عبد العزيز الداخل
11-28-2008, 01:40 AM
فإنَّهُ ما سَلِمَ في دينِهِ إِلاَّ مَن سَلَّمَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
وَرَدَّ عِلْمَ ما اشْتَبَهَ عليهِ إلى عَالِمِهِ.
ولا تَثْبُتُ قَدَمُ الإسلامِ إِلاَّ على ظَهْرِ التَّسْلِيمِ والاسْتِسْلاَمِ.
فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عنهُ عِلْمُهُ، ولم يَقْنَعْ بالتسليمِ فَهْمُهُ، حَجَبَهُ مَرَامُهُ عن خالصِ التوحيدِ، وصافي المَعْرِفَةِ، وَصَحِيحِ الإِيمَانِ.
فَيَتَذَبْذَبُ بينَ الكُفْرِ والإيمانِ، والتصديقِ والتكذيبِ، والإقرارِ والإنكارِ.
مُوَسْوِسًا تَائِهًا، شَاكًّا، لا مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا، وَلاَ جَاحِدًا مُكَذِّبًا.
محمد أبو زيد
11-29-2008, 02:17 PM
(1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7379#_ftn1) فإنَّهُ ما سَلِمَ في دينِهِ إِلاَّ مَن سَلَّمَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
(2) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7379#_ftn2) وَرَدَّ عِلْمَ ما اشْتَبَهَ عليهِ إلى عَالِمِهِ.
(3) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7379#_ftn3) ولا تَثْبُتُ قَدَمُ الإسلامِ إِلاَّ على ظَهْرِ التَّسْلِيمِ والاسْتِسْلاَمِ.
(4) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7379#_ftn4) فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عنهُ عِلْمُهُ، ولم يَقْنَعْ بالتسليمِ فَهْمُهُ، حَجَبَهُ مَرَامُهُ عن خالصِ التوحيدِ، وصافي المَعْرِفَةِ، وَصَحِيحِ الإِيمَانِ.
(5) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7379#_ftn5) فَيَتَذَبْذَبُ بينَ الكُفْرِ والإيمانِ، والتصديقِ والتكذيبِ، والإقرارِ والإنكارِ.
(6) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7379#_ftn6) مُوَسْوِسًا تَائِهًا، شَاكًّا، لا مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا، وَلاَ جَاحِدًا مُكَذِّبًا.
-
[/URL]
(1) ومعنى (سَلَّمَ) أي: قَبِلَ مَا جَاءَ عن اللَّهِ، وعن رسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآمَنَ بهِ على ما جاءَ، من غيرِ أنْ يَتَدَخَّلَ بِتَحْرِيفِهِ وتأويلِهِ، هذا معنى التسليمِ.
قَالَ الإمامُ الشافعيُّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: (آمَنْتُ باللَّهِ وبما جاءَ في كتابِ اللَّهِ على مرادِ اللَّهِ، وآمَنْتُ برسولِ اللَّهِ وبما جاءَ عن رسولِ اللَّهِ على مرادِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أي: لا على الهَوَى والتحريفِ وأقوالِ الناسِ.
مَن سَلَّمَ وانْقَادَ وَرَدَّ ما اشْتُبِهَ عليهِ، ولم يَعْرِفْ معناهُ أو لم يَعْرِفْ كيفيَّتَهُ، رَدَّهُ إلى عالمِهِ، وهو اللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فالذي يُشْكِلُ عليهِ شَيْءٌ يَرْجِعُ إلى أهلِ العلمِ وفوقَ كُلِّ ذي عِلْمٍ عليمٌ، فإنْ لم يَكُنْ عندَ العلماءِ عِلْمٌ بهذا فإِنَّهُ يَجِبُ تَفْوِيضُهُ إلى اللَّهِ جلَّ وعَلَا.
(2) ولذلكَ كَانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سألَ أصحابَهُ عن بعضِ الأشياءِ التي لا يَعْرِفُونَهَا قالوا: اللَّهُ ورسولُهُ أَعْلَمُ. فلا يَدْخُلُونَ في المتاهاتِ ويَتَخَرَّصُونَ.
فإنْ وَجَدْتَ عالمًا مَوْثُوقًا يُبَيِّنُ لكَ فالحمدُ للهِ، وإِلَّا فَابْقَ على تَسْلِيمِكَ واعْتِقَادِكَ أَنَّهُ حَقٌّ وأنَّ لَهُ مَعْنًى، ولكنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكَ.
(3) لا يَثْبُتُ الإسلامُ الصحيحُ إِلَّا بالتسليمِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ سُبْحَانَهُ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسُهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65).
والاستسلامُ هو: الانقيادُ والطاعةُ لِمَا جاءَ عن اللَّهِ ورسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
[URL="http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7379#_ftnref4"] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=7379#_ftnref1)(4) مَن لم يُؤْمِنْ بما حُجِبَ عنه عِلْمُهُ، مثلَ علمِ الكيفيَّةِ، فالواجبُ علينا الإيمانُ بها وَرَدُّهَا، أي: رَدُّ عِلْمِهَا إلى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا } (البقرة: 26).
وقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} (آل عِمْرَان: 7)، حَجَبَ اللَّهُ عِلْمَهُ عن الخلقِ فلا تُتْعِبْ نفسَكَ، ثم قَالَ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} (آل عِمْرَان: 7). يُسَلِّمُونَ وَيَسْتَسْلِمُونَ، ولا يَمْنَعُهُم عَدَمُ مَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ مِن الإيمانِ بهِ والتسليمِ لهُ. أو أنَّ المعنى أَنَّهُم يَرُدُّونَ المُتَشَابِهَ من كتابِ اللَّهِ إلى المُحْكَمِ منهُ لِيُفَسِّرُوهُ وَيَتَّضِحَ معناهُ ويقولونَ: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا).
(5) مَن لم يُسْلِّمْ للهِ ولا إلى الرسولِ، فإِنَّهُ يُحْجَبُ عن معرفةِ اللَّهِ ومعرفةِ الحقِّ، فيكونُ في متاهاتٍ وضلالاتٍ.
وهذه حالُ المنافقينَ الذينَ يَتَذَبْذَبُونَ، تارةً مع المسلمينِ, وتارةً مع المنافقينَ، وتارةً يُصَدِّقُونَ وتارةً يُكَذِّبُونَ {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} (البَقَرَة: 20). أَمَّا أَهْلُ الإيمانِ فما عَرَفُوا قالوا بهِ، وما لم يَعْرِفُوا وَكَّلُوا عِلْمَهُ إلى اللَّهِ جلَّ وَعَلَا، ولا يُكَلِّفُونَ أنفُسَهُم شيئًا لا يَعْرِفُونَهُ، أو يقولونَ على اللَّهِ ما لا يعلمونَ – فالقولُ على اللَّهِ بغيرِ عِلْمٍ هو عَدِيلُ الشركِ، بل هو أعظمُ من الشركِ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا َوَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } (الأَعْرَاف: 33). فَجَعَلَ القولَ على اللَّهِ بغيرِ عِلْمٍ فوقَ الشركِ باللَّهِ، مِمَّا يَدُلُّ على خُطُورَةِ القولِ على اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
(6) هذه حالةُ أهلِ التَّرَدُّدِ والنِّفَاقِ، دائمًا شاكِّينَ، دَائِمًا مُتَرَدِّدِينَ وَمُتَذَبْذِبِينَ؛ لِأَنَّهُ ما ثَبَتَتْ قَدَمُ أَحَدِهِمْ فِي الإسلامِ, ولم يُسَلِّمْ للهِ ولا إلى رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عن المُنَافِقِينَ أَنَّهُم {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} (النساء: 143).، {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (البقرة: 14، 15).
محمد أبو زيد
12-02-2008, 03:39 PM
وقوله: (فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه. أي: سلم لنصوص الكتاب والسنة، ولم يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة، أو بقوله: العقل يشهد بضد ما دل عليه النقل ! والعقل أصل النقل ! ! فإذا عارضه قدمنا العقل ! ! وهذا لا يكون قط. لكن إذا جاء ما يوهم مثل ذلك: فان كان النقل صحيحا فذلك الذي يدعى أنه معقول إنما هو مجهول، ولو حقق النظر لظهر ذلك. وإن كان النقل غير صحيح فلا يصلح للمعارضة، فلا يتصور أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح أبداً. ويعارض كلام من يقول ذلك بنظيره، فيقال: اذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل، لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع النقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، ولو أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضا للنقل، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الاشياء، فكان تقديم العقل موجبا عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه. وهذا بين واضح، فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته، وأن خبره مطابق لمخبره، فإن جاز أن تكون الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل دليلًا صحيحاً، وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يجز أن يتبع بحال، فضلاً عن أن يقدم، فصار تقديم العقل على النقل قدحاً في العقل.
فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم، والإنقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولاً، أو نحمله شبهة أو شكاً، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم والإنقياد والإذعان، كما نوحد المرسل بالعبادة والخصوع والذل والإنابة والتوكل.
فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم الى غيره، ولا نرضى بحكم غيره، ولا نوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره، وإلا حرفه عن مواضعه، وسمى تحريفه تأويلاً وحملاً، فقال: نؤوله ونحمله. فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب - ما خلا الإشراك بالله - خير له من أن يلقاه بهذه الحال. بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل يسوغ أن يؤخر قبوله والعمل به حتى يعرضه على رأي فلان وكلامه ومذهبه ؟ ! بل كان الفرض المبادرة إلى امتثاله، من غير التفات إلى سواه، ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان، بل يستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل نهدر الأقيسة، ونتلقى نصوصه، ولا نحرف كلامه عن حقيقته، لخيال يسميه أصحابه معقولا، نعم هو مجهول، وعن الصواب معزول ! ولا يوفق قبول قوله على موافقة فلان دون فلان، كائناً من كان.
قال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة، إذ ذكروا آية من القران، فتماروا فيها، حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً، قد احمر وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: مهلًا يا قوم ! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً، بل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه الى عالمه.
ولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم، قال تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. وقال تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم. فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، فيصدق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر الناس يعرضه عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل، وان لم يعلم: هل خالفه أو وافقه - يكون ذلك الكلام مجملاً لا يعرف مراد صاحبه، أوقد عرف مراده لكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو بتكذيبه - فإنه يمسك عنه، ولا يتكلم إلا بعلم، والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول، وقد يكون علم من غير الرسول، لكن في الأمور الدنيوية، مثل الطب والحساب والفلاحة، وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية، فهذه العلم فيها ما أخذ عن الرسول لا غير.
قوله: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام).
ش: هذا من باب الاستعارة، إذ القدم الحسي لا تثبت إلا على ظهر شيء. أي لا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين، وينقاد إليها، ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه. روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله أنه قال: من الله الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. وهذا كلام جامع نافع.
وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو: أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير، فإن العامي يمكنه أن يصير عالماً، ولا يمكن العالم أن يصير نبياً رسولاً، فإذا عرف العامي المقلد عالماً، فدل عليه عامياً آخر. ثم اختلف المفتي والدال، فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي، دون الدال، فلو قال الدال: الصواب معي دون المفتي، لأني أنا الأصل في علمك بأنك مفت، فإذا قدمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرف أنه مفت، فلزم القدح في فرعه ! فيقول له المستفتي: أنت لما شهدت له بأنه مفت، ودللت عليه، شهدت له بوجوب تقليده دونك، فموافقتي لك في هذا العلم المعين، لا تستلزم موافقتك في كل مسألة، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك، لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت، هذا مع علمه أن ذلك المفتي قد يخطىء.
والعاقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله تعالى، لا يجوز عليه الخطأ، فيجب عليه التسليم له والإنقياد لأمره، وقد علمنا بالإضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول: هذا القرآن الذي تلقيه علينا، والحكمة التي جئتنا بها، قد تضمن كل منهما أشياء كثيرة تناقض ما علمناه بعقولنا، ونحن إنما علمنا صدقك بعقولنا، فلو قبلنا جميع ما تقوله مع أن عقولنا تناقض ذلك لكان قدحاً في ما علمنا به صدقك، فنحن نعتقد موجب العقول الناقضة لما ظهر من كلامك، وكلامك نعرض عنه، لا نتلقى منه هدياً ولا علماً، لم يكن مثل هذا الرجل مؤمناً بما جاء به الرسول، ولم يرض منه الرسول بهذا، بل يعلم أن هذا لو ساغ لأمكن كل أحد أن يؤمن بشيء مما جاء به الرسول، إذ العقول متفاوتة، والشبهات كثيرة، والشياطين لا تزال تلقي الوسواس في النفوس، فيمكن كل أحد أن يقول مثل هذا في كل ما أخبر به الرسول وما أمر به ! ! وقد قال تعالى: وما على الرسول إلا البلاغ. وقال: فهل على الرسل إلا البلاغ المبين. وقال تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء. قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. حم * والكتاب المبين. تلك آيات الكتاب المبين. ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. ونظائر ذلك كثيرة في القرآن. فأمر الإيمان بالله واليوم الآخر: إما أن يكون الرسول تكلم فيه بما يدل على الحق أم لا ؟ الثاني باطل، وإن كان قد تكلم [بما يدل] على الحق بألفاظ مجملة محتملة، فما بلغ البلاغ المبين، وقد شهد له خير القرون بالبلاغ، وأشهد الله عليهم في الموقف الأعظم، فمن يدعي أنه في أصول الدين لم يبلغ البلاغ المبين، فقد افترى عليه صلى الله عليه وسلم.
قوله: ( فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان ).
ش: هذا تقرير للكلام الأول، وزيادة تحذير أن يتكلم في أصول الدين - بل وفي غيرها- بغير علم. وقال تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا. وقال تعالى: ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير. وقال تعالى: ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير * ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق. وقال تعالى: ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين. وقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى.
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا: ما ضربوه لك إلا جدلاً. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم. خرجاه في الصحيحين.
ولا شك أن من لم يسلم للرسول نقص توحيده، فإنه يقول برأيه وهواه، ويقلد ذا رأي وهوى بغير هدى من الله، فينقص من توحيده بقدر خروجه عما جاء به الرسول، فإنه قد اتخذه في ذلك إلهاً غير الله. قال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه. أي: عبد ما تهواه نفسه. وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق، كما قال عبد الله بن المبارك رحمه الله عليه:
رأيت الذنوب تميت القلوب = وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب = وخير لنفسك عصيانها
وهل أفسد الدين إلا الملوك = وأحبار سوء ورهبانها
فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة، ويعارضونها بها، ويقدمونها على حكم الله ورسوله. وأحبار السوء، وهم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة، المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله، وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده، وتقييد ما أطلقه، ونحو ذلك. والرهبان وهم جهال المتصوفة، المعترضون على حقائق الإيمان والشرع، بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس. فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة ! وقال الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل ! وقال أصحاب الذوق إذا تعارض الذوق والكشف، وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف.
ومن كلام أبي حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الذي سماه إحياء علوم الدين وهومن أجل كتبه، أو أجلها: فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب اليه ؟ فاعلم أن للناس في هذا غلواً وإسرافاً في أطراف. فمن قائل: أنه بدعة وحرام، وأن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام. ومن قائل: إنه فرض، إما على الكفاية، وإما على الأعيان، وأنه أفضل الأعمال وأعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله. قال: وإلى التحريم ذهب الشافعي و مالك و أحمد بن حنبل و سفيان وجميع أئمة الحديث من السلف وساق الألفاظ عن هؤلاء. قال: وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا. لا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه، قالوا: ما سكت عنه الصحابة - مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم - إلا لما يتولد منه من الشر. وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: هلك المتنطعون. أي المتعمقون في البحث والاستقصاء. واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلم طريقه ويثني على أربابه. ثم ذكر بقية استدلالهم، ثم ذكر استدلال الفريق الآخر. إلى أن قال: فإن قلت: فما المختار عندك ؟ فأجاب بالتفصيل، فقال: فيه منفعة، وفيه مضرة: فهو في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب، كما يقتضيه الحال. وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام. قال: فأما مضرته، فإثارة الشبهات، وتحريف العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل بالابتداء، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص. فهذا ضرره في اعتقاد الحق، وله ضرر في تأكيد اعتقاد البدعة، وتثبيتها في صدورهم، بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من الجدل. قال: وأما منفعته، فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه وهيئتها، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف. قال: وهذا إذا سمعته من محدث أوحشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثم قاله بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك الى التعمق في علوم أخر سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود. ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور. انتهى ما نقلته عن الغزالي رحمه الله.
وكلام مثله في ذلك حجة بالغة، والسلف لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحاً جديدا على معان صحيحة، كالإصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة، ولا كرهوا أيضاً الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق. ومن ذلك: مخالفتها للكتاب والسنة وما فيه من علوم صحيحة، فقد وعروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها، فهي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى. وأحسن ما عندهم فهو في القرآن أصح تقريراً، وأحسن تفسيراً، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد. كما قيل:
لولا التنافس في الدنيا لما وضعت = كتب التناظر لا المغني ولا العمد
يحللون بـزعم منهـم عـــقدا = وبالذي وضعـوه زادت العـقد
فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه، الشبه والشكوك، والفاضل الذي يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك.
ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين. بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقله، ويعرف برهانه ودليله العقلي والخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد. وهذا مثل لفظ المركب والجسم والتحيز والجوهر والجهة والحيز والعرض، ونحو ذلك. فإن هذه الألفاظ لم تأت في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل الاصطلاح، بل ولا في اللغة، بل هم يخصون بالتعبير بها عن معان لم يعبر غيرهم عنها بها، فتفسر تلك المعاني بعبارات أخر، وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية، وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل.
مثال ذلك، في التركيب. فقد صار له معان: أحدها. التركيب من متباينين فأكثر. ويسمى: تركيب مزج، كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع والأعضاء ونحو ذلك، وهذا المعنى منفي عن الله سبحانه وتعالى، ولا يلزم من وصف الله تعالى بالعلو نحوه من صفات الكمال، أن يكون مركباً بهذا المعنى المذكور.
والثاني: تركيب الجوار، كمصراعي الباب ونحو ذلك، ولا يلزم أيضاً من ثبوت صفاته تعالى إثبات هذا التركيب. الثالث: التركيب من الأجزاء المتماثلة، وتسمى: الجواهر المفردة. الرابع: التركيب من الهيولى والصورة، كالخاتم مثلا، هيولاه: الفضة، وصورته معروفة. وأهل الكلام قالوا: إن الجسم يكون مركباً من الجواهر المفردة، ولهم كلام في ذلك يطول، ولا فائدة فيه، وهو أنه: هل يمكن التركيب من جزئين، أو من أربعة، أو ستة، أو ثمانية، أو ستة عشر ؟ وليس هذا التركيب لازماً لثبوت صفاته تعالى وعلوه على خلقه. والحق أن الجسم غير مركب من هذه الأشياء، وإنما قولهم مجرد دعوى، وهذا مبسوط في موضعه. الخامس: التركيب من الذات والصفات، هم سموه تركيباً لينفوا به صفات الرب تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة، ولا في استعمال الشارع، فلسنا نوافقهم على هذه التسمة ولا كرامة. ولئن سموا إثبات الصفات تركيباً -: فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سموه ما شئتم، ولا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم ! فلو اصطلح على تسمية اللبن خمراً، لم يحرم بهذه التسمية. السادس: التركيب من الماهية ووجودها، وهذا يفرضه الذهن أنهما غيران، وأما في الخارج، هل يمكن ذات مجردة عن وجودها، ووجودها مجرد عنها ؟ هذا محال. فترى أهل الكلام يقولون: هل ذات الرب وجوده أم غير وجوده ؟ ولهم في ذلك خبط كثير. وأمثلهم طريقة رأي الوقف والشك في ذلك. وكم يزول بالاستفسار والتفصيل كثير من الأضاليل والأباطيل.
وسبب الإضلال الإعراض عن تدبر كلام الله وكلام رسوله، والإشتغال بكلام اليونان والآراء المختلفة. وإنما سمي هؤلاء: أهل الكلام، لأنهم لم يفيدوا علماً لم يكن معروفاً، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد، وهو ما يضربونه من القياس لإيضاح ما علم بالحس، وإن كان هذا القياس وأمثاله ينتفع به في موضع آخر، ومع من ينكر الحس. وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته - مع وجود النص، أو عارض النص بالمعقول - فقد ضاهى إبليس، حيث لم يسلم لأمر ربه، بل قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. وقال تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً. وقال تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. وقال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً. أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ويرضوا بحكمه ويسلموا تسليماً.
قوله: ( فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائهاً، شكاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً ).
ش: يتذبذب: يضطرب ويتردد. وهذه الحالة التي وصفها الشيخ رحمه الله حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة، فيؤول أمره إلى الحيرة والضلال والشك، كما قال ابن رشد الحفيد، وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم، في كتابه تهافت التهافت: ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به ؟. وكذلك الآمدي، أفضل أهل زمانه، واقف في المسائل الكبار حائر. وكذلك الغزالي رحمه الله، انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية، ثم أعرض عن تلك الطرق وأقبل على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فمات و[وصحيح الإمام] البخاري على صدره. وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، قال في كتابه الذي صنفه: [أقسام] اللذات:
نهاية إقدام العقول عقال = وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا = وحاصـل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا = سوى أن جمعنا فيه: قيل وقالوا
فكم قد رأينا من رجال ودولة = فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم مــن جبال قد علت شرفاتها = رجال، فزالوا والجبال جبال
لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: الرحمن على العرش استوى. إليه يصعد الكلم الطيب. وأقرأ في النفي: ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علما. ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، حيث قال:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها = وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حـــــائر = عـلى ذقن أو قارعاً سن نادم
وكذلك قال أبو المعالي الجويني: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به. وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور. وكذلك قال شمس الدين الخسروشاهي، وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي، لبعض الفضلاء، وقد دخل عليه يوماً، فقال: ما تعتقده ؟ قال: ما يعتقده المسلمون، فقال: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به ؟ أو كما قال، فقال: نعم، فقال: أشكر الله على هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى أخضل لحيته. و لابن أبي الحديد. الفاضل المشهور بالعراق:
فيك يا أغلوطة الفكـــــــر = حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقـــــــــول = فما ربحت إلا أذى السفــر
فلحى الله الأولى زعموا = أنك المعروف بالنظـــــــــر
كذبوا إن الذي ذكـــــروا = خارج عن قوة البشـــــــــر
وقال الخوفجي عند موته: ما عرفت مما حصلته شيئاً سوى أن الممكن يفتقر إلى المرجح، ثم قال: الإفتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئاً. وقال آخر: أضطجع على فراشي وأضع اللحفة على وجهي، وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي منها شيء.
