المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التصحيحُ والتمريضُ وهو التَّضْبِيبُ


عبد العزيز الداخل
11-14-2008, 07:07 PM
التصحيحُ والتمريضُ وهو التَّضْبِيبُ

(590) وكَتَبُوا صَحَّ على الْمُعَرَّضِ = للشَّكِّ إنْ نَقْلاً ومعنًى ارْتُضِي
ومَرَّضُوا فضَبَّبُوا صادًا تُمَدّْ = فوقَ الذي صَحَّ وُرُودًا وفَسَدْ
وضَبَّبُوا في القَطْعِ والإرسالِ = وبعضُهم في الأَعْصُرِ الْخَوَالِي
يَكْتُبُ صادًا عندَ عَطْفِ الأَسْمَا = تُوهِمُ تَضبيبًا كذاك إذ مَا
يَخْتَصِرُ التصحيحَ بعضٌ يُوهِمُ = وإنَّما يَمِيزُهُ مَن يَفْهَمُ

مسلمة 12
12-12-2008, 05:07 AM
والتصحيحُ والتمريضُ وهو التَّضْبِيبُ
(590) وكَتَبُوا صَحَّ على الْمُعَرَّضِ للشَّكِّ إنْ نَقْلاً ومعنًى ارْتُضِي
(591)ومَرَّضُوا فضَبَّبُوا صادًا تُمَدّ فوقَ الذي صَحَّ وُرُودًا وفَسَدْ
(592)وضَبَّبُوا في القَطْعِ والإرسالِ وبعضُهم في الأَعْصُرِ الْخَوَالِي
(593)يَكْتُبُ صادًا عندَ عَطْفِ الأَسْمَا تُوهِمُ تَضبيبًا كذاك إذ مَا
(594)يَخْتَصِرُ التصحيحَ بعضٌ يُوهِمُ وإنَّما يَمِيزُهُ مَن يَفْهَمُ
التصحيحُ هو كتابةُ صَحَّ على الحرْفِ الذي يُشارُ إلى صِحَّتِه، والتمريضُ والتَّضْبِيبُ هو كِتابةُ صورةِ ص هكذا فوقَ الحرفِ الذي يُشارُ إلى تَمريضِه. ووَجَدْتُ عن أبي القاسِمِ بنِ الأَفْلِيلِيِّ واسمُه إبراهيمُ بنُ محمَّدِ بنِ زَكَرِيَّاءَ، قالَ: كان شيوخُنا مِن أهْلِ الأَدَبِ - وفي (الإلماعِ) للقاضي عِياضٍ شيوخُنا مِن أهْلِ المغرِبِ - يَتعالَمُونَ أنَّ الحرفَ إذا كُتِبَ عليه (صَحَّ) أنَّ ذلك عَلامةٌ لصِحَّةِ الحرْفِ، فوَضْعُ حرْفٍ كامِلٍ على حَرْفٍ صحيحٍ وإذا كان عليه صادٌ ممدودٌ دونَ حاءٍ كان عَلامةً أنَّ الحرْفَ سقيمٌ إذ وُضِعَ عليه حرْفٌ غيرَ تامٍّ ليَدُلَّ نقْصُ الحرْفِ على اختلالِ الحرْفِ.
قالَ: ويُسمَّى ذلك الحرْفُ أيضاًَ ضَبَّةً، أيْ إنَّ الحرْفَ مُقْفَلٌ بها لا يَتَّجِهُ لقراءةٍ، كما أنَّ الضبَّةَ مُقْفَلٌ بها. قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ولأنها أَشْبَهَتِ الضبَّةَ التي تُجعلُ على كَسْرٍ أو خَلَلٍ فاسْتُعِيرَ لها اسْمُها.
