المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الْمُسَلْسَلُ


عبد العزيز الداخل
11-14-2008, 07:31 PM
الْمُسَلْسَلُ

مُسَلْسَلُ الحديثِ ما تَوَارَدَا = فيه الرُّاوةُ واحِداً فوَاحِدَا
(765)حالاً لهم أو وَصْفًا او وَصْفَ سَنَدْ = كقولِ كلِّهِمْ سَمِعْتُ فاتَّحَدْ
وقَسْمُهُ إلى ثَمَانٍ مُثُلُ = وقَلَّمَا يَسْلَمُ ضَعْفاً يَحْصُلُ
ومنه ذو نَقْصٍ بقطْعِ السِّلسِلهْ = كأَوَّلِيَّةٍ وبعضٌ وَصَلَهْ

مسلمة 12
12-15-2008, 09:14 AM
الْمُسَلْسَلُ

(764) مُسَلْسَلُ الحديثِ ما تَوَارَدَا فيهِ الرُّاوةُ واحِداً فوَاحِدَا
(765) حالاً لهم أو وَصْفًا او وَصْفَ سَنَدْ كقولِ كلِّهِمْ: سَمِعْتُ، فاتَّحَدْ
(766) وقَسْمُهُ إلَى ثَمَانٍ مُثُلُ وقَلَّمَا يَسْلَمُ ضَعْفاً يَحْصُلُ
(767) ومنه ذو نَقْصٍ بقطْعِ السلسلهْ كأَوَّلِيَّةٍ، وبعضٌ وَصَلَهْ

التَّسلسُلُ مِن صِفاتِ الأسانيدِ، والحديثُ الْمُسَلْسَلُ هو ما تَوَارَدَ رِجالُ إسنادِهِ وَاحِداً فوَاحِداً علَى حالةٍ واحدةٍ أو صِفةٍ واحدةٍ، سواءٌ كانت الصفةُ للرُّواةِ أو للإسنادِ، وسواءٌ كان ما وَقَعَ منه في الإسنادِ في صِيَغِ الأداءِ أو مُتَعَلِّقاً بزَمَنِ الروايةِ أو بالمكانِ، وسواءٌ كانتْ أحوالُ الرُّواةِ أو صفاتُهم أقوالاً أو أفعالاً.
مثالُ التسلسلِ بأحوالِ الرُّواةِ القَوليَّةِ حديثُ معاذِ بنِ جَبلٍ، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قالَ له: ((يَا مُعَاذُ، إِنِّي أُحِبُّكَ فَقُلْ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) فقد تَسلسلَ لنا بقولِ كلٍّ مِن رُواتِهِ: ((وَأَنَا أُحِبُّكَ فَقُلْ)).
ومِثالُ التسلسلِ بأحوالِ الرُّواةِ الفِعليَّةِ حديثُ أبي هُريرةَ قالَ: " شَبَّكَ بيَدِي أبو القاسمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وقالَ: ((خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ)) الحديثَ، فقد تَسلسلَ لنا بِتَشبيكِ كلِّ واحدٍ مِن رُواتِهِ بيَدِ مَن رواهُ عنهُ.
وقد يَجتمِعُ تَسلسلُ الأقوالِ والأفعالِ في حديثٍ واحدٍ كالحديثِ الذي أخْبَرَنا به محمَّدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ الأنصاريُّ سَماعاً عليه بدِمشقَ في الرحلةِ الأُولَى قالَ: أخْبَرَنا وَلَدِي ويحيَى بنُ عليِّ بنِ محمَّدٍ القَلانِسِيُّ، قالا: أخْبَرَنا عليُّ بنُ محمَّدِ بنِ أبي الحسَنِ قالَ: حَدَّثَنَا يحيَى بنُ محمودٍ الثَّقَفِيُّ، ثنا إسماعيلُ بنُ محمَّدِ بنِ الفَضْلِ، ثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ خَلَفٍ، ثنا محمَّدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الحاكمُ، ثنا الزُّبيرُ بنُ عبدِ الواحدِ، ثنا يوسفُ بنُ عبدِ الأحَدِ الشافعيُّ، ثنا سليمانُ بنُ شُعَيْبٍ الكِسائيُّ، ثنا سعيدٌ الآدَمُ، ثنا شِهابُ بنُ خِراشٍ قالَ: سَمِعْتُ يَزيدَ الرَّقَاشِيَّ يُحَدِّثُ عن أنَسِ بنِ مالِكٍ قالَ: (قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: ((لاَ يَجِدُ الْعَبْدُ حَلاَوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ))).
قالَ: (وقَبَضَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم علَى لِحْيَتِهِ وقالَ: ((آمَنْتُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ))). قالَ: وقَبَضَ أنَسٌ علَى لِحيتِهِ وقالَ: آمَنْتُ بالقدَرِ خيرِهِ وشَرِّهِ، وحُلْوِهِ ومُرِّهِ. قالَ: وأخَذَ يزيدُ بلِحْيَتِهِ وقالَ: آمَنْتُ بالقدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ، حُلوِهِ ومُرِّهِ، قالَ: وأخذَ شِهابٌ بلِحيتِهِ وقالَ: آمنْتُ بالقدَرِ خيرِهِ وشَرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ. قالَ: وأخَذَ سعيدٌ بلِحيتِهِ وقالَ: آمَنْتُ بالقدَرِ خيرِهِ وشَرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ. قالَ: وأخَذَ سليمان بلِحْيَتِهِ وقالَ: آمَنْتُ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ. قالَ: وأخَذَ يوسُفُ بلِحْيَتِهِ وقالَ: آمَنْتُ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ.
