المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الذبح والنذر


عبد العزيز الداخل
10-28-2008, 07:36 PM
وَدَلِيلُ الذَّبْحِ قَوْلُهُ تَعَالى: {قُلْ إِنَّ صَـلاَتِي وَنُسُكِـي وَمَحْيَايَ وَمَمَـاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ}،
وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ)) .
وَدَلِيلُ النَّذْرِ قَوْلُهُ تَعَالى: {يُوفُـونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} .

حفيدة بني عامر
11-14-2008, 01:03 PM
(6) وهكذا الذبحُ عبادةٌ، قالَ تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتي وَنُسُكِي} أي: ذبْحِي: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ}.

(7) وهكذا النذرُ عبادةٌ،قالَ تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} وقالَ تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} الآيةَ، وقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلاَ يَعْصِهِ)).
فالنذرُ عبادةٌ وطاعةٌ للَّهِ إذا فعلهُ الإنسانُ لزمهُ الوفاءُ، والنذرُ مكروهٌ؛ لأنَّ فيهِ التزامًا وفيهِ مشقةً، ولهذا نَهَى النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنِ النَّذرِ وقالَ: ((إِنَّ النَّذْرَ لاَ يَأْتِي بِخَيْرٍ))، ولكنْ إذا نذرَ طاعةً لزمَهُ الوفاءُ لقولِ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ)) فإذا نذرَ عبادةً منْ صلاةٍ أو صيامٍ أو غَيرِهِما لزِمَهُ الوفاءُ لما تقدمَ.

حفيدة بني عامر
11-14-2008, 01:05 PM
(10) الذَّبْحُ: إِزْهَاقُ الرُّوحِ بإراقةِ الدَّمِ على وَجْهٍ مخصوصٍ، وَيَقَعُ على وُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: أنْ يَقَعَ عِبَادَةً، بأنْ يُقْصَدَ بهِ تعظيمُ المذبوحِ لهُ، والتَّذَلُّلُ لهُ، والتَّقَرُّبُ إليهِ؛ فهذا لا يكونُ إلاَّ لِلَّهِ تَعَالَى على الوجهِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَصَرْفُهُ لغيرِ اللَّهِ شِرْكٌ أكبرُ.
وَدَلِيلُهُ: ما ذَكَرَهُ الشيخُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهُوَ قولُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ}.
الثاني: أنْ يَقَعَ إِكْرَامًا لضيفٍ، أوْ وَلِيمَةً لِعُرْسٍ، أوْ نحوَ ذلكَ، فهذا مَأْمُورٌ بهِ؛ إمَّا وُجُوبًا أو اسْتِحْبَابًا؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ))، وقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَبْدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ: ((أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ)) .
الثالثُ: أنْ يَقَعَ على وَجْهِ التَّمَتُّعِ بالأكلِ، أو الاتِّجَارِ بهِ، ونحوِ ذلكَ، فهذا منْ قِسْمِ المُبَاحِ، فالأصلُ فيهِ الإباحةُ لقولِهِ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} .
وقدْ يَكُونُ مَطْلُوبًا أوْ مَنْهِيًّا عنهُ حَسْبَمَا يكونُ وسيلةً لَهُ.
(11) أيْ: دليلُ كَوْنِ النَّذْرِ من العبادةِ قولُهُ تَعَالَى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} .
(12) وَجْهُ الدلالةِ من الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ أَثْنَى عليهم لإيفَائِهِم النذرَ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ذلكَ، وكُلُّ مَحْبُوبٍ لِلَّهِ من الأعمالِ فهوَ عِبَادَةٌ.
ويُؤَيِّدُ ذلكَ قولُهُ: {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} .
واعْلَمْ أنَّ النذرَ الَّذِي امْتَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى هؤلاءِ القائمينَ بهِ هوَ جميعُ العباداتِ التي فَرَضَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؛ فإنَّ العباداتِ الواجبةَ إذا شَرَعَ فيها الإنسانُ فقد التزمَ بها.
ودليلُ ذلكَ قولُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} .
والنذرُ الَّذِي هوَ إلزامُ الإنسانِ نفسَهُ بشيءٍ ما، أوْ بطاعةٍ لِلَّهِ غيرِ واجبةٍ، مَكْرُوهٌ.
وقالَ بعضُ العلماءِ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن النَّذْرِ وقالَ: ((إِنَّهُ لاَ يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ))، ومعَ ذلكَ؛ فإذا نَذَرَ الإنسانُ طاعةً لِلَّهِ وَجَبَ عليهِ فِعْلُهَا؛ لقولِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ)) .
والخلاصةُ؛ أنَّ النذرَ يُطْلَقُ على العباداتِ المفروضةِ عُمُومًا، ويُطْلَقُ على النذرِ الخاصِّ، وهُوَ: إلزامُ الإنسانِ نفسَهُ بشيءٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وقدْ قَسَّمَ العلماءُ النذرَ الخاصَّ إلى أقسامٍ، وَمَحَلُّ بَسْطِهَا كُتُبُ الفِقْهِ.

