المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة الانفطار


حفيدة بني عامر
10-22-2008, 10:40 AM
سورةُ الانفِطار
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

{إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (8) كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)}

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 10:41 AM
تفسير سورة الانفطار
(1-5) {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}
أي: إذا انشقتِ السماءُ وانفطرتْ، وانتثرتْ نجومُهَا، وزالَ جمالُهَا، وفجرتِ البحارُ فصارتْ بحراً واحداً، وبعثرتِ القبورُ بأنْ أخرجتْ ما فيها من الأمواتِ، وحشرُوا للموقفِ بينَ يديِ اللهِ للجزاءِ على الأعمالِ.
فحينئذٍ ينكشفُ الغطاءُ، ويزولُ ما كانَ خفيّاً، وتعلمُ كلُّ نفسٍ ما معهَا منَ الأرباحِ والخسرانِ، هنالكَ يعضُّ الظالمُ على يديهِ إذا رأى أعمالهُ باطلةً، وميزانهُ قدْ خفَّ، والمظالمُ قدْ تداعتْ إليهِ، والسيئاتُ قدْ حضرتْ لديهِ، وأيقنَ بالشقاءِ الأبديِّ والعذابِ السرمديِّ.
و يفوزُ المتقونَ، المقدِّمونَ لصالحِ الأعمالِ بالفوزِ العظيمِ، والنعيمِ المقيمِ، والسلامةِ منْ عذابِ الجحيمِ.

(6-12) {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاء رَكَّبَكَ (8) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} يقولُ تعالَى معاتباً للإنسانِ المقصرِ في حقِّ ربِّهِ، المتجرئِ على مساخطهِ: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} أتهاوناً منكَ في حقوقهِ، أمِ احتقاراً منكَ لعذابهِ؟ أمْ عدمَ إيمانٍ منكَ بجزائهِ؟
أليسَ هوَ {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ} في أحسنِ تقويمٍ؟ {فَعَدَلَكَ} وركبكَ تركيباً قويماً معتدلاً، في أحسنِ الأشكالِ، وأجملِ الهيئاتِ، فهلْ يليقُ بكَ أنْ تكفرَ نعمةَ المنعمِ، أو تجحدَ إحسانَ المحسنِ؟
إنْ هذا إلاَّ منْ جهلكَ وظلمكَ وعنادكَ وغشمكَ، فاحمد اللهَ أنْ لمْ يجعلْ صورتكَ صورة كلبٍ أو حمارٍ، أو نحوهمَا من الحيواناتِ {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاء رَكَّبَكَ} ].
{كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} أي: معَ هذا الوعظِ والتذكيرِ، لا تزالونَ مستمرينَ على التكذيبِ بالجزاءِ.
وأنتمْ لا بدَّ أنْ تحاسبُوا على مَا عملتُمْ، وقدْ أقامَ اللهُ عليكمْ ملائكةً كراماً يكتبونَ أقوالكمْ وأفعالكُمْ ويعلمونَ أفعالكمْ، ودخلَ في هذا أفعالُ القلوبِ، وأفعالُ الجوارحِ، فاللائقُ بكم أنْ تكرموهمْ وتجلوهمْ، وتحترموهمْ.

(13-19) {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ(19)}المرادُ بالأبرارِ: القائمونَ بحقوقِ اللهِ وحقوقِ عبادهِ، الملازمونَ للبرِّ، في أعمالِ القلوبِ وأعمالِ الجوارحِ، فهؤلاءِ جزاؤهم النعيمُ في القلبِ والروحِ والبدنِ، في دارِ الدنيا البرزخِ و دارِ القرارِ.

{وَإِنَّ الْفُجَّارَ} الذينَ قصَّرُوا في حقوقِ اللهِ وحقوقِ عبادهِ، الذينَ فجرتْ قلوبهم، ففجرتْ أعمالُهمْ {لَفِي جَحِيمٍ} أي: عذابٍ أليمٍ، في دار الدنيا و البرزخِ وفي دارِ القرارِ {يَصْلَوْنَهَا} ويعذبونَ أشدَّ العذابِ {يَوْمِ الدِّينِ} أي: يومَ الجزاءِ على الأعمالِ.
{وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ} أي: بلْ همْ ملازمونَ لها، لا يخرجونَ منها.
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} ففي هذا تهويلٌ لذلكَ اليومِ الشديدِ الذي يحيرُ الأذهانَ.
{يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} ولو كانتْ لها قريبةٌ مصافيةٌ، فكلٌّ مشتغلٌ بنفسهِ لا يطلبُ الفكاكَ لغيرهَا.
{وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} فهوَ الذي يفصلُ بينَ العبادِ، ويأخذُ للمظلومِ حقَّهُ من ظالمِهِ .