ومن يصل إلى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق، كما قال أبو يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب. وقال الشافعي رحمه الله: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. وقال: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ماظننت مسلماً يقوله، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه -ما خلا الشرك بالله - خير له من أن يبتلى بالكلام. انتهى.
وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز، فيقر بما أقروا به ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك، التي كان يقطع بها، ثم تبين له فسادها، أو لم يتبين له صحتها، فيكونون في نهاياتهم - إذا سلموا من العذاب - بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب.
والدواء النافع لمثل هذا المرض، ما كان طبيب القلوب صلوات الله وسلامه عليه يقوله - إذا قام من الليل يفتتح الصلاة -: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. خرجه مسلم. توجه صلى الله عليه وسلم إلى ربه بربوبية جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إذ حياة القلب بالهداية. وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الثلاثة بالحياة: فجبرائيل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها. فالتوسل الى الله سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثير عظيم في حصول المطلوب. والله المستعان.
محمد أبو زيد
12-02-2008, 03:42 PM
القارئ: بِسْمِ اللهِ الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رَحَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا؛ فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل، ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه، ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم، والاستسلام رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسا تائها شاكاً، لا مؤمنا مصدقا، ولا جاحداً مكذبا.
الشيخ: (بس) يكفي.
قارئ آخر: بِسْمِ اللهِ الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
قال الإمام الطحاوي رَحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهين بأهوائنا؛ فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل، ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه، ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حضر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائهاً شاكاً، لا مؤمنا صادقاً ولا مكذبا.
الشيخ: الحمد لله والصلاة والسلام على رَسُول اللهِ، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه، اللهم نسألك علماً نافعاً، وعملا صالحاً، وقلباً خاشعاً، ودعاء مسموعا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً يا أرحم الراحمين، أما بعد..,
فهذه الجمل من كلام العلامة الطحاوي رَحمَهُ اللَّهُ جاءت بعد الكلام على الرؤية؛ رؤية الرب جل وعلا في الجنة وفي العرصات، فيما سبق لنا شرحه في الدرس الماضي، وأيضاً بعد هذه الجمل التي سمعنا تكلم عن الرؤية متعلقاً بهذا البحث. (مكرر)
قال: "ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم، أو تأولها بفهم" إلى آخر ما سيأتي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في الدرس القادم.
هذه الجمل التي سمعنا تشتمل على أصل عظيم من أصول الدين، الذي تميز به أهل السنة والجماعة في مسائل العقيدة بعامة، وفي مسائل العمل، والعقيدة والعمل مبناهما واحد من جهة الإيمان؛ وذلك أن العقيدة والعمل الجميع لا يستسلم له لا الجميع، لا الجميع يعمل به، ويعلم من جهة أنه من الله جل وعلا، ومن رسوله عليه الصلاة والسلام، فالكل كلمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كما قال جل وعلا: {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} {تمت كلمة ربك صدقاً} يعني في الأخبار، {وعدلاً} في الأمر والنهي {لا مبدل لكلماته}.
فالشريعة بابها واحد، ولا تفريق ما بين باب الاعتقاد، وبين باب العمل، يعني الأبواب العلمية، والأبواب العملية, من جهة مصدر التلقي، وهو الكتاب والسنة، ما كان من الوحي.
لهذا قال هنا رَحمَهُ اللَّهُ: "فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل، ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه"؛ وذلك أن الأمور، أمور العقيدة في الاعتقاد، وأمور الفقه في العمل لابد أن يكون ثم إشكال في عللها، أو في القناعة بها، ولا مجال في ذلك في الإيمان إلا أن يكون على ظهر التسليم والاستسلام، وهذا ينبني على مسألة عظيمة من مسائل الاعتقاد والعمل؛ وهي أن الدين قائم على البرهان، والأمور التي يتعاطاها الناس ثلاثة:
أمور عاطفية، يعني: برهان العاطفة، الغرائز، يعرف الجوع، يعرف العطش، يعرف الخوف، يعرف الرحمة بعاطفته وفطرته.
والنوع الثاني: برهان عقلي، وهي الأمور التي يتعاطاها بعقله، فيقيس ويعلل ونحو ذلك من الأمور العقلية، وهي التي خدمها المنطق بشكل عام.
والنوع الثالث من البراهين: البراهين الدينية، والبرهان الديني مبني على مقدمة، وهي مقدمة الاستسلام لمصدر التلقي.
ولهذا لا يصح أن يخلط بين هذه البراهين، فالدين ليس مصدره العقل، وليس مصدره العاطفة؛ وإنما مصدره نوع من البراهين ثالث لم يتكلم عليه الفلاسفة، ولا المناطقة، وهو البرهان الديني المبني على مقدمات دينية بحتة، وهذه المقدمات الدينية الشرعية في التصديق بها مبنية على براهين متنوعة؛ التصديق بوجود الله، واستحقاقه للعبادة، التصديق بالرسول عليه الصلاة والسلام، وبالرسل، الآيات التي أوتيها البراهين فيما ذكرنا لك كل هذه براهين، وهذه البراهين عقلية في أولها، ودينيه في ثانيها، يعني: أننا حين نستسلم سنستسلم للبرهان الذي استسلمت له الأمم التي قبلنا، فالصحابة رضوان الله عليهم رأوا هذه البراهين، واستسلموا لها بصدق عن قناعة، وعن ديانة، ثم بعد ذلك تبعهم من تبعهم بالتسليم؛ لأنهم سلموا، ثم تبعهم من بعدهم بالتسليم؛ لأن ما قبلنا سلم في كثير من الدلائل.
ويبقى الدليل العام للشريعة في العقيدة، وفي الفقه؛ وهو أنه ما كان في كتاب الله جل وعلا، أو في سنة الرسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو حق، وهو البرهان، وما قبل هذا البرهان، ثم براهين أخر لا مجادلة في هذه الملة، يعني: في أتباع الفرق على صحة هذا البرهان، البرهان من الكتاب، ومن السنة؛ لأن الجميع يقرؤون بهذا البرهان ما جاء في كتاب الله، وما جاء في سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإنه حق، فإنه هو برهان، لكن هل هو البرهان الأول، أو هو البرهان الثاني؟ هل يسلط العقل على الكتاب والسنة، أم لا يسلط؟ والعقل تبع ونحو ذلك، هو جاء من جهة الخلط ما بين أنواع البراهين الثلاثة التي ذكرتها لك، فالعقلانيون.. هذه مقدمات بين يدي المسائل، مسائل البحث، العقلانيون خلطوا بين أنواع البراهين الثلاثة، فجعلوا البرهان العقلي والبرهان الديني واحد، بل جعلوا البرهان العقلي متسلطا على البرهان الديني، وظنوا أنه إذا تسلط عليه، وسلط عليه أنه؛ لأن العقل به عرف، عرف الشرع، وعرفت صحة الشرع، وهذا ليس بصحيح كما سيأتي في رد هذه المقالة.
الطحاوي رَحمَهُ اللَّهُ استحضر القسمين معا؛ استحضر مسائل العقيدة، ومسائل الفقه، وجعل هذه الكلمات مناسبة لهذا البحث؛ بحث الرؤية، فلهذا قال: "فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل، ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" يعني: أنه بدأ من حيث إن الكتاب والسنة هما البرهان، بدأ من هذه، فإذا صدقت وأيقنت أن الكتاب والسنة هما الحق المطلق؛ لأنها من عند الله جل وعلا، فالسنة وحي، فإذن الرجوع في البرهان والدليل سيكون إلى الكتاب والسنة، وإذا كان ثم شك، أو ثم تردد فإن المرء لا يسلم في دينه؛ لأن البراهين كما ذكرنا لك ثلاثة:
برهان عاطفي، وبرهان عقلي، وبرهان ديني.
والبرهان العاطفي لا ينضبط؛ عواطف الناس مختلفة، البرهان العقلي لا ينضبط؛ لأن القائل حينما قال.. وهم العقلانيون من المعتزلة، والأشاعرة وجماعات حينما قالوا: العقل ينبغي أن يقدم على الشرع، فالعقل غير منضبط، عقل من؟ هل ثم عقل واحد أجمع عليه في النظر إلى الأشياء؟ لا، في النظر إلى الكونيات؟ ليس ثم عقل واحد عند الفلاسفة، اختلفوا في النظر إلى الطبيعيات في الأرض، الذين قدسوا العقل اختلفوا في مقتضيات ذلك، اتفقوا على قاعدة العقل، لكن عقل من؟ هل اجتمعوا؟ لا؛ ولذلك اختلف أصحاب المدرسة العقلية إلى أنواع شتى، فالجهمية من أصحاب المدرسة العقلية والمعتزلة من أصحاب المدرسة العقلية، والأشاعرة أيضاً من أصحاب المدرسة العقلية إلى حد ما ونحو ذلك، ولكنهم مختلفون في عقولهم، وإدراكاتهم.
إذن فإذا كان البرهان العاطفي غير منضبط، والبرهان العقلي غير منضبط فإذن البرهان الديني يجب أن يبدأ من المستوى، أو يبدأ من المقدمة التي هي ثابتة بيقين، وهذه المقدمة الثابتة بيقين هي الكتاب والسنة؛ لأن الكتاب وحي الله جل وعلا، وآمنا بذلك عن برهان، وبراهينه سبق أنا ذكرنا لكم ذلك في الكلام على الإعجاز، والقرآن، النبوة، في الكلام على معجزات وبراهين وآيات الأنبياء.
فإذن المقدمة التي يتفق عليها، ويمكن أن يجمع عليها هي التسليم والاستسلام للكتاب والسنة، فإذا كان كذلك كان البرهان الذي يصح أن يقال: إنه يتفق عليه بلا خلاف هو برهان الكتاب والسنة، ولهذا إذا جاء إشكال في الاعتقاد فترجعه إلى التسليم لله جل وعلا، ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فالكتاب والسنة برهان صحيح، فإذا لم تدرك العلة فإن ذلك ليس معناه أنه خلل في البرهان، وإنما هو خلل في التلقي، خلل في إيضاح ذلك البرهان، أو لأن البرهان الذي هو الدليل لم يوضح لنا هذه الأسرار.