قالَ الحاكِمُ: وأخَذَ الزُّبَيْرُ بلِحْيَتِهِ وقالَ: آمَنْتُ بالقدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ. قالَ: وأخَذَ الحاكمُ بلِحْيَتِهِ وقالَ: آمَنْتُ بالقدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ. وأخَذَ ابنُ خَلَفٍ بلِحْيَتِهِ وقالَ: آمَنْتُ بالقدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ. وأخَذَ إسماعيلُ بلِحْيَتِهِ وقالَ: آمَنْتُ بالقدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ. وأخَذَ يحيَى الثَّقَفِيُّ بلِحْيَتِهِ وقالَ: آمَنْتُ بالقدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ. وأخَذَ عَلِيُّ بنُ محمَّدٍ بلِحْيَتِهِ وقالَ: آمَنْتُ بالقدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ. وأخَذَ كلٌّ مِن يَحيَى بنِ القَلانِسِيِّ وإسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بلِحْيَتِهِ وقالَ: آمَنْتُ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ. وأخَذَ شيخُنا أبو عبدِ اللَّهِ محمَّدُ بنُ إسماعيلَ بلِحْيَتِهِ وقالَ: آمَنْتُ بالقدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ.
ومِثالُ التسلسلِ بصِفاتِ الرُّواةِ القوليَّةِ كالحديثِ الْمُسَلْسَلِ بقراءةِ سورةِ الصفِّ ونحوِهِ، وأحوالُ الرواةِ القوليَّةُ وصِفاتُهم القوليَّةُ متقارِبَةٌ بل مُتماثِلَةٌ، ومِثالُ التسلسلِ بصِفاتِ الرُّواةِ الفِعليَّةِ كالحديثِ الْمُسَلْسَلِ بالفقهاءِ وهو حديثُ ابنِ عمرَ مَرفوعاً: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ)) فقد تَسلسلَ لنا برِوايةِ الفُقهاءِ، وكالحديثِ المسلْسَلِ بروايةِ الْحُفَّاظِ، ونحوِ ذلك.
ومِثالُ التسلْسُلِ بصِفاتِ الإسنادِ والروايةِ كقولِ كلٍّ مِن رُواتِهِ: سَمِعْتُ فُلاناً، وإليه الإشارةُ بقولي (كقولِ كلِّهم: سَمِعْتُ فاتَّحَدْ) لفْظُ الأداءِ في جميعِ الرُّواةِ فصارَ مُسَلْسَلاً بذلك، وكذلك قوْلُ جميعِهم: حَدَّثَنَا، أو قولُهم: أخْبَرَنا، أو قولُهم: شَهِدْتَ علَى فُلانٍ؟ قالَ: شَهِدْتُ علَى فُلانٍ، ونحوِ ذلك.
وجَعَلَ الحاكِمُ مِن أنواعِهِ أنْ تَكونَ ألفاظُ الأداءِ في جميعِ الرُّواةِ دالَّةً علَى الاتِّصالِ وإن اخْتَلَفَتْ فقالَ بعضُهم: سَمِعْتُ، وبعضُهم: أخْبَرَنا، وبعضُهم: حدَّثنا، ولم يُدْخِل الأكثرونَ في الْمُسلسلاتِ إلاَّ ما اتَّفَقَتْ فيه صِيَغُ الأداءِ بلفْظٍ واحدٍ.
ومِثالُ التسلسلِ في وقتِ الروايةِ حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ قالَ: " شَهدتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم في يومِ عيدِ فِطْرٍ أو أَضْحَى " الحديثَ، فقد تَسلسلَ لنا بروايةِ كلِّ واحدٍ مِن الرُّواةِ له " في يومِ عيدٍ " ، وكحديثِ تَسلسلِ قَصِّ الأظفارِ يومَ الخميسِ، ونحوِ ذلك.
ومثالُ التسلسلِ بالمكانِ كالحديثِ المسلْسَلِ بإجابةِ الدعاءِ في الْمُلْتَزَمِ.
وأنواعُ التسلسلِ كثيرةٌ، وقد ذَكَرَ الحاكِمُ في علومِهِ ثمانيةَ أنواعٍ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ: والذي ذَكَرَهُ فيها إنما هو صُوَرٌ وأَمْثِلَةٌ ثَمانيةٌ ولا انحصارَ لذلك في ثمانيةٍ.
قلتُ: لم يَقُل الحاكِمُ إنه مُنْحَصِرٌ في ثمانيةِ أنواعٍ كما فَهِمَهُ ابنُ الصَّلاحِ، وإنما قالَ بعدَ ذِكْرِهِ للثمانيةِ: فهذهِ أنواعُ المسلْسَلِ مِن الأسانيدِ الْمُتَّصِلَةِ التي لا يَشُوبُها تَدليسٌ، وآثارُ السماعِ بينَ الراوِيَيْنِ ظاهرةٌ. اهـ
فالحاكمُ إنما ذَكَرَ مِن أنواعِ المسلسَلِ ما يَدُلُّ علَى الاتصالِ:
فالأوَّلُ: المسلسَلُ بـ " سَمعتُ " .
والثاني: المسلسَلُ بقولِهم: " قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حتَّى أُرِيَكَ وُضوءَ فُلانٍ " .
والثالثُ: المسلسَلُ بِمُطْلَقِ ما يَدُلُّ علَى الاتصالِ مِن " سَمِعْتُ " أو " أخْبَرَنا " أو " حَدَّثَنَا " وإن اختلفَتْ ألفاظُ الرُّواةِ.
والرابعُ: المسلسَلُ بقولِهم: " فإنْ قيلَ لفُلانٍ: مَن أمَرَكَ بهذا؟ قالَ: يقولُ: أمَرَنِي فلانٌ " .
والخامسُ: المسلسَلُ بالأخْذِ باللِّحْيَةِ وقولِهِم: ((آمَنْتُ بِالْقَدَرِ)) الحديثَ، وقد تَقَدَّمَ.
