على ذلك.
وضرْبٌ يَفعلونَه لذَمِّ مَن يُريدونَ ذَمَّه.
وضَرْبٌ يَفعلونَه للاكتسابِ والارتزاقِ.
وضَرْبٌ امْتُحِنُوا بأولادِهم أو وَرَّاقِينَ فوَضَعُوا لهم أحاديثَ، ودَسُّوهَا عليهم فحَدَّثُوا بها مِن غيرِ أنْ يَشْعُرُوا.
وضَرْبٌ يَلْجَئُونَ إلى إقامةِ دليلٍ على ما أَفْتَوْا فيه بآرائِهم.
وضَرْبٌ يَتدَيَّنُونَ به لترغيبِ الناسِ في أفعالِ الخيرِ بزَعْمِهم، وهم مَنسوبونَ للزُّهْدِ.
وكلٌّ مِن هؤلاءِ حَصَلَ له وبه الضرَرُ.
و(أَضُرُّهمْ قَوْمٌ لزُهْدٍ) وصَلاحٍ (نُسِبُوا، قد وَضَعُوها) أيِ: الأحاديثَ في الفضائلِ والرغائبِ (حِسْبَةً) أيْ: ليَحْتَسِبُوا بها عندَ اللهِ بزَعمِهم الباطلِ وجَهْلِهم؛ وإنما كانوا أضَرَّ؛ لأنهم يَرَوْنَ ذلك قُربةً فلا يَتركونَه.
(فقُبِلَتْ) مَوضوعاتُهم (منهم رُكونًا لهم) - بضمِّ الميمِ _أيْ: مَيْلاً إليهم، ووُثوقًا بهم لِمَا نُسِبُوا له مِن الزهْدِ والصلاحِ.
(ونُقِلَتْ) عنهم على لسانِ مَن اتَّصَفَ بالخيرِ والتقوى، وحُسْنِ الظنِّ، وسلامةِ الصدْرِ؛ بحيث يَحْمِلُ كلَّ ما سَمِعَه على الصدْقِ، ولا يَهتدِي لتمييزِ الخطأِ مِن الصوابِ.
(فَقَيَّضَ اللهُ لها) أيْ: لِمَوضوعاتِهم (نُقَّادَها) جَمْعَ ناقِدٍ مِن: نَقَدْتُ الدراهمَ إذا استَخْرَجْتَ منها الزَّيْفَ. وهم مَن خَصَّهُم اللهُ بقُوَّةِ البصيرةِ في عِلْمِ الحديثِ، فلم يَخْفَ عليهم حالُ الكَذَّابِ وغيرِه.
(فَبَيَّنُوا بنَقْدِهم فَسَادَها)، وقامُوا بأعباءِ ما تَحَمَّلُوهُ.
ومِن ثَمَّ لَمَّا قِيلَ لابنِ المبارَكِ: هذه الأحاديثُ المصنوعةُ؟ قالَ: يَعيشُ لها الْجَهابِذَةُ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

نحوُ أبي عِصْمَةَ إذ رَأَى الْوَرَى زَعْماً نَأَوْا عن القُرانِ فافْتَرَى
لهم حديثاً في فَضائِلِ السُّوَرْ عن ابنِ عَبَّاسٍ فبِئْسَ ما ابْتَكَرْ
كذا الحديثُ عن أُبَيٍّ اعْتَرَفْ رَاوِيهِ بالوَضْعِ وبِئْسَ ما اقْتَرَفْ
وكلُّ مَن أَوْدَعَه كتابَهُ كالوَاحِدِيِّ مُخْطِئٌ صَوَابَهُ
وجَوَّزَ الوَضْعَ على الترغيبِ قومُ ابنِ كَرَّامٍ وفي الترهيبِ

ومَثَّلَ لِمَن كان يَضَعُ حِسبةً بقولِه:
(نحوُ) ما رُوِّينَاهُ عن (أبي عِصمةَ) نوحِ بنِ أبي مريمَ القُرَشِيِّ، الْمَرْوَزِيِّ، قاضِي مَرْوَ، الملَقَّبِ بـ(الجامِعِ) لِمَا يَأْتِي، ولِجَمْعِه بينَ التفسيرِ، والحديثِ، والمغازِي، والفقْهِ، مع العلْمِ بأمورِ الدُّنْيَا.
(إذ رأى الوَرَى) أيِ: الخلْقَ (زَعْمًا) منه - بتثليثِ الزايِ - أنهم (نَأَوْا) أيْ: أَعْرَضُوا (عن القرانِ) - بنقْلِ حركةِ الهمزةِ - واشْتَغَلُوا بفِقْهِ أبي حَنيفةَ، ومَغازِي ابنِ إسحاقَ، مع أنهما مِن شُيوخِه.
(فافْتَرَى) أيِ: اخْتَلَقَ (لهم) مِن عندِ نفْسِه حِسبةً باعترافِه (حديثًا في فَضائلِ) قِراءةِ (السُّوَرْ)، ورَواهُ عن عِكرمةَ، (عن ابنِ عَبَّاسٍ) رَضِيَ اللهُ عنهما.
زادَ الناظمُ: (فبِئْسَ ما ابْتَكَرْ) مِن وَضْعِه وما لَحِقَه به.
ومِمَّنْ صَرَّحَ بوَضْعِه ذلك الحاكِمُ، وقالَ هو وابنُ حِبَّانَ: إنه جَمَعَ كلَّ شيءٍ إلاَّ الصدْقَ.
و(كذا الحديثُ) الطويلُ (عن أُبَيٍّ) هو ابنُ كعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنه في فضائلِ قِراءةِ السُّوَرِ أيضاً (اعْتَرَفْ رَاوِيهِ بالوضْعِ) له.
فقد قالَ أبو عبدِ الرحمنِ الْمُؤَمِّلُ بنُ إسماعيلَ: حدَّثَنِي به شيخٌ، فقُلتُ له: مَن حَدَّثَكَ به؟ فقالَ: رجُلٌ بالمدائنِ وهو حَيٌّ.
فصِرْتُ إليه فقالَ: حَدَّثَنِي به شيخٌ بواسِطَ وهو حَيٌّ، فصِرْتُ إليه فقالَ: حَدَّثَنِي به شيخٌ بالبصرةِ، فصِرْتُ إليه فقالَ: حَدَّثَنِي به شيخٌ بعَبادانَ.
فصِرْتُ إليه فأَخَذَ بيَدِي فأَدْخَلَنِي بَيْتًا، فإذا فيه قَوْمٌ مِن الْمُتَصَوِّفَةِ ومعهم شيخٌ، فقالَ: هذا الشيخُ حَدَّثَنِي به, فقلتُ له: يا شيخُ! مَن حَدَّثَكَ بهذا؟
فقالَ: لم يُحَدِّثْنِي به أحَدٌ، ولَكِنَّا رَأَيْنَا الناسَ رَغِبُوا عن القرآنِ، فوَضَعْنَا لهم هذا الحديثَ ليَصْرِفُوا قلوبَهم إلى القرآنِ.
زادَ الناظمُ أيضًا: (وبِئْسَ ما اقْتَرَفْ) أيِ: اكتسَبَ مِن وَضْعِه.
(وكُلُّ مَن أوْدَعَه كتابَهُ) التفسيرَ أو نحوَه (كـ) أبي الحسَنِ عليٍّ (الواحِدِيِّ) وأبي إسحاقَ الثعلبيِّ، وأبي القاسمِ الزمَخْشَرِيِّ (مُخْطِئٌ) في ذلك (صوابَه)؛ إذ الصوابُ تَجَنُّبُه إلاَّ مُبَيَّنًا كما مَرَّ.
وأَشَدُّهُم خَطَأً الزمخشريُّ؛ حيث أَوْرَدَهُ بصيغةِ الجزْمِ ولم يُبْرِزْ سَنَدَه.
(وَجَوَّزَ الوَضْعِ) في الحديثِ (على) وجهِ (الترغيبِ) للناسِ في فضائلِ الأعمالِ (قَوْمُ) محمَّدٍ أبي عبدِ اللهِ (بنِ كَرَّامٍ) بالتشديدِ مع فتْحِ الكافِ على المشهورِ كما قالَه شيخُنا كغيرِه.
وقيلَ: بالتخفيفِ مع فَتْحِها.
وقيلَ: به مع كَسْرِها؛ وهو الجارِي على أَلْسِنَةِ أهْلِ بَلَدَهِ سِجِسْتَانَ.
(و) جَوَّزَه أيضًا (في الترهيبِ) زَجْرًا عن المعصيةِ؛ مُحْتَجِّينَ في ذلك بأنَّ الكَذِبَ في الترغيبِ والترهيبِ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لكونِه مُقَوٍّ بالشريعةِ، لا عليه.
والكذِبُ عليه إنما هو كأنْ يُقالَ: إنه ساحِرٌ، أو مجنونٌ، أو نحوُ ذلك.
تَمَسَّكُوا في ذلك بخبَرِ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
وتَمَسُّكُهم به مَردودٌ؛ لأن ذلك كَذِبٌ عليه في وَضْعِ الأحكامِ، فإنَّ المندوبَ منها، ويَتضمَّنُ ذلك الإخبارَ عن اللهِ بالوعْدِ على ذلك العمَلِ بالثوابِ.
ولأنَّ لَفْظَةَ: ((لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ)) اتَّفَقَ الأئمَّةُ على ضَعْفِها.
وبتقديرِ قَبُولِها، فاللامُ ليستْ للتعليلِ ليكونَ لها مفهومٌ، بل للعَاقِبَةِ كما في قولِه تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} لأنهم لم يَلتَقِطُوه لذلك.
أو للتأكيدِ كما في قولِه: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ}؛ إذ افْتِرَاؤُه الكذِبَ على اللهِ مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا، سواءٌ أقُصِدَ به الإضلالُ أمْ لا.



والواضعونَ بعضُهم قد صَنَعَا مِن عِنْدِ نفْسِه وبعضٌ وَضَعَا
كلامَ بعْضِ الْحُكَمَا في الْمُسْنَدِ ومنه نَوْعٌ وَضْعُه لم يُقْصَدِ
نحوُ حديثِ ثابتٍ: ((مَن كَثُرَتْ صلاتُه ...)) الحديثَ وَهْلَةٌ سَرَتْ

(والواضِعونَ) أيضًا (بعضُهم قد صَنَعَا) كلامًا وَضَعَه على النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ (مِن عندِ نفْسِه، وبعضٌ) منهم قد (وَضَعَا كلامَ بعضِ الْحُكَمَا) - بالقصْرِ للوزْنِ - أو الزُّهادِ، أو الصحابةِ، أو الإسرائيلياتِ (في المسنَدِ) المرفوعِ تَرويجًا له.
كحديثِ: (حُبُّ الدنيا رأسُ كلِّ خَطيئةٍ)؛ فإنه مِن كلامِ مالِكِ بنِ دِينارٍ كما رواه ابنُ أبي الدنيا، أو مِن كلامِ عيسى ابنِ مريمَ عليه الصلاةُ والسلامُ كما رواه البَيهقيُّ في كتابِ (الزهْدِ).