قلتُ: هذا بعيدٌ؛ لأنَّ ضَبَّةَ القدَحِ جُعلتِ للجبْرِ وهذه ليست جابِرَةً، وإنما هي عَلامةٌ لكونِ الروايةِ هكذا ولم يَتَّجِهْ وجْهُها فهي عَلامةٌ لصحَّةِ وُرُودِها لئلا يَظُنَّ الراوي أنها مِن غَلَطٍ فيُصْلِحَها، وقد يَأتِي بعدَ ذلك مَن يَظهرُ له وجهُ ذلك، وقد غَيَّرَ بعضُ الْمُتَجَاسِرِينَ ما الصوابُ إبقاؤُه، وقد نَبَّهَ على ما ذَكَرْتُه القاضي عِياضٌ وتَبِعَهُ عليه ابنُ الصلاحِ أيضاً واللهُ أعْلَمُ.
ولا تُصَحِّحْ إلاَّ على ما هو عُرضةٌ للشكِّ أو الْخِلافِ، وقد صَحَّ روايةً ومعنى ليُعْلَمَ أنه لم يُغْفَلْ عنه وأنه قد ضُبِطَ وصَحَّ على الوجهِ، وأمَّا ما صَحَّ مِن طريقِ الروايةِ وهو فاسِدٌ مِن جِهةِ المعنى أو اللفْظِ أو الْخَطِّ بأنْ يكونَ غيرَ جائِزٍ في العربيَّةِ، أو شاذًّا، أو مُصَحَّفاً أو ناقِصاً وما أشْبَهَ ذلك، فجَرَتْ عادةُ أهْلِ التقييدِ كما قالَ القاضي عِياضٌ أنْ يَمُدُّوا على أوَّلِه مِثلَ الصادِ، ولا يُلْزَقَ بالكلمةِ المعلَّمِ عليها لئلا يُظَنُّ ضَرْباً، قالَ: ويُسَمُّونَه ضَبَّةً، ويُسَمُّونَه تَمْرِيضاً.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ومِن مَواضِعِ التضبيبِ أنْ يَقعَ في الإسنادِ إرسالٌ أو انقطاعٌ، فمِن عادَتِهم تضبيبُ مَوضعِ الإرسالِ والانقطاعِ، قالَ: ويُوجَدُ في بعضِ الأصولِ القديمةِ في الإسنادِ الذي يَجتمعُ فيه جَماعةٌ معطوفةٌ أسماؤُهم بعضُها على بعضٍ علامَةٌ تُشْبِهُ الضبَّةَ فيما بينَ أسمائِهم، فتُوهِمُ مَن لا خِبرةَ له أنها ضَبَّةٌ وليستْ بضَبَّةٍ، وكأنها علامَةُ وَصْلٍ فيما بينَهما أُثْبِتَتْ تأكيداً للعطْفِ خَوْفاًَ مِن أنْ تُجعلَ عن مكانِ الواوِ، والعلْمُ عندَ اللهِ تعالى.
قالَ: ثم إنَّ بعضَهم ربما اخْتَصَرَ علامةَ التصحيحِ فجاءتْ صُورتُها تُشْبِهُ صُورةَ التضبيبِ، والفِطنةُ مِن خيرِ ما أُوتِيهِ الإنسانُ.

مسلمة 12
12-24-2008, 12:04 AM
التصحيحُ، والتمريضُ وهو التضبيبُ
وقد أَخَذَ في بيانِ التصحيحِ والتمريضِ والتضبيبِ فقالَ:
(التصحيحُ) وهو كِتابةُ (صَحَّ) على ما يأتي، (والتمريضُ وهو التضبيبُ) المشارُ به إلى صِحَّةِ الروايةِ مع فَسادِ شيءٍ على ما يَأْتِي.