كذلك في أمور العبادات؛ الصلوات (ليش) خمس؟ (ليش) أربع؟ الفجر اثنتين، ثلاث. لماذا الحج على هذه الصفة؟ لماذا الطهارة على هذه الصفة؟ كل هذه مبنية على مقدمة من التسليم، وهي التسليم للكتاب والسنة، ولهذا هذا البحث الذي ذكره الطحاوي في هذه الجمل يسميه بعض المعاصرين تسمية حديثة؛ وهي وحدة مصدر التلقي، فمصدر التلقي من أهم المسائل التي يجب أن يبحث فيها، فإذا اختلفت أنت وأناس على شيء فلابد أن يكون هناك مرجعية في البرهان؛ حتى تنطلقوا منه أيضاً مرجعية في التلقي، والأمة كما قلنا: لا يمكن أن يصلح لها إلا أن تتلقى من الحق المطلق، والبرهان المطلق، الذي هو البرهان الديني، الذي هو الكتاب وسنة النَّبِي عليه الصلاة والسلام، فما وضح فيهما وما أبين فيهما وجب اعتقاده والعمل به، وما اشتبه على المعين، على الفرد؛ لأنه ليس في الشريعة مشتبه مطلق كما سيأتي في المسائل، إذا اشتبه على الفرد وجب عليه التسليم.
قال: "ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه" يعني: إذا اشتبه عليك شيء فرده إلى عالمه؛ لأن الله جل وعلا قال: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} دلت الآية على أن الْقُرْآن مشتمل على محكم، وعلى متشابه، وعلى أن أهل العلم يقولون: آمنا بالمتشابه، ما اشتبه عليه علمه فإنه يرده إلى عالمه، إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وإلى رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال: "ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام"، يعني: أن من خاض في مسائل الإيمان والإسلام، ومسائل الشريعة، والعقيدة، والفروع، والأحكام، إذا خاض فيها مدققاً ليس مستسلماً؛ وإنما مناقشاً في كل مسألة، لم؟ فإنه يحجب عنه الإيمان؛ لأن هذا الدين، بل الأديان بعامة مبنية على الاستسلام للغيب، لهذا أولى إيمان في الْقُرْآنِ هو الإيمان بالغيب {الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب} فأصل الديانات، الدين الذي جاء من عند الله هو الإيمان بالغيب، الإيمان بالله جل وعلا، بالجنة بالنار، بالملائكة، بمسائل القدر... إلى غير ذلك، باليوم الآخر، بالكتب السابقة، كل هذه مسائل غيب.
فإذن لا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فشبه التسليم والاستسلام بالأرض الصلبة التي من وطئها فإنه لا.. لا تزل قدمه، بل تثبت؛ لأنها أرض قوية صلبة، وغير التسليم والاستسلام في مسائل العقيدة، وفي مسائل العمل، غير التسليم والاستسلام فإنها أرض دحض مزلة، مزلة أقدام، وإنها موطن تعثر في، تعثر للأقدام، لمن وطئها أو رَضِي بها، لهذا نقول: إذا تبين لك ذلك فإن هذه الكلمة، أو هذه الجمل التي مرت معنا فيها مسائل:
المسألة الأولى: أن الناس في تلقي الشريعة، الناس يعني هذه الأمة في الفرق جميعاً انقسموا إلى أقسام:
القسم الأول: من كان عقليا محضا، يعني جعل العقل حكماً على الشريعة، وجعل الشريعة تابعة للعقليات.
الثاني: من جعل الشريعة خالية من البرهان العقلي ألبتة، بل الشريعة جميعا عندهم ليس فيها علل، ولا تعليل، بقسميها العقيدة والشريعة.
الثالث: من توسط بين الفئتين، وقال: إن الحكم الشرعي، إن الشريعة في العقيدة، في الأمور الغيبية، وكذلك في العمليات العقل مفيد فيها، والعقل خادم للشريعة، وليس حكماً عليها، فنستفيد من العقل بيان العلل، والأحكام، وفهم الشريعة، واستخراج الأسرار؛ لأن الله جل وعلا جعل الْقُرْآن لقوم يعقلون، هذه الثلاث مدارس كبيرة:
المدرسة الأولى: يمثلها الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة في أصول مباحثهم، والمدرسة الثانية: يمثلها الظاهرية في الفقه، وكذلك في الاعتقاد، ويمثلها الأشاعرة، والماتريدية في مسائل الأسباب.
والثالثة: منهج أهل السنة والجماعة.
ولتفصيل هذه المدارس الثلاث بحوث تطول، نرجئها إلى مواضعها إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
المسألة الثانية: أن التسليم لله عز وجل، ولرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو تسليم للحق المطلق. والبراهين التي يتعاطاها الناس في العقليات، وفي مصدر التلقي هذه البراهين تختلف كما ذكرت لك، تنقسم إلى أقسام ثلاثة، والتسليم يعني: أن البرهان الديني الشرعي يقين، وأن البرهان العقلي ناقص، وأن البرهان العاطفي فطري، معنى ذلك أن البرهان الديني يقيني في مقدماته، نصل إلى صدق الكتاب، وصدق السنة بمقدمات.
الـوجـه الـثـانـي
يعتمد على أشياء:
الأول منها يعتمد على التجربة، والثاني.. يعني قبل التجربة يعتمد على الحس.
والثاني: يعتمد على التجربة.
والثالث: يعتمد على تصديق اللاحق للسابق.
أما البرهان الأول، وهو البرهان الضروري، العقلي الضروري، فالله جل وعلا جعل للإنسان أعضاء سمع، بصر, لسان، يعني جعل له حواسا كما قال سبحانه: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} فهذه الثلاث هي التي يسميها الفلاسفة والمناطقة يسمونها وسائل تحصيل المعرفة، هذه وسائل ضرورية حسية، يعني بعينك حصل لك البرهان، بسمعك حصل لك البرهان، بيدك لمست الشيء حصل لك البرهان، فالمعرفة جاءت من براهين ضرورية محسة، ليست خارجة عن المحسوس، ولذلك ما يجادل أحد في هذه البراهين إلا طائفة، لا يعني بها يجادلون في الضروريات، ثم بعد ذلك بنيت المعرفة بالحسيات من طريق المقارنة بين هذه المعلومات التي جاءت بالوسائل الحسية، يعني يأتي نقول: هذا طويل، هذا العمود طويل، الآخر ليس في طوله، عرفنا حجم هذا حجمه وطوله بالعين، فصار الحجم، وصار الطول مدركاً محسوساً بأمر ضروري، ثم بعد ذلك ينسب له الشيء الآخر، فإذا رأينا ما هو أقل منه قيل: هذا أقصر، ما هو أطول منه، قيل: هذا أطول، فيأتي أحد وينازعك يقول: القصير، لا، أطول من الطويل، لا يقبل، لماذا؟ لأنه المقارنة ما بين هذا وهذا حصلت بمقدمات يقينية؛ لأن المقدمات الحسية يقينية، مقدمة العين أنها أحست بهذا أنه أطول من ذاك، ما يمكن يأتي يجادل ويقول: لا، هذا أطول يعني القصير أطول في الطويل؛ لأن هذا شيء مدرك بالعين.
وهذا ينتج في كل المقدمات الحسية، وانتبه لمسألة المقدمات الحسية؛ لأنها أقوى البراهين (اللي) هي الضروريات أقوى البراهين، تشرب ماء تقول: هذا بارد، يأتي آخر ويقول يعني إذا كان باردا جدا يأتي آخر ويقول: لا، هذا حار، يغلي لا يمكن، لماذا؟ لأن البرهان عليه الحس فلان مثلاً ملتح، يأتي الآخر يقول: لا هذا حالق لحيته، هذا لا يمكن أن يكون تم؛ لأن البرهان حسي، كذلك السمع، يقول: هذا صوت إنسان، قال الآخر: لا هذا صوت مثلاً (إيش)؟ صوت سيارة مثلاً، ما يمكن يعني هذا يتكلم لماذا؟ لأن البرهان جاء سمعيا.
وهذه تهتم بها، هذه النقطة؛ لأنها تفيد في قضية الاستسلام، هذا البرهان الحسي هو الذي بنى عليه طائفة من الناس الكلام على نظرية المعرفة، وتكلموا فيه.
المسألة الثانية البرهان (إيش)؟ (كلام غير مسموع) التجربة، لا التجربة قلنا: اعتمدوا على الحس، يعني أهل العقل اعتمدوا على الحس، وعلى التجربة، وعلى تقليد، أو متابعة اللاحق للسابق، التجربة، ما يصلح للتجربة تكون التجربة برهانا صحيحاً له، لكن ما لا يدخل تحت التجربة كيف تكون التجربة برهاناً صحيحاً له؟ ونقول: الله جل وعلا جعل الخلق على قسمين، بل نقول: جعل الأشياء، أحسن من الخلق، جعل الأشياء على قسمين: قسم لا تدخله الأهواء لتغير حقائقه، وقسم يدخله الهوى؛ ليغيره.
والله جل وعلا جعل كلماته تامة {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً} ما لا يدخله الهوى لم تأت الشرائع ببيانه، وهو غاص فيه الفلاسفة، وغاص فيه العلماء، وغاص فيه الباحثون، لم تأت الشرائع ببيانه؛ لأنه لا يدخله الهوى، واحد زائد واحد يساوي اثنين، يساوي ثلاثة، يساوي أربعة، لم تأت به الشرائع؛ لأن هذا خلق الله جل وعلا الأشياء، يعني واحد زائد واحد يساوى اثنين، خلق الله جل وعلا الجبل فيه من المكونات كذا وكذا، خلق الله جل وعلا الجاذبية على هذا النحو، وقوانين الجاذبية على هذا النحو، لا يمكن هذه الأشياء أن تدخلها الأهواء، ولهذا لم تتعرض لها الشرائع، ولم تتعرض لها الديانات، وترك استنتاجها والبحث فيها للناس؛ لأن هذه سيصلون إليه بالتجربة، فسيخطأ المخطئ، وسيصوب المصيب؛ لأن الشيء ماثل أمامهم، ليس لهم هوى في أن يجعلوا معامل الجاذبية كذا، يزيدون واحدا، ولا ينقصون واحدا من عشرة، ما له، الهوى لا يدخل في هذه المسائل، التجربة.
إذن قلنا: إن الشرائع جاءت لما فيه إخراج الإنسان من داعية هواه، فالأشياء التي يتحكم فيها الهوى جاءت الرسالات لها، يتحكم الهوى في علاقات الناس بعضهم ببعض يتحكم الهوى في العبادة، واحد يريد أن يخرج من التكاليف، يريد أن يعمل ما يشاء، يفعل ما يشاء، يقتل، يسرق، يفعل ما يشاء، الهوى يدخل في حرية الإنسان، يدخل في هل يتعبد أم لا يتعبد؟ في علاقته بأهله، في علاقته بمجتمعه، في علاقته بأسرته... إلى آخره هذه أشياء يدخلها الهوى، لهذا جاءت الشريعة بضبطها.