حفيدة بني عامر
11-14-2008, 01:08 PM
المتن:

وَدَلِيلُ الذَّبْحِ(17) قَوْلُهُ تَعَالى: {قُلْ إِنَّ صَـلاَتِي وَنُسُكِـي وَمَحْيَايَ وَمَمَـاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ}(18) ، وَمِنَ السُّنَّةِ(19) قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ)) (20).
وَدَلِيلُ النَّذْرِ(21) قَوْلُهُ تَعَالى: {يُوفُـونَ بِالنَّذْرِ(22) وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً(23)} .
-

الحاشية :

(17) أيْ: ذَبْحُ القُرْبَانِ للَّهِ تَعَالَى، مِن الضَّحَايَا والهَدَايَا، ونحوِ ذلك، وأنَّه عِبَادَةٌ مِن أَفْضَلِ العِبَادَاتِ، وأَفْضَلِ القُرُباتِ إلى اللَّهِ تَعَالَى.
والذَّبْحُ: يُقَالُ للبَقَرِ والغَنَمِ، وأمَّا الإِبِلُ فالنَّحْرُ، ويَجُوزُ العَكْسُ، وعَبَّرَ بالذَّبْحِ؛ لأنَّه الأَكْثَرُ.

(18) أيْ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لهؤلاءِ المُشْرِكِينَ، الذينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، ويَذْبَحُونَ لِغَيْرِه: {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} أيْ: ذَبْحِي، والنَّاسِكُ: المُخْلِصُ للَّهِ.
{وَمَحْيَايَ} أيْ: مَا أَحْيَا عَلَيْهِ، مِن العَمَلِ الصَّالِحِ.
{وَمَمَاتِي} أيْ: مَا أَمُوتُ عَلَيْهِ {للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ} في شَيْءٍ مِن ذلك، ولاَ في غَيْرِه مِن أَنْواعِ العِبَادَةِ.
{وَبِذَلِكَ} القَوْلِ والطَّرِيقِ {أُمِرْتُ} .
وَقَدْ جَمَعَ تَعَالَى بَيْنَ هَاتَيْنِ العِبَادَتَيْنِ، اللَّتَيْنِ هُمَا أَفْضَلُ العِبَادَاتِ، وأَفْضَلُ القُرُباتِ للَّهِ تَعَالَى في هذه الآيةِ، كَمَا جَمَعَ بَيْنَهما في الآيةِ الثَّانِيَةِ، وهي قولُه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} أيْ: أَخْلِصْ لرَبِّكَ الصَّلاَةَ، ونَحْرَ البُدْنِ ونَحْوِها، عَلَى اسْمِهِ وحْدَه.
فالصَّلاَةُ: أَفْضَلُ العِبَادَاتِ البَدَنِيَّةِ.
والذَّبْحُ: أَفْضَلُ العِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ.
وإِنَّما كَانَ الذَّبْحُ أَفْضَلَها؛ لأَِنَّه يَجْتَمِعُ فيه أَمْرَانِ:
الأَوَّلُ: أَنَّه طَاعَةٌ للَّهِ.
والثَّانِي: أَنَّه بَذَلَ مَالَه، وطَابَتْ بِهِ نَفْسُه، والبَذْلُ مُشْتَرَكٌ في جِنْسِ الْمَالِ، لكنْ زَادَ الذَّبْحُ عَلَى غَيْرِه، مِن حَيْثُ إنَّ الحَيَواناتِ مَحْبُوبَةٌ لأَِرْبابِهَا، يُوجَدُ لِذَبْحِها أَلَمٌ في النُّفُوسِ مِن شِدَّةِ مَحَبَّتِها، فإِذَا بَذَلَه للَّهِ، وسَمَحَتْ نَفْسُه بإِيذَاقِ الحَيَوانِ الموتَ، صَارَ أَفْضَلَ مِن مُطْلَقِ العِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ، وكذلك ما يَجْتَمِعُ له عِنْدَ النَّحْرِ، إِذَا قَارَنَه الإيمانُ والإِخْلاَصُ، مِن قُوَّةِ اليَقِينِ، وحُسْنِ الظَّنِّ باللَّهِ، أَمْرٌ عَجِيبٌ، فَصَرْفُه لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ أَكْبَرُ.

(19) أيْ: والدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الذَّبْحَ عِبَادَةٌ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، التي أَمَرَنَا باتِّباعِها:
- وقَالَ: ((تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي)) .
- وقَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي)) .
- وقَالَ: ((تَرَكْتُكُمْ عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلاَّ هَالِكٌ)) .