وكَتَبُوا صَحَّ على الْمُعَرَّضِ للشَّكِّ إنْ نَقْلاً ومعنَى ارْتُضِي
ومَرَّضُوا فضَبَّبُوا صادًا تُمَدّ فوقَ الذي صَحَّ وُرُودًا وفَسَدْ
وضَبَّبُوا في القَطْعِ والإرسالِ وبعضُهم في الأَعْصُرِ الْخَوَالِي
يَكْتُبُ صادًا عندَ عَطْفِ الأَسْمَا تُوهِمُ تَضبيبًا كذاك إذ مَا
يَخْتَصِرُ التصحيحَ بعضٌ يُوهِمُ وإنَّما يَمِيزُهُ مَن يَفْهَمُ

(وكَتَبُوا) أي: الْمُحَدِّثونَ وغيرُهم (صَحَّ على) قالَ ابنُ الصلاحِ: (أو عندَ) (الْمُعَرَّضِ) مِن حَرْفٍ أو أَكثرَ (للشَّكِّ) أو الْخِلافِ فيه لتَكريرٍ أو غيرِه (إنْ نَقْلاً) أيْ: رِوايةً، (ومعنَى ارْتُضِي) ما صُحِّحَ عليه، إشارةً إلى أنه قد ضُبِطَ وصَحَّ، فلا يُبَادِرُ الواقِفُ عليه ممن لم يَتأمَّلْ إلى تَخْطِئَتِه.
وقد يُكْتَبُ بدَلَ (صَحَّ) في الحاشيةِ عَدَدُ حروفِ الكَلِمَةِ إذا تَكرَّرَتْ بحروفِ الْجُمَّلِ.
(ومَرَّضُوا) أيضًا (فضَبَّبُوا) ما مَرَّضُوهُ (صَادًا) مُهمَلَةً مُختصَرَةً مِن (صَحَّ)، ويَجوزُ أنْ تكونَ معجَمَةً مِن (ضَبَّبْتُه) (تُمَدّ) هكذا (ص) (فوقَ الذي صَحَّ) مِن حَرْفٍ أو أَكْثَرَ (وُرُودًا) في الروايةِ، (و) لكنه (فَسَدْ) معنًى، أو لفْظًا، أو خَطًّا، كأنْ يكونَ مَلْحُونًا, أو شاذًّا، أو مُصَحَّفًا، أو ناقِصًا مِن غيرِ إلصاقِها بالْمُمَرَّضِ لئَلاَّ يُظَنَّ ضَرْبًا.
وأَشارُوا بكتابتِها نِصْفَ (صَحَّ) إلى أنَّ الصحَّةَ لم تَكُنْ فيما هي فَوْقَه مع صِحَّةِ رِوايتِه؛ لئلا يُظَنَّ كمالُها فيه، وإلى تَنبيهِ الناظِرِ فيه على أنه متَثَبِّتٌ في نَقْلِه غيرُ غافِلٍ، فلا يَظُنُّ أنه غَلَطٌ فيُصْلِحَه، وقد يَأْتِي بعدُ مَن يَظْهَرُ له تَوجيهُ صِحَّتِه فيَسْهُلُ عليه حينئذٍ تَكْمِيلُها (صَحَّ) التي هي علامةُ الْمُعَرَّضِ للشَّكِّ.
وقد تَجَاسَرَ بعضُهم فغَيَّرَ ما الصوابُ إبقاؤُه، واسْتُعِيرَ لتلك الصورةِ اسمُ الضَّبَّةِ، لشَبَهِهَا بضَبَّةِ الإناءِ التي يُصْلَحُ بها خَلَلُه، بجامِعِ أنَّ كُلاًّ منهما جُعِلَ على ما فيه خَلَلٌ، أو بضَبَّةِ البابِ لكونِ الْمَحِلِّ مُقْفَلاً بها لا تَتَّجِهُ قِراءتُه، كما أنَّ الضبَّةَ يُقْفَلُ بها.
وبما تَقَرَّرَ عُلِمَ أنَّ عَطْفَ (ضَبَّبُوا) المشارِ به إلى ما مَرَّ على (مَرَّضُوا) عَطْفُ تَفسيرٍ.