والسادسُ: المسلسَلُ بقولِهم: " وَعَدَّهُنَّ في يَدِي " .
والسابعُ: المسلسَلُ بقولِهم: " شَهِدْتُ علَى فلانٍ؟ " .
والثامنُ: المسلسَلُ بالتشبيكِ باليدِ مع أنَّ مِن أمثلتِهِ ما يَدُلُّ علَى الاتِّصالِ ولم يَذكرْهُ كالمسلسَلِ بقولِهم: " أطْعَمَنا وسَقَانَا " ، والمسلسَلِ بقولِهم: " أضَافَنَا بالأسودَيْنِ: التمْرِ والماءِ " ، والمسلسَلِ بقولِهم: " أخَذَ فُلانٌ بيَدِي " ، والمسلسَلِ بالمصافَحَةِ، والمسلسَلِ بقَصِّ الأظفارِ يومَ الخميسِ، ونحوِ ذلك.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ: وخيرُها ما كان فيه دَلالةٌ علَى اتِّصالِ السماعِ وعدَمِ التدليسِ.
قالَ: ومِن فَضيلةِ التسلسُلِ اشتمالُهُ علَى مَزيدِ الضبْطِ مِن الرُّواةِ.
قالَ: وقَلَّمَا تَسْلَمُ المسلْسَلاتُ مِن ضَعْفٍ، أعْنِي في وَصْفِ التسلسُلِ لا في أصْلِ الْمَتْنِ.
ومِن المسلسَلِ ما هو ناقِصُ التسلسُلِ بقَطْعِ السِّلسلةِ في وسَطِهِ أو أوَّلِهِ أو آخِرِهِ؛ كحديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو المسلسَلِ بالأوَّلِيَّةِ، فإنه إنما صَحَّ التسلسُلُ فيه إلَى سفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ، وانقطَعَ التسلسُلُ بالأوَّلِيَّةِ في سماعِ سُفيانَ مِن عمرٍو، وفي سَمَاعِ عمرٍو من أبي قابُوسَ، وفي سَماعِ أبي قابوسَ مِن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، وفي سَمَاعِ عبدِ اللَّهِ مِن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، وقد وَقَعَ لنا بإسنادٍ مُتَّصِلٍ التسلسُلُ إلَى آخِرِهِ، ولا يَصِحُّ ذلك، واللَّهُ أعْلَمُ.

مسلمة 12
12-23-2008, 11:32 PM
الْمُسَلْسَلُ
(الْمُسَلْسَلُ) مِن الأحاديثِ باعتبارِ الرُّواةِ أو الأسانيدِ.

مُسَلْسَلُ الحديثِ ما تَوَارَدَا فيه الرُّاوةُ واحِداً فوَاحِدَا
حالاً لهم أو وَصْفًا او وَصْفَ سَنَدْ كقولِ كلِّهِمْ سَمِعْتُ فاتَّحَدْ
وقَسْمُهُ إلى ثَمَانٍ مُثُلُ وقَلَّمَا يَسْلَمُ ضَعْفاً يَحْصُلُ
ومنه ذو نَقْصٍ بقطْعِ السلسلهْ كأَوَّلِيَّةٍ وبعضٌ وَصَلَهْ

(مُسلسَلُ الحديثِ ما تَوَارَدَا) أيْ: تَشَارَكَ (فيه الرُّواةُ) له (واحدًا فوَاحِدَا حالاً) أيْ: على حالٍ (لهم) قوْلِيًّا كانَ الحالُ، كقولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لِمُعَاذٍ: ((إِنِّي أُحِبُّكَ فَقُلْ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)). فإنه مُسلسَلٌ بقولِ كلٍّ مِن رُواتِه: (إني أُحِبُّكَ فقُلْ).
أو فِعْلِيًّا، كقولِ أبي هُريرةَ: (شَبَّكَ بِيَدِي أبو القاسِمِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وقالَ: ((خَلَقَ اللهُ الْأَرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ)) الحديثُ. فإنه مُسلسَلٌ بتشبيكِ كلٍّ مِنهم بِيَدِ مَن رَواهُ عنه.
وقد يَجتمعانِ كما في حَديثِ أنَسٍ: ((لاَ يَجِدُ الْعَبْدُ حَلاَوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ)). وقالَ: (وقَبَضَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ على لِحْيَتِهِ وقالَ: ((آمَنْتُ بِالْقَدَرِ)). إِلَى آخِرِهِ).
فإنه مُسَلْسَلٌ بقَبْضِ كلٍّ مِنهم على لِحْيَتِهِ مع قولِه: ((آمَنْتُ)) إلى آخِرِه.
(أو وَصْفًا) أيْ: أو ما تَوَارَدَ فيه رُواتُه على وَصْفٍ لهم، قَوْلِيًّا كانَ الوصْفُ، وهو مقارِبٌ لحالِهم القَوْلِيِّ بل مماثِلٌ له، كالمسلْسَلِ بقراءةِ سورةِ (الصَّفِّ)، أو فِعْلِيًّا كالمسلْسَلِ بالقراءِ وبالحفَّاظِ، والفُقهاءِ، وبالمجتَهِدِينَ، وبرِوايةِ الأبناءِ عن الآباءِ.
(أو وَصْفَ سَنَدْ) بالدرْجِ - أيْ: أو ما تَوَارَدَ فيه رُواتُه على وَصْفِ سندٍ بما يَرْجِعُ إلى التحمُّلِ إمَّا في صِيَغِ الأداءِ (كقولِ كلِّهم) أي: الرُّواةِ (سَمِعْتُ) فلانًا، أو نحوَه: (كحَدَّثَنا وأَخْبَرَنا فُلانٌ) (فاتَّحَدْ) ما وَقَعَ منها لهم فصارَ الحديثُ بذلك مُسَلْسَلاً.