(20) اللَّعْنُ: الطَّرْدُ والإِبْعَادُ، والمَلْعُونُ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، أو دُعِيَ بِهَا عَلَيْهِ، واللَّعْنُ مِن الخَلْقِ: السَّبُّ؛ وقَالَ شَيْخُ الإسْلاَمِ: (إنَّ اللَّهَ يَلْعَنُ مَن اسْتَحَقَّ اللَّعْنَ بالقَوْلِ، كَمَا يُصَلِّي عَلَى مَن اسْتَحَقَّ الصَّلاَةَ مِن عِبَادِه).
وقَالَ: (وَمَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: هذه ذَبِيحَةٌ لكذا، وتَحْرِيمُهُ أَظْهَرُ مِن تَحْرِيمِ مَا ذُبِحَ لِلَحْمٍ؛ وقَالَ فيه: بِسْمِ المَسِيحِ أو نحوَه، وإِذَا حَرُمَ، فلأَنْ يَحْرُمَ مَا قِيلَ فيه لأَِجْلِ المَسِيحِ، أو قُصِدَ بِهِ أَوْلَى). ا هـ.
ودَلَّ الحدِيثُ: عَلَى أَنَّ الذَّبْحَ عِبَادَةٌ؛ لأَِنَّ اللَّهَ لَعَنَ مَن صَرَفَه لِغَيْرِه، والعِبَادَةُ كُلُّها مُخْتَصَّةٌ باللَّهِ، فإِذَا صَرَفَها أَحَدٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، بأَنْ ذَبَحَ للأصنامِ، أو للقُبُورِ المَعْبُودَةِ مِن دونِ اللَّهِ، الْتِمَاسًا لِشَفَاعَةِ أَرْبَابِهَا، أو للزِّيرَانِ، أو للزُّهَرَةِ، أو لِقُدُومِ سُلْطَانٍ، أو نحوِ ذلك فهو مُشْرِكٌ كَافِرٌ.

(21) وأنَّه عِبَادَةٌ، يَجِبُ إِخْلاَصُهَا للَّهِ تَعَالَى، والنَّذْرُ فِي اللُّغَةِ: الإِيجَابُ، ومنه قَوْلُهُم: نَذَرْتُ دَمَ فُلاَنٍ، إِذَا أَوْجَبْتَه، وشَرْعًا: إِيجَابُ المُكَلَّفِ عَلَى نَفْسِه، مَا لَيْسَ واجِبًا عَلَيْهِ شَرْعًا، تَعْظِيمًا للْمَنْذُورِ لَهُ.

(22) أيْ: يَتَعَبَّدُونَ للَّهِ، بِمَا أَوْجَبُوه عَلَى أَنْفُسِهم، بِطَرِيقِ النَّذْرِ، فَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِم بالإِيفَاءِ بِهِ، وهو سُبْحَانَه لاَ يُثْنِي إلاَّ عَلَى فَاعِلِ عِبَادَةٍ، وقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} يَعْنِي: وسَيُجَازِيكُم عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلَى أنَّه عِبَادَةٌ، فَصَرْفُه لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ أَكْبَرُ. وفي الحَدِيثِ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ)).