(وضَبَّبُوا) أيضًا (في) مَحِلِّ (القطْعِ والإرسالِ) في الإسنادِ ليَتَنَبَّهَ الناظِرُ في ذلك إلى مَعْرِفَةِ مَحِلِّ السقوطِ.
(وبعضُهم) كانَ (في الأَعْصُرِ الخوالِي يَكتُبُ صادًا عندَ عطْفِ الأسماء) بعضِها على بعضٍ؛ كـ:(حَدَّثَنا فُلانٌ وفُلانٌ وفُلانٌ). فـ (تُوهِمُ) الصادُ مَن لا خِبْرَةَ له كونَها (تَضْبِيبًا) أيْ: ضَبَّةً، وليستْ بضَبَّةٍ، بل كأنها - كما قالَ ابنُ الصلاحِ - علامةُ وصْلٍ فيما بينَها، أُثْبِتَتْ تأكيدًا للعطْفِ، خَوْفًا مِن أنْ تُجْعَلَ (عن) مكانَ الواوِ.
(كذاك إذ) أيْ: حيث (ما) زائدةٌ (يَخْتَصِرُ التصحيحَ) أيْ: كتابةَ (صَحَّ) (بعضٌ) مِن الْمُحَدِّثِينَ فيَقْتَصِرُ على كِتابةِ الصادِ (يُوهِمُ) أيضًا كونَها ضَبَّةً وليستْ بضَبَّةٍ.
وقولُه: (يُوهِمُ) إيضاحٌ للاغتناءِ عنه.
وكذاك (وإنما يَمِيزُهُ) بفتْحِ أوَّلِه - في هذه والتي قَبْلَها (مَن يَفْهَمُ) ويُتْقِنُ.

مسلمة 12
12-25-2008, 09:17 AM
التَّصحِيحُ والتَّمرِيضُ
وكَتَبُوا صَحَّ على الْمُعَرَّضِ للشَّكِّ إنْ نَقْلاً ومعنًى ارْتُضِي
ومَرَّضُوا فضَبَّبُوا صادًا تُمَدّْ فوقَ الذي صَحَّ وُرُودًا وفَسَدْ
وضَبَّبُوا في القَطْعِ والإرسالِ وبعضُهم في الأَعْصُرِ الْخَوَالِي
يَكْتُبُ صادًا عندَ عَطْفِ الاسْمَا تُوهِمُ تَضبيبًا كذاك إذ مَا
يَخْتَصِرُ التصحيحَ بعضٌ يُوهِمُ وإنَّما يَمِيزُهُ مَن يَفْهَمُ
(التَّصحِيحُ) وهُوَ كِتَابَةُ (صَح" (والتَّمرِيضُ) وهو التَّضْبِيبُ (وَكَتَبُوا) أَي: مَن شَاءَ اللَّهُ مِن المُحَدِّثِينَ أهلِ التَّقْيِيدِ وَمَن تَأَسَّى بِهِم: (صَحَّ) تَامَّةً كَبِيرَةً، أَو صَغِيرَةً وهُوَ أَحسَنُ (عَلَى) أَي: فَوقَ (المُعَرَّضِ) مِن حَرفٍ فَأكْثَرَ (لِلشَّكِّ) أَو الخِلافِ فِيهِ لأجلِ تكرِيرٍ أو غَيرِهِ (إِن نَقْلاً) أَي: رِوَايَةً (ومَعنىً ارتُضِي) المُصَحَّحُ عليهِ إشَارَةً بِهَا إِلى أنَّهُ لم يَغْفُلْ عنهُ، وأنَّهُ قد ضُبِطَ وصَحَّ عَلَى ذَلك الوَجْهِ لئَلاَّ يُبَادِرَ الوَاقِفَ مَن لَم يَتَأَمَّلْ إِلى تَخْطِئَتِهِ. وقَالَ يَاقُوتٌ الرُّومِيُّ ثُمَّ الحَمَوِيُّ الكَاتِبُ: بَل إِشَارَةً إِلَى أنَّهُ كانَ شَاكًّا فِيهِ فَبَحَثَ فِيهِ إِلَى أَن صَحَّ فَخَشِيَ أَن يُعَاوِدَهُ الشَّكُّ فكَتَبَها لِيَزُولَ عنهُ الشَّكُّ فيما بَعدُ.