بل جَعَلَ الحاكِمُ منه أنْ تكونَ ألفاظُ الأداءِ مِن جَميعِ الرُّواةِ دالَّةً على الاتِّصالِ وإن اخْتَلَفَتْ فقالَ بعضُهم: (سَمِعتُ، وقالَ بعضُهم: أَخْبَرَنا، وقالَ بعضُهم: حَدَّثَنا).
لكنَّ الأكثرَ على اختصاصِه بالتوارُدِ في صِيغةٍ واحدةٍ.
وأمَّا فيما يَتَعَلَّقُ بزمَنِ الروايةِ، كالمسلسَلِ بقَصِّ الأظفارِ يومَ الخميسِ، أو بمكانِها، كالمسلسَلِ بإجابةِ الدعاءِ في الْمُلْتَزَمِ، أو بتاريخِها، ككونِ الراوِي آخِرَ مَن يَرْوِي عن شيخِه، إلى غيرِ ذلك مِن أنواعِ المسلسَلِ التي لا تَنْحَصِرُ كما قالَ ابنُ الصلاحِ.
(وقَسْمُهُ) أيْ: وتَقسيمُ المسلسَلِ (إلى) أنواعٍ (ثَمَانٍ) كما فعَلَه الحاكِمُ إنما هي (مُثُلُ) له ولم يُرِدِ الحصْرَ فيها كما فَهِمَه ابنُ الصلاحِ عنه، وكلامُه مُؤْذِنٌ بأنه إنما ذَكَرَ مِن أنواعِه ما يُدُلُّ على الاتِّصالِ.
قالَ ابنُ الصلاحِ: (ومِن فَضيلتِه اشتِمالُه على مَزيدِ الضبْطِ مِن الرُّواةِ).
قالَ: (وخيرُ المسلسَلاتِ ما كان فيه دَلالةٌ على اتِّصالِ السماعِ وعَدَمِ التدليسِ).
(و) لكنْ (قَلَّمَا يَسْلَمُ) المسلسَلُ (ضَعْفًا) أيْ: مِن ضَعْفٍ (يَحْصُلُ) في وَصْفِه لا في أصْلِ الْمَتْنِ.
(ومنه ذو نَقْصٍ) للتسلْسُلِ (بقَطْعِ السلسِلَهْ) في أوَّلِه، أو وَسَطِه، أو آخِرِه (كأوَّلِيَّةٍ) أيْ: كحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ)) المسلسَلِ بالأَوَّلِيَّةِ، فإنه إنما صَحَّ تَسلسُلُه إلى سُفيانَ بنِ عُيينةَ، وانْقَطَعَ ممن فَوْقَه، (وبعضٌ) مِن الرُّواةِ (وَصَلَه) أيْ: تَسَلْسَلَه ولم يَصِحَّ.
قالَ شيخُنا: (مِن أَصَحِّ مسلسَلٍ يُرْوَى في الدنيا المسلسَلُ بقراءةِ سورةِ الصَّفِّ).

مسلمة 12
12-25-2008, 09:45 AM
(الْمُسَلْسَلُ)
مُسَلْسَلُ الحديثِ ما تَوَارَدَا فيهِ الرُّاوةُ واحِداً فوَاحِدَا
حالاً لَهُمْ أوْ وَصْفاً اوْ وَصْفَ سَنَدْ كقولِ كُلِّهِمْ: سَمِعْتُ فَاتَّحَدْ
وقَسْمُهُ إلى ثَمَانٍ مُثُلُ وقَلَّمَا يَسْلَمُ ضَعْفاً يَحْصُلُ
ومنهُ ذُو نَقْصٍ بِقَطْعِ السِّلْسِلَهْ كَأَوَّلِيَّةٍ وبعضٌ وَصَلَهْ

(المُسَلْسَلُ) وهوَ لُغَةً: اتِّصالُ الشيءِ بعضِهِ ببعضٍ، ومنهُ سِلْسلةُ الحديدِ. و(مُسلسَلُ الحديثِ)، وهوَ منْ صفاتِ الإسنادِ، (مَا تَوارَدَا فيهِ الرُّواةُ) لهُ كُلُّهم (واحداً فوَاحِدَا حَالاً)؛ أيْ: على حالٍ (لَهُمْ)، وذلكَ إمَّا أَنْ يَكونَ قَوليًّا لهم؛ كحديثِ أنَّهُ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لمُعاذٍ رضِيَ اللَّهُ عنهُ: ((إِنِّي أُحِبُّكَ، فَقُلْ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ)) الحديثَ. فقدْ تَسلْسَلَ لنا بِقَوْلِ كُلٍّ منْ رواتِهِ: (أَنَا أُحِبُّكَ فَقُلْ).
ونحوُهُ المُسلسَلُ بقولِ: (رَحِمَ اللَّهُ فُلاناً، كَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ زَمَانَنَا؟! ). وبقولِ: (قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ فُلانٍ). وإِمَّا أنْ يكونَ الحالُ فعليًّا؛ كقولِ أبي هُريرةَ: شَبَّكَ بِيَدِي أَبُو القاسمِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ: ((خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ)) الحديثَ. فقدْ تَسَلْسَلَ لنا بِتَشْبيكِ كُلٍّ منْ رُوَاتِهِ بِيَدِ مَنْ رَوَاهُ عنهُ.
ونَحْوُهُ المُسَلْسَلُ بوضعِ اليَدِ على الرأسِ، وبالأخْذِ بيدِ الطالبِ، وبالعَدِّ في يَدِهِ للخمسةِ؛ التي منها الصلاةُ على النبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، والتَّرحُّمُ، والدُّعاءُ، وبالمُصَافَحَةِ، وبرَفْعِ اليدَيْنِ في الصلاةِ، وبالاتِّكاءِ وبالإِطْعَامِ والسَّقْيِ وبالضِّيَافَةِ بالأَسْوَدَيْنِ؛ التَّمْرِ والماءِ.