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 10:44 AM
سُورَةُ الانْفِطَارِ
1- {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} انْفِطَارُهَا: انْشِقَاقُهَا لِنُزُولِ الْمَلائِكَةِ مِنْهَا.
2- {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ}؛ أَيْ: تَسَاقَطَتْ مُتَفَرِّقَةً.
3- {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ}؛ أَيْ: فُجِّرَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، فَصَارَتْ بَحْراً وَاحِداً وَاخْتَلَطَ العَذْبُ مِنْهَا بالمالحِ، وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
4- {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ}؛ أَيْ: قُلِّبَ تُرَابُهَا وَأُخْرِجَ المَوْتَى الَّذِينَ هُمْ فِيهَا.
5- {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}: عَلِمَتْ عِنْدَ نَشْرِ الصُّحُفِ مَا قَدَّمَتْ منْ عَمَلِ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ،وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ.
6- {يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}؛ أَيْ: مَا الَّذِي غَرَّكَ وَخَدَعَكَ حَتَّى كَفَرْتَ بِرَبِّكَ الكريمِ الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا بإكمالِ خَلْقِكَ وَحَوَاسِّكَ، وَجَعَلَكَ عَاقِلاً فَاهِماً وَرَزَقَكَ وَأَنْعَمَ عَلَيْكَ بِنِعَمِهِ الَّتِي لا تَقْدِرُ عَلَى جَحْدِ شَيْءٍ مِنْهَا. قِيلَ: غَرَّهُ عَفْوُ اللَّهِ إِذْ لَمْ يُعَاجِلْهُ بِالْعُقُوبَةِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
7- {الَّذِي خَلَقَكَ} مِنْ نُطْفَةٍ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً،
{فَسَوَّاكَ} رَجُلاً تَسْمَعُ وَتُبْصِرُ وَتَعْقِلُ،
{فَعَدَلَكَ}: جَعَلَكَ مُعْتَدِلاً قَائِماً حَسَنَ الصُّورَةِ، وَجَعَلَ أَعْضَاءَكَ مُتَعَادِلَةً لا تَفَاوُتَ فِيهَا.
8- {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}؛ أَيْ: رَكَّبَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَهَا من الصُّوَرِ المختلفةِ، وَأَنْتَ لَمْ تَخْتَرْ صُورَةَ نَفْسِكَ.
9- {كَلاَّ}: للرَّدْعِ وَالزَّجْرِ عَن الاغترارِ بِكَرَمِ اللَّهِ وَجَعْلِهِ ذَرِيعَةً إِلَى الْكُفْرِ بِهِ، {بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}: وَهُوَ الْجَزَاءُ، أَوْ بِدِينِ الإِسْلامِ.
11،10 - {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ}:هُم الْمَلائِكَةُ الْحَفَظَةُ.
12 - {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} يَقُولُ: إِنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بيومِ الدِّينِ، وَمَلائِكَةُ اللَّهِ مُوَكَّلُونَ بِكُم، يَكْتُبُونَ أَعْمَالَكُمْ حَتَّى تُحَاسَبُوا بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
15 - {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ}؛ أَيْ: يَوْمَ الْجَزَاءِ الَّذِي كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ، يَلْزَمُونَهَا مُقَاسِينَ لِوَهَجِهَا وَحَرِّهَا يَوْمَئِذٍ.
16 - {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}؛ أَيْ: لا يُفَارِقُونَهَا أَبَداً وَلا يَغِيبُونَ عَنْهَا، بَلْ هُمْ فِيهَا أَبَدَ الآبِدِينَ.
18 - {ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ}؛ أَيْ: يَوْمُ الْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ، كَرَّرَهُ تَعْظِيماً لِقَدْرِهِ وَتَفْخِيماً لِشَأْنِهِ، وَتَهْوِيلاً لأَمْرِهِ.
19 - {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}:لا يَمْلِكُ أَحَدٌ كَائِناً مَنْ كَانَ لِنَفْسٍ أُخْرَى شَيْئاً مِنَ المَنْفَعَةِ، فَلَيْسَ ثَمَّ أَحَدٌ يَقْضِي شَيْئاً أَوْ يَصْنَعُ شَيْئاً إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ، وَاللَّهُ لا يُمَلِّكُ أَحَداً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئاً مِنَ الأُمُورِ كَمَا مَلَّكَهُمْ فِي الدُّنْيَا.