ثُمَّ إِنَّ كَونَها تُكتَبُ أعْلَى الحَرْفِ هُوَ الأَشْهَرُ الأَحْسَنُ، وإلا فلو كُتِبَت عِندَهُ بالحَاشِيَةِ مَثلاً لا بِجَانِبِهِ لئلا يُلْتَبَسَ، كَفَى، لِقَولِ ابنِ الصَّلاحِ: كِتَابَةُ (صَح" عَلَى الكلامِ أو عِندَهُ، كمَا أنَّ كِتَابَتَها عَلَى المُكَرَّرِ مِن المُعَرَّضِ هو الأشْهَرُ أيضاً. وإلاَّ فَقَد قَالَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ: رَأَيتُ بعضَهُم إِذَا تكرَّرَت كَلِمَاتٌ أو كَلِمَةٌ يَكتُبُ عَدَدَهَا فِي الحَاشِيَةِ بِحُرُوفِ الجُمَّلِ.
(و) كَذَا (مَرَّضُوا فَضَبَّبُوا) ما مَرَّضُوهُ حيثُ جَعَلُوا (صَاداً) مُهْمَلَةً مُخْتَصَرةً مِن "صح"، ويَجُوزُ أن تَكُونَ مُعْجَمَةً مِن (ضَبَّهُ) (تُمَدّ) بِدُونِ تَجوِيفٍ لِلمدِّ بل هَكَذا "صـ" (فَوقَ الذي صحَّ) مِن حرفٍ فَأكثَرَ، (وُرُوداً) أي: مِن جِهَةِ الوُرُودِ فِي الرِّوَايَةِ، (و) لَكِن (فَسَدْ) مِن جِهَةِ المَعنَى بِأَن يكُونَ غيرَ جَائزٍ مِن حيثُ العَرَبِيَّةُ، أو شاذًّا عِندَ جُمهورِ أهلِهَا، أو مُصَحَّفاً أو نَاقِصاً لِكَلِمَةٍ فَأَكثرَ، أو مُقَدَّماً أو مُؤَخَّراً، أو أشبَاه ذَلكَ مِن غيرِ خَلطٍ لِلإشَارَةِ بِالمُمَرَّضِ؛ لئَلا يَلْتَبِسَ بخَطِّ الضَّربِ الآتِي، لا سيَّمَا عِندَ صِغَرِ فَتْحَتِهَا إِشَارَةً بِنِصفِ "صَح" إِلى أنَّ الصِّحَّةِ لَم تَكمُلْ في ذَاكَ المَحِلِّ معَ صِحَّةِ نَقلِهِ وَرِوَايَتِهِ كَذلك، وتَنبِيهاً بهِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ عَلَى أنَّهُ مُتَثَبِّتٌ فِي نقلِهِ غيرُ غَافِلٍ، وإنَّمَا اختُصَّ التَّمرِيضُ بِهذِه الصُّورَةِ فيمَا يَظهَرُ لِعَدَمِ تَحَتُّمِ الخطَأِ فِي المُعَلَّمِ عليه، بَل لعلَّ غَيرَه كما قالَ ابنُ الصَّلاحِ مِمَّن يَقِفُ عَلَيهِ يُخَرِّجُ لهُ وَجهاً صَحِيحاً.
يعنِي: ويَتَّجِهُ المَعنَى كَما وَقَعَ لابنِ مَالِكٍ فِي كَثِيرٍ مِن رِوَايَاتِ "الصَّحِيحِ"، أو يَظْهرُ لهُ هُوَ بعدُ فِي تَوجِيهِ صِحَّتِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ لهُ الآنَ، فيَسْهُلُ عَليهِ حِينئِذٍ تَكمِيلُها (صَح" التي هيَ عَلامَةُ المُعَرَّضِ للشَّكِّ.