وقالَ في (شُعَبِ الإيمانِ): ولا أصْلَ له مِن حديثِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، إلاَّ مِن مَراسيلِ الحسَنِ البَصريِّ.
قالَ الناظِمُ: ومَراسيلُ الحسَنِ عندَهم شِبْهُ الرِّيحِ.
وكحديثِ: (الْمَعِدَةُ بيتُ الداءِ، والْحِمْيَةُ رأسُ الدواءِ)؛ فإنه مِن كلامِ بعضِ الأَطِبَّاءِ.
(ومنه) أيْ: مِن الموضوعِ (نَوْعٌ وَضْعُهُ لم يُقْصَدِ نحوُ حديثِ ثابتٍ) هو ابنُ موسى الزاهِدُ الذي رواه عن شَريكٍ، عن الأَعْمَشِ، عن أبي سُفيانَ، عن جابرٍ مَرفوعًا: (مَن كَثُرَتْ صَلاتُه) بالليلِ... (الحديثَ)، وتمامُه: حَسُنَ وجْهُه بالنهارِ.
فهذا لا أصْلَ له عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ولم يَقْصِدْ ثابتٌ وَضْعَه، وإنما دَخَلَ على شَريكِ بنِ عبدِ اللهِ القاضي وهو بمجلِسِ إملائِه عندَ قولِه: حَدَّثَنا الأعمَشُ، عن أبي سُفيانَ، عن جابرٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ولم يَذْكُرِ الْمَتْنَ، أو ذَكَرَه على ما اقتضاهُ كلامُ ابنِ حِبَّانَ وهو: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ)). فقالَ شَريكٌ مُتَّصِلاً بالسنَدِ أو المتْنِ حينَ نَظَرَ إلى ثابِتٍ ممازِحًا له: (مَن كَثُرَتْ صلاتُه ...) إلى آخِرِه - مُريدًا به ثابتًا لزُهْدِه، ووَرَعِه، وعِبادتِه. فظَنَّ ثابتٌ أنَّ هذا مَتْنُ السنَدِ أو بَقِيَّتُه، فكانَ يُحَدِّثُ به كذلك مُنْفَصِلاً أو مُدْرِجًا له في الْمَتْنِ.
وهذا (وَهْلَةٌ) أيْ: غَفْلَةٌ أو غَلْطَةٌ مِن ثابِتٍ نَشَأَتْ مِن سلامةِ صَدْرِه (سَرَتْ) منه إلى غيرِه؛ بحيثُ انتَشَرَتْ حديثًا، فرَواهُ عنه كثيرٌ.
قالَ الْجَوهريُّ: يُقالُ: وَهِلَ في الشيءِ وعنه - أيْ بالكسْرِ - يَوْهَلُ وَهَلاً، إذا غَلِطَ فيه وسَهَا. ووَهَلَ إليه - بالفتْحِ - يَهِلُ وَهْلاً، إذا ذَهَبَ وَهْمُك إليه، وأنتَ تُريدُ غيرَه.

ويُعْرَفُ الوضْعُ بالاقرارِ ومَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ ورُبَّمَا
يُعْرَفُ بالرِّكَّةِ قُلتُ: اسْتَشْكَلاَ الثَّبَجِيُّ القطْعَ بالوَضْعِ عَلَى
ما اعْتَرَفَ الواضِعُ إذ قد يَكْذِبُ بلى نَرُدُّهُ وعنه نُضْرِبُ

(ويُعْرَفُ الوضْعُ) للحديثِ (بالاقرارِ) - بدَرْجِ الهمزةِ - مِن وَاضِعِه (و) بـ (ما نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ)؛ كأنْ يُحَدِّثَ بحديثٍ عن شيخٍ، ثم يُسألَ عن مَوْلِدِه، فيَذْكُرَ تاريخًا يُعْلَمُ به وَفاتُه قَبْلَه، ولا يُعْرَفُ ذلك الحديثُ إلا عندَه.
فهذا لم يُقِرَّ بوَضْعِه، لكنَّ إقرارَه بمولِدِه يَنْزِلُ مَنْزِلةَ إقرارِه بوَضْعِه؛ لأن ذلك الحديثَ لا يُعْرَفُ إلاَّ عندَ الشيخِ، ولا يُعْرَفُ إلاَّ بروايةِ هذا.
(وربما يُعْرَفُ) وَضْعُه (بالرِّكَّةِ) للَفْظِه مما يَرْجِعُ إلى عَدَمِ الفصاحةِ وما يَتْبَعُها، مع التصريحِ بأنه لفْظُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ.
أو لمعناه مما يَرْجِعُ إلى الإخبارِ عن الجمْعِ بينَ النقيضينِ، وعن نفيِ الصانِعِ، وعن قِدَمِ الأجسامِ، ونحوُ ذلك.
أو لَهُما معا.
وقد رُوِيَ عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ التابِعِيِّ قالَ: إنَّ للحديثِ ضَوْءاً كضوْءِ النهارِ تَعْرِفُه، وظُلْمَةً كظُلمَةِ الليلِ تُنْكِرُه.
وقالَ ابنُ الْجَوْزِيِّ: الحديثُ المنكَرُ يَقْشَعِرُّ منه جِلْدُ طالِبِ العلْمِ، ويَنْفِرُ منه قلْبُه في الغالِبِ.
وذلك بأنْ يَحْصُلَ - كما قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ - للمحَدِّثِ - لكثرةِ محاولةِ ألفاظِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ - هيئةٌ نَفسانيَّةٌ، ومَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ يَعْرِفُ بها ما يَجوزُ أنْ يكونَ مِن ألفاظِ النُّبُوَّةِ، وما لا يَجوزُ.
(قلتُ): وقد (اسْتَشْكَلاَ) ابنُ دقيقِ العيدِ (الثَّبَجِيُّ) بِمُثَلَّثَةٍ ثم مُوَحَّدَةٍ مَفتوحتينِ نِسبةً إلى ثَبَجِ البحْرِ بساحلِ (يَنْبُعَ) مِن الْحِجازِ (القطْعَ بالوضْعِ على ما) أيِ: الْمَرْوِيِّ الذي (اعْتَرَفَ الواضِعُ) فيه على نَفْسِه بالوضْعِ بِمُجَرَّدِ اعترافِه مِن غيرِ قَرينةٍ معه.
(إذ قد يَكْذِبُ) في اعترافِه لقَصْدِ التنفيرِ عن هذا الْمَرويِّ، أو لغيرِه مما يُورِثُ رِيبةً، وحينئذٍ فالاحتياطُ ألا يُصَرَّحَ بالوضْعِ.
(بل نَرُدُّهُ) أيِ: المرويَّ؛ لاعترافِ رَاوِيهِ بما يُفَسِّقُه (وعنه نُضْرِبُ) - بضمِّ النونِ - أيْ: نُعْرِضُ، فلا نَحْتَجُّ به ولا نَعملُ به مُؤاخَذَةً له باعترافِه.
وحاصِلُه: أنَّ إقرارَه بوَضْعِه كافٍ في رَدِّهِ، لكنه ليس بقَاطِعٍ في كونِه مَوضوعًا؛ لجوازِ كَذِبِه في إقرارِه.
ففي الحقيقةِ ليس ذلك استشكالاً، بل بيانٌ للمرادِ والواقِعِ؛ إذ لا يُشْتَرَطُ في الحكْمِ القطْعُ، بل يَكْفِي غَلَبَةُ الظنِّ، واللهُ أعْلَمُ.

مسلمة 12
12-24-2008, 04:46 PM
الْمَوْضُوعُ
شَرُّ الضَّعيفِ الْخَبَرُ الْمَوضوعُ الكَذِبُ الْمُخْتَلَقُ الْمَصنوعُ
وكيفَ كان لم يُجِيزُوا ذِكْرَهُ لِمَنْ عَلِمْ ما لم يُبَيِّنْ أَمْرَهُ
وأَكْثَرَ الجامِعُ فيه إذْ خَرَجْ لِمُطْلَقِ الضَّعْفِ عَنَى أبا الفَرَجْ
والواضعونَ للحديثِ أَضْرُبُ أضَرُّهُمْ قومٌ لزُهْدٍ نُسِبُوا
قد وَضَعُوها حِسْبَةً فقُبِلَتْ منهمْ رُكونًا لهمُ ونُقِلَتْ
فقَيَّضَ اللهُ لها نُقَّادَهَا فبَيَّنُوا بنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا
نحوُ أبي عِصْمَةَ إذ رَأَى الْوَرَى زَعْماً نَأَوْا عن القُرَانِ فافْتَرَى
لهمْ حديثاً في فَضائِلِ السُّوَرْ عن ابنِ عَبَّاسٍ فبِئْسَ ما ابْتَكَرْ
كذا الحديثُ عن أُبَيٍّ اعْتَرَفْ رَاوِيهِ بالوَضْعِ وبِئْسَ ما اقْتَرَفْ
وكلُّ مَن أَوْدَعَه كتابَهُ كالوَاحِدِيِّ مُخْطِئٌ صَوَابَهُ
وجَوَّزَ الوَضْعَ على الترغيبِ قومُ ابنِ كَرَّامٍ وفي الترهيبِ
والواضعونَ بعضُهم قد صَنَعَا مِن عِنْدِ نفْسِه وبعضٌ وَضَعَا
كلامَ بعْضِ الْحُكَمَا في الْمُسْنَدِ ومنه نَوْعٌ وَضْعُه لم يُقْصَدِ
نحوُ حديثِ ثابتٍ (مَن كَثُرَتْ صلاتُه) الحديثَ وَهْلَةٌ سَرَتْ
ويُعْرَفُ الوضْعُ بالاقرارِ ومَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ ورُبَّمَا
يُعْرَفُ بالرِّكَّةِ قُلتُ اسْتَشْكَلاَ ألثَّبَجِيُّ القطْعَ بالوَضْعِ عَلَى
ما اعْتَرَفَ الواضِعُ إذ قد يَكْذِبُ بلى نَرُدُّهُ وعنه نُضْرِبُ

ومُناسَبَتُه لِمَا قَبْلَه ظَاهرةٌ؛ إذ مِن أقسامِه ما يُلْحَقُ في المرفوعِ مِن غيرِه، ولذا تَجَاذَبَا بعضَ الأمثلةِ. (شَرُّ) أنواعِ (الضعيفِ) مِن المرسَلِ والمنقَطِعِ وغيرِهما (الخبرُ الموضوعُ).
وهو لُغةً -كما قالَه ابنُ دِحيةَ-: الْمُلْصَقُ، يقالُ: وضَعَ فُلانٌ على فُلانٍ كذا، أيْ: أَلْصَقَه به، وهو أيضاً الْحَطُّ والإسقاطُ، لكنَّ الأوَّلَ أليَقُ بهذه الْحَيْثِيَّةِ؛ كما قالَه شيخُنا. واصطلاحاً: (الكَذِبُ) على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ (الْمُخْتَلَقُ) بفتحِ اللامِ، الذي لا يُنْسَبُ إليه بوجهٍ (المصنوعُ) مِن واضِعِه، وجِيءَ في تَعريفِه بهذه الألفاظِ الثلاثةِ المتقارِبَةِ للتأكيدِ في التنفيرِ منه، والأوَّلُ منها مِن الزوائدِ.