إذن فنقول: التجربة، التجربة في العقليات صحيحة، لكن فيما لا يدخله الهوى، أما ما يدخله الهوى فلا تصح التجارب فيه، لابد أن يتلقى من حكم، يفرض على... سقط... ما تتنازع فيه، ويسلمون لها... سقط... جل وعلا... سقط... {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض}؛ لأن الأهواء غير منضبطة، والحق واحد، لا يخضع لهوى، تجارب المجربين، تجارب المجربين تصلح، إذن فيما يمكن عمل التجارب عليه... سقط... هل، ثم سلطان للتجربة عليها؟ لا الأمور الكونية لا مجال للتجربة عليها، ولهذا... سقط... الغربيين وغيرهم في الحذاق إن المرء كلما أوغل في العلم بالكونيات كلما ازداد معرفة بأن فيها أسرارا ألا تدرك، ولهذا الأمور الكونية صعب أن تخوض فيها بإدراك تام التجارب لكن ستبقى تجارب، وإذا كانت ليست مسلمات فإذن لا يمكن أن نخضع لها الحق المطلق.
النوع الثالث من البرهان العقلي، أو من المدرسة العقلية (اللي) اعتمدتها المدرسة العقلية: أن المتأخر يسلم للسابق، يأتي يقول: والله قال: انظر مثلاً للمعتزلة، المعتزلة في أصلهم سلموا للفلاسفة بصحة أنواع البرهان العقلي ف, إذن ثم تقليد، المتأخرون سلموا لمن قبلهم، الأشاعرة سلموا للأولين في البرهان، إذن ثم تقليد، فقولهم برهان عقلي، وهذا عقل؛ لأن الشرائع مبنية على التقليد، هذا غير صحيح منطقيا؛ لأنه أيضاً أهل البرهان العقلي يسلمون لأوائلهم بصحة البرهان، فيبتدئ من برهان الأشعري، الأشعري مثلاً بدأ، وصل إلى شيء فيبتدئ أصحابه من النقطة (اللي) وصل إليها، ينطلقون منها، فإذن قولهم: العقليات، العقليات تخلي من التقليد، ومن التسليم، ومن الاستسلام، وتطلق الحرية، هذا غير صحيح؛ لأنه ما من أحد إلا ويسلم لمقدمات مِن مَن سبقه، فإذا كان التسليم لبشر ليس معصوماً من الخطأ، فالتسليم لمن هو معصوم من الخطأ من جهة البرهان أولى، فإذا كانت المسألة مسألة تسليم واستسلام فالتسليم لمن لا يخطئ أولى.
لهذا تجد أن المتأخرين، حتى في العصر الحاضر من أهل العقليات، تجد أنهم يبدأ يحيلونك على شيء، لكن هذا الشيء هم بنوه على التقليد، يقولون طبعاً هو كذا طبعاً في عرف من؟ لماذا صار طبعاً؟ يقول هذا شيء ما.. غير مشكوك فيه، لماذا صار غير مشكوك فيه؟ إذا كان المرجع إلى حس فلا مجادلة في الحسيات، إذا كان المرجع إلى أمور تجريبية، أو إلى نظريات فإذن الذي يحيل الأمور في الاستسلام على الدين أولى من الذي يحيل الأمور للاستسلام على أصحاب العقليات؛ لأن أصحاب العقليات يقلد بعضهم بعضاً، وأصحاب الديانات صحيح، نقول: المتأخر يسلم للأول براهينه؛ ولكنه يصل إلى برهان يقيني، وهو الكتاب والسنة.
وأما تقليد العقليات فإذا كانت راجعة إلى أشياء صحيحة فهذا تسليم لا شك فيه، ما نجادل فيه، لكنهم في كثير من مباحثهم يتابع المتأخر الأول، انظر مثلاً إلى قضية ترتيب الأفلاك، الناس قرون، بل آلاف منذ بدأ اليونان الكلام على ترتيب الأرض، والشمس، والكواكب السبعة في الكون، وهم على نحو ما إلى وقت قريب تغير هذه الأمم آلاف السنين (اللي) مرت من الفلاسفة، والفلكيين الإسلاميين، والفلكيين اليونان، وأنواع، والمدرسة اليونانية إلى آخره هذه الأمم، والمدرسة الهندية في الأمور العلمية، والفلك التتابع في الطب، كذلك كل هذه (طيب) ألم يسلم المتأخر للأول؟ سلم له، ظهر الآن أن تلك الأشياء جميعاً غير صحيحة، لماذا كانت غير صحيحة؟ لأنهم كما ذكرنا لك وضعوا تجارباً، لكن التجارب صارت على أمور خارجة عن حيز التجربة الذي ينتج نتائج صحيحة.
المقصود من هذا.. هذه مسألة عظيمة ما نحب نطيل فيها، هذه المسألة راجعة إلى البرهان الحق في أن أقوى البراهين هو البرهان الديني، لذلك نقول لك هذه الثلاثة من الأشياء العقلية البرهان الحسي نقول: صحيح ما في إشكال فيه، وكل المعرفة قامت على هذه البراهين الحسية، برهان التجربة منقسم إلى ما يكون ثم التجربة ناجحة فيه، وما لا تنجح فيه التجربة, البرهان الثالث البرهان، متابعة السابق.. متابعة اللاحق للسابق، هذا أيضاً لابد يخضع للدراسة؛ لأنه قد يكون الأول مخطأ في برهانه العقلي، كما هي كثير من الأمور العلمية والنظرية، فضلاً عن الأمور؛ أمور الغيبيات، والإلهيات (إيش قلنا) (غير مسموع)؟ (كلام من أحد الحاضرين غير مسموع)
هذه المسألة الثانية: إذن تستخلص من هذه المسألة الثانية، أنا نسيت يعني... سقط... الحديث متقارب.
المسألة الثانية، نخلص منها إلى أن أنواع البراهين الثلاثة من قال البرهان العقلي هذا تجد عند جميع العقلانيين، حتى في العصر الحاضر، وكثير من... سقط... هذا المنطق هذا العقل، فإذن نقول: المنطق، أو العقل منقسم إلى ثلاثة أقسام: في شيء حسي، تجربة في أشياء فيها تقليد، يعني المنطق كيف عرفت أن هذا المنطق قاله فلان بيحيله إلى من قبله؟ فإذن تكون المناقشة مع من قبل.
إذن تبقى المسألة خاضعة للبحث والبراهن، أما المصدر المتيقن بمقدماته هو مصدر الكتاب والسنة، وكما ذكرت لك، وبراهين برهان كون الكتاب من عند الله جل وعلا تقدم برهان وجود الله جل وعلا معروف برهان النبي، برهان النبوة متقدم.
المسألة الثالثة: قوله: "ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه" كلمة الاشتباه والمشتبه معناها ما لا يدرك معه العلم، ويقابل ما بين المحكم والمتشابه، والله جل وعلا جعل الْقُرْآن منه، جعل الْقُرْآن محكماً ومتشابهاً، يعني صير الْقُرْآن محكما ومتشابها، والقرآن يصح أن يقال: إنه محكم كله، وإنه متشابه كله، وإنه محكم ومتشابه، فالقرآن منه محكم، ومنه متشابه، والقرآن محكم كله، والقرآن متشابه، كله في كل قسم باعتبار أم الإحكام، فالله جل وعلا بين أنه أحكم الْقُرْآن كما قال: {الر. كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} فالقرآن محكم كله، والقرآن الحكيم يعني المحكم في أحد أوجه التفسير، والقرآن أيضاً متشابه كله كما قال سبحانه: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابها مثاني} الْقُرْآن كله متشابه، لكن هذا بمعنى أن بعضه يشبه بعضا؛ لأن المسائل محدودة، وبعضه يشبه بعضاً، هذا قصص في سورة، وقصص في سورة، وقصص في سورة، هذا الكلام على الإيمان، الإيمان، الكلام على الجنة والنار في سور مختلفة، من صفات الله، من أسماء الله جل وعلا، فهو متشابه، ومنه محكم، ومنه متشابه.
وهذا هو الذي أشار إليه الطحاوي في هذا الموطن قال: "ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه، منه محكم" يعني: ما معناه واضح للجميع "ومنه متشابه" ما يشتبه معناه على البعض، وإذا تبين ذلك فليس ثم في الْقُرْآنِ إذن متشابه على كل أحد, ليس ثم في القرآن متشابه مطلق، نقول: هذه المسألة متشابهة، يعني لا أحد يعلمها في الْقُرْآنِ، آية لا أحد يعلم معناها, هذا مستحيل؛ لأن الله جل وعلا جعل الْقُرْآن محكماً كله، وجعل منه محكم، ومنه متشابه، والراسخون في العلم يعلمون المتشابه الذي هو المعنى، أما المتشابه النسبي فنعم، هذا المتشابه النسبي ما معناه هو أنه ما من شيء إلا ويشتبه علي، أو عليك، أو على فلان، ليس ثم أحد بعد النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم كل شيء، علم كل الْقُرْآن، علم كل السنة، لابد أن يشتبه عليه شيء، بمعنى أن يستسلم لبعض الشريعة فإنه لا يعلم المعنى، وقد جاء عن أبي بكر رَضِي اللهُ عَنْهُ أنه قال، عند قوله تعالى: {وفاكهة وأبا} قال: أي سماع تقلني أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.
فإذن عند قوله تعالى مثلا: {ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل} كم عدة أصحاب الكهف؟ متشابه، يعني عليَّ لا أعلم، أنت لا تعلمه، ابن عباس رَضِي اللهُ عَنْهُ حينما جاء إلى هذه الآية قال: أنا من القليل الذي يعلمه؛ لأنه متشابه نسبي، فإذن الذي يقول: إن في الْقُرْآنِ متشابه مطلق على كل أحد هذا غير موجود، لا في العقائد ولا في العمليات، لكن هناك متشابه على الجميع وهو الكيفيات، كيفيات الأشياء، كيفيات الغيبيات.
ولهذا قال كثير من السلف: إن الوقف على لفظ الجلالة في آية آل عمران {وما يعلم تأويله إلا الله} يعني: تأويل الآيات، تأويل المتشابه، المحكم ما يعلمه إلا الله في الأمور الكيفيات، في أمور تمام المعنى، الجنة جاءت صفتها، نعلم معنى الأنهار، معنى الشجر، لكن كيفية ذلك، هذا مشتبه علينا، لذلك نقول: الاشتباه نسبي، أما الاشتباه المطلق لا يوجد، فإذا كان كذلك لزم أن نرد علم ما اشتبه علينا إلى عالمه، نقول: الله أعلم.
لهذا قال من قال من أهل العلم: إذا ترك العالم الله أعلم أصيبت مقاتله. وفي رواية قال: إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله؛ لأنه لابد أن يشتبه عليه شيء.
