المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مطلق التشارك في الاسم لا يقتضي تماثل المسميات


عبد العزيز الداخل
12-02-2008, 12:53 AM
وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ مَوْجُودٍ قَدِيمٍٍ غَنِيٍّ عَمَّا سِوَاهُ، إِذْ نَحْنُ نُشَاهِدُ حُدُوثَ الْمُحْدَثَاتِ كَالْحَيَوَانِ وَالْمَعْدِنِ وَالنَّبَاتِ، وَالْحَادِثُ مُمْكِنٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلاَ مُمْتَنِعٍ، وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الْمُحْدَثَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَالْمُمْكِنُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)، فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ وَلاَ هُمُ الْخَالِقُونَ لِأَنْفُسِهِمْ تَعَيَّنَ أَنَّ لَهُمْ خَالِقًا خَلَقَهُمْ.
وَإِذَا كَان مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ فِي الْوُجُودِ مَا هُوَ قَدِيمٌ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ، وَمَا هُوَ مُحَدَثٌ مُمْكِنٌ، يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ وَهَذَا مَوْجُودٌ وَلاَ يَلْزَمُ مِنِ اتِّفَاقِهِمَا فِي مُسَمَّى "الْوُجُودِ" أَنْ يَكُونَ وُجُودُ هَذَا مِثْلَ وُجُودِ هَذَا بَلْ وُجُودُ هَذَا يَخُصُّهُ وَوُجُودُ هَذَا يَخُصُّهُ، وَاتِّفَاقُهمَا فِي اسْمٍ عَامٍّ لاَ يَقْتَضِي تَمَاثُلَهُمَا فِي مُسَمَّى ذَلِكَ الِاسْمِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيصِ وَلاَ فِي غَيْرِهِ، فَلاَ يَقُولُ عَاقِلٌ - إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْعَرْشَ " شَيْءٌ " مَوْجُودٌ وَإِنَّ الْبَعُوضَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ - إِنَّ هَذَا مِثْلُ هَذَا لِاتِّفَاقِهِمَا فِي مُسَمَّى " الشَّيْءِ " وَ "الْوُجُودِ"؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ غَيْرَهُمَا يُشْتَرَطَانِ فِيهِ، بَلِ الذِّهْنُ يَأْخُذُ مَعْنًى مُشْتَرَكًا كُلِّيًّا هُوَ مُسَمَّى الِاسْمِ الْمُطْلَقِ، وَإِذَا قِيلَ: هَذَا مَوْجُودٌ وَهَذَا مَوْجُودٌ، فَوُجُودُ كُلٍّ مِنْهُمَا يَخُصُّهُ لاَ يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، مَعَ أَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ نَفْسَه بِأَسْمَاءٍ، وَسَمَّى صِفَاتِهِ بِأَسْمَاءٍ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ مُخْتَصَّةً بِهِ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لاَ يُشْرِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، وَسَمَّى بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ بِأَسْمَاءٍ مُخْتَصَّةٍ بِهِمْ مُضَافَةٍ إِلَيْهِمْ تُوَافِقُ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ إِذَا قُطِعَتْ عَنِ الإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِن اتِّفَاقِ الِاسْمَيْنِ تَمَاثُلُ مُسَمَّاهُمَا وَاتِّحَادُه عِنْدَ الْإِطْلاَقِ وَالتَّجْرِيدِ عَنِ الإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ، لاَ اتِّفَاقُهُمَا وَلاَ تَمَاثُلُ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَّحِدَ مُسَمَّاهُمَا عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ.
فَقَدْ سُمَّى اللَّهُ نَفْسَه حَيًّا، فَقَالَ: ( اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ حَيًّا، فَقَالَ: ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الحَيِّ) وَلَيْسَ هَذَا الْحَيُّ مِثْلََ هَذَا الْحَيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ (الْحَيُّ) اسْمُ اللَّهِ مُخْتَصٌّ بِهِ وَقَوْلَه (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ المَيِّتِ) اسْمٌ لِلْحَيِّ الْمَخْلُوقِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَإِنَّمَا يَتَّفِقَانِ إِذَا أُطْلِقَا وَجُرِّدَا عَنِ التَّخْصِيصِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِلْمُطْلَقِ مُسَمًّى مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، وَلَكِنَّ الْعَقْلَ يَفْهَمُ مِنَ المُطْلَقِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ، وَعِنْدَ الِاخْتِصَاصِ يُقَيِّدُ ذَلِكَ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْخَالِقُ عَنِ المَخْلُوقِ، وَالْمَخْلُوقُ عَنِ الخَالِقِ.
وَلاَ بُدَّ مِنْ هَذَا فِي جَمِيعِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِه، يُفْهَمُ مِنْهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ بالمُواطَأةِ وَالِاتِّفَاقِ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ بِالْإِضَافَةِ وَالِاخْتِصَاصِ الْمَانِعَةِ مِنْ مُشَارَكَةِ الْمَخْلُوقِ لِلْخَالِقِ فِي شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَكَذَلِكَ سَمَّى اللَّهُ نَفْسَه عَلِيمًا حَلِيمًا، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ عَلِيمًا، فَقَالَ: ( وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ ) يَعْنِي: إِسْحَاقَ وَسَمَّى آخَرَ حَلِيمًا، فَقَالَ: ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ) يَعْنِي: إِسْمَاعِيلَ، وَلَيْسَ الْعَلِيمُ كَالْعَلِيمِ، وَلاَ الْحَلِيمُ كَالْحَلِيمِ.
وَسَمَّى نَفْسَه سَمِيعًا بَصِيرًا، فَقَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا). وَسَمَّى بَعْضَ خَلْقِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا فَقَالَ:
( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) وَلَيْسَ السَّمِيعُ كَالسَّمِيعِ، وَلاَ الْبَصِيرُ كَالْبَصِيرِ.
وَسَمَّى نَفْسَه بِالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ فَقَالَ: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) وَلَيْسَ الرَّءُوفُ كَالرَّءُوفِ، وَلاَ الرَّحِيمُ كَالرَّحِيمِ.
وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْمَلِكِ، فَقَالَ: ( الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِالْمَلِكِ، فَقَالَ: ( وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا)، ( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ) وَلَيْسَ الْمَلِكُ كَالْمَلِكِ.
وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْمُؤْمِنِ، فَقَالَ: ( الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ) وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِه بِالْمُؤْمِنِ، فَقَالَ: ( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوونَ) وَلَيْسَ الْمُؤْمِنُ كَالْمُؤْمِنِ.
وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْعَزِيزِ، فَقَالَ: ( الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِالْعَزِيزِ، فَقَالَ: ( قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ) وَلَيْسَ الْعَزِيزُ كَالْعَزِيزِ.