وقدْ يَجِيئانِ معاً، أعني القَوْلِيَّ والفِعْلِيَّ، في حديثٍ واحدٍ؛ كحديثِ أنسٍ مَرْفوعاً: ((لا يَجِدُ الْعَبْدُ حَلاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلُوِهِ ومُرِّهِ)). قالَ: وقَبَضَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ على لِحْيَتِهِ وقالَ: ((آمَنْتُ بِالْقَدَرِ)). فقدْ تَسَلْسَلَ لنا بقَبْضِ كلِّ واحدٍ منْ رُوَاتِهِ على لِحْيَتِهِ معَ قولِهِ: آمَنْتُ..... إلى آخرِهِ.
(أوْ وَصْفاً)؛ أيْ: أوْ كانَ التَّوَارُدُ من الرُّوَاةِ على وَصْفٍ لهم، وهوَ أَيْضاً فِعْلِيٌّ؛ كالمُسلسلِ بالقُرَّاءِ وبالحُفَّاظِ وبالفُقهاءِ وبالنُّحاةِ وبالصُّوفِيَّةِ وبالدِّمَشقِيِّينَ وبالمِصْريِّينَ ونحوِ ذلكَ؛ كالمُسلسلِ بالمُحمَّدِينَ، أوْ بِمَنْ أوَّلُ اسمِهِ عَيْنٌ، أوْ بمَنْ في اسمِهِ أو اسمِ أبيهِ أوْ نَسَبِهِ أوْ غيرِهما مِمَّا يُضافُ إليهِ نُونٌ، أوْ برِوايَةِ الأبناءِ عن الآباءِ، أوْ بالمُعَمِّرِينَ، أوْ بعددٍ مخصوصٍ من الصحابةِ يَرْوِي بعضُهم عنْ بعضٍ، أوْ من التابِعِينَ كذلكَ. وقَوْلِيٌّ؛ كالمُسلسلِ بقِراءَةِ سُورةِ الصفِّ ونحوِهِ، لكنَّهُ في الوَصْفِيِّ غالباً مُقَارِبٌ، بلْ مُمَاثِلٌ لهُ في الحَالِي.
(اوْ وَصْفَ سَنَدْ)؛ أيْ: أوْ كانَ التَّوَارُدُ من الرُّواةِ على وَصْفِ سَنَدٍ بما يَرْجِعُ إلى التَّحَمُّلِ؛ وذلكَ إمَّا في صِيَغِ الأداءِ، (كقَوْلِ كُلِّهِمْ)؛ أي: الرُّواةِ، (سَمِعْتُ) فُلاناً، أوْ ثَنَا، أوْ أَنَا، أوْ شَهِدْتُ على فُلانٍ.
(فاتَّحَدْ) ما وقَعَ منها لجميعِ الرواةِ، فصارَ بذلكَ مُسلْسَلاً. بلْ جعَلَ الحاكمُ منهُ أنْ تَكونَ ألفاظُ الأداءِ منْ جميعِ الرُّواةِ دَالَّةً على الاتِّصالِ وإن اختلَفَتْ، فقالَ بعضُهم: سَمِعْتُ، وقالَ بعضُهم: أَنَا، وقالَ بعضُهم: ثَنَا. ولكن الأكثرونَ على اختصاصِهِ بالتواردِ في صيغةٍ واحدةٍ.
ونحوُهُ الحَلِفُ؛ كقولِهِ: (أَنَا واللَّهِ فُلانٌ)، كما نصَّ عليهِ ابنُ الصلاحِ، أوْ ما يَلْتَحِقُ بهِ؛ كقولِهِ: (صَمَّتْ أُذُنَايَ إنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُهُ منْ فلانٍ).
وإمَّا فيما يَتعلَّقُ بزمنِ الروايَةِ أوْ بمكانِهِ أوْ بتاريخِها، فالأولُ: كالمُسلسلِ بالتحَمُّلِ يومَ العيدِ، أوْ بقَصِّ الأَظْفَارِ في يومِ الخميسِ.
والثاني: كالمُسلسلِ بإجابةِ الدُّعاءِ في الْمُلْتَزَمِ.
والثالثُ: ككَوْنِ الراوي آخِرَ مَنْ يَرْوِي عنْ شيخِهِ، إلى غيرِ ذلكَ منْ أنواعٍ للتَّسَلْسُلِ كثيرةٍ لا تَنْحصِرُ كما قالَ ابنُ الصلاحِ.
(وقَسْمُهُ)؛ أيْ: تَقْسيمُهُ، (إلى ثَمَانٍ) كما فعَلَ الحاكِمُ، إنَّما هِيَ (مُثُلُ) لهُ، ولم يَرِد الحَصْرُ فيها كما فَهِمَهُ ابنُ الصَّلاحِ عنهُ، وتَعقَّبَهُ بعَدَمِ حَصْرِهِ فيها؛ إذْ لَيْسَ في عبارةِ الحاكمِ ما يَقْتضِي الحصرَ كما قالَهُ الشارِحُ؛ لِقَوْلِ الحاكِمِ بعدَ الفراغِ منها: فهذهِ أنواعُ التسلسلِ من الأسانيدِ المُتَّصِلةِ التي لا يَشُوبُها تَدْلِيسٌ، وآثارُ السَّمَاعِ فيها بينَ الرَّاوِيَيْنِ ظاهرٌ.