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 10:48 AM
المتن :
سورةُ الانفطار
1- قولُه تعالى: {إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ} أي: إذا انشقَّت السماءُ، كما قال تعالى: {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ} ، وغيرها.
2- قولُه تعالى: {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ} أي: وإذا كواكبُ السماء، وهي نجومها، تساقطت وتفرَّقت(1).
3-قولُه تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} أي: وإذا هذه البحارُ العظيمةُ قد فُتِحَ بعضُها على بعضٍ فصارت بحراً واحداً ممتلئاً(2).
4-قولُه تعالى: {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} أي: وإذا القبورُ التي دُفِنَ بها الموتى أُثيرت وقُلبت، فجُعِلَ أعلاها أسفلها، فخرجَ ما بها(3).
5-قولُه تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} أي: علِمَت كلُّ نفسٍ الذي عملته من أعمال الخير والشر، والذي لم تعمَلْه منهما(4).
6-قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} أي: يا أيُّها الإنسانُ الكافرُ(5) أيُّ شيءٍ سوَّلَ لك وجعلكَ تخالفُ أمرَ ربِّكَ الذي أوجدَكَ وربَّاك بِنعَمِه، ولم يعاجِلْكَ بعقوبته بكَرَمِه؟ سوَّل لك جهلُك، أو شيطانُك(6) ؟!
7- قولُه تعالى: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} أي: ربُّك الكريم: الذي أوجدَك من العدَم، فجعلَ خلقك سويَّاً قويماً لا خلَلَ فيه، وجعله متناسباً في الخلق يدان ورِجلان وعينان … إلخ، وكلٌّ في مكانه المناسبِ له.
8- قولُه تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاء رَكَّبَكَ} أي: جمعَ خلقكَ في شكلٍ خاصٍّ بك، مائلٍ في الشَبَهِ إلى أمٍّ أو أبٍ أو عمٍّ أو خالٍ أو غيرهم(7).
9- قولُه تعالى: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}هذا خطابُ للكفار، والمعنى: ليس الأمرُ كما تظنُّون يا من اغتررتم بجهلِكم فكفرتُم بربِّكُم، ولكن أنتم تكذِّبون بيوم الجزاء والحساب، ولا تصدِّقون به، فتعملون له(8).
10-قولُه تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} أي: وإنَّ عليكم حَفَظةً من الملائكة يرقبون أعمالكم ويسجِّلونها عليكم(9).
11- 12-قولُه تعالى: {كِرَاماً كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} أي: هؤلاء الحَفَظَةُ من الملائكة شرفاءُ أمناءُ يحفَظونَ بالتدوين والكتابةِ أعمالكم كلها التي يسَّر الله لهم أن يطَّلِعوا عليها، فلا يزيدون فيها، ولا يُنقصون.
13-قولُه تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} أي: إنَّ الذين اتَّصفوا بكثرة الطاعاتِ يحيطُ بهم التنعُّم الدائم الذي لا يزول، وهو نعيم الجنة.
14-قولُه تعالى: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} أي: وإنَّ الذين شقُّوا سترَ الدين بالكفر، وفَجَروا في أعمالهم، وكَفَروا بالبعث، يحيطُ بهم عذابُ النار، ويخلدون فيها بسبب كُفرهم.
15-قولُه تعالى: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ} أي: يدخلونها فتحرقهم بِحَرِّها وتشويهم في ذلك اليوم العظيم: يوم الجزاء والحساب.
16-قولُه تعالى: {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ} أي: هم خالدون فيها أبدَ الآباد(10)؛ كما قال تعالى: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} .
