محمد أبو زيد
12-03-2008, 07:28 AM
القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعل آله وصحبه أجمعين.
قال العلامة الطحاوي رحمه الله تعالى:
ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم , أو تأولها بفهم؛ إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم , وعليه دين المسلمين , ومن لم يتوق التشبيه زل ولم يصب التنزيه؛ فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية.
الشيخ: كان وقوفنا في الدرس الماضي عند قوله: "فمن رام علم ما حظر عنه علمه , ولم يقنع بالتسليم فهمه , حجبه مرامه عن خالص التوحيد , وصافي المعرفة وصحيح الإيمان".
هذه الجملة فيها النهي عن أن يتعدى المؤمن ما عُلِّم في الكتاب والسنة , وأن يقتصر عليه؛ وذلك لأن ما لم نُعلّم إيَّاه من أمر التوحيد والإيمان والعقيدة، فإن الخير فيما عُلمناه والتعدي على ما علمناه فيه خوض فيما لم يأت لنا به علم , وهذا منهي عنه كما قال جل وعلا: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} فشيء لم يرد في أمور الغيبيات , لم يرد في النص في الكتاب ولا في السنة فإنه يسكت عنه , ولا يتكلم فيه , وإذا كان معارضاً لما جاء في الكتاب والسنة فيرد؛ لأن الحق فيما قال ربنا جل وعلا، وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم , فقوله: "فمن رام علم ما حُظر عنه علمه" يعني ما لم يأته به علم رام شيئاً أراد علماً لم يأتنا فيه علم وهو الدليل، البرهان من الكتاب السنة , ولم يقنع بالتسليم فهمه كما ذكرنا لكم أن ثمة أشياء قد تشبه وواجب على المسلم أن يسلم بما جاء في النص من الأمور الغيبية , إذا لم يقنع بالتسليم الفهم ورام شيئاً محظوراً عنه , ودخل في أقوال وعقليات وآراء , فإن هذا الذي فعل يحجبه عن خالص التوحيد.
قال: "حجبه مرامه" وهو طلبه لشيء لم يرد فيه العلم "حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان" خالص التوحيد يعني كامل التوحيد، التوحيد الذي لا شيء يكدره , خالص الشيء , الخالص الذي لا شيء يكدره، صاف، خالص تام [فمن بحث في أشياء لم يأت بها العلم]* (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=8107#_ftn1) الشرعي، لم يأت بها الدليل , فإن توحيده ناقص , وهذا يدل على أن من خاض في المشككات واستمر معها متشككاً , ولم يُسلم فإنه لابد وأن يحجب عن خالص التوحيد , ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في تائيته القدرية.
وأصل ضلال الخلق من كل فرقة = هو الخوض في فعل الإله بعلة
خاضوا في شيء لم يأت لهم به خبر , ولم يأت لهم به دليل , فخاضوا في أفعال الله جل وعلا , قال:
وأصل ضلال الخلق من كل فرقة = هو الخوض في فعل الإله بعلة
فإنهم لم يفهموا حكمــة له = فصاروا على نوع من الجاهلية
فكل من خاض في أشياء غيبية لم يأت بها الدليل فإنه يحجب عن خالص التوحيد , ولهذا واجب في مسائل الإيمان ألا يتجاوز فيها ما جاء في الأدلة، واجب مسائل القدر ألا يتجاوز فيها ما جاء في الكتاب والسنة، لهذا جاء في الحديث الصحيح: ((إذا ذكر القدر فأمسكوا , وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا , وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا )). يعني أمسكوا عن أن تخوضوا في هذه الأشياء بغير ما علمتم , فمن خاض في شيء لم يعلمه فإنه يحجب عن خالص التوحيد؛ لأنه قد يقوده ذلك إلى الشك وعدم الاستسلام.
قال: "وصافي المعرفة" المعرفة في كلام أهل العلم تتناوب مع العلم، إذا قيل: المعرفة فيراد به العلم , ولهذا قسم طائفة من العلماء التوحيد في قسمين:
توحيد المعرفة والإثبات، توحيد القصد والطلب.
توحيد المعرفة والإثبات: يعني توحيد العلمي، العلم، التوحيد العلمي الخبري والتوحيد الطلبي الإرادي، والمعرفة إذا كانت بذلك.. بهذا المعنى فلا بأس بذلك، ونبهتكم مراراً على أن كلمة المعرفة جاءت في معنى العلم في السنة , كما روي أصحاب الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: ((إنك تأتي قوماً أهل كتاب , فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله , فإن هم عرفوا ذلك)) يعني علموا ذلك وأقروا به ونحو ذلك، هذا من المعنى الجائز الذي ورد، وأكثر ما جاء في القرآن , بل كل ما جاء في القرآن أن المعرفة أضيفت لمن يُذم وليس لمن مدح كما قال جل وعلا: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها}، وكما قال: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} ونحو ذلك من الآيات وهذا سبق بيانه.
فإذن قوله: "وصافي المعرفة" يعني وصافي العلم، فالعلم الصافي لا يؤتاه إلا من سلم، وهذا أمر عجيب؛ لأن العلم الشرعي وخاصة التوحيد يؤتاه العبد بشيئين، بشيئين سلوكيين من أعمال القلوب:
الأمر الأول: ألا يعترض , فإذا اعترض حجب.