(23) مُنْتَشِرًا فَاشِيًا، عَامًّا بَيْنَ النَّاسِ، إلاَّ مَن رَحِمَه اللَّهُ

حفيدة بني عامر
11-14-2008, 01:10 PM
(12) قولُهُ: (ودليلُ الذبْحِ قولُهُ تعالَى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ) الْمُرَادُ بالذبْحِ هنا: ذبحُ القُربانِ، والضحايا، والهدايا.
والذبْحُ يقعُ علَى وُجوهٍ:
النوعُ الأوَّلُ: يَقَعُ عِبادةً للهِ يَقْصِدُ بها الذابِحُ تعظيمَ المذبوحِ لهُ، والتقرُّبَ إليهِ، وهذا لا يكونُ إلاَّ للهِ سُبحانَهُ وتعالَى، فلوْ تَقَرَّبَ بالذبْحِ لشخصٍ مِنْ سُلطانٍ أوْ غيرِهِ لوَقَعَ في الشرْكِ، وعَلامَةُ ذلكَ أنَّهُ يَذْبَحُ في وَجْهِهِ؛ أيْ: يُريقُ الدمَ ساعةَ حُضورِهِ، فهذا معناهُ التعظيمُ، ودليلٌ علَى أنَّهُ قَصَدَ بهذا التَّقَرُّبَ إليهِ، وكذا لوْ ذَبَحَ للأولياءِ أوْ للْجِنِّ - كما يَفعلُهُ كثيرٌ مِن الْجَهَلَةِ في بعضِ الجهاتِ - فهذا مِن الشرْكِ الأكبَرِ الذي يُخْرِجُ صاحبَهُ مِن الْمِلَّةِ، والعياذُ باللهِ.
النوعُ الثاني: وهوَ الذبحُ إكرامًا للضيفِ أوْ لوَليمةِ عُرْسٍ، فهذا مأمورٌ بهِ في الشرْعِ إمَّا وُجوبًا أو استحبابًا، وقدْ قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لعبدِ الرحمَنِ بنِ عوفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ((أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ)).
وفي قِصَّةِ الأنصاريِّ الذي جاءَ إليهِ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ومعه أبو بكرٍ وعمرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فإنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ يَذبَحُ لهم قالَ لهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ)) فذَبَحَ لهم.. فأَقَرَّهُ النبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ علَى ذَبْحِهِ لهم.
النوعُ الثالثُ: أنْ يكونَ الذبحُ للتَّمَتُّعِ بالأَكْلِ مِن المذبوحِ أو الاتِّجارِ بهِ، فهذا علَى الأَصْلِ في الْمَنافِعِ وهوَ الإباحةُ، قالَ تعالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} فامْتَنَّ اللهُ علينا بالأَكْلِ مِنْ هذه الأنعامِ.
وقولُهُ تعالَى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي} أيْ: جميعُ صلواتي.
{وَنُسُكِي} أيْ: جميعَ أَنساكِي، وهيَ العِباداتُ أو الذبائحُ التي يُتَقَرَّبُ بها إلَى اللهِ تعالَى مِن: الْهَدْيِ، والأُضْحِيَّةِ، والعَقيقةِ، وفي هذا إثباتُ توحيدِ العِبادةِ.
{وَمَحْيَايَ} أيْ: أَمْرُ حياتي وما أَعْمَلُهُ فيها.
{وَمَمَاتِي} أيْ: أمرُ مَوْتِي وما أَلْقَاهُ بعدَهُ، وفي هذا إثباتٌ لتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ.
{للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أيْ: خالِصٌ ومُخْتَصٌّ باللهِ خالِقِ ومالكِ ومُدَبِّرِ العالمينَ، وهم كلُّ مَنْ سِوَى اللهِ تعالَى.
{لاَ شَرِيكَ لَهُ} أيْ: لا مُشارِكَ لهُ في العِبادةِ، كما أنَّهُ لا شَريكَ لهُ في الْمُلْكِ والتدبيرِ.
{وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} أيْ: وبذلكَ الإخلاصِ والتوحيدِ أَمَرَنِيَ اللهُ تعالَى أَمْرًا حَتْمًا لا أَخْرُجُ مِن التَّبِعَةِ إلاَّ بامتثالِهِ.
{وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} أيْ: أَسْبَقُهُم انقيادًا إلَى الإسلامِ لكمالِ عِلْمِهِ باللهِ تعالَى.
إن كانَ الْمُرَادُ بالأوَّلِيَّةِ أَوَّلِيَّةَ الانقيادِ، أوْ أَسْبَقُهم زمَنًا، ويكونُ الْمُرَادُ بـ: {الْمُسْلِمِينَ} مُسْلِمِي أُمَّتِهِ، إن كانَ الْمُرَادُ أَوَّلِيَّةَ الزمَنِ، واللهُ أَعْلَمُ بِمُرادِهِ في كِتابِهِ.
قالَ في (قُرَّةِ عُيونِ الْمُوَحِّدِينَ) (والمقصودُ أنَّ هذه الآيَةَ دَلَّتْ علَى أنَّ أقوالَ العبدِ وأعمالَهُ الباطنةَ والظاهرةَ لا يَجوزُ أن يَصْرِفَ مِنها شيئًا لغيرِ اللهِ كائنًا مَنْ كانَ، فمَنْ صَرَفَ مِنها شيئًا لغيرِ اللهِ؛ فقدْ وَقَعَ فيما نفاهُ تعالَى مِن الشرْكِ بقولِهِ: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
والقرآنُ كلُّهُ في تقريرِ هذا التوحيدِ في عِبادتِهِ وبَيانِهِ، ونَفْيِ الشرْكِ والبراءةِ مِنه).