وقد بَلَغَنَا أنَّ بعضَ عُلماءِ العجَمِ أنكَرَ على الناظمِ قولَه في حديثٍ سُئلَ عنه: أنه كَذِبٌ، مُحْتَجًّا بأنه في كتابٍ مِن كُتبِ الحديثِ، ثم جاءَ به مِن (الموضوعاتِ) لابنِ الْجَوْزِيِّ، فتَعَجَّبُوا مِن كونِه لا يَعْرِفُ مَوضوعَ الموضوعِ، ولم يَنفرِدِ ابنُ الصلاحِ بكونِه شَرَّ الضعيفِ، بل سَبَقَه لذلك الْخَطَّابِيُّ، ولا يُنافِيهِ قولُ ابنِ الصلاحِ أيضاً في أوَّلِ الضعيفِ: ما عُدِمَ صِفات الصحيحِ والحسَنِ هو القِسْمُ الآخَرُ الأرذَلُ؛ لحمْلِ ذاك على مطلَقِ الواهي الذي هو أَعَمُّ مِن الموضوعِ وغيرِه، كما قِيلَ: أفضَلُ عباداتِ البدَنِ الصلاةُ، مع تَفاوُتِ مَراتِبِها.
وأمَّا هنا فإنه بَيَّنَ نَوْعاً منه، وهو شَرُّ أنواعِه، لكنْ قد يُقالُ: إنَّ أفعلَ التفضيلِ ليستْ هنا على بابِها، حتى لا يَلزمَ الاشتراكُ بينَ الضعيفِ والموضوعِ في الشرِّ، اللهم إلا أنْ يُقالَ: إنَّ ذاك في الضعيفِ بالنسبةِ إلى الْمَقبولِ.
ثم إنَّ وَراءَ هذا النزاعِ في إدراجِ الموضوعِ في أنواعِ الحديثِ؛ لكونِه ليس بحديثٍ، ولكنْ قد أُجيبَ بإرادةِ القدْرِ المشترَكِ وهو ما يُحَدِّثُ به، أو بالنظَرِ لِمَا في زعْمِ واضعِه، وأحسَنُ منهما أنه لأجْلِ مَعرفةِ الطرُقِ التي يُتَوَصَّلُ بها لمعرفتِه ليُنْفَى عن الْمَقبولِ ونحوِه.
(وكيف كانَ) الموضوعُ أي: في أيٍّ معنى كان مِن الأحكامِ، أو القِصَصِ، أو الفضائلِ، أو الترغيبِ والترهيبِ أو غيرِها (لم يُجِيزُوا) أيِّ: العُلماءُ بالحديثِ وغيرِه (ذِكْرَه) بروايةٍ وغيرِها (لِمَنْ عَلِمْ) بإدغامِ مِيمِها فيما بعدَها، أنه موضوعٌ لقولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ)) و "يُرى" مَضبوطةٌ بضَمِّ الياءِ بمعنى يَظُنُّ، وفي "الكاذبينَ" رِوايتانِ: إحداهما: بفتْحِ الباءِ على إرادةِ التَّثنيةِ، والأُخرَى: بكسرِها على صِيغةِ الجمْعِ.
وكفى بهذه الجملةِ وَعيداً شديداً في حَقِّ مَن روى الحديثَ، وهو يَظُنُّ أنه كذِبٌ، فضْلاً عن أنْ يَتحققَ ذاك ولا يُبَيِّنَه؛ لأنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَعلَ المحدِّثَ بذلك مشارِكاً لكاذِبِه في وَضْعِه.
وقد روى الثوريُّ عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ أنه قالَ: (مَن رَوَى الكذِبَ فهو الكذَّابُ).
ولذا قالَ الخطيبُ: (يَجبُ على المحدِّثِ ألاَّ يَرويَ شيئاً مِن الأخبارِ المصنوعةِ والأحاديثِ الباطلةِ الموضوعةِ، فمَن فَعلَ ذلك باءَ بالإثْمِ الْمُبينِ ودَخلَ في جُملةِ الكَذَّابينَ).
وكَتبَ البخاريُّ على حديثٍ موضوعٍ: مَن حدَّثَ بهذا، استوجَبَ الضرْبَ الشديدَ والحبْسَ الطويلَ. لكنْ مَحَلُّ هذا (ما لم يُبَيِّنْ) ذاكِرُه (أَمْرَهْ)؛ كأنْ يقولَ: هذا كذِبٌ، أو باطلٌ، أو نحوَهما مِن الصريحِ في ذلك.
وفي الاقتصارِ على التعريفِ بكونِه مَوضوعاً نَظرٌ، فرُبَّ مَن لا يُعرَفُ موضوعُه؛ كما قَدَّمْتُ الحكايةَ فيه، وكذا لا يُبرأُ مِن العُهدةِ في هذه الأعصارِ بالاقتصارِ على إيرادِ إسنادِه بذلك؛ لعَدَمِ الأمْنِ مِن المحذورِ به، وإنْ صَنَعَه أكثَرُ الْمُحَدِّثينَ في الأعصارِ الماضيةِ في سنةِ مائتينِ، وهلُمَّ جَرًّا، خُصوصاً الطبرانيُّ، وأبو نُعيمٍ، وابنُ مَندهْ.
فإنهم إذا سَاقُوا الحديثَ بإسنادِه، اعتَقَدُوا أنهم بَرِئُوا مِن عُهدتِه، حتى بالَغَ ابنُ الْجَوْزِيِّ فقالَ في الكلامِ على حديثِ أُبَيٍّ الآتِي: (إنَّ شَرَهَ جُمهورِ المحدِّثينَ يَحملُ على ذلك، فإنَّ مِن عاداتِهم تَنفيقَ حديثِهم ولو بالأباطيلِ، وهذا قَبيحٌ منهم).
قالَ شيخَنا: (وكأنَّ ذكْرَ الإسنادِ عندَهم مِن جُملةِ البيانِ، هذا مع إلحاقِ اللوْمِ لِمَنْ سَمَّيْنَا بسَبَبِه).
وأمَّا الشارِحُ فإنه قالَ: (إنَّ مَن أَبرزَ إسنادَه به، فهو أبسَطُ لعُذرِه؛ إذ أحالَ ناظِرَه على الكشْفِ عن سنَدٍ، وإنْ كانَ لا يَجوزُ له السكوتُ عليه مِن غيرِ بَيانٍ). انتهى.
قالَ الخطيبُ: (ومَن روى حديثاً مَوضوعاً على سبيلِ البيانِ لحالِ واضِعِه، والاستشهادِ على عظيمِ ما جاءَ به، والتعَجُّبِ منه، والتنفيرِ عنه- ساغَ له ذلك، وكانَ بمثابةِ إظهارِ الشاهِدِ في الحاجةِ إلى كشْفِه والإبانةِ عنه).
وأمَّا الضعيفُ فسيأتي بيانُ حكْمِه في ذلكَ إنْ شاءَ اللهُ قُبيلَ مَعرفةِ مَن تُقبلُ رِوايتُه قَريباً.
ويُوجَدُ الموضوعُ كَثيراً في الكتُبِ الْمُصَنَّفَةِ في الضعفاءِ، وكذا في (العِلَلِ)، (و) لقد (أَكثرَ الجامعُ فيه) مُصَنَّفاً نحوَ مُجَلَّدينِ (إذ خَرَجْ) عن موضوعِ كتابِه (لِمُطْلَقِ الضعْفِ)؛ حيث أَخرجَ فيه كثيراً مِن الأحاديثِ الضعيفةِ التي لا دَليلَ معه على وَضْعِها.
و (عَنَى) ابنُ الصلاحِ بهذا الجامعِ الحافظَ الشهيرَ (أبا الفرَجِ) بنَ الْجَوْزِيِّ، بل ربما أَدرجَ فيها الحسَنَ، والصحيحَ مما هو في أحَدِ الصحيحينِ، فضْلاً عن غيرِهما، وهو مع إصابتِه في أكثرِ ما عندَه تَوَسُّعٌ منكَرٌ، يَنشأُ عنه غايةُ الضرَرِ مِن ظَنِّ ما ليس بموضوعٍ بل هو صحيحٌ مَوضوعاً، مما قد يُقَلِّدُه فيه العارِفُ تَحسيناً للظنِّ به؛ حيث لم يَبحثْ فضْلاً عن غيرِه.
ولذا انتقَدَ العلماءُ صَنيعَه إِجمالاً، والْمُوقِعُ له فيه إسنادُه في غالِبِه بضَعْفِ رَاوِيهِ الذي رُمِيَ بالكَذِبِ مَثلاً، غافِلاًَ عن مَجيئِه مِن وجهٍ آخَرَ.
وربما يكونُ اعتمادُه في التفَرُّدِ قولَ غيرِه ممن يكونُ كلامُه فيه مَحمولاً على النِّسْبِيِّ، هذا مع أنَّ مُجرَّدَ تَفرُّدِ الكذَّابِ بل الوضَّاعِ، ولو كان بعدَ الاستقصاءِ في التفتيشِ مِن حافِظٍ متَبَحِّرٍ تامِّ الاستقراءِ - غيرُ مستَلْزِمٍ لذلك، بل لا بدَّ معه مِن انضمامِ شيءٍ مما سيأتي.
ولذا كان الحكْمُ به مِن المتأخِّرينَ عَسيراً جِدًّا، وللنظَرِ فيه مجالٌ، بخلافِ الأئمَّةِ الْمُتَقَدِّمينَ الذين مَنَحَهم اللهُ التبَحُّرَ في علْمِ الحديثِ والتوَسُّعَ في حفْظِه؛ كشُعبةَ والقطَّانِ وابنِ مَهدِيٍّ ونحوِهم، وأصحابِهم مثلِ أحمدَ وابنِ الْمَدِينِيِّ وابنِ مَعينٍ وابنِ رَاهَوَيْهِ وطائفةٍ، ثم أصحابِهم مثلِ البُخاريِّ ومسلِمٍ وأبي داودَ والترمذيِّ والنَّسائيِّ.
وهكذا إلى زمَنِ الدارقُطنيِّ والبَيهقيِّ، ولم يَجئْ بعدَهم مُساوٍ لهم، ولا مُقارِبٌ. أفادَه العَلائيُّ، وقالَ: (فمتى وَجَدْنَا في كلامِ أحَدٍ مِن الْمُتَقَدِّمينَ الحكْمَ به، كان معْتَمَداً؛ لِمَا أعطاهم اللهُ مِن الحفْظِ الغَزيرِ، وإنِ اختَلَفَ النقْلُ عنهم، عُدِلَ إلى الترجيحِ). انتهى.
وفي جَزْمِه باعتمادِهم في جميعِ ما حَكَمُوا به مِن ذلك تَوَقُّفٌ، ثم إنَّ مِن العجَبِ إيرادَ ابنِ الجوزيِّ في كتابِه (العِلَلِ المتناهيةِ في الأحاديثِ الواهيةِ) كثيراً مما أَوْرَدَه في (الموضوعاتِ) كما أنَّ في (الموضوعاتِ) كثيراً مِن الأحاديثِ الواهيةِ، بل قد أَكثرَ في تصانيفِه الوعظيَّةِ وما أَشْبَهَها مِن إيرادِ الموضوعِ وشَبَهِه.