والأمر الثاني: أن يعمل , فإذا تعلم الإخلاص عمل به تفتح له من أبواب الإيمان والعلم بالإيمان والإخلاص ما لا يفتح للآخرين، بل المرء نفسه يجد في حاله في تارات من حياته , أو في تارات من طلبه للعلم , مرة يفتح له لإخلاص كان عنده وصدق وعمل صالح كان عنده , ومرات يحجب عنه كثير من أنواع الإخلاص وأنواع العلوم القلبية والأعمال القلبية , فهذان الأمران مهمان:
الأول: عدم الاعتراض، والثاني: العمل بمفردات التوحيد ومفردات الإخلاص.
فصفاء العلم يكون بهذين الشيئين حتى الأمور العملية، أمور الصلاة، الأحكام الفقهية من العبادات والمعاملات وغير ذلك، إذا علمت شيئاً فسلمت للدليل، فسلمت لكلام أهل العلم فيه فعملت بذلك أورثك الله جل وعلا ثباتاً في هذا العلم الذي علمته , وفيها لما لم تعلم كما قال بعض السلف: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، وقد قال جل وعلا في سورة النساء: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} لكان خيراً لهم إذا فعل المرء ما يوعظ به يعني في القرآن والسنة , خير أن تعمل ما وعظت به وأشد تثبيتاً للإيمان وللعلم.
فلهذا عدم الاعتراض في أمور العقائد والتوحيد على النصوص يعطى العبد به نور ويخلص توحيده , وتصفى معرفته وعلمه , ويصح إيمانه كما ذكر رحمه الله , وكذلك في الأمور العملية , إذا عمل بعد العلم وسَلَّم ولم يعترض فإنه يصفى من جهة العمل , ويكون إيمانه وعمله داعياً له إلى العلم وإلى الازدياد من العمل , نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهل صحة الإيمان وصفاء العلم.
قال: "فيتذبذب بين الكفر والإيمان , والتصديق والتكذيب , والإقرار والإنكار , موسوساً تائهاً، شاكا زائغاً، لا مؤمناً مصدقاً , ولا جاحداً مكذباً".
وهذا كثير , فالذين عرضت لهم الشكوك وساروا معها , ولم يقنعوا بما دلهم عليه الكتاب والسنة، فإنهم يبقون متشككين، حائرين , ليسوا مؤمنين وليسوا كفارا، تارة ينزع إلى هؤلاء بشكه , وتارة يكون مع أهل الإيمان بتصديقه، وتارة يعرض له التكذيب , وتارة يعرض له التصديق، وتارة يعرض له الإقرار , وتارة يعرض له الإنكار، فليس في قلبه يقين بالحق، ليس في قلبه علم لا شك فيه , بل هو متردد , بل هو ذو ريب وذو شك , والله جل وعلا وصف المنافقين أنهم لا يزالون في ريبهم فقال سبحانه: {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}.
ننبه إلى أن وله فيتذبذب بين الكفر والإيمان والتصديق والوسوسة ونحو ذلك هذه لها حالات، إذا عَرَضَتْ فلم يتكلم بها العبد وحَكّم العلم على قلبه فإن هذه الوسوسة دليل الإيمان , كما قال عليه الصلاة والسلام , لما سُئل فقيل له: إن أحدنا ليجد في نفسه أشياء لا يتجاسر أن يتكلم بها. قال: ((أو قد وجدتم ذلك؟ ذلك صريح الإيمان)) يعني: أن الشيطان إذا يتمكن من العبد إلا أن طرح في قلبه بعض الوساوس فهذا يدل على أنه لم يستطع عليه , بل هو مؤمن , وهذا دليل صريح الإيمان الذي في القلب , لكن هذا في حق من؟ من تعرض له هذه الأشياء , ثم ينفيها بالعلم , فإن كل أحد لا يسلم من هذه العوارض التي تأتي والشكوك أو الوساوس التي يلقيها الشيطان , لكن صاحب العلم ينفيها ولا يستأنس لها، وأما الذي يستأنس لها ويسير معها , ويبحث متشككاً حائراً , كما ذكرنا ولم يستسلم فإن هذا هو الذي وصف هنا بقوله: "فيتذبذب بين الكفرة والإيمان" إلى آخره.
ثم قال رحمه الله تعالى هذه المسائل (اللي) ما سمعتموها , وما سيأتي هذه تأصيلية في مسائل التلقي والموقف من العقل والاستسلام للنص ووحدة مصدر التلقي , وأن العقيدة مأخوذ بالاستسلام ونحو ذلك والمباحث العقدية يأتي بعد ذلك بقية ما أورده المصنف.
قال: "ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار الإسلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم".
هذا سبق أن ذكرنا الرؤية؛ رؤية الرب جل وعلا , والمباحث فيها والرد على أهل الزيغ فيها , وتقرير مذهب أهل السنة والجماعة , أهل الحديث , في ذلك سبق أن ذكرنا ذلك بتفصيل.
قال هنا: "لا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام" دار السلام التي هي الجنة: {لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ}؛ لأن فيها السلامة بجميع أنواعها؛ السلامة في البدن، والسلامة في القلب , والسلامة في الخواطر، حتى اللغو لا يسمعونه وحتى كما قال: {لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} حتى ما يؤذي السمع , فلا يُسمع , وصرير الأشجار وحركة الأوراق ألحان في الجنة , فكل ما فيها سلام وتحية أهلها سلام.
قال: "لا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم" يعني: أن الإيمان بالرؤية فرض؛ لأن الله جل وعلا ذكره في كتابه , وذكره النبي صلى الله عليه وسلم في سنته , فهو عقيدة الإيمان بها فرض , فمن تأول الرؤية فلا يصح إيمانه , وهذا ليس للرؤية فحسب، ليس للرؤية وحدها، بل كل من تأول شيئا من الغيبيات فلا يصح إيمانه به؛ لأن الإيمان بالأمور الغيبية إيمان بما دل عليه ظاهر اللفظ , إيمان بما دل عليه ظاهر الصفة؛ إذ كانت قاعدة السلف: أمروها كما جاءت , لا يتجاوز القرآن والحديث.