وَسَمَّى نَفْسَهُ الْجَبَّارَ الْمُتَكَبِّرَ، وَسَمَّى بَعْضَ خَلْقِهِ بِالْجَبَّارِ الْمُتَكَبِّرِ، فَقَالَ: ( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) وَلَيْسَ الْجَبَّارُ كَالْجَبَّارِ، وَلاَ الْمُتَكَبِّرُ كَالْمُتَكَبِّرِ.
وَنَظَائِرُ هَذَا مُتَعَدِّدَة.ٌ
وَكَذَلِكَ سَمَّى صِفَاتِهِ بِأَسْمَاءٍ، وَسَمَّى صِفَاتِ عِبَادِهِ بِنَظِيرِ ذَلِكَ، فَقَالَ: ( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ)، وَقَالَ: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)، وَقَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)، وَقَالَ: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً).
وَسَمَّى صِفَةَ الْمَخْلُوقِ عِلْمًا وَقُوَّةً، فَقَالَ: ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا)، وَقَالَ: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، وَقَالَ: (فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ)، وَقَالَ (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ)، وَقَالَ: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ)، وَقَالَ:
( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) أَيْ: بِقُوَّةٍ، وَقَالَ: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ) أَيْ: ذَا الْقُوَّةِ، وَلَيْسَ الْعِلْمُ كَالْعِلْمِ، وَلاَ الْقُوَّةُ كَالْقُوَّةِ.
وَكَذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَه بِالْمَشِيئَةِ، وَوَصَفَ عَبْدَه بِالْمَشِيئَةِ، فَقَالَ: ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وَقَالَ: ( إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا).
وَكَذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَه بِالْإِرَادَةِ، وَوَصَفَ عَبْدَه بِالْإِرَادَةِ، فَقَالَ: ( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
وَوَصَفَ نَفْسَه بِالْمَحَبَّةِ، وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْمَحَبَّةِ، فَقَالَ: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، وَقَالَ:(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).
وَوَصَفَ نَفْسَه بِالرِّضَا، وَوَصَفَ عَبْدَه بِالرِّضَا، فَقَالَ: ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ).
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ لَيْسَتْ مِثْلَ مَشِيئَةِ الْعَبْدِِ، وَلاَ إِرَادَتَه مِثْلَ إِرَادَتِه، وَلاَ مَحَبَّتَه مِثْلَ مَحَبَّتِهِ، وَلاَ رِضَاهُ مِثْلَ رِضَاهُ.
وَكَذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَه بِأَنَّهُ يَمْقُتُ الْكُفَّارَ، وَوَصَفَهُمْ بِالْمَقْتِ، فَقَالَ: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ)، وَلَيْسَ الْمَقْتُ مِثْلَ الْمَقْتِ.
وَهَكَذَا وَصَفَ نَفْسَه بِالْمَكْرِ وَالْكَيْدِ، كَمَا وَصَفَ عَبْدَه بِذَلِكَ، فَقَالَ: ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ )، وَقَالَ: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا)، وَلَيْسَ الْمَكْرُ كَالْمَكْرِ، وَلاَ الْكَيْدُ كَالْكَيْدِ.
وَوَصَفَ نَفْسَه بِالْعَمَلِ، فَقالَ: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ)، وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْعَمَلِ، فَقَالَ: ( جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وَلَيْسَ الْعَمَلُ كَالْعَمَلِ.
وَوَصَفََ نَفْسَهُ بِالْمُنَادَاةِ وَالْمُنَاجَاةِ فِي قَوْلِهِ: ( وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًا)، وَقَوْلِه: ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ)، وَقَوْلِه: ( وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا) وَوَصَفَ عَبْدَه بِالْمُنَادَاةِ وَالْمُنَاجَاةِ، فَقَالَ: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)، وَقَالَ: ( إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ) وَقَالَ ( إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) وَلَيْسَ الْمُنَادَاةُ كَالْمُنَادَاةِ، وَلاَ الْمُنَاجَاةُ كَالْمُنَاجَاةِ.
وَوَصَفَ نَفْسَه بِالتَّكْلِيمِ فِي قَوْلِهِ: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، وَقَوْلِه: (وَلمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)، وَقَوْلِه: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ)، وَوَصَفَ عَبْدَه بِالتَّكْلِيمِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ:
( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ)، وَلَيْسَ التَّكْلِيمُ كَالتَّكْلِيمِ.
وَوَصَفَ نَفْسَه بِالتَّنْبِئَةِ، وَوَصَفَ بَعْضَ الْخَلْقِ بِالتَّنْبِئَةِ، فَقَالَ: ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) وَلَيْسَ الْإِنْبَاءُ كَالْإِنْبَاءِ.
وَوَصَفَ نَفْسَه بِالتَّعْلِيمِ، وَوَصَفَ عَبْدَه بِالتَّعْلِيمِ، فَقَالَ: ( الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، وَقَالَ:
( تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ)، وَقَالَ: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى ٍالْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيَعُلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) وَلَيْسَ التَّعْلِيمُ كَالتَّعْلِيمِ.
وَهَكَذَا وَصَفَ نَفْسَه بِالْغَضَبِ فِي قَوْلِهِ: ( وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ)، وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْغَضَبِ فِي قَوْلِهِ: ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا) وَلَيْسَ الْغَضَبُ كَالْغَضَبِ.
وَوَصَفَ نَفْسَه بِأَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ، فَذَكَرَ فِي سَبْعِ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَوَصَفَ بَعْضَ خَلْقِهِ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى غَيْرِهِ، فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ( لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ)، وَقَوْلِهِ ( فَإِذَا اسْتَوَيَتْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ)، وَقَوْلِه: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) وَلَيْسَ الِاسْتِوَاءُ كَالِاسْتِوَاءِ.
وَوَصَفَ نَفْسَه بِبَسْطِ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: ( وَقَالَ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)، وَوَصَفَ بَعْضَ خَلْقِهِ بِبَسْطِ الْيَدِ، فِي قَوْلِهِ: ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ)، وَلَيْسَ الْيَدُ كَالْيَدِ، وَلاَ الْبَسْطُ كَالْبَسْطِ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْبَسْطِ الْإِعْطَاءَ وَالْجُودَ فَلَيْسَ إِعْطَاءُ اللَّهِ كَإِعْطَاءِ خَلْقِه، وَلاَ جُودُه كَجُودِهِمْ. وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ.