قالَ شيخُنا: (وفاتَه مِن نَوْعَيِ الموضوعِ والواهِي في الكتابينِ قَدْرُ ما كَتَبَ).
قالَ: (ولو انتُدِبَ شخصٌ لتَهذيبِ الكتابِ ثم لإلحاقِ ما فاتَه، لكانَ حسَناً، وإلا فما تَقرَّرَ عدَمُ الانتفاعِ به إلا للناقِدِ؛ إذ ما مِن حديثٍ إلاَّ ويُمكنُ ألا يكونَ مَوضوعاً، وهو والحاكمُ في(مُستَدْرَكِه على الصحيحينِ) طَرَفَا نقيضٍ، يعني فإنه أدْرَجَ فيه الحسَنَ بل والضعيفَ، وربما كان فيه الموضوعُ).
وممن أفرَدَ بعدَ ابنِ الجوزيِّ في الموضوعِ كُراسةً الرَّضِيُّ الصَّغَانِيُّ اللُّغَوِيُّ، ذكَرَ فيها أحاديثَ مِن (الشهابِ) للقُضاعِيِّ، و(النجْمِ) للإقلِيشِيِّ وغيرِهما كـ(الأربعينَ) لابنِ وَدْعانَ، و(فضائلِ العلماءِ) لمحمَّدِ بنِ سُرورٍ البَلْخِيِّ، و(الوصِيَّةِ) لعليِّ بنِ أبي طالبٍ، و(خُطبةِ الوداعِ وآدابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ).
وأحاديث أبي الدنيا الأشَجِّ ونَسطورٍ، ويَغْنَمَ بنِ سالمٍ ودينارٍ الْحَبَشِيِّ وأبي هُدبةَ إبراهيمَ بنِ هُدبةَ، ونُسخةِ سَمعانَ عن أنَسٍ و(الفِردوسِ) للدَّيْلَمِيِّ، وفيها الكثيرُ أيضاً مِن الصحيحِ والحسَنِ، وما فيه ضعْفٌ يَسيرٌ.
وقد أفْرَدَه الناظمُ في جزءٍ، وللجَوْزَقَانِيِّ أيضاً كتابُ (الأباطيلِ) أكثَرَ فيه مِن الحكْمِ بالوضْعِ لِمُجَرَّدِ مُخالَفَةِ السنَّةِ.
قالَ شيخُنا: وهو خَطأٌ، إلاَّ إنْ تَعَذَّرَ الجمْعُ؛ ومِن ذلك حديثُ: ((لاَ يَؤُمَّنَّ عَبْدٌ قَوْمًا، فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ...)) الحديثَ، حكَمَ عليه بعضُهم بالوضْعِ؛ لأنه قد صَحَّ أنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يقولُ: ((اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ))، وهذا خَطأٌ لإمكانِ حَمْلِه على ما لم يُشْرَعْ للمُصَلِّي مِن الأدْعِيَةِ، بخِلافِ ما يَشترِكُ فيه الإمامُ والمأمومُ.
وكذا صَنَّفَ عمرُ بنُ بَدرٍ الْمَوْصِلِيُّ كِتاباً سَمَّاهُ (الْمُغْنِي عن الحفْظِ والكتابِ بقولِهم: لم يَصِحَّ شيءٌ في هذا البابِ) وعليه فيه مُؤاخذاتٌ كثيرةٌ، وإنْ كانَ له في كلٍّ مِن أبوابِه سلَفٌ مِن الأئمَّةِ خُصوصاً المتقَدِّمِينَ، ونحوُ هذا أشياءُ كُلِّيَّةٌ مُنتقَدٌ كثيرٌ فيها؛ كقولِ: كلُّ حديثٍ فيه: يا حُميراءُ، وكلُّ حديثٍ فيه زبَدُ البحْرِ، وأمَّا قولُهم: حديثُ كذا ليس أَصْلاً، ولا أصْلَ له فقالَ ابنُ تَيميَّةَ: معناه ليس له إسنادُه.
(والوَاضِعونَ) جَمْعُ واضعٍ (للحديثِ) وهم جَمْعٌ كثيرونَ مَعروفونَ في كتُبِ الضعفاءِ خُصوصاً (الْمِيزانَ) للذَّهَبِيِّ و"لسانِه" لشيخِنا، بل أَفْرَدَهم الحافظُ البرهانُ الحلَبِيُّ في تأليفٍ سَمَّاهُ (الكشْفَ الْحَثيثَ عمَّنْ رُمِيَ بوضْعِ الحديثِ) وهو قابلٌ للاستدراكِ، ويَختلِفُ حالُهم في الكثرةِ والقلَّةِ.
وفي السببِ الحاملِ لهم على الوضْعِ (أَضْرُبُ) أيْ: أصنافٌ، فصِنْفٌ كالزنادقةِ، وهم الْمُبْطِنونَ للكفْرِ المظهِرونَ للإسلامِ، أو الذين لا يَتديَّنونَ بدِينٍ، يَفعلونَ ذلك استخفافاً بالدِّينِ؛ ليُضِلُّوا به الناسَ؛ فقد قالَ حَمَّادُ بنُ زَيدٍ فيما أخْرَجَه العُقيليُّ: إنهم وَضَعُوا أربعةَ عشرَ ألْفَ حديثٍ.
وقالَ الْمَهديُّ فيما رُوِّينَاهُ عنه: (أقَرَّ عِندي رجُلٌ مِن الزنادقةِ بوضْعِ مائةِ حديثٍ، فهي تَجولُ في أَيْدِي الناسِ).
ومنهم: الحارثُ الكَذَّابُ الذي ادَّعَى النبوَّةَ، ومحمَّدُ بنُ سعيدٍ المصلوبُ، والمغيرةُ بنُ سعيدٍ الكوفيُّ، وغيرُهم كعبدِ الكريمِ بنِ أبي العَوجاءِ خالِ معْنِ بنِ زائدةَ، الذي أَمَرَ بقتْلِه وصلْبِه محمَّدُ بنُ سليمانَ بنِ عليٍّ العباسيُّ أميرُ البصرةِ في زمَنِ الْمَهديِّ، بعدَ الستينَ ومائةٍ، واعترَفَ حينئذٍ بوضْعِ أربعةِ آلافِ حديثٍ تُحَرِّمُ حلالَها وتُحِلُّ حرَامَها.
وصِنْفٌ كالْخَطَّابِيَّةِ، فِرقةٍ مِن غُلاةِ الشيعةِ المشايعينَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنه يَنتسبونَ لأبي الخطَّابِ الأسديِّ، كان يقولُ بالحلولِ في أناسٍ مِن أهلِ البيتِ على التعاقُبِ، ثم ادَّعَى الإلهيَّةَ وقُتِلَ، وهذه الطائفةُ منْدَرِجَةٌ في الرافضةِ؛ إذ الرافضةُ فِرَقٌ مُتنوِّعَةٌ مِن الشيعةِ، وانتَسَبُوا كذلك؛ لأنهم بايَعُوا زيدَ بنَ عَلِيٍّ، ثم قالوا له: تَبَرَّأْ مِن الشيخينِ فأَبَى، وقالَ: كانا وَزِيرَيْ جَدِّي صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فتَرَكُوه ورَفَضُوه.
وكالسالِمِيَّةِ: فِرقةٍ يَنتسبونَ لمذهَبِ الحسنِ بن محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ سالمٍ السالِمِيِّ في الأصولِ، وكان مَذْهَباً مَشهوراً بالبصرةِ وسوادِها، فهؤلاءِ كلُّهم يَفعلونَه انتصاراً وتَعَصُّباً لِمَذْهَبِهم.
وقد روى ابنُ أبي حاتمٍ في مُقَدِّمَةِ كتابِ (الْجَرْحِ والتعديلِ) عن شيخٍ مِن الخوارجِ أنه كان يقولُ بعدَ ما تابَ: انْظُرُوا عمَّنْ تَأخذونَ دِينَكم، فإنا كنا إذا هَوِينَا أَمْراً صَيَّرْنَاه حديثاً، زادَ غيرُه في روايةٍ: ونَحتسبُ الخيرَ في إضلالِكم.
وكذا قالَ مُحْرِزٌ أبو رَجاءٍ، وكان يَرى القدْرَ فتابَ منه: لا تَرْوُوا عن أحَدٍ مِن أهلِ القدَرِ شَيئاً، فواللهِ لقد كنا نَضَعُ الأحاديثَ، نُدخِلُ بها الناسَ في القدَرِ، نَحتسِبُ بها إلى غيرِ ذلك، بل قالَ الشافعيُّ - كما سيأتي في مَعرفةِ مَن تُقبلُ رِوايتُه-: ما في أهلِ الأهواءِ أشهَدُ بالزورِ مِن الرافضةِ.
وصِنفٌ يَتقرَّبونَ لبعضِ الخلفاءِ والأمراءِ بوَضْعِ ما يُوافِقُ فِعْلَهم وآراءَهم؛ ليكونَ كالعُذْرِ لهم فيما أَتَوْهُ وأَرادُوه؛ كغَيَّاثِ بنِ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ؛ حيث وضَعَ للمَهدِيِّ محمَّدِ بنِ المنصورِ عبدِ اللهِ العباسيِّ والدِ هارونَ الرشيدِ في حديثِ: ((لاَ سَبْقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ))، فزادَ فيه: "أو جَناحٍ"، وكانَ المهديُّ إذ ذاكَ يَلعبُ بالحمامِ، فأَمَرَ له ببَدرةٍ يَعني عشرةَ آلافِ دِرهمٍ، فلما قَفَّى قالَ: أَشْهَدُ على قَفاكَ أنه قَفَا كذَّابٍ، ثم تَرَكَ الحمامَ، وأمَرَ بذَبْحِها وقالَ: أنا حَمَلْتُهُ على ذلك، ذكَرَها أبو خَيثمةَ.
لكنْ أَسندَ الخطيبُ في تَرجمةِ وهْبِ بنِ وَهبٍ أبي البَختريِّ مِن (تأريخِه) مِن طريقِ إبراهيمَ الحربيِّ أنه قالَ: قيلَ للإمامِ أحمدَ: أتَعْلَمُ أنَّ أحَداً روى: "لاَ سبْقَ إلا في خُفٍّ أو حافِرٍ أو جَناحٍ"؟ فقالَ: ما روى ذاك إلا ذاك الكذابُ أبو البَختريِّ.
بل روى الخطيبُ في تَرجمتِه أيضاً مِن طريقِ زكريا الساجِي أنَّ أبا البَختريِّ دخَلَ وهو قاضٍ على الرشيدِ، وهو إذ ذاك يُطَيِّرُ الحمامَ، فقالَ: هل تَحفظُ في هذا شيئاً، فقالَ: حدَّثَنِي هشامُ بنُ عُروةَ عن أبيه عن عائشةَ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يُطَيِّرُ الحمامَ، فقالَ الرشيدُ: اخْرُجْ عَنِّي، ثم قالَ: لولا أنه رَجُلٌ مِن قريشٍ لعَزَلْتُه.