قال: "لا يصح الإيمان لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم"، اعتبرها بوهم، من تخيل شيئاً ما , أو تأولها يعني سلط على نصوص الرؤية التأويل، قال في التعليل، "إذا كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم" يعني أن التأويل تأويل الرؤية وتأويل الصفات، الحق هو ترك التأويل , وهذا يأتي بيانه في المسائل , فتأويل الصفات هو ما تؤول إليها حقائقها , والعقل والقلب لا يدرك الغيبيات , فلذلك عدم إدراكه للغيبيات يدل على أنها على ظاهرها , فقوله هنا: "لا يصح الإيمان..." إلى آخره علله بقوله: "إذا كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية" يعني إلى الرب جل وعلا من الصفات جميعاً , تأويل ذلك "الحق ترك التأويل ولزوم التسليم عليه دين المسلمين"، وهذه الجملة من كلامه واضحة المعنى فيما ذكرت لك , لكن ينبني عليها لفهم مراده مسائل:
المسألة الأولى: في معنى التأويل.
التأويل هو ما تؤول إليه الأشياء، آل الأمر إلى كذا، يعني صار إلى كذا، والتأويل هو إيال الأشياء إلى نحو ما هذا في اللغة، تأويل الرؤيا ما تؤول إليه الرؤيا، تأويل الطاعة، ما تؤول إليه الطاعة {ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} يعني وأحسن عاقبة، أحسن مآلاً , فإذن كلمة تأويل هذه اسم مصدر آل الشيء يؤول إيالاً وتأويلاً فإياله نهايته تُسمى تأويله.
المسألة الثانية: التأويل في استعمال العلم , أو فيما جاء في الكتاب والسنة , وفيما جرى عليه كلام العلماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: التأويل بمعنى التفسير، الكل يشترك في المعنى الأول اللغوي الذي ذكرت لك في المسألة الأولى، الأول التأويل بمعنى التفسير، تأويل كذا يعني تفسيره، هذا تأويل رؤياي يعني هذا تفسير رؤياي , وعلى هذا قول العلماء في تفسير القرآن: قول أهل التأويل مثلما يستعمل الحافظ أو الإمام ابن جرير في تفسيره , ويكثر منه يقول قال: أهل التأويل يعني أهل التفسير تفسير القرآن.
الثاني: التأويل , تأويل الأخبار وتأويل الأمر والنهي: تأويل الخبر ما تؤول إليه حقيقة الخبر، يعني: أنه إذا ذكر شيء لك فأخبرت به فتأويله حينما تراه كما قال جل وعلا: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} يعني: تأويل ما ذكر الله في سورة الأعراف من خبر يوم القيامة والجنة والنار: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ..} إلى آخر الآية , قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} يعني يؤول إليه حقيقة الخبر , وهو ما سيراه الناس , فتأويل كل خبر في الأمور الغيبية هو حقيقته التي هي عليه , فتأويل الجنة حقيقة الجنة، تأويل النار حقيقة النار، فهذه الأخبار التي أخبر الله جل وعلا بها من الغيبيات تأويلها هي حقائقها في الأمور الغيبية , ولهذا قال جل وعلا: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} على من وقف عند لفظ الجلالة؛ لأن أحدا لا يعلم التأويل إلا الله يعني تأويل المتشابه يعني بهذا التأويل ما تؤول إليه حقائق هذه الأشياء , يعني ما هي عليه، وهذا لا يعلمها إلا الله , لا يعلم حقيقة الصفات إلا الله , لا يعلم حقيقة الجنة إلا الله , لا يعلم حقيقة النار إلا الله، لا يعلم حقيقة يوم القيامة إلا الله، لا يعلم حقيقة ما في السماء إلا الله، لا يعلم حقيقة الصراط وأحوال البرزخ إلا الله جل وعلا.
فهذه الحقائق لا يعلمها إلا الله , لكن المسلم يعلم المعاني في الأمور الغيبية , أخبرنا في الأمور الغيبية بأشياء لها معنى فنعتقدها، وأما حقيقة ما هي عليه بكمالها من جهة المعنى والكيفية هذه لا يعلمها إلا الرب جل وعلا , لهذا صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "ليس في الجنة من دنياكم إلا الأسماء" يعني أنك تعرف أصل المعنى , أما الحقائق فالمسألة ليست في مقدور الناس أن يفهموا حقيقة ما في الجنة، حقائق الأخبار , إذن حقيقة الخبر من جهة تمام المعنى ومن جهة كيفية الأمور الغيبية هذه لا يعلمها إلا الله، فيكون الوقف عند الآية {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} والراسخون في العلم لا يعلمون تأويل الأخبار , بمعنى حقائق الغيبيات على ما هي عليه من جهة الكيفية ومن جهة تمام المعنى، أما الأمر والنهي فالله جل وعلا أمر بأوامر ونهى عن نواه.
فتأويل الأمر امتثاله , وتأويل النهي الانتهاء عنه؛ لأن الله جل وعلا قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} يعني وأحسن امتثالاً لأمر الله جل وعلا وأحسن عاقبة.