17- 18-قولُه تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} أي: أيُّ شيءٍ تعلمُ عن يوم الجزاء والحساب، ذلك اليوم العظيم(11) ؟ وكرَّرَ الاستفهامَ لتهويل أمرِ هذا اليوم وتعظيمه(12).
19-قولُه تعالى: {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}هذا بيانٌ لذلك اليوم؛ أي: ذلك اليومُ هو يوم لا يستطيع أن ينفعَ أحدٌ من البشر غيره، فَبَطَلَ كل مُلْكٍ وأمر، وصار الأمر والإذن كله لله وحده(13)، كما قال تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (14) .
-
الحاشية :
(1) جاء فعل (انفطرت) و(انتثرت) ماضيان مبنيان للفاعل والحدثُ في المستقبل للدلالة على تحقُّق الوقوع، كما جاءا على صيغة
المطاوعة؛ أي: فَطَرْتُه فانفطر، ونَثَرتُه فانتثر، وفيه دلالةٌ على إيجاد هذا الحدث فيهما ومطاوعتِهما وإجابتِهما لهذا المطلوب منهما، فكأنه بقوة
صيغة المفعول؛ أي: الذي فُعِلَ به بغير إرادته فاستجاب لذلك، والله أعلم.
(2) فسَّر السلف التفجير بهذا المذكور، وَرَدَ ذلك عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وقتادة من طريق سعيد، والحسن من طريق معمر، والكلبي من طريق معمر.
والتفجير: فتحُ بعضها على بعض، وزاد الحسن في تفسيره: (فذهب ماؤها)، وهي تحتمل أنه ذهب من مكانه إلى غيره، وهذا واضح.
ويحتملأنه أراد ذهب الماء بالكليَّة، وهذا المعنى لا تعطيه اللفظة من مدلولها، ولو كان مراده هذا فإنه يمكن أن يُقْبَلَ على باب التوسع في التفسير؛ لأن هذه الحالة التي ذكرها ستصِير للبحار على ما مرَّ في تفسير التَّسْجير، فيقبَلُ هذا التفسير هنا من باب التجَوّزِ، وتفسير الكلبي بأنها (ملئت) تفسير باللازم؛ أي: من لازم فتح بعضها على بعض أن تمتلئ، والله أعلم.
ومما ينبغي الإشارة إليه هنا: أن الكلبيَّ هنا يفسِّر وليس راوياً، فلا يقال: لا يُقْبَلُ تفسيره؛ لأنه كذاب، فعليكَ أن تفرِّقَ بين رأيه إذ هو مُحْتَمَلٌ مقبولٌ من التفسير، وبين روايته التي فيها التضعيف وعدم القَبول.
(3) قال ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة: (بُحِثَت). وقد ذكر بعض المفسِّرين المتأخِّرين أن هذه اللفظة يجوز أن تكونَ من باب النحت؛ أي: أنَّ أصلها من كلمتين، فنُحِت منهما هذه اللفظة، كالبسملة المنحوتة من (بسم الله) وقالوا أصلها من: بعث وأثار، وقال آخرون أصلها: بعث، وضُمَّت إليها الراء، انظر:
(التحرير والتنوير).
وهذه الأقوال لا داعي لها ما دام للفظة معنىً معروف في لغة العرب، وليس لها مستند لغوي سوى التخمين والاشتباه.
يلاحظ أنّ الفعلين: (فُجِّرَت) و(بُعثرت) جاءا ماضيين كسابقيهما، غير أنهما اختلفا عنهما بمجيئهما على صيغة المفعول اهتماماً بالحدث ذاتِه دون فاعله، والله أعلم.
(4) هذا جواب إذا في الآيات الأربع السابقة، والقولُ في هذا الجوابِ كالقول في قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} .
وقد اتفقَ السلف في تفسير المقدَّم والمؤخَّر على أنه العمل،واختلفت عبارتهم فيه على أقوال:
الأول:علِمت ما قدَّمت من عمل صالح، وما أخَّرت من سُنَّة يعمل بها بعد موتها، وهو قول محمد بن كعب القرظي.