وصِنْفٌ في ذمِّ مَن يُريدونَ ذَمَّهُ، كما رُوِّينَا عن سعدِ بنِ طَريفٍ الإسكافِ الْمُخَرَّجِ له في التِّرمذيِّ وابنِ ماجهْ أنه رأى ابنَه يَبكِي فقالَ: ما لَكَ؟ قالَ: ضَرَبَنِي المعلِّمُ، فقالَ: أمَا واللهِ لأُخْزِيَنَّهُمْ، حدَّثَنِي عِكرمةُ عن ابنِ عباسٍ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: معَلِّمُو صِبيانِكم شِرارُكم.
وصِنفٌ كانوا يَتكسَّبُون بذلك، ويَرْتَزِقونَ به في قِصصِهم ومَوَاعِظِهم.
وصِنفٌ يَلجؤونَ إلى إقامةِ دليلٍ على ما أَفْتَوْا فيه بآرائِهم فيَضعونَه.
وقد حَصَلَ الضررُ بجَميعِ هؤلاءِ و (أَضَرُّهُم قومٌ لزُهْدٍ) وصلاحٍ (نُسِبُوا)؛ كأبي بِشْرٍ أحمدَ بنِ محمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ الفقيهِ، وأبي داودَ النَّخَعِيِّ (قدْ وضَعُوهَا) أي: الأحاديثَ في الفضائلِ والرغائبِ (حِسْبَةً) أيْ: للحِسبةِ بمعنى أنهم يَحتسبونَ بزَعْمِهم الباطلِ وجَهْلِهم، لا يُفَرِّقونَ بسَبَبِه بينَ ما يَجوزُ لهم ويَمتَنِعُ عليهم في صَنيعِهم ذلك - الأجْرَ وطلبَ الثوابِ؛ لكونِهم يَرُونَه قُربةً، ويَحتسِبُونَ ([1] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=11165#_ftn1)) أنهم يُحْسِنونَ صُنْعاً.
كما يُحْكَى عمن كان يَتَصَدَّى للشهادةِ برؤيةِ هلالِ رمضانَ مِن غيرِ رؤيةٍ؛ زاعماً للخيرِ بذلك؛ لكونِ اشتغالِ الناسِ بالتعبُّدِ بالصومِ يَكُفُّهم عن مفاسِدَ تَقعُ منهم ذلك اليومَ (فقُبِلَتْ) تلك الموضوعاتُ (منهم ركوناً لهمُ) بضَمِّ الميمِ؛ أيْ مَيْلاً إليهم ووُثوقاً بهم؛ لِمَا اتَّصَفُوا به مِن التَّدَيُّنِ.
(ونُقِلَتْ) عنهم على لسانِ مَن هو في الصلاحِ والخيريَّةِ بمكانٍ؛ لِمَا عندَه مِن حسْنِ الظنِّ وسلامةِ الصدْرِ، وعدَمِ المعرفةِ الْمُقْتَضِي لحمْلِ ما سَمِعَه على الصدْقِ، وعدَمِ الاهتداءِ لتمييزِ الخطأِ مِن الصوابِ (فقَيَّضَ اللهُ لها) أيْ لهذه الموضوعاتِ (نُقَّادَها) جمعَ ناقدٍ يُقالُ: نَقَدْتُ الدراهمَ، إذا استَخْرَجْتَ منها الزَّيْفَ، وهم الذين خَصَّهُم اللهُ بنورِ السنَّةِ، وقوَّةِ البصيرةِ، فلم تَخْفَ عنهم حالُ مُفْتَرٍ، ولا زُورُ كذَّابٍ.
(فبَيَّنُوا بنَقْدِهِم فسادَها)، ومَيَّزُوا الغَثَّ مِن السمينِ، والْمُزَلْزَلَ مِن الْمَكينِ، وقاموا بأعباءِ ما تَحَمَّلُوه، ولذا لَمَّا قِيلَ لابنِ المبارَكِ: هذه الأحاديثُ المصنوعةُ؟ قالَ: تَعيشُ لها الْجَهابِذَةُ، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. انتهى. ومِن حِفْظِه هَتْكُ مَن يَكذبُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وقالَ الدارقُطنيُّ: يا أهلَ بَغدادَ، لا تَظُنُّوا أنَّ أحَداً يَقْدِرُ أنْ يَكذبَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأنا حَيٌّ، وقد تَعَيَّنَ جماعةٌ مِن كلِّ هذه الأصنافِ عندَ أهلِ الصنعةِ وعلماءِ الرجالِ.
ولذلك - لاسيما الأخيرُ - أمثلةٌ (نحوُ) ما رُوِّينَاه عن (أبي عِصمةَ) بكسْرِ أوَّلِهِ نوحِ بنِ أبي مريمَ القُرشيِّ مَولاهم الْمَرْوَزِيِّ قاضِيها في حياةِ شيخِه أبي حنيفةَ، والملقَّبِ لجمْعِه بينَ التفسيرِ، والحديثِ، والمغازي، والفقهِ مع العلْمِ بأمورِ الدنيا- الجامِعَ (إذ رَأَى الوَرَى) أي الخلْقَ (زَعماً) بتثليثِ الزايِ باطلاً منه (نَأَوْا) أيْ: أَعْرَضُوا (عن القرآنِ) بنقْلِ حركةِ الهمزةِ -كقراءةِ ابنِ كثيرٍ- واشتَغَلُوا بفِقهِ أبي حَنيفةَ، ومَغازِي ابنِ إسحاقَ، مع أنهما مِن شُيوخِه (فافْتَرَى) أي: اختلَقَ (لهم) أيْ: للْوَرَى مِن عندِ نفْسِه حِسبةً باعترافِه حَسَبَ ما نقَلَه عنه أبو عَمَّارٍ أحَدُ المجاهيلِ (حديثاً في فضائلِ السُّوَرْ) كلِّها سُورةً سُورةً.
ورواه عن عِكرمةَ (عن ابنِ عباسٍ) رَضِيَ الله عنهما (فَبِئْسَ) كما زادَه الناظمُ (ما ابتكَرْ) في وضْعِ هذا الحديثِ، وما أَدْرَكَه مِن الإثمِ بسببِه، وممن صَرَّحَ بوضْعِ أبي عِصمةَ له الحاكمُ، وكأنه ثَبَتَ عندَه الطريقُ إليه به.
وقالَ هو وابنُ حِبَّانَ: إنه جَمَعَ كلَّ شيءٍ إلا الصدْقَ، و(كذا الحديثُ) الطويلُ (عن أُبَيٍّ) هو ابنُ كعبٍ رَضِيَ اللهُ عنه في فضائلِ سُوَرِ القرآنِ أيضاً (اعتَرَفْ رَاوِيهِ بالوضْعِ) له.
فقد روى الخطيبُ مِن طريقِ أبي عبدِ الرحمنِ الْمُؤَمَّلِ بنِ إسماعيلَ العَدويِّ البصريِّ ثم الْمَكِّيِّ المتوفَّى بعدَ المائتينِ.
وكان -كما قالَ أبو حاتمٍ- شديداً في السنَّةِ، ورفَعَ أبو داودَ مِن شأنِه، ما معناه: أنه لَمَّا سَمِعَه مِن بعضِ الشيوخِ سألَه عن شيخِه فيه، فقالَ: رجُلٌ بالمدائنِ وهو حَيٌّ، فارتحَلَ إليه، فأحالَ على شيخٍ بواسطَ، فارتحَلَ إليه، فأَحالَ على شيخٍ بالبصرةِ، فارتحَلَ إليه، فأَحالَ على شيخٍ بعَبادانَ، قالَ المؤمَّلُ: فلما صِرْتُ إليه، أخَذَ بيَدِي فأَدْخَلَني بيتاً، فإذا فيه قومٌ مِن الْمُتَصَوِّفَةِ ومعهم شيخٌ، فقالَ: هذا الشيخُ حَدَّثَنِي، فقلتُ له: يا شيخُ، مَن حَدَّثَك بهذا الحديثِ؟ فقالَ: لم يُحَدِّثْنِي به أحَدٌ، ولكنَّا رَأَيْنَا الناسَ قد رَغِبُوا عن القرآنِ، فوَضَعْنَا لهم هذا الحديثَ؛ ليَصْرِفُوا قلوبَهم إلى القرآنِ.
وعن ابنِ المبارَكِ فيما رواه ابنُ الْجَوْزِيِّ مِن طريقِه قالَ: أَظُنُّ الزنادقةَ وضَعَتْهُ، بل قيلَ: إنَّ أبا عِصمةَ واضِعُ الذي قبلَه هو الذي وضَعَ هذا أيضاً.
وعلى كلِّ حالٍ فهو موضوعٌ، وإنْ كان له عن أُبَيٍّ طُرُقٌ (وبِئْسَ) كما زادَه الناظِمُ أيضاً (ما اقْتَرَفْ) أي: اكتَسَبَ واضِعُه (و) لهذا (كلُّ مَن أَوْدَعَهُ كتابَهُ) في التفسيرِ (كـ) أبي الحسَنِ عليِّ بنِ أحمدَ (الواحديِّ) بِمُهْمَلَتَيْنِ، قالَ ابنُ أمِّ مَكتومٍ: لا أَدْرِي لِمَ نُسبَ كذلك، إلا أنه يُقالُ: هو واحدُ قومِه ووَاحدُ أُمِّهِ، فلعله نُسِبَ إلى أبٍ أو جَدٍّ، أو قريبٍ هذه صفتُه، وأبي بكرِ بنِ مَردويهِ، وأبي إسحاقَ الثعلبيِّ، وأبي القاسمِ الزمخشريِّ.
وفي (فضائلِ القرآنِ) كأبي بكرِ بنِ أبي داودَ الحافظِ ابنِ الحافظِ فهو (مُخطئٌ) في ذلك (صوابَهُ)؛ إذ الصوابُ تَجَنُّبُ إيرادِ الموضوعِ إلاَّ مَقروناً ببيانِه كما تَقَدَّمَ، والزمخشريُّ أشَدُّهم خَطَأً؛ حيث أوْرَدَه بصيغةِ الجزْمِ غيرَ مُبْرِزٍ لسنَدِه، وتَبِعَه البيضاويُّ بخِلافِ الآخرينَ، فإنهم ساقُوا إسنادَه، وإنْ حَكَيْنَا فيما تَقدَّمَ قَريباً عدَمَ جَوازِه أيضاً (وجَوَّزَ الوضْعَ) على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ (على) وجهِ (الترغيبِ) للناسِ في الطاعةِ وفضائلِ الأعمالِ (قومُ) أبي عبدِ اللهِ محمَّدِ (ابنِ كَرَّامٍ) بالتشديدِ على المشهورِ؛ كما قالَه شيخُنا وغيرُه، وكذلك ضَبَطَه الخطيبُ وابنُ ماكولاَ وابنُ السَّمْعانيِّ، وجَزَمَ به مسعودٌ الحارثيُّ.