إذا تقرر لك ذلك، فإن الاشتباه الحاصل يكون في العقيدة، وفي الشريعة، فكل ما لا تعلمه علته، أو حكمته، أو السر فيه فهو متشابه، فسلم للشريعة، سلم للكتاب والسنة الحق، وأيقن بذلك، ورد ما اشتبه إلى عالمه، مثلا في العقائد يأتينا أنواع الاشتباه العقائد في مسائل الغيبيات، واحد يشكل عليه في مسائل الغيبيات أشياء؛ أمر الجنة والنار، أمر الناس وكيف يعذبون في النار بعد الموت، تأتيك أسئلة، تأتيك أسئلة كثيرة، هذه الأسئلة، الرؤية مثلا التي ذكر، كيف يرى الفرد المؤمن بقواه المحدودة؟ يرى الرب جل وعلا الذي السماوات والأرض، الذي السماوات مطويات في يمينه، وهو سبحانه وسع كل شيء رحمة وعلماً، كيف يكون؟ ما يتحمل العقل ذلك العرش كيف أن السماوات السبع كدراهم سبعة ألقيت في ترس؟! كيف أن الكرسي وسع السماوات والأرض؟! كيف الماء {وكان عرشه على الماء} تأتي مثل هذه الأسئلة لا تدركها، فإذا جاء عدم الإدراك في مسائل الإيمان، في الغيبيات، فيجب أن تسلم إلى عالمه القدر لم كان كذا؟ لم قضى الله كذا؟ لم أغنى الأغنياء؟ لم أفقر الفقير؟ لم أمرض؟ لماذا أصابني بكذا؟ إذا بدأت الأسئلة فيأتي بدء الاعتراض، ويحرم المرء في كما سيأتي في الجملة التالية.
فإذن تحتاج إلى الاستسلام في العقائد، أعظم الاستسلام؛ لأنها مبنية على الغيبيات، والأمور الغيبية برهانها، إذا استسلمت للبرهان فصدق الأمور الغيبية مبنية على برهان، هل هو البرهان للغيب نفسه؟ لا، هو برهان لبرهان الغيبيات؟ برهان الغيبيات هو القرآن والسنة عندنا برهان لصحة الْقُرْآنِ والسنة هذا برهان واضح صحيح، لكن البرهان على الغيبيات بأفرادها ما عندنا، لكن عندنا البرهان على البرهان الأصلي وهو الكتاب والسنة بالنسبة لأمور العبادات والفقه تأتي مسائل العلل التعليلات، الشريعة معللة، ولا شك والله جل وعلا جعل الأحكام الشرعية منوطة بعللها، لكن من العلل ما ظهر، ومنها ما لم يظهر، لهذا تجد أن بعض العلماء يعبر عن مسائل العلل في العبادات بأنه علته قاصرة، تارة يقول علة.. فإن العلة تعبدية، وهناك علل معروفة.
فإذن إذا جاءتك المجاهيل في أمور العبادات فإنك تسلم دون خوض؛ لأنه ثم أشياء تغيب عن العبد.
المسألة الرابعة والأخيرة: قال: "ولا تثبت قدم الإسلام إلى على ظهر التسليم والاستسلام" التسليم والاستسلام هما دين الإسلام؛ فإن الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
فإذن دين الإسلام هو دين الاستسلام، ولهذا كل الأنبياء دينها الإسلام، يعني دينها الذي دعت إليه الاستسلام {إن الدين عند الله الإسلام} نوح عليه السلام بعث بالإسلام، وعيسى بعث بالإسلام، وموسى عليه السلام بعث بالإسلام, الذي هو الدين العام، لكن الشرائع مختلفة، ودين محمد عليه الصلاة والسلام الذي بعث به هو الإسلام العام، الذي اشترك فيه مع جميع الأنبياء، والمرسلين، والإسلام الخاص الذي هو شريعة الإسلام، كل هذه لا تثبت إلا على قدم التسليم والاستسلام، يعني أن من لم يستسلم فهو شاك، والشاك ليس بمسلم؛ لأن أصل الديانة مبنية على التسليم، فإذا شك في أمر يجب الإيمان به فإن الإيمان يجب أن يكون عن يقين، لا تنفع لا إله إلا الله إلا بيقين، لا تنفع محمد رَسُول اللهِ إلا بيقين، لا ينفع الإيمان بالجنة والنار إلا بيقين، مثلما جاء في حديث عبادة ((وأن الجنة حق، وأن النار حق)) فلابد من اليقين بذلك بدون تردد، فإذا جاء الشك والارتياب، وعدم التسليم والاستسلام، هذا معناه أن الإسلام غير قائم.
في بعض الناس يكون الشك لطلب الحقيقة، هو يبحث عن جواب السؤال، هذا لا يقدح في دينه؛ لأنه قد يعرض للمرء لكن يجب ألا يظهره، بل يكتم ذلك، ويسأل عنه من يثق بعلمه حتى يجيب الشبهة، فمعنى ذلك أن عدم الاستسلام والتسليم ينقسم إلى قسيمين:
الشك المستمر الذي يستكين له صاحبه، وهذا خلاف اليقين الواجب، وهذا ليس بمسلم، عنده شك في الغيبيات, عنده شك في الجنة، شك في النار، شك في صدق الرسالة، شك في الْقُرْآنِ، هذا ليس بمسلم.
القسم الثاني: عنده شك في بعض الأفراد، مسألة في السنة، مسألة في الْقُرْآن، ليس الشك في الأصل؛ إنما عنده شك في الأفراد، فهذا يجب عليه ألا يستسلم لهذا الشك، وأن يبحث عما يجب عنه الشبهة.
نكتفي بهذا، نجيب عن بعض الأسئلة، سؤالين في الموضوع، إذا كان في الموضوع. لديك أسئلة في الموضوع.
ردا على سؤال غير مسموع: لا يجوز أن يقال: إنه في عصر من الأعصار خلت الأمة من قائم لله بالحجة يعني من عالم المعنى.
سؤال: هل يكون اتباع ما لا علة عقلية له أعظم أجراً من اتباع ما دل النقل والعقل عليه؟
جواب: لا، من آمن بالتسليم وبالبرهان فهو أعظم.
ـ.....................
ـ أينعم التسليم، والبرهان البرهان بأنواعه.
ـ.....................
ـ الدليل يعني.
ـ.....................
ـ يستغفر ربه، ويتوب؛ لأن هذا ما عنده شك في الأصل، مؤمن لكن عصى ربه فيستغفر ويتوب.
السؤال: كيف يكون البرهان تجربة في أمور العقيدة؟
جواب: (كلام غير مسموع) الدرس ما أدري فهم، أو ما فهم المقصود أن العقيدة هذا برهانها ديني و (اللي) قلنا حس، وتجربة، ومتابعة للبرهان (إيش؟) العقلي واضح، هذا الآن تأصيل مهم في منهج التلقي، ومعرفة الدليل، والاستسلام له؛ لأنه ما يسوغ لطالب علم العقيدة بالخصوص أن يكون غير مبرهن العقيدة، ليست قضايا نظرية لا وبرهانية، لكن نوع من البرهان برهانية واضحة مثل هذا (اللمة) (اللي) أمامنا مثل الشمس في رابعة النهار، ما عندنا لاشك في ذلك، لكنها بأنواع البرهان الذي ذكرت.
طيب نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. (كلام غير مسموع)
ـ.......................
ـ هل هناك من يعلم، لا يعلم ببرهانها يعني يتأمل الآية ويخرج (كلام غير مسموع) ولذلك قال ابن عباس: أنا من القليل الذي يعلمه هم {سبعة وثامنهم} (كلام غير مسموع) من الآية طبعاً هذا الوحي لا هذه من الآية {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم. ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب} كالرجم في القتل {ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم} يعني الخوض في ها المسائل كم عددهم (غير مسموع)
ـ.....................
ـ لا البراهين العقلية ما هي داخلة في التجاوب، داخلة في العلل، والمؤثرات، يعني البرهان العقلي داخل في العلل، والمؤثرات ما هو داخل في العقيدة العلل والمؤثرات علل الأفلاك، وتأثيرها يعني....
ـ.....................
ـ المحسوس إذا قلنا: محسوس هذا ما يحتاج (كلام غير مسموع) نعم.
ـ..................
ـ وتكون صحيحة هي تدخلها التجربة، وقد تكون صحيحة يعني مثل الآن الشمس قال: عندك ظل الظل يمتد يزيد، وينقص (بإيش)؟ بخطوات ثابتة يعني بتدرج بتدرج، إذن فهذا محسوب ـ صحيح؟ ـ إذن حركة الشمس (إيش)؟ محسوبة، حركة القمر محسوبة، إذن يمكن أطلع متى سيحدث خسوف وكسوف، هذه تجربة، تجارب في الكونيات، حدث الخسوف، والكسوف (إيش؟) كوني، فوجود الظلال و.. إلى آخره، وحركة الشمس والقمر هذا يمكن أنها بالتجربة تعرف حسابها وتخرج قانونا واضحا، متى سيحدث الكسوف والخسوف. نعم
ـ.....................
ـ (غير مسموع) هل يدخل الهوى فيها تحدث (ولا) ما تحدث؟ لا تجيك هنا السؤال دخل الشرطيات هنا (إيش)؟ يأتي صاحب الكونيات ويقول: لا علاقة يعني هذه أمور كونيه نقول: من الذي أجرى الكونيات؟ من الذي جعلها تحدث في هذه الأوقات؟ (إيش)؟ (طيب) هذه مقدمة، من الذي قدر في هذه الأوقات ماذا سيحدث في الأرض من أمور العباد؟ إذن الارتباط بين هذه وهذه يكون تخويفاً؛ لأن الله جل وعلا علم ما العباد سيحدثون في هذا الزمن فأجرى سنته أن يحدث الخسوف والكسوف في هذا الزمن، يخوف أهل هذا الزمن، فإذن... سقط... سبحانك ربي... سقط....
بِسْمِ اللهِ الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله الذي من على عباده بالهداية... سقط... صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأشهد ألا إِلَهَ إِلاَ الله وحده لا شريك له، وأشهد أََن مُحَمَّدا عبد الله ورَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد..،
سؤال: فهذا سائل يقول: (إيش) يقول؟ ذكر ابن التين في شرحه للبخاري، في مسألة إثبات اليدين لله جل وعلا أن يدي الله لا توصف بأنها جارحتان، وذكر خلافاً، فهل إثبات اليدين يقتضي كونها جارحة؟ أرجو توضيح ذلك.
جواب: الجواب: أن معتقد أهل السنة والجماعة مبني على متابعة الكتاب والسنة، وعلى ألا يتجاوز الْقُرْآن والحديث، نمر ما جاء على ظاهره، لا نتجاوز الْقُرْآن والحديث، فإثبات صفة اليدين لله جل وعلا، أو صفة اليدين لله جل وعلا هذا؛ لأنها جاءت في القرآن وفي السنة، كما قال جل وعلا: {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء}، وكما قال جل وعلا في سورة (ص): {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} وكما قال: {ألم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون} ونحو ذلك من الآيات، وفي السنة أيضاً أحاديث كثيرة في هذا الباب.
فإذا تقرر ذلك فإثبات صفة اليدين لله جل وعلا لا يتجاوز فيه ما جاء في الكتاب والسنة، فلا نقول: اليدان جارحتان، ولا نقول: اليدان كأيدينا، ونحو ذلك مما فيه مجاوزة اليد معروفة، كل يعقل معنى اليد، لكن لا تشبه يد الرحمن جل وعلا بيدي عباده، بل على قاعدة: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فإثبات الصفات إثبات وجود، وإمرار على ظاهرها بما اشتملت عليه الصفة من المعنى، لا إثبات كيفية، فلا ندخل في الصفات متوهمين بأوهامنا، ولا مجتهدين بآرائنا؛ لأن الباب باب غيبي لا يخاض فيه بالآراء والأوهام، وهكذا كل صفات الرب جل وعلا مثل صفة الوجه، صفة العينين، وصفة السمع والبصر، وصفة الإتيان والمجيء، والاستواء، والرحمة والرضا والغضب وسائر صفات الرب جل وعلا كلها تثبت؛ لأنها جاءت في النصوص، جاءت في الحق المطلق، في الكتاب والسنة، وما لم يأت في الكتاب والسنة فلا نثبته، ولا نطلقه على صفات الله جل وعلا؛ إذ ذلك زيادة على ما علمنا، والله جل وعلا قال ناهياً: {ولا تقف ما ليس لك به علم} فمن زاد على ما جاء في النصوص في الصفات فقد قفا ما ليس له به علم.