الثاني:ما قدَّمت من الفرائض، وما أخَّرت من الفرائض فضيَّعتها، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، وعكرمة من طريق سعيد بن مسروق، وقتادة من طريق معمر وسعيد، وابن زيد.
الثالث:ما قدَّمت من خير أو شر، وما أخَّرت من خير أو شر، وهو قول إبراهيم التيمي من طريق العوام.
ورجَّح الطبري القول الأول، فقال: (وإنما اخترنا القول الذي ذكرناه؛ لأن كل ما عمل العبد من خير أو شر فهو مما قدَّمه، وأن ما ضيَّع من حق الله عليه وفرّط فيه فلم يعمله، فهو مما قد قدَّم من شر، وليس ذلك مما أخَّر من العمل؛ لأن العمل هو ما عمله، فأما ما لم يعمله، فإنما هو سيئة قدَّمها، فلذلك قلنا: ما أخَّر هو ما سنَّه من سُنَّةٍ حسنةٍ وسيئة مما إذا عمِل به العامل، كان له مثل أجر العامل بها أو وِزره).
ولو حُمل المعنى على العموم، لكان وجهاً أوفق، ويكون المؤخَّر بمعنى المتروك مما لم يعمل به، وتكون السنَّة التي يعمل بها بعده داخلة فيما قدَّم، وهذا يعني أن هذه التفاسير السَّلَفية أمثلة لعمل مقدَّم وآخر مؤخَّر، وأعمُّها قول إبراهيم التيمي، وليس بين هذه الأقوال على هذا السبيل تعارض، بل هي راجعة إلى معنىً واحدٍ وهو العموم، والله أعلم.
(5) لفظُ (الإنسان) في القرآن المكيِّ يُطلق على الكافر في الغالب، والخطابُ في مثل هذا يشملُ من اتصف به من المسلمين قياساً، وإن كان أصلُ نزوله في الكافر، والله أعلم.
(6) وردَ عن عمر وابنه عبد الله وابن عباس والربيع بن خثيم: غرَّه جهله (تفسير ابن كثير) وعن قتادة: شيء ما غرَّ ابن آدم: هذا العدو المسلَّط .
(7) هذا قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقد جعله عكرمة من طريق أبي رجاء، وأبو صالح من طريق إسماعيل على معنى آخر، وهو: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وكأنه على قولهم بيان للطف الله بالعبد أن خلقه مستقيماً معتدِلاً متناسب الأعضاء، وأبعده عن هذه الصور التي هو قادر على أن يخلقَه مثلها.
(8) في مجيء الفعل (تكذبون) مضارعاً، إشعارٌ بتجدُّد تكذيبهم وتكرُّر وقوعه منهم.
(9) أُكِّدت هذه الجملة بثلاث مؤكِّدات: إن، واللام، والجملة الاسمية.
وقدَّم الجار والمجرور (عليكم) - الذي يعود إليهم - للاهتمام به؛ لأنهم الذين من أجلهم سيق الكلام، وفي حرف (على) ما يفيد التسلُّط والمراقبة من الحَفَظَة.
(10) جاءت الجملة الاسمية منفية للدلالة على ثبوت هذا النفي واستمراره؛ أي: هم لا يغيبون أبداً عن النار، بل يلازمونها ملازمةً دائمة، والباء في (بغائبين) فيها تأكيد لهذا النفي، وقدَّم الجار والمجرور للاهتمام بالمصير الذي يصيرونَ إليه، وهو النار.
(11) روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (يوم الدِّين من أسماء يوم القيامة، عظَّمه الله وحذَّره عبادَه).
(12) روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قال: (قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ(17)} تعظيماً ليوم القيامة، يوم تُدان فيه الناس بأعمالهم).
(13) روى معمر عن قتادة، قال: (ليس ثَمَّ أحد يومئذٍ يقضي شيئاً، ولا يصنعُ شيئاً، إلا ربُّ العالمين)، وعن سعيد بن أبي عروبة عنه قال: (والأمر - والله - اليوم لله، ولكن يومئذ لا ينازعه أحد). (14) هذه الآية من التفسيرات القرآنية الصريحةِ التي وقعت جواباً لسؤالٍ سابقٍ لها، وهذا النوعُ من تفسيرِ القرآنِ بالقرآن حجَّة بلا إشكال، والله أعلم.