(13) قولُهُ: (ومِن السُّنَّةِ: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ)) ) هذا الحديثُ جزءٌ مِنْ حديثِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: حَدَّثَنِي رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بأَرْبَعِ كلماتٍ: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ)).
واللعنُ: هوَ الطرْدُ والإبعادُ مِنْ رحمةِ اللهِ.
وقولُهُ: ((لَعَنَ اللهُ)) هذا يَحْتَمِلُ أنَّهُ خَبَرٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ إنشاءٌ.
فإن كانَ خبرًا فمَعناهُ: أنَّ الرسولَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يُخْبِرُنا أنَّ اللهَ جلَّ وعلا لَعَنَ مَنْ ذَبَحَ لغيرِ اللهِ.
وإن كانَ إنشاءً، فمعناهُ: الدعاءُ؛ أي: الرسولُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَدْعُو علَى مَنْ ذَبَحَ لغيرِ اللهِ أن يَطْرُدَهُ اللهُ مِنْ رَحْمَتِه.
والخبَرُ أَبْلَغُ؛ لأنَّهُ يُفيدُ وُقوعَ اللعنِ بخِلافِ الدُّعاءِ فقدْ يُستجابُ وقدْ لا يُستجابُ.
والذبحُ لغيرِ اللهِ عامٌّ، سواءٌ كانَ لِمَلَكٍ، أوْ لنبيٍّ، أوْ وَلِيٍّ، أوْ سُلطانٍ، أوْ جِنِّيٍّ، أوْ غيرِ ذلكَ، وسواءٌ كانَ المذبوحُ بَعيرًا، أوْ بقرةً، أوْ شاةً، أوْ دَجاجةً، أوْ غيرَها.
والذبْحُ للهِ مِنْ أجَلِّ الطاعاتِ وأَعْظَمِ القُرُبَاتِ، وفي حديثِ ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أقامَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بالمدينةِ عَشْرَ سنينَ يُضَحِّي، وأَهْدَى إلَى البيتِ مِائةَ بَدَنَةٍ في حَجَّةِ الوَداعِ.

(14) قولُهُ: (ودليلُ النَّذْرِ قولُهُ تعالَى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} ) النذْرُ: أن يُلْزِمَ الإنسانُ نفسَهُ شيئًا غيرَ لازِمٍ بأَصْلِ الشرْعِ، فيُلْزِمَ نفسَهُ بصَدَقَةٍ أوْ صِيامٍ أوْ صلاةٍ أوْ غيرِ ذلكَ.
إمَّا بتَعليقِهِ علَى شيءٍ نحوَ: إنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي لأَصُومَنَّ ثلاثةَ أَيَّامٍ، أوْ أَتَصَدَّقُ بكذا، أوْ يكونُ ابتداءً نحوَ: للهِ عليَّ أن أَتَصَدَّقَ بكذا.
والجمهورُ علَى أنَّهُ مَكروهٌ. وقالَتْ طائفةٌ بتحريمِهِ؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ نَهَى عنه وقالَ: ((إِنَّهُ لاَ يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ))، ولكنه إذا وَقَعَ وَجَبَ الوَفاءُ بهِ في الْجُملةِ.
ووَجهُ الدَّلالةِ مِن الآيَةِ علَى أنَّ النذْرَ عِبادةٌ: أنَّ اللهَ مَدَحَ الْمُوفينَ بالنَّذْرِ، وكلُّ أَمْرٍ مَدَحَهُ الشارِعُ، أوْ أَثْنَى علَى مَنْ قامَ بهِ فهوَ عِبادةٌ؛ ولهذا أَمَرَ اللهُ تعالَى بالوَفاءِ بهِ في قولِهِ تعالَى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} أيْ: أعمالَ حَجِّهِم، وسُمِّيَتْ نُذُورًا؛ لأنَّ مَنْ أَحْرَمَ بالْحَجِّ فقدْ أَلْزَمَ نفسَهُ إتمامَهُ، وقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ)).
فالنَّذْرُ عِبادةٌ لا يَجوزُ للإنسانِ أن يَنْذِرَ لغيرِ اللهِ تعالَى، فمَنْ نَذَرَ لصَنَمٍ أوْ لِنَبِيٍّ ونحوِهما فهوَ نَذْرٌ باطلٌ يَحْرُمُ الوفاءُ بهِ بالإجماعِ وعليهِ أن يَستغفرَ اللهَ مِنْ هذا العمَلِ.
وقولُهُ تعالَى: {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} أيْ: مُنْتَشِرًا عامًّا بينَ الناسِ إلاَّ مَنْ أَدْرَكَتْهُ رحمةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

حفيدة بني عامر
11-14-2008, 01:12 PM
http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/114_1235234033.rm