وَوجَدتُ فِي كَلامِ يَاقُوتٍ مَا يَشْهَدُ لَهُ، فإنَّهُ قالَ: الضَّبَّةُ – وَهِي بَعضُ (صَح" – تُكْتَبُ عَلَى شيءٍ فيهِ شَكٌّ؛ لِيُبحَثَ فِيه، فإِذَا تَحَرَّرَ لهُ أَتَمَّها بِالحَاءِ فَتَصِيرُ "صَح"، ولَو جَعَلَ لَها عَلامَةً غَيرَهَا لَتَكَلَّفَ الكَشطَ لَها، وكَتَبَ "صَح" مكَانَها. انتَهَى.
وكَونُ الضَّبَّةِ ليسَت لِلجَزْمِ بِالخَطَأِ ممَّا يتَأَيَّدُ بِهِ الصَّوَابُ مِن سَدِّ بَابِ الإصْلاحِ خَوفاً مِن ظُهُورِ تَوجِيهِ مَا ظُنَّ خَطَؤُهُ، وقَد تَجَاسَرَ بَعضُهم- وأكثَرُهُم مِن مُتَأَخِّرِي المُحَدِّثِينَ كمَا أفَادَهُ عِيَاضٌ- كأَبِي الوَلِيدِ هِشَامِ بْنِ أَحمَدَ الوَقْشِيِّ أَحَدِ أكَابِرِ العُلَمَاءِ وأهلِ اللُّغَةِ.
فكَانَ كمَا قالَ تِلميذُهُ عِيَاضٌ: إِذَا مرَّ بهِ شَيءٌ لم يَتَّجِهْ له وَجْهُهُ أَصْلَحَهُ بِمَا يَظُنُّ اعتِمَاداً عَلَى وُثُوقِهِ بِعِلمِهِ فِي العَرَبيَّةِ واللُّغَةِ وغيرِهِمَا، ثُمَّ يَظهَرُ أنَّ الصَّوَابَ ما كانَ في الكِتَابِ، وتَبَيَّنَ وَجهُهُ، وأنَّ مَا غَيَّرَهُ إِليه خَطَأٌ فَاسِدٌ كما سَيأتِي فِي إِصْلاحِ اللَّحْنِ والخَطَأِ. وإِن كانَ مَا وَقعَ فِي الرِّوَايَةِ خَطَأً مَحضاً عندَ كُلِّ وَاقِفٍ عَلَيه، كَتبَ فَوقَهُ "كذا" صَغِيرَةً، كما قَالَهُ ابنُ الجَزْرِيِّ وتَبِعَهُ غيرُهُ، وبيَّنَ الصَّوَابَ بِالهَامِشِ كمَا سَيأتِي فِي إِصلاحِ اللَّحنِ.
واستُعِيرَ اسْمُ الضَّبَّةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ إمَّا مِن ضبَّةِ القَدَحِ التي تُجْعَلُ لِمَا يَكُونُ بِهِ مِن كَسرٍ أو خَلَلٍ، أَشَارَ إِلَيهِ ابنُ الصَّلاحِ، ولا يُخْدَشُ فِيهِ بِأنَّ ضَبَّةَ القَدَحِ لِلجَبْرِ وهِيَ هُنَا لَيسَت جَابِرَةً، فَالتَّشْبِيهُ في كَونِها جُعِلَت فِي المَوضِعَينِ عَلَى ما فيه خَلَلٌ.