وقالَ ابنُ الصلاحِ: إنه لا يُعْدَلُ عنه، وأبوه مُتَكَلِّمُ الكَرَّامِيَّةِ محمَّدُ بنُ الهيثَمِ. فقالَ: المعروفُ في أَلْسِنَةِ المشايخِ يعني مَشايِخَهم بالفتْحِ والتخفيفِ، وزَعَمَ أنه بمعنى كَرَامَةٍ أو كريمٍ، فقالَ: ويُقالُ: بكسْرِ الكافِ على لفْظِ جَمْعِ كريمٍ، قالَ: وهو الجارِي على أَلْسِنَةِ أهلِ سِجِسْتانَ، وقولُ أبي الفتْحِ البُستيِّ فيه، وكان وَلِعاً بالْجِناسِ:
إنَّ الذين بجَهْلِهم لم يَقْتَدُوا بمحمَّدِ بنِ كِرَامَ غيرُ كرامِ
الفقهُ فقهُ أبي حنيفةَ وحْدَه والدينُ دِينُ محمَّدِ بنِ كِرامِ
- شاهدٌ للتخفيفِ فيه، إنْ لم يكنْ ضَرورةً، وهو السِّجِسْتانيُّ الذي كانَ عابداً زاهداً ثم خُذِلَ- كما قالَ ابنُ حِبَّانَ- فالتقَطَ مِن المذاهِبِ أَرْدَأَها، ومِن الأحاديثِ أَوْهَاهَا، وصَحِبَ أحمدَ بنَ عبدِ اللهِ الْجُوبارِيَّ، فكانَ يَضعُ له الحديثَ على وَفْقِ مَذهبِه.
(و) كذا جَوَّزُوا الوضْعَ (في الترهيبِ) زَجْراً عن الْمَعصيةِ، مُحْتَجِّينَ في ذلك -مع كونِه خِلافَ إجماعِ مَن يُعتدُّ به مِن المسلمينَ- بأنَّ الكذِبَ في الترغيبِ والترهيبِ هو للشارعِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لكونِه مُقويًّا لشريعتِه، لا عليه، والكذِبَ عليه إنما هو كأنْ يُقالَ: إنه ساحرٌ، أو مجنونٌ أو نحوُ ذلك، مما يُقصَدُ شَيْنُه به، وعَيبُ دِينِه، وبزيادةِ: "ليُضِلَّ به الناسَ" في حديثِ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً)) التي هي مُقَيِّدَةٌ للإطلاقِ.
وبكونِ حديثِ: ((مَنْ كَذَبَ)) إنما ورَدَ في رجُلٍ مُعينٍ، ذهَبَ إلى قومٍ وادَّعَى أنه رسولُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إليهم، فحَكَمَ في دمائِهم وأموالِهم، فبلَغَ ذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأمَرَ بقَتلِه، فقالَ هذا الحديثَ.
وفي هذه مُتَمَسَّكٌ للمُحْتَسِبينَ أيضاً الذينَ هم أَخَصُّ مِن هؤلاءِ، لكنها مَردودةٌ عليهما.
أمَّا الأوَّلُ -كما قالَ شيخُنا- جَهْلٌ منهم باللسانِ؛ لأنه كَذِبٌ عليه في وضْعِ الأحكامِ، فإنَّ المندوبَ قِسْمٌ منها، ويَتضمَّنُ ذلك الأخبارَ عن اللهِ في الوعْدِ على ذلك العمَلِ بذلك الثوابِ.
وأمَّا الثاني: فالزيادةُ المذكورةُ اتَّفَقَ الأئمَّةُ على ضَعْفِها، وعلى تقديرِ قَبُولِها فاللامُ ليستْ للتعليلِ، وإنما هي لامُ العاقبةِ أيْ: يَصيرُ كَذِبُهم للإضلالِ؛ كما في قولِه تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً} وهم لم يَلْتَقِطُوهُ لأجْلِ ذلك، أو لامُ التأكيدِ -يَعني كما قالَه الطحاويُّ- ولا مفهومَ لها؛ كما في قولِه تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ}؛ لأنَّ افتراءَه الكَذِبَ على اللهِ مُحَرَّمٌ مُطْلَقاً؛ سواءٌ قَصَدَ به الإضلالَ، أمْ لم يَقْصِدْ.
وأمَّا الثالثُ: فالسببُ المذكورُ لم يَثْبُتْ إسنادُه، ولو ثَبَتَ لم يكنْ لهم فيه متَمَسَّكٌ؛ لأنَّ العِبرةَ بعُمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السببِ. ونحوُ هذا المذهَبِ الرديءِ قولُ محمَّدِ بنِ سعيدٍ الآتي قريباً، ومما يُرَدُّ به على أهْلِ هذا المذهَبِ أنَّ فيما وَرَدَ مِن الآياتِ والأخبارِ كِفايةً عن غيرِها، فقد قالَ تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}.
وقولُ القائلِ: إنَّ ذلك تَكرَّرَ على الأسماعِ وسَقَطَ وقْعُه، وما هو جَديدٌ فوَقْعُه أعظَمُ، هو كما قالَ الغزاليُّ في (الإحياءِ): هو والكَذِبُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن الكبائرِ التي لا يُقَاوِمُها شيءٌ؛ بحيثُ لا تُقبلُ روايةُ مَن فعَلَه، وإنْ تابَ وحَسُنَتْ تَوبتُه كما سيأتي، بل بالَغَ أبو محمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فكفَّرَ متَعَمِّدَه.
(والواضِعونَ) أيضاً (بعضُهم قد صَنَعَا) ما وضَعَه على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كلاماً مبْتَكَراً (مِن عندِ نفْسِه وبعضٌ) منهم قد (وَضَعَا كلامَ بعضِ الْحُكَمَا) أو الزهادِ، أو الصحابةِ، أو ما يُرْوَى في الإسرائيليَّاتِ (في المسنَدِ) المرفوعِ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ تَرويجاً له.
وقد روى العُقيليُّ في (الضعفاءِ) عن محمَّدِ بنِ سعيدٍ، كأنه المصلوبُ، أنه لا بأسَ إذا كان كلامٌ حسَنٌ أنْ تَضعَ له إسناداً.
وذكَرَ التِّرمِذيُّ في العِلَلِ التي بآخِرِ (جامِعِه) عن أبي مُقاتلٍ الْخُرَاسَانِيِّ؛ أنه حَدَّثَ عن عَونِ بنِ أبي شَدَّادٍ وبأحاديثَ طِوالٍ في وَصِيَّةِ لُقمانَ، فقالَ له ابنُ أَخيهِ: يا عمِّ، لا تَقُلْ: حدَّثَنا عونٌ، فإنك لم تَسمعْ منه هذا، فقالَ: يا ابنَ أخي، إنه كلامٌ حسَنٌ.
وأغْرَبُ مِن هذا كلِّه ما عَزاهُ الزركشيُّ -وتَبِعَه شيخُنا- لأبي العباسِ القُرطبيِّ صاحبِ (الْمُفْهِمِ) قالَ: استجازَ بعضُ فُقهاءِ أصحابِ الرأيِ نِسبةَ الحكْمِ الذي دَلَّ عليه القِياسُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نِسبةً قَوليَّةً.
فيقولُ في ذلك: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كذا، ولهذا تَرَى كُتبَهم مَشحونةً بأحاديثَ تَشهدُ مُتونُها بأنها مَوضوعةٌ؛ لأنها تُشبِهُ فَتاوَى الفقهاءِ، ولا تَليقُ بجَزالةِ كلامِ سيِّدِ المرسَلينَ؛ ولأنهم لا يُقيمونَ لها سَنَداً صَحيحاً، قالَ: وهؤلاءِ يَشملُهم الوَعيدُ في الكَذِبِ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. انتهى.
واقتصَرَ الشارحُ على حكايةِ بعضِ هذه الْمَقالةِ، والضرَرُ بهؤلاءِ شديدٌ، ولذلك قالَ العَلائيُّ: أشَدُّ الأصنافِ ضَرراً أهلُ الزهْدِ؛ كما قالَه ابنُ الصلاحِ، وكذا الْمُتَفَقِّهَةُ الذين استَجَازُوا نِسبةَ ما دَلَّ عليه القِياسُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وأمَّا باقِي الأصنافِ - كالزنادِقَةِ - فالأمرُ فيهم أسهَلُ؛ لأنَّ كونَ تلك الأحاديثِ كَذِباً لا تَخفَى إلا على الأغبياءِ، وكذا أهلُ الأهواءِ مِن الرافضةِ والمجَسِّمَةِ والقَدريَّةِ في شَدِّ بِدَعِهم، وأمْرُ أصحابِ الأمراءِ والقُصاصِ أظهَرُ؛ لأنهم في الغالِبِ لَيسوا مِن أهلِ الحديثِ.
قالَ شيخُنا: وأَخْفَى الأصنافِ مَن لم يَتعمَّدِ الوضْعَ، مع الوصْفِ بالصدْقِ؛ كمَنْ يَغلَطُ فيُضيفُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كلامَ بعضِ الصحابةِ أو غيرِهم، وكمَن ابْتُلِيَ بِمَن يَدُسُّ في حديثِه ما ليس منه، كما وقَعَ لحمادِ بنِ زيدٍ مع رَبِيبِه، ولسفيانَ بنِ وَكيعٍ مع ورَّاقِه، ولعبدِ اللهِ بنِ صالحٍ كاتبِ الليثِ مع جارِه، ولِجَماعةٍ مِن الشيوخِ الْمِصريِّينَ في ذلك العصْرِ مع خالدِ بنِ نُجيحٍ المدائنيِّ الْمِصريِّ.
وكمَن تَدْخُلُ عليه آفةٌ في حفْظِه، أو في كتابِه، أو في بَصَرِه، فيَرْوِي ما ليس مِن حديثِه غالطاً، فإنَّ الضرَرَ بهم شَديدٌ لدِقَّةِ استخراجِ ذلك إلاَّ مِن الأئمَّةِ النُّقَّادِ. انتهى.
والأمثلةُ لِمَن يَضَعُ كلامَه أو كلامَ غيرِه كثيرةٌ؛ كحديثِ: (الْمَعِدَةُ بيتُ الداءِ، والْحِمْيَةُ رأسُ الدواءِ)؛ فإنَّ هذا لا يَصِحُّ رفْعُه إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، بل هو مِن كلامِ الحارثِ بنِ كلدةَ طَبيبِ العرَبِ أو غيرِه، وحديثِ: (مَن عمِلَ بما يَعلَمُ أوْرَثَه اللهُ عِلْمَ ما لم يَعلمْ) كما سيأتي قريباً.
وحديثِ: (حُبُّ الدنيا رأسُ كلِّ خَطيئةٍ)، فقد رواه البَيهقيُّ في (الزهْدِ)، وأبو نُعيم في تَرجمةِ الثوريِّ مِن (الْحِليةِ) مِن قولِ عيسى ابنِ مريمَ عليه السلامُ، وجَزَمَ ابنُ تَيميةَ بأنه مِن قولِ جُنْدُبٍ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنه، وأَوْرَدَه ابنُ أبي الدنيا في (مَكائدِ الشيطانِ) له مِن قولِ مالكِ بنِ دِينارٍ، وابنُ يُونسَ في تَرجمةِ سعدِ بنِ مسعودٍ التُّجِيبِيِّ مِن (تأريخِ مصرَ) له مِن قولِ سعْدٍ هذا.