عبد العزيز الداخل
12-04-2008, 08:09 AM
فَصْـلٌ


واعلمْ أنَّ الاشتراكَ في الأسماءِ والصِّفاتِ لا يَستلزِمُ تماثلَ المسَمَّياتِ والموصوفاتِ، كما دلَّ على ذلكَ السَّمْعُ، والعقلُ، والْحِسُّ.
أمَّا السمعُ: فقدْ قالَ اللهُ عنْ نفسِهِ: (إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً)
وقالَ عنِ الإِنسانِ: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً)
ونَفَى أنْ يكونَ السَّميعُ كالسَّميعِ والبصيرُ كالبصيرِ فقالَ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)
وأثبتَ لنفسِهِ علْماً وللإِنسانِ علْماً فقالَ عنْ نفسِهِ: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ)
وقالَ عنِ الإِنسانِ: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)
وليسَ علْمُ الإِنسانِ كعِلْمِ اللهِ تعالى فقدْ قالَ اللهُ عنْ علْمِهِ: (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً)
وقالَ: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ)
وقالَ عنْ علْمِ الإِنسانِ: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَ قَلِيلاً)
وأما العقلُ: فَمِنَ المعْلومِ بالعقلِ أنَّ المعانيَ والأوصافَ تَتقيَّدُ وتَتميَّزُ بحسْبِ ما تُضَافُ إليْهِ، فكمَا أنَّ الأشْياءَ مختلِفُةٌ في ذواتِهَا فإنها كذلكَ مختلِفةٌ في صفاتِهَا وفي المعاني المضافةِ، إليْهَا فإنَّ صفةَ كلِّ موصوفٍ تُناسبُهُ لا يُفْهَمُ منْهَا ما يَقصُرُ عنْ موصوفِهَا أو يَتجاوزُهُ، ولهذا نصِفُ الإِنسانَ باللِّينِ والحديدَ المنصَهِرَ باللِّينِ، ونعلَمُ أنَّ اللِّينَ متفاوتُ المعنى بحسْبِ ما أُضِيفَ إليْهِ.
وأما الحسُّ: فإنَّنَا نُشاهِدُ للفيلِ جِسْماً وقَدَماً وقوَّةً، وللبَعوضةِ جسْماً وقَدَماً وقوَّةً، ونعلَمُ الفرْقَ ينَ جسمَيْهِما، وقَدَمَيْهِمَا، وقوَّتيْهِما.
فإذا عُلِمَ أنَّ الاشتراكَ في الاسمِ والصِّفةِ في المخلوقاتِ لا يَستلزمُ التماثُلَ في الحقيقةِ معَ كوْنِ كلٍّ منْها مخلوقاً ممكِناً، فانتفاءُ التَّلازمِ في ذلكَ بينَ الخالقِ والمخْلوقِ أَوْلى، وأجْلَى، بل التماثُلُ في ذلكَ بينَ الخالِقِ والمخلوقِ ممتنِعٌ غايةَ الامتناعِ.