[شرح قوله: (ودليل الذبح) ]
قال - رحمه الله تعالى -: (ودليل الذبح قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ} ).
الذبح الذي هو النحر، والذبح يشمل النحر الخاص، ويشمل الذبح الذي هو قسيم النحر؛ لأن النحر: هو الطعن بالسكين أو بالحربة في الوهدة، مثل ما يفعل بالإبل كما تعلمون، لا تذبح ذبحاً، وإنما تطعن في وهدتها، وإذا طعنت حركت السكين وانتثر الدم ومات، ليس ثمَّ ذبح.
كذلك البقر قد تنحر، وأما الذبح فيكون في الغنم من الضأن والمعز؛ وكذلك في البقر.
الذبح والنحر عبادة، المقصود منها إراقة الدم، وإراقة الدم من حيث هو لا يكون إلا بتعلق للقلب، فإذا أراق الدم لله -جل وعلا- تعلق القلب بالله جل وعلا.
فالذبح عبادة ظاهرة يتبعها أو يكون معها عبادة باطنة قلبية، فمن ذبح لغير الله وقع في شرك ظاهر؛ لأن هذه عبادة صرفها لغير الله، وكذلك قلبه تعلق بغير الله فصار شركه من جهتين.
وجه الاستدلال: من قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أنه قال: {وَنُسُكِي} والنسك فسرت بعدة تفسيرات عن السلف، منها: الذبح والنحر، وهذا كما قال جل وعلا في الآية الأخرى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} ، {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} : أمره بأن يوحد الله -جل وعلا- بالصلاة، وكذلك أمره بالنحر لربه جل وعلا وحده.
إذاً: النسك هنا: الذبح، قال: {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ} الصلاة لمن؟ لله.
وجه اللام هنا أنها لام الاستحقاق، {قُلْ إِنَّ صَلاتِي} لله، يعني: صلاتي مستحقة لله، هذا وجه الاستدلال، {وَنُسُكِي} لله، يعني: نسكي الذي هو ذبحي مستحق لله وحده لا شريك له، {وَمَحْيَايَ} لله، {وَمَمَاتِي} لله، هذه لام أخرى وهي لام المِلْك، الصلاة والنسك لله استحقاقاً، والمحيا والممات لله مُلكاً؛ لأن اللام قلنا: إنها تأتي للاستحقاق، وتأتي للمِلك.
في هذه الآية جعل هذه الأفعال الأربعة: الصلاة والنسك والمحيا والممات، جعلها جميعاً باللام مؤخرة بقوله: {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} لكن تختلف، الصلاة والنسك لله استحقاقاً، والمحيا والممات لله -جل وعلا- ملكاً، فجمعت هذه الآية بين توحيدي الله جل وعلا في إلهيته وهو الأول، وفي ربوبيته وهو الثاني {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي} هذا توحيد لله -جل وعلا- في إلهيته، {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ} هذا توحيد لله -جل وعلا- في ربوبيته، فكما أنه جل وعلا هو مالك محياي ومماتي، فكذلك هو المستحق لصلاتي ونسكي، قال جل وعلا لنبيه: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي} مستحقة لله {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} ملك لله -جل وعلا- {رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ} .
فذكر الربوبية، ثم ذكر الألوهية، ثم بين أن هذا من علامات الإسلام العظيمة فقال: {وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ}، وهذا وجه استدلال آخر، إذ أن هذه مأمور بها، قال: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} الذبح كما أنه عمل ظاهر وهو إراقة الدم، والدم الذي بثه في أعضاء المذبوح هو الله جل وعلا، وهو علامة الحياة، فلا يُزهق إلا لمن خلقه ولمن بثه في أعضاء من به الحياة، ولهذا قال العلماء: إن العبد حال الذبح يجتمع في قلبه أنواع من العبوديات:
منها: الذل لربه جل وعلا.
ومنها: التعظيم له جل وعلا.
ومنها: الرجاء: رجاء ما عنده حال ذبحه.
ومنها: طلب البركة بأنه ما ذبح إلا لله.
وهذه كلها عبادات قلبية، فكما أن الذبح عمل ظاهر فيه تحريك لليد وتحريك للسان ببعض القول، كذلك يقوم بالقلب حال الذبح أنواع من العبوديات.
قد ما يقوم بالقلب شيء البتة، مثل ما يذبح لضيافةٍ، أو يذبح لنحو ذلك، فهذا يجب أن يكون ظاهراً لله -جل وعلا- وحده، وإذا اجتمع أن يكون في الذبيحة العبادة الظاهرة، والعبادة الباطنة - العبادة القلبية - كانت أكمل في رجاء ثواب الذبح، ولو كان في الأمور العادية من ضيافةٍ ونحوها.
فيكون الذبح لله -جل وعلا- ظاهراً، لم يُرد بهذا إلا الله جل وعلا، وباسمه لم يذكر إلا اسم الله جل وعلا، ثم يكون بالقلب ذل لله جل وعلا، وخضوع وتعظيم ورجاء المثوبة منه وحده، فتجتمع العبادات القلبية وعبادات الجوارح حال الذبح.
لهذا الذبح من العبادات العظيمة، لكن قد يغفل الناس عن تعلق القلب وفعل الجوارح حين الذبح وكيف تكون لله جل وعلا، ولهذا على طالب العلم أن يتعلم هذا إن لم يحسنه، يتعلم كيف يكون حال ذبحه لذبيحته، لأضحية - وهي آكد وآكد وآكد - أو لغيرها، أن يكون موحداً تماماً، ويرجو في ذبحه أن يكون على غاية من العبودية في لسانه وقلبه وجوارحه؛ لأن فيه:
- حركة لسان بالتسمية والتكبير.
وفيه عمل القلب بأنواع من العبوديات ذكرت بعضها.
وفيه أيضاً حركة اليد، وهذا كله مما يجب أن يكون لله -جل وعلا- وحده.