فإذن كل من أُمر بأمر فتأويل الأمر يعني ما تؤول إليه حقيقة الأمر , هو أن تمتثله , فمن لم يمتثل فلم يستسلم للأمر, ولم يطع في ذلك، تأويل النهي هو ما تؤول إليه حقيقة النهي , وهو امتثاله , وهو امتثال النهي , يعني أن يجتنب النهي , ما نهي عنه , ثم يزيد على الأمرين بالامتثال عاقبة أو جزاء الامتثال في الأوامر وجزاء الانتهاء عما نهي عنه في النواهي.
فإذن التأويل في الأمر والنهي يشمل شيئين: يشمل أن يمتثل الأمر ويجتنب النهي , ويشمل ما سيراه في العاقبة من جزاء الأمر وما امتثله , ومجازاة العبد على انتهائه عما نُهي عنه.
الثالث: التأويل بمعنى حادث , لم يأت في القرآن وفي السنة، أما الأولان فقد جاءا لكنه صحيح إذا كان بضابطه الذي ضبطه به أهل العلم , وهو أن يصرف دليل عن ظاهره لحجة أن يصرف دليل عنه ظاهرة الحجة , ويعبر عنه الأصوليون بقولهم: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة , وهذا للأصوليين فيه تفصيلات حيث إنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام, لكن هذا المعنى من التأويل صحيح , يعني أنه في النصوص ربما صرف اللفظ إلى غيره صرفت دلالة الدليل إلى آخر لدليل آخر لقرينة.
المسألة الثالثة: هذا التأويل الأخير هو الذي به تسلّط، وأولوها بالتأويلات , فنصوص الرؤية حرفوها , وسموا تحريفهم تأويلاً، ونصوص إثبات الصفات من الوجه واليدين والرحمة والرضا، الصفات الذاتية والصفات الفعلية جميعاً حرفوها وسموا تحريفهم لها تأويلاً.
وهذا هو الذي أراده الطحاوي بقوله: "إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم؛ لأن تأويلهم له كان باطلاً وحقيقة التأويل أن يترك التأويل" يعني: التأويل المطلوب شرعاً أن يترك التأويل , وهذا يحتاج إلى تطبيق , فالتعريف عرف الأصوليون كما ذكرت لك التأويل بأنه صرف اللفظ يعني الذي جاء بالدليل صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة، هنا القرينة لا بد أن تدل على أن الظاهر غير مراد؛ حتى يمكن أن يصرف اللفظ عن ظاهره؛ لأن الظاهر هو الأصل , فإذا أردنا أن نؤول الظاهر فلابد من قرينة، هذه القرينة هي التي بها قلنا: الظاهر غير مراد. فأتوا بهذه القرينة وسلّطوها على نصوص الصفات، فقالوا هنا الأمور الغيبية هذه مثلاً خذ الرؤيا، الرؤيا ظاهرها يقتضي التجسيم , يقتضي التحيز، يقتضي التشبيه، رؤية الرب جل وعلا يعني: أنه يكون متحيزاً حتى يمكن أنّ الناس يروه، لابد أن يكون في جهة حتى يمكن أن الناس يروه، لابد أن يكون في مقابلة العينين حتى أن العينين تراه، وهكذا.
فلما كانت هذه القرينة العقلية عندهم؛ وهي أن الله جل وعلا لا يشبه المخلوق، ولا يماثل المخلوق قالوا: إذن الرؤية تؤول؛ لأن معناها الظاهر غير مراد قطعاً؛ لأن فيه تمثيلاً وتشبيهاً لله بخلقه. وهذا ينطبق على جميع الصفات , فيمكن أن تطبق هذه القاعدة على كل ما أول من النصوص في الصفات والأمور الغيبية سواء كان في الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية.
ونناقش هؤلاء , وأنا أريد منكم أن تتابعوا معي؛ لأن كل كلمة مهمة لبناء ما بعدها، ببناء ما بعدها عليها، هؤلاء جاؤوا بشيء سموه قرينة فحكموه على النص، فسموا هذا الذي فعلوه تأويلاً , ونحن بقاعدة الأصوليين بتعريف الأصوليين نناقشهم هل طبقتم التأويل حقا؟ أم أنكم عملتم شيئاً سميتموه تأويلاً؟
القاعدة ما عليها غبار، القاعدة صحيحة، فنقول هنا: صرف الفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة، أن يصرف عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره، لابد أن يكون الظاهر، الظاهر الذي صرف عنه لا بد أن يكون معلوما، معلوم المعنى حتى نصرفه إلى غيره، ونقول هذا الظاهر الأول غير مراد؛ لأنه لا يصلح حتى يمكن أن نصرفه وهذا في التقعيد واضح.
صفات الرب جل وعلا في ظاهرها المتبادر منها، ظاهر معنى وأصل المعنى أيضاً وليس ظاهراً في الكيفية وليس ظاهراً في كل المعنى، إذن فعندنا في النص ثلاثة أشياء:
عندنا أصل المعنى الذي نفهم به، نفهمه من اللغة، وعندنا تمام المعنى، كمال المعنى، كمال الصفة، كمال معنى الصفة , وعندنا ثالثاً الكيفية، فإذن ظاهر النص مشتمل على أصل المعنى يعني على إثبات الصفة من حيث الوجود.
صفة الرحمة (الرحمن الرحيم) هذا فيه إثبات صفة الرحمة , لكن ما هو كمال معنى الرحمة ليس واضحاً في النص؛ إذ النصوص فيها أصل إثبات الصفة , فإذن صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة، هم صرفوا، لم يصرفوا الظاهر وإنما صرفوا شيئاً توهموه، زيادة على الظاهر، فالظاهر يجب الإيمان به والاستسلام له، فهم توهموا للظاهر شيئا زائدا على دلالة النص , توهموا تمام معنى، وتوهموا كيفيته.