فَصْلٌ: في الزائِغينَ عنْ سَبيلِ الرُّسُلِ وأَتْباعِهِمْ في أسْماءِ اللهِ وصِفاتِهِ

الزائغونَ عنْ سبيلِ الرُّسلِ وأَتباعِهِمْ في أسْماءِ اللهِ وصفاتِهِ قِسْمانِ:
ممثِّلةٌ، ومعطِّلةٌ
وكلٌّ منْهُمْ غَلاَ في جانبٍ، وقَصَّرَ في جانبٍ، فالممثِّلةُ غَلَوْا في جانِبِ الإِثباتِ، وقَصَّرُوا في جانبِ النفْيِ. والمعطِّلةُ غَلَوْا في جانبِ النفيِ، وقَصَّرُوا في جانبِ الإِثباتِ، فخَرَجَ كلٌّ منْهمْ عنِ الاعتدالِ في الجانبينِ.
فالقسمُ الأوَّلُ: الممثِّلةُ وطريقتُهُمْ أنَّهُمْ أَثْبَتُوا للهِ الصِّفاتِ على وجهٍ يُماثلُ صفاتِ المخلوقينَ فقالُوا: للهِ وجهٌ، ويَدانِ، وعينانِ، كوجوهِنَا، وأيدينَا وأعيُنِنَا، ونحوُ ذلكَ.
وشُبْهَتُهُمْ في ذلكَ أنَّ اللهَ تعالى خاطَبَنا في القرآنِ بِمَا نَفْهَمُ ونَعْقِلُ قالُوا: ونحنُ لا نَفهَمُ، ولا نَعقِلُ إلا ما كانَ مشاهَداً فإذَا خاطَبَنا عنِ الغائِبِ بشيْءٍ وَجَبَ حَملُهُ على المعلومِ في الشَّاهِدِ.
ومذهبُهُمْ باطلٌ مردودٌ بالسَّمْعِ، والعقْلِ، والحِسِّ.
أما السَّمْعُ: فقدْ قالَ اللهُ تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)
وقالَ: (فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) ففي الآيةِ الأُولى نَفَى أنْ يكونَ لهُ مماثِلٌ معَ إثباتِ السَّمْعِ والبصرِ لَهُ.
وفي الثانِيَةِ نَهَى أنْ تُضْرَبَ لهُ الأمثالُ فَجَمَعَ في هاتينِ الآيتينِ بينَ النَّفْيِ والنَّهْيِ.
وأما العقْلُ فدلالتُهُ على بُطْلانِ التَّمْثِيلِ منْ وُجوهٍ:
الأوَّلُ: التبايُنُ بينَ الخالقِ والمخلوقِ في الذاتِ والوجودِ، وهذَا يَستلزمُ التبايُنَ في الصِّفاتِ، لأنَّ صفةَ كلِّ موصوفٍ تَليقُ بِهِ فالمعانِي والأوصافُ تَتقيَّدُ وتَتميَّزُ بحسْبِ ما تُضَافُ إليْهِ.
الثاني: أنَّ القولَ بالمماثَلَةِ بينَ الخالقِ والمخلوقِ يَستلزِمُ نقْصَ الخالِقِ سبحانَه، لأن تمثيلَ الكاملِ بالنّاقصِ يَجعلُه ناقصاً.
الثالث: أن القولَ بمماثَلَةِ الخالقِ للمخلوقِ يَقتضي بطلانَ العُبوديَّةِ الحقَّةِ، لأنَّهُ لا يَخضعُ عاقلٌ لأحدٍ ويَذِلُّ لهُ على وجهِ التّعظيمِ المطْلَقِ إلا أنْ يكونَ أعلى مِنْهُ.
وأما الحسُّ: فإننا نُشاهِدُ في المخلوقاتِ ما تَشترِكُ أسماؤُهُ وصفاتُهُ في اللفْظِ، وتَتبايَنُ في الحقيقةِ فلِلْفِيلِ جسْمٌ وقوَّةٌ وللبعوضةِ جسْمٌ وقوَّةٌ، والتبايُنُ بينَ جسميْهما وقوَّتَيْهما معلومٌ فإذا جازَ هذا التبايُنُ بينَ المخلوقاتِ كانَ جوازُهُ بينَ الخالقِ والمخلوقِ منْ بابِ أَوْلى، بل التَّبايُنُ بينَ الخالقِ والمخلوقِ واجبٌ والتماثُلُ ممتنِعٌ غايةَ الامتناعِ.
وأمّا قولُهُمْ: إنَّ اللهَ تعالى خاطَبَنا بما نَعقِلُ ونَفهَمُ فصحيحٌ لقولِهِ تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
وقولِهِ: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إليك مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).
وقولِهِ: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).
ولَوْلاَ أنَّ اللهَ أرادَ مِنْ عبادِهِ عَقْلَ وفَهْمَ ما جاءتْ بِهِ الرُّسلُ لكانَ لسانُ قومِهِ ولسانُ غيْرِهِمْ سواءٌ، ولَمَا حَصَلَ البيانُ الّذي تقومُ بهِ الْحُجَّةُ على الخلْقِ.
وأما قولُهُمْ: إذا خاطَبَنَا عنِ الغائِبِ بشيءٍ وَجَبَ حَمْلُهُ على المعلومِ في الشاهِدِ فجوابُهُ منْ وجهين
أحدُهُمَا: أن ما أَخبرَ اللهُ بهِ عنْ نفسِهِ إنمَا أَخبرَ بهِ مضافاً إلى نفسِهِ المقدَّسةِ فيكونُ لائقاً بهِ لاَ مماثِلاً لمخلوقاتِهِ، ولاَ يُمْكِنُ لأحدٍ أنْ يَفهَمَ منْهُ المماثَلَةَ إلا مَنْ لم يَعْرِف اللهَ تعالى، ولم يُقدِّرْهُ حقَّ قدْرِهِ، ولمْ يَعرفْ مدلولَ الخطابِ الذي يَقتضيهِ السِّياقُ.
الثاني: أنّهُ قد عُلِمَ بضرورةِ العَقْلِ والشرْعِ ما بينَ الخالِقِ والمخلوقِ من التبايُنِ العظيمِ في الذاتِ والوجودِ فكيف يتَصَوَّرُ مؤمنٌ أو عاقلٌ أن يكونَ بينَهما تماثُلٌ في الصفاتِ، فضْلاً عن أن يَعتقِدَ ذلك في اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