سؤال: هذا سؤال فقهي، ما هو ضابط الجمع في المطر؟
جواب: النَّبِي عليه الصلاة والسلام لم يصح عنه أنه جمع في المطر؛ وإنما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رَضِي اللهُ عَنْهُما: أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع ثمانية وسبعاً ـ يعني جمع الظهر والعصر، وجمع المغرب والعشاء ـ من غير خوف ولا سفر. في رواية أخرى: من غير خوف ولا مطر.
وإذا تبين ذلك فإن هذا النفي فهم منه العلماء أن السفر والمطر والخوف تبيح الجمع؛ لأنه قال: جمع من غير خوف ولا سفر، ومن غير خوف ولا مطر، فيدل على أن المطر مشروع الجمع له، والسفر مشروع الجمع له كما هو معلوم، والخوف مشروع الجمع له، وهذا بالمفهوم، وهذا المفهوم يحتمل أن يرجع إلى جمع الظهر والعصر، والمغرب والعشاء لكل سبب من الأسباب المذكورة، ويحتمل أن يرجع التعليل المعدد إلى واحد دون الآخر؛ لأن المفهوم إذا تعدد فلا يتعين رجوعه على الجميع؛ إذ يحتمل أن المجموع يرجع على المجموع، يعني أن الخوف والمطر ترجع على جمع الظهر والعصر معاً، والمغرب والعشاء معاً، أن السفر والمطر يرجع إلى هذا وهذا معاً، فلا يتعين بهذا المفهوم أن يكون في الحديث دلالة ظاهرة على أن الجمع يكون بين الظهر والعصر، وبين الخوف.. وبين المغرب والعشاء للمطر، فنظر في عمل السلف فوجدنا أن الصحابة جمعوا بين المغرب والعشاء فقط.
وعمل السلف يحدد المحتملات كما هو معلوم؛ لأن العلة أو المفهوم جاء مركباً، راجعاً إلى شيء مجموع، ولا يتعين رجوع الأفراد إلى المجموع، لهذا جاء عن ابن عمر أنه كان يجمع ومعه أمراء المدينة بين المغرب والعشاء، جمعوا في ليلة مطيرة.
وإذا تبين ذلك فضابط الجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، أن يكون المطر يشق معه وصول بعض الجماعة إلى المسجد، بعض الناس إلى المسجد، يعني إذا كان يبل ثياب بعض الناس الضعاف من المصلين فإنه يجمع له، أما مجرد نزول المطر فلا يباح الجمع لمجرد نزول المطر، بل لابد من وجود المشقة، والمشقة يعتبرها الإمام، ولا يشترط وجود المشقة في الجميع، بل إذا وجدت المشقة في حق البعض جاز الجمع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال للإمام: ((واقتض بأضعفهم)) فالإمام يراعي حال المأمومين في طول القراءة، وفي الصلاة، وفي الجمع، إلى غير ذلك.
وينتبه هنا إلى مسألة من السنة تخفى على كثيرين من الناس؛ وهي أنه إذا نزل المطر الشديد في وقت من الأوقات، يعني ودخل الوقت ونزل مطر شديد وقت الظهر، نزل مطر شديد وقت العصر فإنه يباح، أو يجوز أن يصلى في البيت؛ لأن المطر من الأعذار المبيحة، المطر الذي يشق معه الخروج إلى المسجد من الأعذار المبيحة من الوصول.. من الأعذار المبيحة للصلاة في الجماعة، فإذا وجد المطر فيترك من شق عليه ذلك الصلاة في الجماعة وهو أولى من أن يجمع في وقت الأولى؛ لتوهم نزول المطر في الثانية من دون عذر. واضح؟
وأيضاً من الأمور التي في السنة، وقل وجودها أنه يسن للمؤذن إذا وجد مطر شديد في وقت الأخيرة، يعني في الظهر، أو في وقت العصر، أو في الجمعة، أو في وقت العشاء أنه ينادي في الناس بعد قوله أَشْهَدُ أَلا إِلَهَ إِلا الله، أَشْهَدُ أَلا إِلَهَ إِلا الله، َأَشْهَدُ أَنَ مُحَمَّدا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، لا يقول: حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، بل يقول: الصلاة في البيوت، أو يقول: صلوا في بيوتكم، أو الصلاة في الرحال، وهذا من سمعه فيصلي في بيته عند وجود المطر الشديد.
وليس مجرد وجود المطر، أو المطر الذي لا يشق معه إذا وجد المطر الشديد ووجد وحل، أو الطريق مملوء بالأمطار ويفسد على الناس أحذيتهم، يفسد على الناس نعالهم، يفسد على الناس ملابسهم، أو يكون معه مشقة في الوصول بالأرجل ولو للبعض، فإن هذا يباح معه أن يقال، بل يسن معه أن يقال: الصلاة في البيوت، صلوا في بيوتكم، ولكن هذه ينبغي أن ينتبه الإمام لها.. يعني المؤذن لها، فلا تقال إلا بأمر الإمام في أوقات يكون المطر فيها شديدا، أما الجمع بين الظهر والعصر فالصحيح عندي بما يدل عليه الحديث، وتطبيق قواعد أصول الفقه، أنه لا يجمع بين الظهر والعصر؛ لأنه لم يأت دليل بالجمع، والدليل الذي ذكر هو حجة الجميع....
أن السفر والمطر والخوف تبيح الجمع؛ لأنه قال: جمع من غير خوف ولا سفر، ومن غير خوف ولا مطر، فيدل على أن المطر مشروع الجمع له، والسفر مشروع الجمع له كما هو معلوم، والخوف مشروع الجمع له، وهذا بالمفهوم، وهذا المفهوم يحتمل أن يرجع إلى جمع الظهر والعصر، والمغرب والعشاء لكل سبب من الأسباب المذكورة، ويحتمل أن يرجع التعليل المعدد إلى واحد دون الآخر؛ لأن المفهوم إذا تعدد فلا يتعين رجوعه على الجميع؛ إذ يحتمل أن المجموع يرجع على المجموع، يعني أن الخوف والمطر ترجع على جمع الظهر والعصر معاً، والمغرب والعشاء معاً، أن السفر والمطر يرجع إلى هذا وهذا معاً، فلا يتعين بهذا المفهوم أن يكون في الحديث دلالة ظاهرة على أن الجمع يكون بين الظهر والعصر، وبين الخوف.. وبين المغرب والعشاء للمطر، فنظر في عمل السلف فوجدنا أن الصحابة جمعوا بين المغرب والعشاء فقط.
وعمل السلف يحدد المحتملات كما هو معلوم؛ لأن العلة أو المفهوم جاء مركباً، راجعاً إلى شيء مجموع، ولا يتعين رجوع الأفراد إلى المجموع، لهذا جاء عن ابن عمر أنه كان يجمع ومعه أمراء المدينة بين المغرب والعشاء، جمعوا في ليلة مطيرة.
وإذا تبين ذلك فضابط الجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، أن يكون المطر يشق معه وصول بعض الجماعة إلى المسجد، بعض الناس إلى المسجد، يعني إذا كان يبل ثياب بعض الناس الضعاف من المصلين فإنه يجمع له، أما مجرد نزول المطر فلا يباح الجمع لمجرد نزول المطر، بل لابد من وجود المشقة، والمشقة يعتبرها الإمام، ولا يشترط وجود المشقة في الجميع، بل إذا وجدت المشقة في حق البعض جاز الجمع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال للإمام: ((واقتض بأضعفهم)) فالإمام يراعي حال المأمومين في طول القراءة، وفي الصلاة، وفي الجمع، إلى غير ذلك.
وينتبه هنا إلى مسألة من السنة تخفى على كثيرين من الناس؛ وهي أنه إذا نزل المطر الشديد في وقت من الأوقات، يعني ودخل الوقت ونزل مطر شديد وقت الظهر، نزل مطر شديد وقت العصر فإنه يباح، أو يجوز أن يصلى في البيت؛ لأن المطر من الأعذار المبيحة، المطر الذي يشق معه الخروج إلى المسجد من الأعذار المبيحة من الوصول.. من الأعذار المبيحة للصلاة في الجماعة، فإذا وجد المطر فيترك من شق عليه ذلك الصلاة في الجماعة وهو أولى من أن يجمع في وقت الأولى؛ لتوهم نزول المطر في الثانية من دون عذر. واضح؟
وأيضاً من الأمور التي في السنة، وقل وجودها أنه يسن للمؤذن إذا وجد مطر شديد في وقت الأخيرة، يعني في الظهر، أو في وقت العصر، أو في الجمعة، أو في وقت العشاء أنه ينادي في الناس بعد قوله أَشْهَدُ أَلا إِلَهَ إِلا الله، أَشْهَدُ أَلا إِلَهَ إِلا الله، َأَشْهَدُ أَنَ مُحَمَّدا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، لا يقول: حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، بل يقول: الصلاة في البيوت، أو يقول: صلوا في بيوتكم، أو الصلاة في الرحال، وهذا من سمعه فيصلي في بيته عند وجود المطر الشديد.
وليس مجرد وجود المطر، أو المطر الذي لا يشق معه إذا وجد المطر الشديد ووجد وحل، أو الطريق مملوء بالأمطار ويفسد على الناس أحذيتهم، يفسد على الناس نعالهم، يفسد على الناس ملابسهم، أو يكون معه مشقة في الوصول بالأرجل ولو للبعض، فإن هذا يباح معه أن يقال، بل يسن معه أن يقال: الصلاة في البيوت، صلوا في بيوتكم، ولكن هذه ينبغي أن ينتبه الإمام لها.. يعني المؤذن لها، فلا تقال إلا بأمر الإمام في أوقات يكون المطر فيها شديدا، أما الجمع بين الظهر والعصر فالصحيح عندي بما يدل عليه الحديث، وتطبيق قواعد أصول الفقه، أنه لا يجمع بين الظهر والعصر؛ لأنه لم يأت دليل بالجمع، والدليل الذي ذكر هو حجة الجميع من قال: يجمع بين الظهر والعصر , بين المغرب والعشاء , ومن قال: يقتصر في الجمع بين المغرب والعشاء، الدليل في ذلك واحد.
سؤال: قال في سؤاله: إذا ثبت لله تعالى صفة بلفظ معين، فهل يجوز أن يطلق على الله جل وعلا مرادف هذه الصفة مثل قول بعض العامة: الله يشوف ويرى؟
جواب: هذا إذا كان من باب الخبر فلا مانع , لكن من باب إثبات الصفة فلا يجوز؛ لأن الصفات توقيفية.