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 11:01 AM
القارئ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (8) كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)}.

الشيخ:

هذه السورة يبين الله -جل وعلا- في أولها ما يكون يوم القيامة، فقال -جل وعلا-: {إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ} معناه: أن السماء تنشق وتزول، كما تقدم لنا.
ثم قال -جل وعلا-: {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ} معناها: تساقطت وذهبت وقد تقدم.
ثم قال -جل وعلا-: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} أي: أنه هذه البحار يُفْجَر بعضها على بعض؛ وتكون شيئاً واحداً، فيختلف نظامها عن نظام الدنيا، وقد تقدم لنا قريباً.
ثم قال -جل وعلا-: {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} أي: إذا القبور بحثت ورُفع عنها التراب؛ ليخرج منها العباد إلى الله -جل وعلا-.

قال الله -جل وعلا-: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} وهو معنى قوله -جل وعلا-: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}.
ثم قال -جل وعلا- على سبيل التهديد: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} يعني: يا أيها الإنسان ما الذي خدعك بربك الكريم؟ لأن العبد لما رأى كرم الله -جل وعلا- عليه -وهو العبد الكافر- وأفاض النعم عليه؛ أمن من مكر الله -جل وعلا- واعتقد أن ذلك من رضا الله، أو أنه لايكون على حاله شيء يغيرها بعد ذلك، فلما لم يعاجله الله -جل وعلا- بالعقوبة بسبب كفره بالله -جل وعلا- تمادى وانخدع، واستمر في كفره بالله جل وعلا.
والله -جل وعلا- وصف نفسه بأنه كريم، وهذا الوصف قال بعض العلماء: أو فيه إشارة إلى أن سبب اغترار هذا العبد كرم الله جل وعلا؛ لأنَّ من كرم الله -جل وعلا- أن أكثر للعبد الخيرات وأمده بها ولم يقطعها عنه، ومن كرمه أن أعطاه هذه الخيرات بلا سبب منه، وأعطاه هذه الخيرات بلا عوض، وأعطاه هذه الخيرات وهو مقيمٌ على معصيته، وذلك كله كرم من الله جل وعلا، فغرَّ الإنسان هذا الكرم من الله جل وعلا.
والآية فيها التحذير من الاغترار بالله جل وعلا؛ لأن الانخداع بما يعطيه الله -جل وعلا- لعبده من النعم من أعظم المكر بالعبد؛ لأن العبد إذا كان مقيماً على معصية الله والنعم تُغدق عليه؛ فإن هذا استدراجٌ له، والمؤمن لا يأمن مكر الله جل وعلا؛ لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، ولهذا نهانا الله -جل وعلا- عن ذلك: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}.

وبين -جل وعلا- في آيةٍ أخرى مردَّ المغترين بالله، كما قال الله -جل وعلا-: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً} إلى أن قال -جل وعلا -: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} فبين -جل وعلا- في هذه الآية أنَّ المغترين مآلهم إلى النار.
ثم قال -جل وعلا-: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاء رَكَّبَكَ} هذا وصف له -جل وعلا- بربوبيته، فهو -جل وعلا- الذي خلق الإنسان فسواه وجعله مستويَ الأعضاء، وأخرجه في أحسن صورة:
-كما قال الله -جل وعلا-:{ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}.
-وقال -جل وعلا-: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}.
-وقال في سورة الكهف: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً}.
- وقال -جل وعلا-: {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} في أول التغابن.
-وقال -جل وعلا- في غافر:{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (65)}.
ثم قال الله -جل وعلا-: {فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاء رَكَّبَكَ} أي: أن الله -جل وعلا- يميل الإنسان ويصرفه إلى أي صورة يشاء الله -جل وعلا- أن يخرجه عليها، كما قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

ثم قال -جل وعلا-: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} يعني: أنَّ هؤلاء الكفار كانوا يكذبون بيوم الدين وهو يوم القيامة.
{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ}يعني: أنه على كل عبدٍ ملائكة؛ يكتبون ما يعمل من خيرٍ أوشر:
-كما قال الله -جل وعلا-: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
-وقال -جل وعلا-: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}.
- وقال -جل وعلا-: {قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ}.
- وقال -جل وعلا-: {كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا}.
فالملائكة يكتبون جعلهم الله -جل وعلا- حفظةً على العبد يسجلون جميع ما يصدر منه من خيرٍ أو شر، كما قال الله -جل وعلا-:{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} أي: يحفظونه بأمر الله.