محمد أبو زيد
12-14-2008, 10:15 AM
(14) (قَالَ) شَيْخُ الْإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
(والحادثُ مُمْكِنٌ ليسَ بواجبٍ ولا مُمْتَنِعٍ)

الشرحُ:
أَقُولُ: الحادثُ في الاصطلاحِ العامِّ للمَنَاطِقَةِ والمتكلمينَ ما وُجِدَ بعدَ أنْ لم يَكُنْ، فَهُوَ مُرَادِفٌ للمخلوقِ.
وقد يُطْلَقُ "الحادثُ" ويُرَادُ بهِ المُتَجَدِّدُ – فيَكُونُ أَعَمَّ من المخلوقِ.
فالحادثُ على هذا قد يَكُونُ مَخْلُوقًا كالحوادثِ اليوميَّةِ في الكونِ، وكذا الكونُ نفسُهُ، وقد لا يَكُونُ مَخْلُوقًا على كونِهِ مُتَجَدِّدًا، نحوَ قولِهِ تَعَالَى:

{ مَا يَأْتِيهُمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ }
فَالذِّكْرُ الْمُحْدَثُ هُوَ الْقُرْآنُ.
وَهُوَ غَيْرُ مخلوقٍ وإِنْ كانَ مُتَجَدِّدًا.
والمرادُ من "الحادثِ" في كلامِ الشيخِ هو المعنى الأَوَّلُ، وهو المخلوقُ.
و "المُمْكِنُ" ما اسْتَوَى طَرَفَاهُ، أي: وجودُهُ وعدمُهُ، أي: وجودُهُ وعَدَمُهُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ.
فالمُمْكِنُ إذا تَرَجَّحَ جانبُ وجودِهِ فاللَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُهُ ويُوجِدُهُ بعدَ أنْ لمْ يَكُنْ.

و "الواجبُ" ما كانَ وجودُهُ ضَرُورِيًّا كاللَّهِ تَعَالَى؛ فإِنَّ وُجُودَهُ واجِبٌ, أي: ضَرُورِيٌّ، "أَو المُمْتَنِعُ" فَهُوَ ما كَانَ عَدَمُهُ ضَرُورِيًّا كوجودِ خالقَيْنِ مَثَلًا أو الشريكِ للهِ تَعَالَى.
فإِنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ للهِ شريكٌ, لا عَقْلًا, ولا شَرْعًا.

(15) (قَالَ) شَيْخُ الْإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
(بل الذهنُ يأخذُ مَعْنًى مُشْتَرَكًا كُلِّيًّا هو مُسَمَّى الاسمِ المطلقِ).


الشرحُ:
أَقُولُ: إِنَّ الجَهْمِيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لو ثَبَتَ للهِ الصفاتُ لكانَ مُشَابِهًا للمخلوقاتِ.
فَرَدَّ عليهم شَيْخُ الْإِسْلاَمِ وقَالَ لَهُم: إِنَّهُ لا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُطْلَقُ عليهِ أَنَّهُ موجودٌ، والمخلوقَ يُطْلَقُ عليهِ أَنَّهُ موجودٌ.
فَكِلاَهُمَا يَشْتَرِكَانِ في الوجودِ العامِّ الكُلِّيِّ المُطْلَقِ الذي لا خُصُوصَ فيهِ, ولا تَقْيِيدَ.
فهذا هو معنَى "الاسمِ المطلقِ" أي: الاسمِ العامِّ الذي لا خُصُوصَ فيهِ, ولا تَقْيِيدَ فيهِ.
فَمِنْ هذهِ الناحيةِ يَشْتَرِكُ اللَّهُ تَعَالَى والخلقُ في الوجودِ المُطْلَقِ العامِّ.
وهذا هوَ القدرُ المُشْتَرَكُ؛