فإذن لم يقتصروا على الأمر الأول، وهو أن النص جاء في الصفات، وفي الأمور الغيبية لأصل المعنى , وإنما توهموا كيفية , فقالوا: صفات الله جل وعلا، كيف أن الإنسان يراه بعينيه؟ معناه أن الله جل وعلا يكون متحيزا , وسوف يكون في جهة , وسوف يكون إلى آخره من الأمور الباطلة , ونقول هذه زائدة على النص.
فإذن التأويل الذي سلط على النص في الحقيقة سلط على ما في الأوهام , ولم يسلط على النص؛ فإنكم تخيلتم أن النص يشمل الثلاث هذه جميعاً في المعنى، أصل المعنى وفي تمامه وفي الكيفية , ثم سلطتم التأويل عليه، فسلطتم التأويل ليس على اللفظ، وإنما على ما توهمتموه من اللفظ.
فإذن قاعدة التأويل في الحقيقة لم تطبقوها وإنما طبقتم ما في أذهانكم، لهذا نقول: إثبات الصفة إثبات وجود بمعنى وليس إثبات تمام المعنى أو الكيفية، فالقرينة التي بها تسلطوا على النص هي قرينة المماثلة أو المشابهة كل ما هذا يقول هذا يقتضي التمثيل , هذا يقتضي التشبيه، يقتضي التجسيم , فلذلك يؤول، فالقرينة عندهم عقلية بحتة وليست نصا، القرينة عقلية في أن هذه الأشياء ظاهرها يماثل صفات المخلوقين , يشابه صفات المخلوقين , فلذلك يجب أن ننفي هذا الظاهر.
وهذا في الحقيقة ليس هو ظاهر النص، ظاهر النص ليس فيه الكيفية، ظاهر النص ليس في كمال المعنى، وإنما ظاهر النص الذي يجب الإيمان به أن فيه أصل اتصاف الله جل وعلا بالصفة، فنؤمن بأن الله جل ذو وجه جل وعلا وأنه سبحانه متصف بصفة السمع، لكن كيف يسمع؟ يسمع [دبيب النملة]* (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=8107#_ftn2) على ظهر الصفا الملساء , كيف حصل هذا السمع؟
تمام معنى السمع ما نستطيع ندخل فيه , وإنما نقول: الله جل وعلا موصوف بصفة السمع، وله من هذه الصفة كمالها , كمال هذه الصفة، الكمال المطلق، لكن هل نستطع أن نخوض في تفصيلاته، هذا الكمال إلى أي حد؟ لا نستطيع، كذلك صفة الوجه، صفة اليدين , إلى غير ذلك من الصفات.
فإذن هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، إثبات اتصاف بالصفة، لا إثبات كيفية. فإذن الذي سلطوا القرينة سلطوها بشيء متوهم , فلهذا لا يصح أن يُقال: إنهم طبقوا قاعدة التأويل , بل هم حرفوا؛ لأنهم جعلوا للنص دلالة بأوهامهم خلاف دلالة [النص، ثم بعد ذلك] * (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=8107#_ftn3) سلطوا عليها التأويل، لهذا قال طائفة من أهل العلم: كل مؤول ممثل , كل مؤول مشبه؛ لأنه لا يمكن أن يؤول إلا وقد قام في قلبه من دلالة النص أو التشبيه أو التمثيل. هذا واحد.
الأمر الثاني: نقول لهم: إذا لم تسلموا بذلك , وقلتم: إن تأويلنا كان لأصل المعنى , وليس لما قام في أوهامنا وفي أذهاننا , فنقول: يلزم من ذلك أن تؤولوا صفة السمع , يلزم من ذلك أن تؤولوا صف البصر , يلزم من ذلك أن تؤولوا صفة الكلام , فما الفرق بين صفة الكلام لله جل وعلا وصفة السمع والإرادة والحياة وصفة الرحمة؟ ما الفرق بينها؟ ما الفرق بين هذه الصفات وصفة اليدين؟
فإذن السمع للمخلوق سمع فالمشابهة حاصلة بحسب أفهامنا , فالنص الذي به أثبتم صفة السمع والبصر وصفة الكلام هو النص الذي به أثبتت سائر الصفات، فلِمَ لمْ تتعرضوا لهذا بتأويل وتعرضتم للآخر بتأويل؟ إن كان الآخر أخذتم كما قلتم أصل المعنى فأولتم، فهذه أنتم أخذتم أصل المعنى فيلزمكم التأويل.
إذن فالحاصل من هذا , أن كل مؤول لا يصح أن يقال: إنه مؤول , بل هو محرف؛ لأن التأويل لا ينطبق على قاعدته، لا ينطبق على هذه الحالة , فالنصوص الغيبية بابها باب واحد؛ تطبيق القاعدة الأصولية التي هي التأويل لا يصلح على هذه المسائل، المسائل الغيبية؛ لما ذكرته لك , إذن قول الطحاوي هنا دقيق للغاية , وتنبه لقوله قال: "إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل".
التأويل: إذا أردت أن تطبق قاعدة التأويل فستخرج منها وستستنتج منها أن التأويل ترك التأويل كيف؟
إذا قلنا إن القرينة غير ممكنة؛ لأن المعنى هذا غيبي فإذن سينتج منه أن القاعدة غير منطقية , فإذن التأويل سيؤديك إلى ترك التأويل؛ لأن القاعدة جائية وسارية في مسائل الغيبيات، وهذه كلمة دقيقة منه رحمه الله تعالى "إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم"؛ لأنك لو طبقت قاعدة التأويل نتج منها ترك التأويل، التأويل يعني أن تترك التأويل.