[شرح حديث: ((لعن الله من ذبح لغير الله)) ]
قال: (ومن السنة: ((لعن الله من ذبح لغير الله)) ) وجه الاستدلال: أن من ذبح لغير الله - لم يذبح لله وإنما ذبح لغيره - أنه ملعون، لعنه الله.
وهذا الدعاء من النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: ((لعن الله من ذبح لغير الله)) يدل على أن الذبح لغير الله كبيرة من الكبائر، وإذا كانت كذلك فهي - إذاً - يبغضها الله جل وعلا، وإذا كان يبغض الله -جل وعلا- الذبح لغيره فمعنى ذلك: أن الذبح له وحده محبوب له بالمقابلة، فيستقيم بذلك الاستدلال.
[شرح قوله: (ودليل النذر) ]
قال بعدها: (ودليل النذر قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} ) النذر هو: إيجاب المرء على نفسه شيئاً لم يجب عليه.
وتارةً يكون النذر مطلقاً، وتارة يكون بالمقابلة مقيداً، والنذر المطلق غير مكروه، والنذر المقيد مكروه، ولهذا استشكل جمع من أهل العلم، استشكلوا كون النذر عبادة، مع أن النذر مكروه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في النذر: ((إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل))، فيقولون: إذا كان مكروهاً كيف يكون عبادة؟ ومعلوم أن العبادة يحبها الله جل وعلا، والنذر يكون مكروهاً كما دل عليه هذا الحديث، فكيف إذا كان مكروهاً يكون عبادة؟ وهذا الاستشكال منهم غير وارد أصلاً؛ لأن النذر ينقسم إلى قسمين:
- نذر مطلق.
- ونذر مقيد.
- النذر المطلق لا يكون عن مقابلة، وهذا غير مكروه، أن يوجب على نفسه عبادة لله -جل وعلا- بدون مقابلة، مثلاً يقول قائل: (لله عليَّ نذر أن أصلي الليلة عشر ركعات طويلات)، بدون مقابلة، فهذا إيجاب المرء على نفسه عبادة لم تجب عليه دون أن يقابلها شيء، هذا النوع مطلق، وهذا محمود.
- النوع الثاني: المكروه، وهو ما كان عن مقابلة، وهو أن يقول قائل مثلاً: (إن شفى الله -جل وعلا- مريضي صمت يوماً، إن نجحت في الاختبار صليت ركعتين، إن تزوجت هذه المرأة تصدقت بخمسين ريالاً مثلاً أو بمائة ريال)، هذا مشروط، يوجب عبادة على نفسه مشروطة بشيء يحصل له قدراً.
من الذي يحصِّل الشيء ويجعله كائناً؟
هو الله جل وعلا، فكأنه قال: إن أعطيتني هذه الزوجة، وإن يسرت لي الزواج بها صليت لك ركعتين، أو تصدقت بكذا، إن أنجحتني في الاختبار صمت يوماً، ونحو ذلك.
وهذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنما يستخرج به من البخيل)) لأن المؤمن المقبل على ربه ما يعبد الله -جل وعلا- بالمقايضة، يعبد الله -جل وعلا- ويتقرب إليه؛ لأن الله يستحق ذلك منه، فهذا النوع مكروه، النوع الأول محمود، وهذا النوع مكروه.
[حكم الوفاء بالنذر]
والوفاء بالنذر في كلا الأمرين واجب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) فتحصل عندنا أن النذر فيه أربعة أشياء:
- نذرٌ محمود لاحظ أنا ما نقول: مشروع، بحيث يفهم أحد أنه واجب أو مستحب، لا.
نقول: محمود، غير مكروه في الشرع، محمود: وهو المطلق الذي ما فيه مقايضة ولا مقابلة.
النوع الثاني: مكروه، وهو الذي يكون عن مقابلة.
الوفاء بالأول - بنذر التبرر والطاعة - واجب.
الوفاء بالثاني - حتى ولو كان مكروهاً - واجب، وهو الذي أثنى الله -جل وعلا- على أهله في الحالين بقوله: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ}؛ لأنه أوجب على نفسه، فلما كان واجباً صار الوفاء به واجباً، فامتثل للوجوب الذي أوجبه على نفسه؛ لأنه يخشى عقابه.
فتحصل أن هذه الأربعة منها اثنتان واجبتان، وهما الوفاء، وواحد محمود، وواحد مكروه، ولهذا صار غالب الحال - إذْ كان عبادة - هو الحال التي أنه محمود فيها أو واجب، فلهذا صار النذر عبادة من العبادات التي يرضاها الله -جل وعلا- ويحبها إلا في حال واحدة وهي حال نذر المقابلة.
اتضح لكم هذا المقام؟ لأنه بهذا التحرير تخلصون من إشكالات عدة ربما أوردها عليكم خصوم الدعوة والخرافيون في مسألة النذر.
ظاهر؟ تأملوها؛ لأنه قد لا تجد هذا التحرير في كثير من الكتب.
[الشرك يكون في أصل النذر وفي الوفاء به]
قال: (ودليل النذر قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} ) وجه الاستدلال: أن الله -جل وعلا- امتدحهم بذلك، بأنهم يوفون بالنذر وإذْ امتدحهم بذلك دل على أن هذا العمل منهم - وهو الوفاء بالنذر - أنه محبوب له جل وعلا، فثبت أنه عبادة لله جل وعلا.
والنذر له شقان:
الشق الأول: النذر.
والثاني: الوفاء به، وكلا الأمرين إذا صرفت لغير الله -جل وعلا- فهي شرك.
من نذر لغير الله كأن ينذر لأصحاب المشاهد، أو الأولياء أو القبور، ينذر للمشهد الفلاني، ينذر - مثلاً - للنبي صلى الله عليه وسلم، أو ينذر لأحد من الموتى، ينذر لفاطمة رضي الله عنها، أو ينذر لأحد آل البيت، أو ينذر لخديجة، أو ينذر لأحد من الأولياء، أو نحو ذلك، يقول: علي نذر للولي الفلاني، ولو كان بغير مقابلة، هذا إيجاب على نفسه عبادة، لمن؟ لغير الله، فصار شركاً أكبر.
القسم الثاني: أن يقول: إن شفى الله - لاحظ - إن شفى الله مريضي فللولي الفلاني علي نذر بكذا وكذا، فهذا على المقابلة، ولو كان على هذا النحو فصرفه لغير الله -جل وعلا- شرك؛ لأن القول الأول منه - وهو قوله: إن شفى الله مريضي - هذا ربوبية، وقوله: فللولي الفلاني علي نذر، هذا شرك في العبودية، فهو أقر بالربوبية ولكنه أشرك في العبودية، هذا جهة النذر.
الوفاء لأصحاب القبور أو نحوهم، أو للجن، أو للملائكة، هذا كله شرك، فلو حصل منه النذر لغير الله فلا يجوز أن يوفي به، فإن وفى به لغير الله فيكون ذلك شركاً بعد شرك.
لهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) يدخل في ذلك إذا كان النذر لغير الله جل وعلا.
قال: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} مدحهم بذلك، فدل على أن وفاءهم بالنذر عبادة يحبها الله جل وعلا.