وإمَّا مِن ضبَّةِ البَابِ لكَونِ الحَرفِ مُقْفَلاً لا يَتَّجِهُ لِقِرَاءَةٍ، كَمَا أنَّ الضَّبَّةَ يُقْفَلُ بِهَا، أشَارَ إليه أبُو القَاسِمِ إِبْرَاهِيمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ زَكَرِيَّا القُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ الأنْدُلُسِيُّ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ، عُرِفَ بابنِ الإِفْلِيلِيِّ بِكَسرَةِ الهَمْزَةِ وَفَاءٍ، نِسْبَةً إِلَى إِفْلِيلَ قَرْيةٍ بِرَأسِ عَينٍ مِن أَرضِ الجِزِيرَةِ، لِكَونِ سَلَفِهِ نَزَلُوا بِهَا، يَرْوِي عَن الأُصَيلِيِّ وغيرِه، وعنهُ أبُو مَرْوَانَ الطُّبُنِّيُّ، مَاتَ فِي ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ إِحدَى وأَربَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ 441 هـ عن تِسعِينَ سَنَةً.
قالَ التِّبْرِيزِيُّ فِي (مُختَصَرِهِ): ويَجُوزُ أن تَكُونَ إِشارةً إِلَى صُورَةِ ضَبَّةٍ لِيُوَافِقَ صُورَتُهَا مَعنَاهَا. وقَرأْتُ بخطِّ شيخِنَا مَا حَاصِلُهُ: مُقتَضَى تَسمِيَتِها ضَبَّةً أَن تَكُونَ ضَادُها مُعْجَمَةً، ومُقتَضَى تَتْمِيمِها بِحَاءِ "صَح" أَن تَكُونَ مُهْمَلَةً. قَالَ: لَكِن لا يَمتَنِعُ معَ هذا أن تكُونَ مُعجَمَةً، (و) لم يَخُصُّوا الضَّبَّةَ بِمَا تَقَدَّمَ، بل (ضَبَّبُوا) أَيضاً (في) مَوضِعِ (القَطْعِ والإرْسَالِ) لِيَشْتَرِكَ فِي مَعرِفَةِ مَحِلِّ السَّقطِ العَارِفُ وغيرُهُ، بل رُبَّمَا يَكونُ فِي بعضِ الأماكِنِ لا يُدرِكُهُ العَارِفُ إلا بالنَّظَرِ، فَيُكْفَى بِمَا يَثِقُ بِهِ مِن ذَلك مُؤنَةَ التَّعَبِ بالتَّفتِيشِ.
(وبعضُهُم فِي الأعصُرِ الخَوَالِي) حَسبَمَا وُجِدَ في الأصُولِ القَدِيمَةِ (يَكتُبُ) أيضاً (صَاداً عِندَ عَطفِ الاسْمَا) بعضِهَا عَلَى بعضٍ حيثُ يُقالُ مثَلاً: حدَّثَنَا فُلانٌ وفُلانٌ وفُلانٌ.
فـ(تُوهِمُ) مَن لا خِبْرَةَ لهُ كَونَهَا (تَضبِيبَا) ولَيسَت بِضَبَّةٍ، بل كَأَنَّها كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: عَلامَةُ وَصْلٍ فيمَا بينَهُما أُثبِتَتْ تَأْكِيداً لِلعَطْفِ خَوفاً مِن أن يَجْعَلَ غيرُ الخَبِيرِ مَكَانَ الوَاوِ عَن، (كَذَاكَ إِذ) أَي: حيثُ (مَا يَخْتَصِرُ التَّصحِيحَ بَعضٌ) مِن المُحَدِّثِينَ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى الصَّادِ.
(يُوهِمُ) أيضاً كَونَهُ تَضْبِيباً، بل هُو أَقرَبُ إِلَى الإيهَامِ ممَّا قبلَهُ، (وإنَّما يُمَيِّزُهُ) بِفَتْحِ أوَّلِهِ في الصُّورَتَينِ (مَن يَفْهَمُ) فالفِطْنَةُ وَالإتْقَانُ مِن خَيرِ ما أُوتِيَهُ الإنْسَانُ.