المسألة الرابعة: مثل التأويل في تسليطه على نصوص الغيبيات ما يسمى بالمجاز، والتأويل والمجاز يستخدمان في مباحث الصفات والأمور الغيبية بعامة , يستخدمها أهل البدع الذين لم يسلموا للنصوص دلالتها.
المجاز لم يأت هذا اللفظ لا في القرآن ولا في السنة , ولا في كلام الصحابة ولا في كلام التابعين، ولا في كلام تابعي التابعين , يعني انقضت القرون الثلاثة المفضلة ولم يستعمل هذا اللفظ، فلفظه حادث , والألفاظ الحادثة بحسب الاصطلاح، إن كان هذا المصطلح استخدم في شيء سليم، في شيء مقبول شرعاً فلا بأس به؛ إذ لا مشاحة في الاصطلاح مثل ما قالوا التأويل هو كذا وكذا , فعرفوه , ومثل ما تعارفوا على أشياء كثيرة في العلوم.
ولهذا استعمل لفظ المجاز بعض العلماء في معان صحيحة , فكتب أبو عبيدة معمر بن مثنى كتاباً سماه (مجاز القرآن) وتجد في ألفاظ ابن قتيبة أيضاً تجد ذكراً للمجاز , المجاز العام يعني المجاز المقبول وله هو نظر في المجاز لا نعرض له الآن.
إذن هذا تاريخ اللفظة أن اللفظة حادثه ما كانت مستعملة، ماذا يقصد باللفظة (مجاز) من حيث اللغة؟
المجاز يعني ما يجوز في اللغة , ولهذا قال أبو عبيدة معمر بن مثنى في كتابه (مجاز القرآن): {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} قال: مجازه على على العرش، وهذا يعني أن هذا معناه في اللغة يعني ما تجيزه اللغة , يعني هذا مجاز اللفظ في اللغة وما أجازته العرب من المعنى.
إذا نظرت لذلك وجدت أن استعمال من استعمل لفظ المجاز غير استعمال المحرفين.
لهذا نقول: المجاز عند أهل التحريف، عرفوه بما يلي:
قالوا: المجاز هو نقل اللفظ من الوضع الأول إلى وضع ثان؛ لعلاقة بينهما. وعرفه آخرون بقولهم: المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له. مثاله عندهم يقول مثلا: ألقى فلان عليّ جناحه – فمجاز الجناح هنا قالوا: الجناح يعني كنفه ورعايته ويده إلى آخره. قالوا: أصل الجناح للطائر , جناح الطائر , فلما استعمل في الإنسان صار استعمال للفظ في غير ما وضع له. لهذا سموه مجازاً.
إذا تبين لك ذلك فنقول:
أولا: قولهم في التعريف , في تعريف المجاز: المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له , مبني على أن الألفاظ موضوعة لمعان , ومن الذي وضع المعنى أو اللفظ للمعنى؟ من الذي وضع؟ يقولون: العرب وضعت.
التعريف الأول: وهو المشهور عند الأصوليين: المجاز نقل اللفظ المجاز , نقل اللفظ من الوضع الأول أو من وضع أول إلى وضع ثان.
يعني أن العرب وضعت للألفاظ شيئاً ثم نقلته من الوضع الأول إلى الوضع الثاني، هذا التصور مبني على خيال في أصله , وهو أنه يطالب من عبر بهذا التعبير بأن يقال له: من الذي وضع الوضع الأول أولاً في التعريف , لهذا لا تدخل مع الذين يبحثون في المجاز أصلاً , يعني في الغيبيات , أما في الأمور الأدبية هذا الأمر سهل , يعني خلاف أدبي سهل، لكن إذا أتى المجاز في الأمور الغيبية والصفات فناقشه بالتعريف , الآن التعريف ما هو تعريف المجاز؟ استعمال اللفظ في غير ما وضع له، نقل اللفظ من الوضع الأول للوضع الثاني. هذا الوضع الأول والوضع الثاني، كيف عرفنا أن هذا هو الوضع الأول؟
الجواب: لا سبيل إلى جواب , ليس ثم أحد يمكن أن يقول هذا اللفظ وضع لكذا؛ إذ معنى ذلك أن العرب اتفقت, عقدت مؤتمراً , اجتمعت جميعاً وقالت: الآن نحدد لغتنا في الوضع الأول، هذا السقف، السماء وضعها الأول ما علا، الأرض هي هذه هذا الوضع الأول الشيء جرى , مشى معناه كذا , جناح هو لهذا الطائر , حمام هو لهذا الطائر , وهكذا , فيتصور من التعريف أن العرب اجتمعت وجعلت لكل لفظ معنى في لغتها، وهذا خيال؛ لأن من عرف ودرس نشأة اللغات لا يمكن أن يتصور أن اللغة العربية نشأت على هذا النحو.
لهذا نقول أولاً: التعريف غير صحيح؛ لأن الوضع الأول يحتاج في إثبات أنه وضع أول إلى برهان، أثبت لي أن هذا هو الوضع الأول ولا بأس لكن لا سبيل إلى الإثبات.