حفيدة بني عامر
11-14-2008, 01:13 PM
بيان أن الذبح عبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى
- بيان معنى الذبح
- الفرق بين الذبح والنحر
- بيان أنواع الذبح وأحكامها
- تفسير قوله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي...) الآية
- شرح قوله صلى الله عليه وسلم (لعن الله من ذبح لغير الله)بيان أن النذر عبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى
- بيان معنى النذر
- أنواع النذر
- حكم الوفاء بالنذر
- بيان حكم النذر والوفاء به
- تفسير قوله تعالى (يوفون بالنذر...) الآية
- بيان ما يطلق عليه لفظ النذر في النصوص الشرعية

حفيدة بني عامر
11-14-2008, 01:14 PM
الأسئلة
س1: ما معنى الرغبة والرهبة والخشوع؟ وما الدليل على أنها من العبادات؟ وما حكم صرفها لغير الله تعالى ؟
س2: هل ينبغي للإنسان أن يغلّب جانب الرجاء أو الخوف ؟ وضح ما تقول.
س3: ما معنى الخشية؟ وما الدليل على أنها عبادة؟ وما حكم خشية غير الله تعالى ؟
س4: ما الفرق بين الخشية والخوف ؟
س5: الخشية من العبادات القلبية العظيمة ذات الثمرات الجليلة ، اذكر بعض الأسباب الجالبة للخشية.
س6: ما معنى الإنابة؟ وما الدليل على أنها عبادة ؟
س7: ما الفرق بين الإنابة والتوبة ؟
س8: بين معنى الاستعانة، وما الدليل على وجوب إفراد الله تعالى بها؟ مع ذكر وجه الاستدلال.
س9: بين أحكام الاستعانة بغير الله تعالى.
س10: بين معنى الاستعاذة، واذكر أحكامها، مع الاستدلال.
س11: بين معنى الاستغاثة، واذكر أحكامها، مع الاستدلال.
س12: بين معنى الذبح، وما الدليل على أنه عبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى ؟
س13: اذكر أحكام الذبح من حيث منافاته للإيمان وعدمها ؟
س14: ما معنى النذر؟ وما الدليل على أنه عبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى ؟ مع بيان وجه الاستدلال.
س15: اذكر أنواع النذر، ومتى يجب الوفاء به ؟
س16: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((النذر لا يأتي بخير..)) الحديث، بين معنى الحديث، واذكر بعض ما يستفاد منه.