وهذا - كما تَرَى - مُؤْذِنٌ بأنَّهُ إنَّما ذكَرَ منْ أنواعِهِ ما يدُلُّ على الاتِّصالِ، وهوَ غايَةُ المَقصِدِ منْ هذا النوعِ؛ إذْ فائدتُهُ البُعْدُ من التدليسِ والانقطاعِ. وخيرُها - كما قالَ ابنُ الصلاحِ - ما دَلَّ على ذلكَ.
ومن فضيلةِ التسَلسُلِ الاقتداءُ بالنبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فِعْلاً ونَحْوَهُ كما أشارَ إليهِ ابنُ دقيقِ العيدِ، واشتمالُهُ -كما قالَ ابنُ الصلاحِ- على مَزِيدِ الضَّبْطِ من الرُّواةِ. (وَ) لَكِنْ قد انعَكَسَ الأمرُ فـ(قَلَّمَا يَسْلَمُ) التسلسلُ (ضَعْفاً)؛ أيْ: منْ ضعفٍ، (يَحْصُلُ) في وَصْفِ التسلسلِ، لا في أصلِ المَتْنِ؛ كمسُلسَلِ المُشابَكةِ، فمَتْنُهُ صحيحٌ، والطريقُ بالتَّسَلْسُلِ فيها مقالٌ، وأَصَحُّها مُطْلقاً المُسَلْسَلُ بسُورةِ الصفِّ، ثمَّ بالأَوَّلِيَّةِ.
وقدْ أفرَدَ كثيرٌ من الأئمَّةِ ما وقَعَ لهم من المُسلسلاتِ. ووقَعَ لي منْ ذلكَ بالسَّماعِ جُمْلَةٌ؛ كالمُسلسلاتِ لأبي بكرِ بنِ شَاذانَ، ولأبي مُحَمَّدٍ الإبراهيميِّ، ولأبي مُحَمَّدٍ الدِّيبَاجِيِّ، ولأبي سَعْدٍ السَّمَّانِ، ولأبي سعدِ بنِ أَبِي عصرونَ، ولأبي القاسِمِ التَّيْمِيِّ، وللغَرَّافِيِّ، ولأبي المَكارمِ ابنِ مسديٍّ، ولأبي سعيدٍ العلائيِّ، ولابنِ الْمُفَضَّلِ في الأربعينَ لهُ. وبالإِجَازةِ جُمْلَةٌ أيضاً؛ كَأَبِي نُعَيْمٍ الأصْبهانيِّ، وأبي الحَسَنِ اللَّبَّانِ، والقَاضِي أبي بَكْرِ بنِ العَرَبِيِّ.
واعْتنَى كُلٌّ منْ حافظِ دِمَشْقَ الشَّمْسِ بنِ ناصرِ الدينِ، وحَافِظِ مَكَّةَ منْ أصحابِنا بإفرادِ ما وقَعَ لهُ منها في تخريجٍ. وكذا أفْرَدْتُ مائةً منها بالتصنيفِ مُبَيِّناً شَأْنَها، ورَوَيْتُ ذلكَ إِمْلاءً وتحديثاً بالقاهرةِ ومَكَّةَ.
ثمَّ تارةً يكونُ التسلسلُ من الابتداءِ إلى الانتهاءِ، وهوَ الأكثرُ. (ومِنهُ ذُو نَقْصٍ بقَطْعِ السِّلْسِلَهْ)؛ إمَّا في أوَّلِهِ أوْ وَسطِهِ أوْ آخرِهِ. ولهُ أمثلةٌ (كَـ) حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ)) المُسَلْسَلِ بـ(أَوَّلِيَّةٍ) وقعَتْ لِجُلِّ رواتِهِ؛ حيثُ كانَ أَوَّلَ حَدِيثٍ سَمِعَهُ كلُّ واحدٍ منهم منْ شيخِهِ؛ فإنَّهُ إنَّما يَصِحُّ التسلسلُ فيهِ إلى ابنِ عُيَيْنَةَ خَاصَّةً، وانقطَعَ فيمَنْ فَوْقَهُ على المُعْتَمَدِ.
(وبَعْضٌ) من الرواةِ قدْ (وصَلَهْ) إلى آخرِهِ؛ إمَّا غَلَطاً كما أشارَ إليهِ ابنُ الصلاحِ؛ حيثُ أوْرَدَ الحديثَ في بعضِ تَخاريجِهِ مُتَّصِلَ السلسلةِ، وقالَ عَقِبَهُ: إنَّهُ غريبٌ جِدًّا، وفي موضعٍ آخَرَ: إنَّهُ مُنْكَرٌ. وأبو طاهرٍ، يَعْنِي: ابنُ محمشٍ، رَاوِيهِ فَمَنْ فوقَهُ لا مَطْعَنَ فيهم، ومعَ ذلكَ فَأَحْسَبُ أوْ أَبُتُّ أنَّ هذا سَهْوٌ أوْ خَطَأٌ صَدَرَ منْ بعضِهم عنْ قِلَّةِ معرفةٍ بهذهِ الصناعةِ، فليسَ يَصِحُّ تسلسلُهُ بكمالِهِ منْ وَجْهٍ ما. وإمَّا كَذِباً؛ كأبي المُظَفَّرِ مُحَمَّدِ بنِ عليٍّ الطَّبَرِيِّ الشَّيْبانيِّ؛ حيثُ وصَلَهُ، وتَوَاقَحَ فَأَرَّخَ سماعَ ابنِ عُيَيْنَةَ لهُ منْ عَمْرٍو في سنةِ ثلاثِينَ ومائةٍ. وافْتَضَحَ؛ فإنَّ عَمْراً مَاتَ قَبْلَ ذلكَ إِجْمَاعاً، وَأَرَّخَ سماعَ عمرٍو أيضاً لهُ منْ أبي قَابُوسَ سنةَ ثَمانِينَ، ولم يُتابَعْ على ذلكَ، ولا على أشياءَ انْفَرَدَ بِهَا فيهِ غيرَ ذلكَ، بحيثُ جزَمَ غيرُ واحدٍ من الحُفَّاظِ باتِّهامِهِ بهِ، لا سِيَّما وقدْ رَوَاهُ ابنُ عَسَاكِرَ وغيرُهُ عنْ شيخِهِ فيهِ بدُونَ ما أتَى بهِ، بلْ كالنَّاسِ. وقدْ سَلْسَلَهُ بعضُهم إلى الصحابيِّ فَقَطْ، وبعضُهم إلى التابعيِّ فقَطْ. وكلُّ ذلكَ باطِلٌ وقَعَ عَمْداً منْ رَاوِيهِ أوْ سَهْواً، كما بَيَّنْتُهُ وَاضِحاً في أوَّلِ المُتبَائِنَاتِ التي أَفْرَدْتُها منْ حَدِيثِي.