وقد أجمع أهل العلم على أن هؤلاء الملائكة يكتبون الخير والشر، وأما الشيء الذي ليس بخيرٍ ولا شر فقد اختلف العلماء هل يُكتب أو لا يُكتب؟
وظاهر قول الله -جل وعلا-: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} يقتضي كتابةَ جميع ما يصدر عن الإنسان؛ من خيرٍ أو شرٍ أومن مباحٍ.
وهذه الآية لا تدل على أن الله -جل وعلا- لا يعلم ما يصنع العباد، بل الله -جل وعلا- يعلم ما يفعل العباد، وما تقوم به الملائكة، كما قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ}، ولكن الله -جل وعلا- جعل هؤلاء الكتبة يكتبون ما يصنعه العباد ليواجههم به -جل وعلا- يوم القيامة في صحائف أعمالهم، حتى إذا وُوجِه العصاة به قالوا: {مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}، وهذا من تمام عدل الله جل وعلا.

وقد بين الله -جل وعلا- ذلك وفصله غاية التفصيل والإيضاح فقال -جل وعلا-: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} فالله -جل وعلا- يعلم ما توسوس به نفس العبد، وهو -جل وعلا- أقرب إليه من الوريد الذي بين عاتقه وعنقه، ومع ذلك قال: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ} يعني: الملكين {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} يعني: يتلقى الملكان جميع ما يصدر عن بني آدم، وهما مقاعِدان مجالِسان ملازِمان له، لا ينفصلان عنه.
{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} فبين -جل وعلا- أنه يعلم ما توسوس به نفس العبد، وأي شيءٍ أخفى من وسوسة نفس العبد، ومع ذلك أخبر -جل وعلا- أنه جعل هؤلاء الملائكة الذين يكتبون على العبد، وما ذاك إلا لكمال عدل الله -جل وعلا- وإقامة الحجة على الخلق وقطع المعاذير.
ثم قال -جل وعلا-: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} أي: إن الأبرار لفي خير وسعة ونعمة كثيرة، وهذه النعم التي لأهل الجنة كثيرة جداً بينها الله -جل وعلا- في ذكر أوصاف أهل الجنة، وفي ذكر وصف الجنة، وأعلى ذلك النعيم النظر إلى وجه الله جل وعلا.

ثم قال -جل وعلا-: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} أي: أن الكفار الذين هتكوا سترة الدين هؤلاء يوم القيامة في جحيم وهي النار.
ثم قال -جل وعلا-: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ} أي: يوم القيامة.
{وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}أي: أنهم ماكثون فيها أبداً؛ كما قال الله -جل وعلا-: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75)........(76) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً} .

ثم قال -جل وعلا-: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} هذه العبارة تستعمل لتفخيم الشيء وتعظيم أمره، ولهذا تأتي في الأشياء العظام، كما قال تعالى: {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ}، {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} ...إلخ، فالشيء الذي يراد تعظيم أمره وتفخيم شأنه فإنه يؤتى بمثل هذه العبارة، وهذه العبارة قال الله -جل وعلا-: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} ثم أكد هذا التعظيم بقوله: {ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ}.
ثم قال الله -جل وعلا-: {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} يعني: أنَّ كل نفس لا تملك للنفس الأخرى شيئاً، لا تستطيع أن تُقدِّم لها شيئاً تدفع به عن نفسها العذاب، أو تزيد من صالحاتها؛ لأن كل نفس حينئذٍ مشغولة بنفسها.
ثم قال -جل وعلا-: {وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} أي: أن الله -جل وعلا- هو المتفرد بالأمر في يوم القيامة، ليس هناك أمرٌ لأحد كائناً من كان مع الله.