سؤال: ما هو التسلسل الواجب الممتنع والممكن؟
جواب: هذا ذكرناه فيما مضى في أول شرح العقيدة الطحاوية، ويمكن أن ترجع إلى شرح الطحاوية ففيها تفصيل ذلك.
سؤال: ذكرتم مسألة مهمة في تقعيد العلوم، ولكن هل لكم أن تنبهوا الطلاب إلى أن معرفة هذه لا تعني تطاولا على القواعد وعدم الاعتداد بها لأدنى سبب؟
جواب: نعم هذه إذا ذكرناها ليس تعليما لها، ولكنه تنبيه لما سأل السائل عن مسألة الأخ ـ نسيت ـ (إيش) هي (اللي) كنت ذكرته؟ ـ قائل: لفظ الجلالة ـ (إيه) لفظ الجلالة هل الأسماء هي قديمة أينعم (غير مسموع)
سؤال: ما رأي الدين في رجل رأى منكراً على رجل ولم يستطع تغييره , فقال الرجل الذي لم يستطع التغيير: أعوذ بالله منك , أو قال: أعوذ بالله من وجهك , فهل هذا السب يجوز؟
الجواب: أولاً: في الأسئلة لا يسوغ أن يقال: ما رأي الدين؛ لأن المسألة ليست رأياً , هذا واحد , والمسألة الثانية: لا ينسب الرأي للدين , وإنما يقال: ما تقول الشريعة؟ مثلاً , ما الحكم الشرعي في كذا؟ ما يقول أهل العلم؟ ما الجواب عن كذا؟
ومن رأى منكراً فالله جل وعلا وسع على العباد , فمن ((رأى منكراً فليغيره بيده , فإن لم يستطع فبلسانه , فإن لم يستطع فبقلبه , وذلك أضعف الإيمان)) وأما سب من وجد عليه منكر هذا.. فهذا اعتداء , وإنما ينكر عليه السب , هذه مسألة خارجة , ينكر عليه المنكر ما استطعت تقف , أما سبه أو الاستعاذة منه فهذا لا يسوغ , وإنما يستعاذ بالله من شره , يعني شر تعدي المنكر إلى من لم يستطع الإنكار، نعوذ بالله من شرك، نعوذ بالله من شر ما أنت عليه، نعوذ بالله من سوء عملك ونحو ذلك، هذا حسن؛ لأن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه , نسأل الله السلامة والعافية , وتغيير المنكر بالقلب تغيير إذا علم الله جل وعلا منك أنك كاره ومنكر فهذا إنكار بالقلب. [كلام ليس فائدة علمية]
سؤال: هل الترضي على أهل الشجرة , دعاء لهم بأن يرضى الله عنهم أن تقرير رضا الله عز وجل؟
الجواب: هذا سؤال جيد , وهو مبني على أن قول القائل: رضي الله عنه، رحمه الله، هذا دعاء في أصله , فإذا كان قد امتن عليهم بذلك من الرب جل وعلا فالترضي معناه التحقيق، تحقيق ذلك والدخول في تأكيده؛ لأن الله سبحانه منَّ عليهم {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}.
سؤال: الحروف المقطعة , هل هي من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله أو يوجد من يعلمه من العلماء؟
الجواب: الحروف المقطعة اختلف أهل العلم فيها إلى اثني عشر قولاً , وهذه الأقوال جماعها قولان:
الأول: أنه يعلم معناها، والثاني أنه لا يعلم معناها، ومن قال يعلم معناها اختلفوا فيها إلى أقوال , والصحيح أن معناها معلوم معروف، ولا يقال لا يعلم معناها؛ لأنها ذكرت كما بينت لكم مرارا , ذكرت للتحدي , فهذه الأحرف المقطعة ليست أوائل كلمات , وليس مجموعها يدل على أسماء الله جل وعلا , وليست أسماء للسور كما هي أقوال مختلفة في المسألة؛ وإنما هذه الأحرف المقطعة هي الأحرف التي ينشئ بها العرب كلامهم , والتي بها يفاخرون في إنشاء الأشعار وإنشاء الخطب , فإذا كان كذلك فهذا القرآن من هذه الأحرف تكلم الله جل وعلا بالقرآن بلسان عربي مبين , فإذا كان كذلك فتكلموا بمثل هذا القرآن , أو بمثل عشر سور مثله , أو بمثل سورة , والجميع عجزوا عنه.
ولهذ هذه الأحرف المقطعة الصحيح أنه لا يقال: لا يعلمها إلا الله , الصحيح بل هذه الأحرف المقطعة جعلت في صدر السور للتحدي , تحدي الكفار أن ينشئوا مثل هذا القرآن الذي هو من هذه الأحرف.
محمد أبو زيد
03-01-2009, 09:05 AM
أصل القانون الكلي
قال المصنف رحمه الله: [فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه] . التسليم أصل في الإيمان، قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء:65] ، ولكن التسليم لا يفهم منه أن مذهب السلف -فضلاً عن الدلائل الشرعية النقلية- يقع فيه ما يكون معارضاً للعقل. وهذا يرد على القانون الكلي الذي ذكره المتكلمون، وأصله من كلام الجهمية وأساطين المعتزلة، فإن هؤلاء استعلموا طائفة من المقدمات الفلسفية المأثورة عن ملاحدة اليونان كـأرسطو وأمثاله، في مسائل صفات الله، وتحصّل بما جعلوه من الدلائل الكلامية المولّدة من المقدمات الفلسفية نفي الصفات، وصار معتبرهم في نفي الصفات ما يسمى بدليل الأعراض، وهو دليل مركب من مقدمات فلسفية، ومبني على قياس الشمول أو قياس التمثيل، ومعلوم ببداهة العقل والشرع، أن الله سبحانه وتعالى منزه عن قياس الشمول، وقياس التمثيل، بل له المثل الأعلى، وهو معنى قوله سبحانه وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] ومعنى قوله: {وَلله الْمَثَلُ الأَعْلَى} [النحل:60] . وجاء من بعدهم من أظهر الفلسفة على التصريح كـابن سينا فاستعمل دليل التركيب، وجاء طائفة بعد ذلك من مضطربة الأشعرية أبو المعالي الجويني ، فإنه مضطرب الحال، فاستعمل دليل الاختصاص، وصارت هذه الأدلة الثلاثة -دليل الأعراض، ودليل التركيب ودليل الاختصاص- هي الدلائل التي عليها مدار القول عند نفاة الصفات من متكلمين وفلاسفة. وهي أدلة محدثة مبتدعة مخالفة للعقل والشرع، وأصولها أصول فلسفية، فعارضت هذه الأدلة ظاهر القرآن وظاهر الحديث، وعن هذا التأصيل البدعي المخالف لما بعث به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ظهر هذا القانون في كلام المتكلمين وقد ذكره متقدمو أئمة الجهمية والمعتزلة، ثم لما جاء الأشعري ، ومع كثرة انتسابه للسنة والجماعة، صار يتباعد عن التصريح بهذا القانون، ويعظم النصوص والآثار، ويكثر من الرد إليها، ولكن لما جاء أصحابه من بعده صرحوا بما صرحت به المعتزلة. بل إن التصريح بهذا القانون، ليس مقصوراً على متأخري الأشاعرة، فقد استعمله طائفة من متقدميهم كالقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني ، ولكن عناية أبي المعالي و محمد بن عمر الرازي وأمثالهما به أظهر. ......
التسليم لا يكون إلا بعلم ويقين
قول أبي جعفر رحمه الله: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام). لا يفهم منه أن طريقة السلف مبنية على التسليم الذي ليس تحته علم، وأنه تسليم بمعنى التفويض، بل التسليم لا يكون إلا عن علم، والتسليم الحق هو التسليم الذي يكون مبنياً على اليقين؛ ولهذا جمع الله سبحانه وتعالى بين ذلك وبين العلم في قوله: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ} [النساء:65] وهذا رد إلى العلم {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء:65] . وبعبارة أخرى: فإنه يمتنع في الوجود أن يتحقق التسليم مع الجهل أو مع المعارضة؛ لأن المعرفة والعلم اليقين مقدمةٌ للتسليم، والتسليم نتيجة، ومعلوم أن عدم المقدمة الموجبة يستلزم عدم النتيجة، فعدم المعرفة والعلم اليقيني يستلزم عدم التسليم؛ ولهذا قال هرقل في سؤالاته عن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن يتبعه؛ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟... ثم قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطةً له؟ فقال أبو سفيان : لا.... فقال هرقل فيما بعد: وسألتك هل يرتد أحد منهم فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب) . ولهذا لا نجد مؤمناً ثبت على الإيمان والإسلام فيزيغ إلا بسبب من الضلال انتحله إلى نفسه، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: {وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ} [إبراهيم:27] بمعنى: أن الضلال الذي يعقب الهدى لا يكون إلا بجهة من العدل، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة:115] . ......
اضطراب منهج المتكلمين وبعده عن السنة
قال المصنف رحمه الله: [فمن رام علم ما حُظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة] . الأمر كذلك؛ فإن أهل السنة من الصحابة وأئمة السلف هم أصدق هذه الأمة علماً وإيماناً، وهم المحققون للتوحيد -توحيد المعرفة وتوحيد العبادة- بخلاف الذين كثر فيهم الخرص من المتكلمين ومن طاف على مذهبهم أو قاربه، أو طوائف من أرباب الأحوال المخالفة من المتصوفة، فهم في أمر مريج، وكما قال الله تعالى: {لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 8-9] ، وهذا شائع في كلامهم وتحصيلاتهم، فهم من أكثر الناس جهلاً بالسنن والآثار، ولا أدل على ذلك من أن بعض فضلائهم المقاربين والمعظمين لطريقة السلف كـأبي حامد الغزالي يذكر هو عن نفسه أنه مزجي البضاعة في الحديث، وترى أنه في إحيائه -مع أن كتاب (الإحياء) بالنسبة لكتب أبي حامد يعد من أجودها- يستدل فيه بالموضوع، ويستدل بما في صحيح البخاري ، ولا يفرق بين هذا الدليل وهذا الدليل. فهم قد ابتعدوا عن السنن والآثار، واشتغلوا بهذه العلوم التي زعموها علوماً عقلية، وكان من فقه السلف رحمهم الله أنهم كانوا لا يسمون علم الكلام علماً عقلياً، ولا يجعلون دليله دليلاً عقلياً، بل يسمونه علم الكلام، وتواتر عن السلف ذم هذا العلم ولم ينقل عنهم ذم العقل، فإن العقل لا يذم مطلقاً، وإن كان يصح أن يذم شيء منه إذا كان مقيداً، فإن المقيد يختلف حكمه عن المطلق، والله في كتابه لم يذم العقل. فأولى المذاهب بالجمع بين العقل والنقل هو مذهب السلف، ومن فقه شيخ الإسلام أن سمَّى كتابه: (درء تعارض العقل والنقل)، أي: أنه لا تعارض بين العقل والنقل، وكل عقل زعم صاحبه أنه عارض النقل فالشأن في عقله، إلا إذا فرض أن النقل ليس صحيحاً، كحديث يروى ولا يصح عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. ......