وقدْ جمَعَ طُرُقَ هذا الحديثِ الحافظُ الذَّهبِيُّ في جزءٍ سَمِعْناهُ، سَمَّاهُ (العَذْبَ السَّلْسَلَ في الحديثِ المُسَلْسَلِ)، وكذا التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ، ومِنْ قَبْلِهِمَا ابنُ الصلاحِ ومَنصورُ بنُ سُلَيمٍ وأبو القاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ فَآخَرُونَ.
ومن المُسلسلاتِ الناقصةِ ما اجتمَعَ في روايتِهِ ثمانيَةٌ في نَسَقٍ اسْمُهم زَيْدٌ، أوْ سَبْعَةٌ أوْ سِتَّةٌ من التابعِينَ، أوْ سِتُّ فَواطِمَ، أوْ خَمْسةٌ كُنْيَتُهم أبو القاسمِ، أوْ أبو بَكْرٍ، أو اسمُهم مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الواحدِ أوْ أحمدُ أوْ خَلَفٌ، أوْ صحابةٌ، أوْ أربعةٌ اسمُهم إبراهيمُ أوْ إسماعيلُ أوْ عَلِيٌّ أوْ سُلَيمانُ، أوْ صحابيَّاتٌ، أوْ إخوةٌ من التابعِينَ، أوْ حَنَفِيُّونَ، أوْ ثلاثةٌ من الأئمَّةِ المَتبوعِينَ، أو اسمُهم أبَانٌ أوْ أُسَامَةُ أوْ إسحاقُ أوْ خالدٌ أوْ عِمرانُ أوْ خَوْلانُ، أو اثنانِ كلٌّ منهما اسْمُهُ الحسنُ بنُ أحمدَ بنِ الحسَنِ بنِ أحمدَ، أو اسمُهُ نَصْرُ بنُ عليٍّ أوْ عَثَّامُ بنُ عَلِيٍّ، في أشباهٍ لذلكَ، كأنْ يَتَوَالَى في رواتِهِ بَصْريُّونَ أوْ مَدَنِيُّونَ أوْ مَغرِبيُّونَ أوْ مَالكيُّونَ أوْ حَنْبليُّونَ أوْ ظَاهِريُّونَ أوْ عِدَّةُ نِسْوةٍ؛ كما وقَعَ في أبي دَاوُدَ منْ حديثِ مُسْلِمِ بنِ إبراهيمَ، عنْ غيطةَ بْنَةِ عمرٍو أُمِّ عمرٍو الْمَجَاشِيَّةِ، عنْ عَمَّتِها أُمِّ الحسنِ، عنْ جَدَّتِها، عنْ عائشةَ، أنَّ هندَ بْنَةَ عُتْبَةَ قَالَتْ: (يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بَايِعْنِي) الحديثَ.
أو المَزْكُومُ، عن الزَّمِنِ، عن المَفْلوجِ، عن الأثْرَمِ، عن الأحْدَبِ، عن الأصَمِّ، عن الضَّريرِ، عن الأعْمَشِ، عن الأعْوَرِ، عن الأعْرَجِ، عن الأعْمَى؛ كما أورَدَهُ بخصوصِهِ ابنُ ناصرِ الدينِ والكَتَّانِيُّ.
وفي نُزْهةِ الحُفَّاظِ لأبي مُوسَى المَدينيِّ مِمَّا أَشَرْتُ إليهِ وأشباهِهِ الكثيرُ، ولكنَّ جُلَّ الغرضِ هنا إنَّما هوَ فيما تَسَلْسَلَ من ابتداءِهِ إلى انتهاءِهِ.