لهذا نقول: إن المعاني في اللغة العربية , المعاني، كثير منها كلية , وكلما ذهبت إلى [المعنى الكلي] * (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=8107#_ftn4) كلما كنت أحذق وأفهم للغة، وهذا ما جرى عليه العالم المحقق ابن فارس في (مقاييس اللغة) كتاب سماه (معجم مقاييس اللغة) جعل الكلمات لها معانٍ كلية , ثم تندرج التفريعات تحت المعنى الكلي , وليس وضعاً أول ثم وضعاً ثانيا , وهذا حقيقة وهذا مجاز، ليس [كذلك] * (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=8107#_ftn5).
إذا تبين ذلك فنقول: لفظ التأويل ولفظ المجاز يستعملان كثيراً , التأويل يقابله الظاهر، أو الظاهر يقابله التأويل، والحقيقة يقابلها المجاز، فيقال: هذا حقيقة وهذا مجاز، وهذا ظاهر , ويقال: هذا تأويل , ولا يقال في التأويل مجاز والمجاز تأويل , لا التأويل يختلف عن المجاز كما ذكرته لكم مراراً.
المجاز كتطبيق لأجل أن تفهم كيف يطبقون المجاز على قاعدتهم , وكيف أن هذا الكلام الذي طبقوه غير جيد , غير صحيح، يقولون مثلاً: الرحمة مجاز عن الإنعام , (طيب) مجاز عن الإنعام يعني: أن لفظ الرحمة وضعته العرب للمخلوق للإنسان , فلما استعمل في صفات الرب جل وعلا نقلوه من الوضع الأول إلى وضع ثان وهو الإنعام؛ لأن العرب استعملت الرحمة بمعنى الإنعام , فإذن الرحمة تشمل رحمة الأم بولدها، ورحمة الوالد بوالده، ورحمة الإنسان بمن يتعرض لشيء أمامه من المكروهات , وتشمل الإنعام رحمة يعني أنعم عليه قالوا: الإنعام هذا وضع ثانٍ، والرحمة (اللي) يجدها الإنسان في نفسه هذا الوضع الأول , ففي صفات الرب جل وعلا لا نقول: إنه متصف بالرحمة , لِمَ؟ قالوا: لأن الرحمة لا تحصل إلا بضعف , إلا بانكسار , وهذا منزه عنه الرب جل جلاله.
فإذن نقلوه من الوضع الأول إلى وضع ثان؛ لعلاقة , العلاقة بينهما هي مناسبة هذا بالله جل وعلا، يعني الإنعام مناسب في هذا وفي هذا، العلاقات عندهم في المجاز نحو ثلاثين علاقة وألفت فيها كتب يعني من باب الذكر وليست مهمة.
(طيب) عندكم الرحمة بمعنى الإنعام، الرحمة حينما فسرتموها قلتم: الوضع الأول في الإنسان , لماذا؟ الرحمة هذا اللفظ وجد مع الإنسان أليس كذلك؟ وجد مع الإنسان , أحس بهذا الشيء الذي في نفسه وهذا الشيء سمي رحمة , فهل هذه الرحمة حين وضع لها هذا المعنى هي في لغة العرب أو هي في اللغات جميعاً؟
الجواب: أنها في لغة العرب , يعني من حيث لفظ رحمة , وأما المعنى المشترك لهذه الصفة فهذا عام في جميع اللغات , يعني موجود في كل لغة ما يدل عليه اللغة هل تضع الأشياء محدودة أو كلية؟ اللغة المفروض فيها أنها تجعل المعاني.. تجعل الألفاظ للمعاني الكلية , لا لمعان محدودة , فنأتي للرحمة فنقول: الإنسان عنده هذه الرحمة وجد هذه الصفة في نفسه فسماها رحمة , لكن لا يوجد تعريف في أي كتاب من كتب اللغة للرحمة بتعريف جامع مانع محدود , كذلك الرأفة، كذلك الوُد , كذلك المحبة ونحو ذلك، فالمعاني النفسية هذه الموجودة في داخل نفس الإنسان هذه لا يوجد تعريف محدد لها حتى في كتب اللغة.
إذن فهي ليست موضوعة لما يحسه الإنسان , وهي إذن موضوعة لمعان كلية تشمل هذه الصفة، هذا الشيء , ولهذا نجد أن كل الصفات المعنوية لا يمكن تعريفها , فلو أتاك أحد وقال: عرف هذه الرحمة التي بقلبك , لا يُحْسن , حتى هؤلاء الذي يحكمون بالمجاز والتأويل لا يحسنون أن يعرفوا الرحمة بشي جامع مانع.
أعطني الرحمة (طيب اللي) في الإنسان التي لا يمكن أن ننقلها إلى غيره هات الرحمة بتعريف جامع؟ سيفسر الرحمة بأثر الرحمة , سيفسر الرأفة بأثر الرأفة، سيفسر المحبة بأثر المحبة , لكن كل إنسان في أي لغة إذا طرق سمعه الرحمة هو يعرف مدلول الرحمة بما يجده في نفسه.