لأَنَّ كُلَّ واحدٍ موجودٌ، ولكنْ سُرْعَانَ ما يَزُولُ التشبيهُ ويَتَحَقَّقُ الفارقُ بينَ وجودِ اللَّهِ تَعَالَى وبينَ وجودِ المخلوقِ؛
لأَنَّ "الوجودَ" قبلَ الإضافةِ كانَ لَهُ مفهومٌ عامٌّ مطلقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ وغَيْرُ مُخَصَّصٍ.
ولكنْ إذا قُيِّدَ (الوجودُ) بإضافتِهِ إلى اللَّهِ تَعَالَى صارَ فيهِ تخصيصٌ وتقييدٌ، وكذا إذا أُضِيفَ (الوجودُ) إلى المخلوقِ صارَ فيهِ تخصيصٌ وتقييدٌ؛

لأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ تُنَاسِبُ موصوفَهَا، فوجودُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ وجودِ الخلقِ، ووجودُ الخلقِ غَيْرُ وجودِ الخالقِ، فَمِنْ هَهُنَا ارْتَفَعَ التشبيهُ، وتَحَقَّقَ الفارقُ، فلا تَشْبِيهَ إذًا في إثباتِ الصفاتِ للهِ تَعَالَى، فَزَالَتْ شُبْهَةُ الجَهْمِيَّةِ.

(16) (قَالَ) شَيْخُ الْإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
(وَلَكِنْ ليسَ للمطلقِ مُسَمًّى موجودٌ في الخارجِ، ولكنَّ العقلَ يَفْهَمُ من المطلقِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بينَ المُسَمَّيَيْنِ، وعندَ الاختصاصِ يُقَيِّدُ ذلكَ بما يَتَمَيَّزُ بهِ الخالقُ عن المخلوقِ، والمخلوقُ عن الخالقِ)

الشرحُ:
أَقُولُ: هذا الكلامُ تَفْصِيلٌ وتفسيرٌ وتوضيحٌ للكلامِ السابقِ.

وَخُلاَصَتُهُ: أنَّ "العلمَ" مثلًا لَهُ جِهَتَانِ: جِهَةُ العمومِ والإطلاقِ وعَدَمِ التخصيصِ وعَدَمِ التقييدِ.
فلا شَكَّ أَنَّهُ بهذا الاعتبارِ كُلِّيٌّ، وَرَسْمٌ مُطْلَقٌ، وَأَمْرٌ عَامٌّ، وَمُشْتَرَكٌ بينَ علمِ اللَّهِ تَعَالَى وبينَ علمِ المخلوقِ.
ولكنَّ "العلمَ" بهذا الاعتبارِ لا وُجُودَ لَهُ في الخارجِ؛ لأَنَّ الكُلِّيَّ الاسمُ المطلقُ والشيءُ العامُّ لا يُوجَدُ في الخارجِ.

وإِنَّما يَتَصَوَّرُهُ الذهنُ فقطْ دونَ وجودِهِ في الأعيانِ؛ لأَنَّ الشيءَ مِن حيثُ عمومُهُ لا وجودَ لَهُ في الواقعِ، وإِنَّما الموجودُ هو الأفرادُ بخصوصِهَا لا بِعُمُومِهَا، فالعلمُ المطلقُ من حيثُ إِنَّهُ كُلِّيٌّ مشتركٌ لا وجودَ لَهُ في الخارجِ، وإِنَّما وجودُهُ وجودٌ ذِهْنِيٌّ فقطْ، يَتَصَوَّرُ العقلُ وجودَهُ في الأذهانِ دونَ الأعيانِ،

ولكنْ إذا قُيِّدَ العلمُ ويُقَالُ: "علمُ" اللَّهِ تَعَالَى، أو "علمُ" المخلوقِ فَحِينَئِذٍ يوجدُ في الخارجِ؛ لأَنَّهُ صارَ مُقَيَّدًا خاصًّا بسببِ الإضافةِ، فالآنَ لا اشتراكَ فيهِ ولا تَشْبِيهَ، فإذا قِيلَ: علمُ اللَّهِ وعلمُ المخلوقِ تَمَيَّزَ علمُ الخالقِ عن علمِ المخلوقِ.

(17) (قَالَ) شَيْخُ الْإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
(مَا دَلَّ عليهِ الاسمُ بالمُوَاطَأَةِ... )

الشرحُ:
أَقُولُ: هذا أَيْضًا شرحٌ للكلامِ السابقِ وتفسيرٌ لَهُ.
وحاصِلُهُ: أنَّ "العلمَ" مثلًا قبلَ الإَضافةِ وقبلَ التقييدِ وقبلَ التخصيصِ:
يُطْلَقُ على "علمِ" اللَّهِ تَعَالَى وعلى "علمِ" المخلوقِ إِطْلاَقًا سَوِيًّا، فَعِلْمُ اللَّهِ أَيْضًا "علمٌ"، وعلمُ المخلوقِ أَيْضًا "علمٌ"، والعلمُ يُطْلَقُ عليهِمَا على حَدٍّ سواءٍ.