ولكنْ أَخْرَجَه البَيهقيُّ أيضاً في الحادي والسبعينَ مِن (الشُّعَبِ) بسنَدٍ حسَنٍ إلى الحسنِ البَصريِّ رفَعَه مرْسَلاً، قالَ القاضي زَكريَّا: قالَ العراقيُّ: مَراسيلُ الحسَنِ عندَهم شِبْهُ الريحِ. وأَوْرَدَه الدَّيْلَمِيُّ في (الفِردوسِ)، وتَبِعَه ولَدُه بلا إسنادٍ عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رفَعَه أيضاً.
ولا دَليلَ للحكْمِ عليه بالوضْعِ مع وُجودِ هذا، ولذا لا يَصِحُّ التمثيلُ به، اللهمَّ إلاَّ أنْ يكونَ سنَدُه مما رُكِّبَ، فقد رُكِّبَتْ أسانيدُ مقبولةٌ لِمُتُونٍ ضَعيفةٍ أو مُتَوَهَّمَةٍ؛ كما سيأتي هنا وفي النوعِ بعدَه، فيكونُ مِن أمثلةِ الوضْعِ السَّنَدِيِّ.
(ومنه) أيِ الموضوعِ (نوعٌ وَضْعُه لم يُقْصَدِ نحوُ حديثِ ثابتٍ) هو ابنُ موسى الزاهدُ، الذي رواه إسماعيلُ بنُ محمَّدٍ الطَّلْحِيُّ عنه عن شَريكِ بنِ عبدِ اللهِ القاضي، عن الأعمَشِ عن أبي سُفيانَ عن جابرٍ رَفَعَه: (مَن كَثُرَتْ صلاتُه) بالليلِ... (الحديثَ)، وتَمامُه: "حَسُنَ وجْهُه بالنهارِ" فإنَّ هذا لا أصْلَ له عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وإنْ أَغْرَبَ القُضاعيُّ حيث قالَ في (مُسندِ الشهابِ) له لَمَّا ساقَه مِن طُرقٍ: ما طَعَنَ أحَدٌ منهم - أيْ مِن الْحُفَّاظِ الذين أشارَ إليهم- في إسنادِه ولا مَتنِه.
واغْتَرَّ الرُّكْنُ بنُ القَوبعِ المالكيُّ؛ حيثُ قالَ مِن أَبياتٍ:
ومَن كَثُرَتْ صَلاةُ الليلِ منه فيَحْسُنُ وجهُه قولُ النبِيِّ
ولكنْ لم يَقصِدْ راويه الأوَّلُ وهو ثابتٌ وَضْعَه، إنما دَخَلَ على شَريكٍ وهو في مجلسِ إملائِه عندَ قولِه: ثنا الأعمَشُ عن أبي سُفيانَ عن جابرٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولم يَذكرِ الْمَتنَ الحقيقيَّ لهذا السنَدِ، أو ذَكَرَه –حسَبَ ما اقتضاهُ كلامُ ابنِ حِبَّانَ- وهو: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ)).
فقالَ شَريكٌ مُتَّصِلاً بالسنَدِ أو بالمتْنِ حينَ نَظرَ إلى ثابتٍ: "مَنْ كَثُرَتْ..." إلى آخِرِه، قاصداً بذلك مُمَاجَنَةَ ثابتٍ لزُهْدِه ووَرعِه وعِبادتِه، فظَنَّ ثابتٌ أنَّ هذا مَتْنُ ذاك السنَدِ، أو بقِيَّةُ المتْنِ لِمُناسبَتِه له، فكانَ يُحَدِّثُ به كذلك مدْرِجاً له في الْمَتْنِ الحقيقيِّ أو منْفَصِلاً عنه، وهو الذي رأيتُه.
وذلك (وَهْلَةٌ) أيْ: غلطةٌ مِن ثابتٍ لغَفلتِه التي أَدَّى إليها صلاحُه (سَرَتْ) تلك الغلطةُ بحيث انتشرَتْ، فرَواهُ عنه غيرُ واحدٍ، وقَرَنَ بعضُهم بشَريكٍ سفيانَ الثوريَّ، ولم يَقنعْ جماعةٌ مِن الضعفاءِ بروايتِه عن ثابتٍ، مع تَصريحِ ابنِ عَدِيٍّ بأنه لا يُعْرَفُ إلا به، بل سَرقوه منه ثم رَوَوْهُ عن شَريكٍ نفْسِه.
ولذا قالَ عبدُ الغَنِيِّ بنُ سعيدٍ الحافظُ: إنَّ كلَّ مَن حَدَّثَ به عن شَريكٍ، فهو غيرُ ثِقةٍ.
ونحوُه قولُ العُقيليِّ: إنه حديثٌ باطلٌ ليس له أصْلٌ ولا يُتابِعُه عليه ثِقةٌ، ولا يَخْدِشُ في قولِهما روايةُ زكريا بنِ يحيى زَحْمَوَيْهِ مع كونِه ثقةً له عن شريكٍ، فالراوي له عن زَحمويهِ ضعيفٌ.
وكذا سَرَقَه بعضُهم ورواه عن الأعمشِ، وبعضُهم صَيَّرَ له إسناداً إلى الثوريِّ وابنِ جُريجٍ كلاهما عن أبي الزبيرِ عن جابرٍ، وجَعَلَه بعضُهم مِن مسنَدِ أنَسٍ.
وفي (قِيامِ الليلِ) لابنِ نَصرٍ، و(مُسنَدِ الشهابِ) للقُضاعيِّ، و(الموضوعاتِ) لابنِ الجوزيِّ مِن طُرُقِه الكثيرُ، إلى غير ذلك مما لم يَذكروه، ولكنه مِن جميعِها على اختلافِها باطلٌ، كشَفَ النُّقَّادُ سِتْرَها، وبَيَّنُوا أَمْرَها بما لا نُطيلُ بشَرْحِه.
ولا اعتدادَ بما يُخالِفُ هذا كما تَقدَّمَ، وإنما يُعرَفُ معناه عن الحسَنِ البَصريِّ فيما رواه مُسَبِّحُ بنُ حاتمٍ، ثنا عبدُ اللهِ بنُ محمَّدٍ، عن إسماعيلَ الْمَكِّيِّ عنه أنه سُئلَ: ما بالَ الْمُتَهَجِّدينَ بالليلِ، أحسَنُ الناسِ وُجوهاً؟ قالَ: لأنهم خَلَوْا بالرحمنِ، فأَلْبَسَهم مِن نُورِه.
وظَهَرَ بما تَقَرَّرَ أنَّ قولَ ابنِ الصلاحِ -تَبَعاً للخليليِّ في (الإرشادِ)-: إنه شِبْهُ الوضْعِ - حسَنٌ؛ إذ لم يَضعْه ثابتٌ، وإنْ كان ابنُ مَعينٍ قالَ فيه: إنه كذَّابٌ، نعمِ الطرُقُ المركَّبَةُ له مَوضوعةٌ، ولذا جَزَمَ أبو حاتمٍ بأنه مَوضوعٌ، والظاهرُ أنهم تَوَهَّمُوهُ حَديثاً وحَمَلَهم الشرَهُ ومَحبَّةُ الظهورِ على ادعاءِ سماعِه، وهم صِنفٌ مِن الوَضَّاعينَ.
كما وَضَعَ بعضُِهم حينَ سَمِعَ الإمامَ أحمدَ يَذكرُ عن بعضِ التابعينَ مما نَسَبَه لعيسى عليه السلامِ: ((مَنْ عَملَ بما يَعلمُ أوْرَثَه اللهُ علْمَ ما لم يَعلمْ))، فتَوَهَّمَه -كما ذكَرَه أبو نُعيمٍ في تَرجمةِ أحمدَ بنِ أبي الحوارِيِّ مِن (الْحِليةِ)- عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فوَضَعَ له عن الإمامِ أحمدَ سَنداً، وهو عن يزيدَ بنِ هارونَ عن حُميدٍ عن أنَسٍ لسُهولتِه وقُربِه، وجلالةُ الإمامِ تَنْبُو عن هذا.
وأمَّا ابنُ حِبَّانَ فسَمَّاهُ مُدْرَجاً؛ حيث قالَ: إنَّ ثابتاً قاله عقِبَ حديثِ: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ))، فأَدْرَجَه في الخبرِ، فعلى هذا فهو مِن أقسامِ المدرَجِ، كما أَشَرْتُ إليه هناك؛ إذ لم يَشْتَرِطوا في إطلاقِ الإدراجِ كونَه عَمْداً، بل يُطلقونَه على ما هو أَعَمُّ مِن ذلك.
(ويُعْرَفُ الوضْعُ) للحديثِ (بالاقرارِ) بنقْلِ الهمزةِ، مِن واضِعِه كما وقَعَ لأبي عِصمةَ وغيرِه مما تَقَدَّمَ (و) كذا بـ (ما نُزِّلَ مَنزِلَتَهُ) كما اتَّفَقَ أنهم اختَلَفُوا بحضرةِ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ الْجُوباريِّ في سماعِ الحسَنِ مِن أبي هُريرةَ، فرَوَى لهم بسَندِه إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: سَمِعَ الحسَنُ مِن أبي هُريرةَ. رواه البَيهقيُّ في (الْمَدخلِ).
ونحوُه أنَّ عبدَ العزيزِ بنَ الحرثِ التميميَّ جَدَّ رِزقِ اللهِ بنِ عبدِ الوَهَّابِ الحنبليِّ سُئلَ عن فتْحِ مكةَ، فقالَ: عَنوةً، فطُولِبَ بالْحُجَّةِ، فقالَ: ثنا ابنُ الصوَّافِ، ثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، ثنا أبي، ثنا عبدُ الرزاقِ عن مَعمرٍ، عن الزُّهْرِيِّ عن أنَسٍ، أنَّ الصحابةَ اختَلَفوا في فتْحِ مكةَ؛ أكانَ صُلحاً أو عَنوةً؟ فسألوا عن ذلكَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: كانَ عَنوةً، هذا مع أنه اعتَرَفَ أنه صَنَعَه في الحالِ، ليَندفعَ به الْخَصْمُ.
(وربما يُعرفُ بالرِّكَّةِ) أيِ: الضعْفِ عن قُوَّةِ فَصاحتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في اللفْظِ والمعنى معاً، مثلُ ما يُروَى في وَفاةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكذا في أحَدِهما، لكنه في اللفْظِ وحدَه مُقَيَّدٌ بما إذا صرَّحَ بأنه لفْظُ الشارعِ، ولم يَحصُلِ التصَرُّفُ بالمعنى في نقْلِه، لاسيما إنْ كان لا وجهَ له في الإعرابِ.