إذن فالمعاني النفسية هذه التي هي ليست ذوات , ليست ذوات (غير مسموع) هذه كليات , والكليات ليست مفردات، الكليات للجميع , فإذن جعل الكلية اللغوية مفرداً في حال الإنسان , وجعل هذه المفردة وضعاً أول هذا لا شك أنه ليس له دليل في اللغة , وليس له أيضاً برهان وهو تحكم، فإذن لكل شيء يناسبه , إذا قلت للعرب: رحمة الطير الطير حينما رحم، هل كانت الرحمة في الإنسان واستعار للطير الرحمة , يعني جعلها في الطير مجازاً؟ الجواب: لا , يقول: لا. الطير فيه رحمة (طيب) هذا المعنى الكلي بين الطير والإنسان هل كان في الوضع الأول خاصاً بالإنسان ثم عُدّي؟ أو كان للجميع , فإن قال: للإنسان وحده فإنه لن يقوله؛ لأنه لا يُسلم له، وإن قال: للإنسان والطير وللحيوان فيما يرحم قيل له: فإذن العرب وضعت هذا اللفظ بالوضع الأول للجميع , لهذين فقط , أو وضعت كلية فطبقت على الإنسان والحيوان , وعلى الطير , فمؤدى الأمر أن هذه الكلمات مبنية على برهانين:
البرهان الأول: معرفة نشأة اللغات , وأن الوضع الأول للأشياء في الإنسان , أو في الطير فقط أن هذا غير جار؛ لأنه ما يتصور مثلما قلت لك: إنه خيال إن العرب اجتمعت فوضعت هذه الأشياء على هذا النحو.
الأمر الثاني: أن يقال: المعاني الكلية المشتركة هذه لها تعريف عام لغوي، وإذا كان لها تعريف عام فوجودها في الإنسان تمثيل , ووجودها في الطير تمثيل , ووجودها في الأم من الحيوان لولدها تمثيل , وهكذا , فإذن القضية الكلية أو التعريف الكلي لا يُسلط عليه المجاز بالأمثلة.
(هه) القضية كبيرة لا شك , ولابد منكم أن يعني لمن أراد التحقيق في علوم العقيدة، وفي علوم اللغة أن ينتبه إلى هذه المسألة , وهي نشأة اللغات , كيف نشأت اللغات؟ كيف نشأت اللغة العربية؟ اللغة العربية أتى العرب موجودون فكانت أمامهم لغة؟ لا , الأسماء عُلمها آدم {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} هذه الأسماء هل كانت في اللغة العربية؟ لا , كانت بلغة ثم بعد ذلك تداخل أولاد آدم تنوعت لغاتهم، اكتسبوا أشياء من الأصوات، اكتسبوا أشياء من الرؤية، كلمة (غير مسموع) بسبب الصوت مثل مثلاً كلمة جرّ، جرّ هذه مثلاً , أنت لو حملت معك جذع شجرة تحتاجه في إيقاد النار تأتي به من مكان بعيد عن المكان الذي تطبخ فيه , تسمع صوتك في الأرض بهذه الكلمة (جرر) فتسمع هذه مثل كلمة (خرير) خرير الماء هذا الصوت، الصوت دل عليه مثل كلمة مثلاً وسوسة الصوت , هذه الوسوسة هذه مأخوذة بالسمع , إذن هناك اللغة تشكلت من أشياء , فالوضع الأول الذي اعتمد عليه بالمجاز من درس نشأة اللغات يقول: الوضع الأول البرهان عليه ممتنع. وأنا أريد الحقيقة من باب طلب الحق أن يأتي باحث ممن يبحث في اللغة ويثبت لي هذا الوضع الأول كيف جاء؟ كيف تواضعت العرب على أن الكلمة بهذا المعنى؟ في الإنسان أو في الحيوان إلى آخره.
خذ مثلاً كلمة جناح، جناح في اللغة فيها دلالة على الميل , ميل واستطالة في الميل , يعني مال , وثم زيادة واستطالة في الميل ليس ميلاً خفيفاً , لكن فيه استطالة , لهذا قال: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يعني: لا إثم عليكم؛ لأن الإثم ميل واستطالة.
إذن فتسمية جناح الطائر بجناح هل هو لأنهم أطلقوا على هذا الجزء يعني خصصوا الطائر , قسموا لأجزاء وقالوا: هذا نسميه جناحا , أو هو لمعنى كلي موجود قبل وجوده في هذا الجزء من الطائر فسموه به؟ هم عندهم الميل , رأوا أن جناح الطائر فيه استطالة وميل يمتد يستطيل ويميل إلى آخره نفسه الجناح، لكن الجسم ثابت , جسم الطائر ثابت , لكن هذا الذي يذهب ويجيء هذا الجناح، فسموا هذا الجناح بهذا الاسم.
(طب جه) في الإنسان، أما في الإنسان فإن فيه أيضاً شيء يميل وهو اليد تميل فإذن اليد أيضاً جناح فلذلك قول الله جل وعلا: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} كما قال المفسرون: اخفض لهما جناحك الذليل , ليست استعارة وليست مجازاً , وإنما اليد جناح؛ لأنها مائلة , وهي تذهب وتجيء , ولهذا قال جل وعلا في قصة موسى عليه السلام: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ} {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} الجناح (إيش) هو اليد , ليست استعارة؛ لأن المعنى الكلي، إذن هذه مسائل تطول , يعني العنق سمي عنقا , يعني هكذا بنفس اللفظة , أم ثم معان نشأت منها اللغات وتوسعت لها؟ نقول: اللغة كلية , كليات , جاءت أمثلة عليها تطبيقات في الواقع قواعد عامة , لهذا من عرف حقيقة اللغة فهم حقيقتها , أما وجود وضع أول يبنى عليه المجاز فهذا غير ممكن.
-
* (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=8107#_ftnref1) هذا الجزء غير مسموع في الشريط .
* (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=8107#_ftnref2) ما بين المعقوفتين غير مسموع في الشريط .
* (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=8107#_ftnref3) ما بين المعقوفتين غير مسموع في الشريط .
* (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=8107#_ftnref4) ما بين المعقوفتين غير مسموع في الشريط .
* (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=8107#_ftnref5) ما بين المعقوفتين غير مسموع في الشريط .