هذا هوَ معنى "المواطأةِ" ومعنى "الاتفاقِ"، فالكُلِّيُّ المُتَوَاطِئُ هوَ ما يَدُلُّ ويُطْلَقُ على أفرادٍ على حدٍّ سواءٍ كإِنسانٍ، فإِنَّهُ يُطْلَقُ على زيدٍ وبكرٍ على السواءِ، ويُقَابِلُهُ الكُلِّيُّ المُشَكَّكُ كالأبيضِ، فإِنَّه يُطْلَقُ على أفرادٍ، ولكنْ مع التفاوتِ والزيادةِ والشدَّةِ في بعضِ أفرادِهِ دونَ بعضٍ، فإِنَّ بَيَاضَ هذا الجدارِ أَشَدُّ مِن بياضِ ذلكَ الجدارِ مثلًا.

محمد أبو زيد
12-14-2008, 10:18 AM
قولُهُ:
وذلكَ أنَّهُ قد عُلِمَ بضرورةِ العَقْلِ أنَّهُ لاَ بُدَّ مِن موجودٍ قديمٍ، غَنِيٍّ عَمَّا سِوَاهُ؛ إذْ نحنُ نُشَاهِدُ حدوثَ المُحْدَثَاتِ، كالحيوانِ والمَعْدِنِ، والنباتِ.
والحادثُ مُمْكِنٌ ليسَ بواجبٍ ولا مُمْتَنِعٍ، وقد عُلِمَ بالاضطرارِ أنَّ المُحْدَثَ لاَ بُدَّ لهُ مِن مُحْدِثٍ، والمُمْكِنَ لاَ بُدَّ لهُ مِن مُوجِدٍ، كما قالَ تعالى: {أمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}، فإنْ لم يكونوا خُلِقُوا مِن غيرِ خالقٍ, ولا هم الخالقونَ لِأَنْفُسِهِم؛ تَعَيَّنَ أنَّ لهم خالِقاً خَلَقَهُم.

الشرحُ:
الظاهِرُ أنَّ في الكلامِ مَحْذُوفاً، وَتَقْدِيرُهُ هو كما يأتي:
(وهذهِ الطوائفُ تَنْفِي الصفاتِ نَفْياً يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الذاتِ؛ لأنَّ حقيقةَ قولِهم تَعْطِيلُ ذاتِ اللهِ تعالى عن الوجودِ وهذا مُمْتَنِعٌ، وَوَجْهُ امْتِنَاعِهِ) أنَّهُ قد عُلِمَ بضرورةِ العَقْلِ أنَّهُ لاَ بُدَّ مِن موجودٍ قديمٍ، فمِنَ المعلومِ بالمشاهدةِ والعقلِ وجودُ موجوداتٍ، ومِن المعلومِ أيضاً أنَّ منها ما هو حادِثٌ بعدَ أنْ لمْ يَكُنْ؛ كما نَعْلَمُ نحنُ أنَّنَا حَادِثُونَ بعدَ عَدَمِنَا، وأنَّ السَّحابَ حادِثٌ، والمَطَرَ والنباتَ حادِثٌ، والدوابَّ حادِثَةٌ، وأمثالُ ذلكِ مِن الآياتِ التي نَبَّهَ اللهُ تعالى عليها بقولِهِ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والْأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ والْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لاَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، وهذهِ الحوادثُ المشهودةُ يَمْتَنِعُ أنْ تكونَ واجبةَ الوجودِ بِذَاتِهَا؛ فإنَّ ما وَجَبَ وجودُهُ بِنَفْسِهِ امْتَنَعَ عَدَمُهُ، وَوَجَبَ قِدَمُهُ، وهذه كانتْ معدومةً فَوُجِدَتْ، فَدَلَّ وجودُهَا بعدَ عَدَمِهَا على أنَّهُ يُمْكِنُ وجودُهَا, وَيُمْكِنُ عَدَمُهَا، فَعُلِمَ بالضرورةِ اشْتِمَالُ الوجودِ على موجودٍ مُحْدَثٍ مُمْكِنٍ، فَنَقُولُ حينئذٍ: الموجودُ بالمُحْدَثِ المُمْكِنِ لاَ بُدَّ لهُ مِن موجودٍ قديمٍ بنفسِهِ، فإنَّهُ يَمْتَنِعُ وجودُ المُحْدَثِ بِنَفْسِهِ، كما يَمْتَنِعُ أنْ يَخْلُقَ الإنسانُ نفسَهُ، وهذا مِن أَظْهَرِ المعارفِ الضرورِيَّةِ؛ فإنَّ الإنسانَ بعدَ حدوثِهِ ووجودِهِ لاَ يَقْدِرُ على أَنْ يَزِيدَ في ذاتِهِ عُضْواً, ولا قَدْراً, ولاَ يَجْعَلَ رَأْسَهُ أكبرَ مِمَّا هو, ولا أَصْغَرَ، وكذلكَ أبواهُ لا يَقْدِرَانِ على شيءٍ من ذلكَ، وهذه قضيَّةٌ ضروريَّةٌ معلومةٌ بالفطرةِ حتى لِلصِّبْيَانِ؛ فإنَّ الصَّبِيَّ لو ضَرَبَهُ ضارِبٌ وهو غافِلٌ لا يُبْصِرُهُ لَقَالَ: مَن ضَرَبَنِي؟ فلو قِيلَ لهُ: لَمْ يَضْرِبْكَ أَحَدٌ لمْ يَقْبَلْ عَقْلُهُ أنْ تكونَ الضربةُ حَدَثَتْ مِن غيرِ مُحْدِثٍ! بلْ يَعْلَمُ أنَّهُ لاَ بُدَّ للحادثِ مِن مُحْدِثٍ، فإذا قيلَ: فلانٌ ضَرَبَكَ. بَكَى حتَّى يَضْرِبَ ضَارِبَهُ، فكانَ في فطرتِهِ الإقرارُ بالصانِعِ، والشَّرْعُ الذي مَبْنَاهُ على العدلِ؛ ولهذا قالَ تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}، وفي الصحيحَيْنِ عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ في أُسَارَى بَدْرٍ قالَ: وَجَدْتُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ في المغربِ بالطورِ، قالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ هذهِ الآيةَ {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} أَحْسَسْتُ بفؤادِي قد انْصَدَعَ، وذلكَ أنَّ هذا تَقْسِيمٌ حاصِرٌ ذَكَرَهُ اللهُ بِصِيغَةِ استفهامِ الإنكارِ لِيُبَيِّنَ أنَّ هذهِ المقدماتِ مَعْلُومَةٌ بالضرورةِ، لاَ يُمْكِنُ جَحْدُهَا، يقولُ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} أي: مِن غيرِ خالِقٍ خَلَقَهُم، أمْ هُم خَلَقُوا أَنْفُسَهُم؟ وهم يعلمونَ أنَّ كِلاَ الأمْرَيْنِ باطلٌ، فَتَعَيَّنَ أنَّ لهم خالِقاً خَلَقَهُم سبحانَهُ وتعالى.