وقد روى الخطيبُ وغيرُه مِن طريقِ الربيعِ بنِ خُثيمٍ التابعِيِّ الجليلِ قالَ: إنَّ للحديثِ ضَوءًا كضوءِ النهارِ يُعرفُ، وظُلمةً كظُلمةِ الليلِ تُنكرُ.
ونحوُه قولُ ابنِ الجوزيِّ: الحديثُ المنكَرُ يَقشعرُّ منه جِلدُ طالبِ العلْمِ، ويَنْفِرُ منه قلبُه في الغالبِ، وعَنَى بذلك الممارِسُّ لألفاظِ الشارعِ، الخبيرُ بها وبرَوْنَقِها وبَهْجَتِها؛ ولذا قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: وكثيراً ما يَحكمونَ بذلك -أيْ بالوضْعِ- باعتبارِ أمورٍ تَرجعُ إلى الْمَرْوِيِّ وألفاظِ الحديثِ، وحاصِلُه يَرجعُ إلى أنه حَصَلَتْ لهم - لكثرةِ مُحاوَلَةِ ألفاظِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ - هيئةٌ نَفسانِيَّةٌ، ومَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ يَعرفونَ بها ما يَجوزُ أنْ يكونَ مِن ألفاظِ النبوَّةِ، وما لا يَجوزُ. انتهى.
والركَّةُ في المعنى كأنْ يكونَ مُخالِفاً للعقلِ ضَرورةً أو استدلالاً، ولا يَقبلُ تَأويلاً بحالٍ، نحوُ الإخبارِ عن الجمْعِ بينَ الضِّدَّيْنِ، وعن نفْيِ الصانعِ، وقِدَمِ الأجسامِ، وما أَشْبَهَ ذلك؛ لأنه لا يَجوز أنْ يَرِدَ الشرْعُ بما يُنافِي مُقتَضَى العقْلِ.
قالَ ابنُ الجوزيِّ: وكلُّ حديثٍ رأيتَه يُخالِفُ العقولَ، أو يُناقِضُ الأصولَ، فاعلَمْ أنه موضوعٌ، فلا تَتكلَّفِ اعتبارَه، أيْ: لا تَعتبرْ رُواتَه، ولا تنظُرْ في جَرْحِهم.
أو يكونَ مما يَدفعُه الْحِسُّ والمشاهَدَةُ، أو مُبايِناً لنَصِّ الكتابِ، أو السنَّةِ المتواترةِ، أو الإجماعِ القَطْعِيِّ؛ حيث لا يَقبلُ شيءٌ مِن ذلك التأويلَ.
أو يَتضمَّنَ الإفراطَ بالوعيدِ الشديدِ على الأمرِ اليَسيرِ، أو بالوعْدِ العظيمِ على الفعْلِ اليسيرِ، وهذا الأخيرُ كثيرٌ مَوجودٌ في حديثِ القُصاصِ والطُّرُقِيَّةِ، ومِن رِكَّةِ المعنى: "لا تَأكلُوا الفَرْعَةَ حتى تَذبحوها"، ولذا جعَلَ بعضُهم ذلك دليلاً على كذِبِ رَاوِيهِ،. وكلُّ هذا مِن القرائنِ في الْمَرْوِيِّ.
وقد تكونُ في الراوي؛ كقِصَّةِ غَياثٍ مع الْمَهديِّ، وحكايةِ سعْدِ بنِ طَريفٍ الماضي ذِكْرُهما، واختلاقِ المأمونِ بنِ أحمدَ الهرويِّ - حينَ قِيلَ له: ألاَ تَرى الشافعيَّ ومَن تَبِعَه بخُراسانَ- ذاكَ الكلامَ القبيحَ، حكاهُ الحاكمُ في (الْمَدْخَلِ).
قالَ بعضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وقد رأيتُ رَجُلاً قامَ يومَ جُمُعةٍ قبلَ الصلاةِ فابتدأَ ليُورِدَه، فسَقَطَ مِن قامَتِه مَغْشِيًّا عليه.
أو انفرادِه عمن لم يُدْرِكْه بما لم يُوجَدْ عندَ غيرِهما، أو انفرادِه بشيءٍ مِن كونِه فيما يَلزَمُ الْمُكَلَّفِينَ علْمُه، وقَطْعُ العذْرِ فيه؛ كما قَرَّرَهُ الخطيبُ في أوَّلِ (الكفايةِ)، أو بأمْرٍ جَسيمٍ تتَوَفَّرُ الدواعِي على نَقْلِه؛ كحصْرِ العدُوِّ للحاجِّ عن البيتِ، أو بما صرَّحَ بتكذيبِه فيه جمْعٌ كثيرٌ يَمتنعُ في العادةِ تَواطُؤُهم على الكَذِبِ، أو تقليدُ بعضِهم بعضاً.
(قلتُ) وقد (استَشْكَلاَ) التقيُّ بنُ دقيقِ العيدِ (الثَّبَجِيُّ) بمثَلَّثَةٍ ثم موَحَّدَةٍ مَفتوحتينِ وجِيمٍ؛ لأنه وُلدَ بثَبَجِ البحرِ بساحِلِ يَنبعَ مِن الحجازِ، في كتابِه (الاقتراحِ) مما تَقَدَّمَ مِن أدِلَّةِ الوضْعِ (القطْعَ بالوضْعِ على ما) أي: المرْوِيِّ الذي (اعتَرَفَ الواضعُ) فيه على نفْسِه بالوضْعِ بِمُجَرَّدِ الاعترافِ مِن غيرِ قَرينةٍ معه (إذ قد يَكْذِبُ) في خصوصِ اعترافِه؛ إمَّا لقصْدِ التنفيرِ عن هذا الْمَرويِّ، أو لغيرِ ذلك مما يُورِثُ الريبةَ والشكَّ، وإذا كانَ كذلك، فالاحتياطُ عدَمُ التصريحِ بالوضْعِ.
(بلى نَرُدُّه) أي: الْمَرْوِيَّ؛ لاعترافِ رَاوِيهِ بما يُوجِبُ فِسْقَه (وعنه نَضربُ) أيْ نُعْرِضُ عنه فلا نَحتَجُّ به، بل ولا نَعملُ به، ولا في الفضائلِ مُؤاخذةً له بإقرارِه.
ونَصُّ (الاقتراحِ): (وقد ذُكِرَ فيه - أيْ في هذا النوعِ - إقرارُ الراوِي بالوضْعِ، وهذا كافٍ في رَدِّه، لكنه ليس بقاطِعٍ في كونِه مَوضوعاً؛ لجوازِ أنْ يَكذبَ في هذا الإقرارِ بعَينِه).
والظاهرُ أنه لم يُرِدْ بقاطِعٍ هنا القطْعَ المطابِقَ للواقعِ؛ لِمَا تَقرَّرَ في كونِ الْحُكْمِ بالصحَّةِ وغيرِها إنما هو بحَسَبِ الظاهرِ، لا ما في نفْسِ الأمرِ، وإنما أرادَ مُجَرَّدَ المنْعِ مِن تَسميتِه مَوضوعاً، ولكن الذي قَرَّرَه شيخُنا خلافُه، فإنه قالَ: وقد يُعرفُ الوضعُ بإقرارِ واضعِه.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: لكنْ لا يُقطعُ بذلك؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ كَذَبَ في ذلك الإقرارِ، قالَ: وفَهِمَ منه بعضُهم -أيْ كابنِ الْجَزْرِيِّ-، أنه لا يُعملُ بذلك الإقرارِ أَصْلاً، وليس ذلك مُرادَه، وإنما نَفَى القطْعَ بذلك؛ ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ القطْعِ نفْيُ الحكْمِ؛ لأنَّ الحكْمَ يَقعُ بالظنِّ الغالبِ، وهو هنا كذلك، ولولا ذلك لَمَا ساغَ قَتْلُ الْمُقِرِّ بالقتْلِ، ولا رَجْمُ المعتَرِفِ بالزنا؛ لاحتمالِ أنْ يَكونا كاذبينِ فيما اعتَرَفَا به.
زادَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: وكذا حكْمُ الفقهاءِ على مَن أَقَرَّ بأنه شَهِدَ بالزورِ بِمُقْتَضَى اعترافِه، وقالَ أيضاً ردًّا على مَن تَوَقَّفَ في كلامِ ابنِ دَقيقِ العيدِ فقالَ: فيه بعضُ ما فيه، ونحنُ لو فَتَحْنَا بابَ التجويزِ والاحتمالِ، لوَقَعْنَا في الوسوسةِ وغيرِها- ما نَصُّه: ليس في هذا وَسوسةٌ، بل هو في غايةِ التحقيقِ.
وابنُ دقيقِ العيدِ نَفَى القطْعَ بكونِه مَوضوعاً بِمُجَرَّدِ ذلك، لا الحكْمَ بكونِه مَوضوعاً؛ لأنه إذا أقَرَّ يُؤاخَذُ بإقرارِه، فيُحْكَمُ بكونِ الحديثِ مَوضوعاً، أمَّا إنه يُقطعُ بذلك فلا.
قلتُ: وفيه نَظَرٌ، والظاهرُ ما قَرَّرْتُه، ولا يُنازِعُ فيه الفروعُ المذكورةُ.
وكذا تَعَقَّبَ شيخُنا شيخَه الشارحَ؛ حيث مَثَّلَ في (النُّكَتِ) لقولِ ابنِ الصلاحِ: أو ما يَتَنَزَّلُ مَنزلةَ إقرارِه، بما إذا حَدَّثَ عن شيخٍ، ثم ذَكَرَ أنَّ مَوْلِدَه في تَأريخٍ يُعلَمُ تَأَخُّرُه عن وفاةِ ذاك الشيخِ؛ لِجَريانِ الاحتمالِ المذكورِ أيضاً، فيَجوزُ أنْ يَكذبَ في تأريخِ مَولدِه، بل يَجوزُ أنْ يَغلطَ في التأريخِ، ويكونَ في نفْسِ الأمرِ صادقاً، ويُمكنُ أنْ يُقالَ: إنَّ تنزيلَه مَنْزِلَتَه يَقتضِي ذلك فاكتفَى به عن التصريحِ، وعلى كلِّ حالٍ فما مَثَّلْتُ به أَوْلَى، فإنه لم يَصْدُرْ منه قولٌ أَصْلاً.
تَتِمَّةٌ: يَقعُ في كلامِهم المطروحُ، وهو غيرُ الموضوعِ جَزْماً، وقد أَثْبَتَه الذَّهَبِيُّ نَوْعاً مُسْتَقِلاًّ، وعَرَّفَه بأنه ما نَزَلَ عن الضعيفِ وارتفَعَ عن الموضوعِ، ومَثَّلَ له بحديثِ عمرِو بنِ شمرٍ، عن جابرٍ الْجُعْفِيِّ، عن الحسَنِ عن عليٍّ، وبجُوَيْبِرٍ عن الضحَّاكِ عن ابنِ عبَّاسٍ.
قالَ شيخُنا: وهو المتروكُ في التحقيقِ، يعني الذي زادَه في (نُخبتِه) و(توضيحِها)، وعَرَّفَه بالْمُتَّهَمِ راوِيهِ بالكَذِبِ.


([1] ) لعلها: " ويَحْسَبُونَ " .