وقد اعْتَنَى التاجُ السُّبْكِيُّ في طَبَقاتِ الشافعيَّةِ لهُ بإيرادِ ما لَعلَّهُ يَقَعُ لهُ منْ حديثِ المُتَرْجِمِينَ بأَسَانِيدِهِ، وَرُبَّما يَتوالَى عندَهُ منْ ذلكَ عِدَّةُ فُقهاءَ. وكذا الصَّلاحُ الأَقْفَهْسِيُّ في مُطْلَقِ الفقهاءِ، وأَتَى منْ ذلكَ بِمَا هوَ مُؤْذِنٌ بكثرةِ اطِّلاعِهِ وَسَعَةِ روايتِهِ، ولكنَّهُ ماتَ قبلَ تهذيبِهِ وتَبِييضِهِ. بلْ أَفْرَدَ بعضُ المُتَأَخِّرِينَ من المُسلسلاتِ النَّاقِصَةِ ما اشْتَرَكَ جَماعَةٌ منْ رِجَالِ سَنَدِهِ في فِقْهٍ أوْ بَلَدٍ أوْ إقليمٍ أوْ غيرِها بنوعٍ سِوَى ما يُشْبِهُهُ منْ تَوَالِي عِدَّةٍ من الصحابةِ أو التابعِينَ مِمَّا أفرَدَهُ أيضاً بِنَوْعَيْنِ، كما سأذْكُرُهُ في الأَقْرَانِ إنْ شاءَ اللَّهُ، وكأنَّ مِنْ فائدتِهِ مَعْرِفةَ مُخْرِجِ الحديثِ، وتَعْيِينَ ما لَعَلَّهُ يَقَعُ من الرُّواةِ مُهْمَلاً، وفي الفقهاءِ بخصوصِهم الترجيحَ لهُ على ما عارَضَهُ مَنْ لَيْسَ سندُهُ مُتَّصِفاً بذلكَ. وشَيْخُنا منهُ ما تَوَالَى فيهِ رَاوِيَانِ فأكثَرُ، اشْتَرَكُوا في التسميَةِ، ومَثَّلَ لهُ بعِمْرانَ ثَلاثةً: الأوَّلُ: القصيرُ، والثاني: أَبُو رَجَاءٍ العُطارِديُّ، والثالثُ: ابنُ حُصَيْنٍ الصحابيُّ. وبسُليمانَ ثَلاثَةً أيضاً: الأوَّلُ: ابنُ أحمدَ الطَّبرانِيُّ، والثاني: ابنُ أحمدَ الوَاسِطِيُّ، والثالثُ: ابنُ عبدِ الرحمنِ الدِّمَشْقِيُّ المعروفُ بابنِ بنتِ شُرَحْبِيلَ.
وفائدتُهُ: دفْعُ تَوَهُّمِ الغَلَطِ حيثُ وقَعَ إهمالُهم أوْ بَعْضِهم. وقدْ يكونُ بينَ مُتَّفِقَي الاسمِ وَاسِطةٌ؛ كالبُخاريِّ وعَبْدٍ، رَوَى كلٌّ منهما عنْ مُسْلِمٍ، وعنْ كلٍّ منهما مُسْلِمٌ، فشيخُهما مسلمُ بنُ إبراهيمَ الفَرَاهِيدِيُّ البَصْرِيُّ، والرَّاوي عنهما مسلمُ بنُ الحَجَّاجِ القُشَيْرِيُّ صَاحِبُ (الصحيحِ).
ويَحْيَى بنُ أَبِي كثيرٍ رَوَى عنْ هشامٍ، وعنهُ هشامٌ، فالأوَّلُ ابنُ عُرْوَةَ وهوَ منْ أقرانِهِ، والتلميذُ ابنُ أَبِي عبدِ اللَّهِ الدَّسْتَوَائِيُّ. وابنُ جُريجٍ عنْ هشامٍ، وعنهُ هشامٌ، فالأعْلَى ابنُ عُرْوَةَ، والأدْنَى ابنُ يُوسُفَ الصَّنعانِيُّ. والحَكَمُ بنُ عُتَيْبَةَ عن ابنِ أبي ليْلَى، وعنهُ ابنُ أَبِي ليْلَى، فالأعْلَى عبدُ الرحمنِ، والأَدْنَى مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الرحمنِ المذكورُ في أمثلةٍ كثيرةٍ. وفائدتُهُ رَفْعُ اللَّبْسِ عَمَّنْ يَظُنُّ أنَّ فيهِ تَكراراً أو انقلاباً.
ولذا أَفْرَدَهُ شيخُنا، بلْ أفْرَدَ مَن اتَّفَقَ اسمُهُ واسمُ أبيهِ وجَدِّهِ؛ كالحسنِ بنِ الحسنِ بنِ الحسنِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ، قالَ: وقدْ يقَعُ أكثرُ من ذلكَ، وهوَ منْ فُرُوعِ المسلسلِ.
قالَ: وقدْ يَتَّفِقُ الاسمُ واسمُ الأبِ فصاعداً معَ الاسمِ واسمِ الأبِ؛ كأَبِي اليَمَنِ الكِنْدِيِّ، هوَ زيدُ بنُ الحسنِ بنِ زيدِ بنِ الحسنِ بنِ زيدِ بنِ الحسنِ. قالَ: وَيَتَأَكَّدُ الاشتباهُ إذا كانَ كُلٌّ من الحفيدِ والجَدِّ لهُ روايَةٌ؛ كنصرِ بنِ عليِّ بنِ نصرِ بنِ عليِّ بنِ صَهْبانَ الْجَهْضَمِيِّ شيخِ الأئمَّةِ السِّتَّةِ، فَجَدُّهُ أَيْضاً مِمَّنْ أخْرَجَ لهُ أصحابُ السُّننِ الأربعةِ، ويُقالُ للحفِيدِ: الجَهْضَمِيُّ الصَّغِيرُ، ولهُ هوَ: الجَهْضَمِيُّ الكبيرُ. ومنهُ عَثَّامُ بنُ عليِّ بنِ عَثَّامِ بنِ عليٍّ، كما سَيَأْتِي في المُؤتِلِفِ.
قالَ: وقدْ يقَعُ -أي: الاتِّفاقُ- بينَ الراوي وشيخِهِ في الاسمِ أو اسمِ الأبِ، يعني وكذا الجَدُّ وجَدُّ الأبِ؛ كأبي العَلاءِ الهَمَذَانِيِّ العَطَّارِ، مَشْهُورٌ بالروايَةِ عنْ أبي عَلِيٍّ الأصبهانيِّ الحَدَّادِ، وكلٌّ منهما اسمُهُ الحسنُ بنُ أحمدَ بنِ الحسنِ بنِ أحمدَ، فاتَّفَقا في ذلكَ، وافتَرَقا في الكُنيَةِ والنِّسبةِ إلى البلدِ والصناعةِ. فاجْتَمَعَ مِمَّا أَوْرَدْتُهُ عِدَّةُ أنواعٍ لم يَذْكُرْها ابنُ الصلاحِ، ولا أكثرُ أتباعِهِ.