الدنيا فيها أوامر للبشر، الأب يأمر والرئيس يأمر والوزير يأمر، فيها أوامر وإن كانت ليست كأوامر الله جل وعلا، وأما يوم القيامة فالأمر يتفرد به الله -جل وعلا-: {وَالأَمْرُ يَوْمَئذٍ لِلَّهِ} كما قال الله -جل وعلا-: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} وقال -جل وعلا-: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} ؟ فيجيب الله -جل وعلا- نفسه: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}.


والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 11:06 AM
http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/115_1232913298.rm

نورة آل رشيد
02-03-2009, 10:47 PM
تفسير سورة الانفطار

تفسير قول الله تعالى: ( إذا السماء انفطرت )
تفسير قول الله تعالى: ( وإذا الكواكب انتثرت )
تفسير قول الله تعالى: ( وإذا البحار فجرت )
تفسير قول الله تعالى: ( وإذا القبور بعثرت )
تفسير قول الله تعالى: ( علمت نفس ما قدمت وأخرت )
أقوال السلف في المراد بقوله تعالى : ( علمت نفس ما قدمت وأخّرت )
تفسير قول الله تعالى: ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم )
تفسير قول الله تعالى: ( الذي خلقك فسواك فعدلك )
تفسير قول الله تعالى: ( كلا بل تكذبون بالدين )
تفسير قول الله تعالى: ( وإن عليكم لحافظين ، كراماً كاتبين ، يعلمون ما تفعلون )
المؤكدات في قوله تعالى : (وإن عليكم لحافظين)
الحكمة من كتابة الملائكة للأعمال مع أن الله تعالى يعلم كل شيء
ماذا يكتب الملائكة ؟
تفسير قول الله تعالى: ( إن الأبرار لفي نعيم )
تفسير قول الله تعالى: ( وإن الفجار لفي جحيم )
تفسير قول الله تعالى: ( يصلونها يوم الدين )
تفسير قول الله تعالى: ( وما هم عنها بغائبين )
تفسير قول الله تعالى: ( وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين )
تفسير قول الله تعالى: ( يوم لا تملك نفس لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذ لله )
التفريق بين رأي الكلبي في التفسير وبين روايته

نورة آل رشيد
02-03-2009, 10:48 PM
الأسئلة

س1: بين معاني الكلمات التالية: انفطرت، انتثرت، فُجِّرت، بعثرت، عدلك، ركبك.
س2: اذكر تفسيراً إجمالياً مختصراً لهذه السورة الكريمة.
س3: ما هو جواب الشرط في قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ} ؟
س4: ما معنى التسوية في الخلق؟ وما الفرق بينها وبين العدل؟
س5: تحدث باختصار عن موضوع السورة.
س6: تكثر الموعظة في القرآن الكريم ببيان حال الفريقين: الأبرار والفجار، تكلم باختصار عن هذا الأصل، مبيناً أهميته في الدعوة إلى الله تعالى.
س7: للإيمان بالملائكة أهمية في تقويم سلوك العبد، تحدث عن هذا الموضوع في ضوء ما درست في هذه السورة.
س8: اذكر أنواع النعيم التي يعيشها الأبرار.
س9: من أصول المواعظ الربانية التذكير باليوم الآخر تكلم عن هذا الأصل من خلال دراستك لتفسير السورة.
س10: قال الله تعالى: {وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}، اذكر فائدة تخصيص كون الأمر لله في ذلك اليوم، مع أن الأمر كله لله في كل وقت.

ساجدة فاروق
12-20-2011, 01:22 PM
السؤال الأول : قال الله تعالى {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً}: كَتَبْنَاهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ؛ لِتَعْرِفَهُ الْمَلائِكَةُ، وَقِيلَ: أَرَادَ مَا كَتَبَهُ الْحَفَظَةُ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ
وقال الله تعالى {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ} :هُم الْمَلائِكَةُ الْحَفَظَةُ.
هل الملائكة الحفظة هم أيضا الكتبة الحافظون ؟
الجواب : الحفظة من الملائكة صنفان: حفظة أبدان وحفظة أعمال.
فحفظة الأبدان هم المعنيون في قوله تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله }
وحفظة الأعمال هم المعنيون هنا.
واختلف في المراد بهم في قوله تعالى: {ويرسل عليكم حفظة} ، والصواب أن الآية تشمل الصنفين.