وقولُهُ:" ليسَ بواجبٍ ولا مُمْتَنِعٍ " معناهُ: أنَّ عَدَمَ المُحْدَثِ قبلَ وُجُودِهِ يَنْفِي كونَهُ واجِبَ الوجودِ، ووجودَهُ بعدَ عَدَمِهِ يَنْفِي كَوْنَهُ مُمْتَنِعَ الوجودِ، (والمَعْدِنُ) بكسرِ الدالِ هو المكانُ الذي عَدَنَ بهِ الجَوْهَرُ ونحوَهُ، سُمِّيَ بهِ لِعُدُونِ ما أَنْبَتَهُ اللهُ فيهِ – أيْ: إِقَامِتِهِ بهِ – ثُمَّ سُمِّيَ بهِ الجوهرُ ونحوَهُ، فهو إذاً كُلُّ مُتَوَلِّدٍ في الأرضِ, لاَ مِن جِنْسِهَا.




قولُهُ:
وإذا كانَ مِن المعلومِ بالضرورةِ أنَّ في الوجودِ ما هو قديمٌ واجبٌ بنفسِهِ، وما هو مُحْدَثٌ مُمْكِنٌ يَقْبَلُ الوجودَ والعدمَ؛ فمعلومٌ أنَّ هذا موجودٌ، وهذا موجودٌ، ولا يَلْزَمُ مِن اتفاقِهِمَا في مُسَمَّى الوجودِ أنْ يكونَ وجودُ هذا مثلَ وجودِ هذا، بلْ وجودُ هذا يَخُصُّهُ، ووجودُ هذا يَخُصُّهُ، واتِّفَاقُهُمَا في اسمٍ عامٍّ لا يَقْتَضِي تَمَاثُلَهُمَا في مُسَمَّى ذلكَ الاسمِ عندَ الإضافةِ والتخصيصِ والتَّقْيِيدِ، ولا في غيرِهِ، فلا يقولُ عاقلٌ: إذا قِيلَ: إنَّ العرشَ شيءٌ موجودٌ، وإنَّ البَعُوضَ شيءٌ موجودٌ، إنَّ هذا مثلُ هذا؛ لِاتِّفَاقِهِمَا في مُسَمَّى الشيءِ والوجودِ؛ لأنَّهُ ليسَ في الخارجِ شيءٌ موجودٌ غيرُهُمَا يشتركانِ فيهِ، بل الذهنُ يأخذُ مَعْنًى مُشْتَرَكًا كُلِّيًّا هو مُسَمَّى الاسمِ المُطْلَقِ، وإذا قيلَ: هذا موجودٌ, وهذا موجودٌ, فوجودُ كُلٍّ مِنْهُمَا يَخُصُّهُ، لا يَشْرَكُهُ فيهِ غيرُهُ، مع أنَّ الاسمَ حقيقةٌ في كلٍّ منهما.

الشرحُ:
يقولُ الشيخُ: قد عُلِمَ ضرورةً أنَّ الكونَ فيهِ قديمٌ واجبُ الوجودِ – هو اللهُ سبحانَهُ – ومُحْدَثٌ مُمْكِنٌ يَقْبَلُ الوجودَ والعدمَ – هو المخلوقُ – فَكُلٌّ منهما موجودٌ، ولكنْ لا يقولُ أَحَدٌ: إن وجودَ القديمِ الواجبِ بنفسِهِ مثلُ المُحْدَثِ المُمْكِنِ، بل وجودُ كلٍّ منهما خاصٌّ بهِ, وإنْ كانَا يَتَّفِقَانِ في المعنى العامِّ للوجودِ، ثم ضَرَبَ المُؤَلِّفُ مثلاً للتفاوتِ بينَ وجودِ بعضِ المخلوقاتِ ووجودِ البعضِ الآخَرِ كالعرشِ والبعوضِ، فإذا كانَ وجودُ بعضِ الموجوداتِ لا يُمَاثِلُ وجودَ بعضِهَا فكيفَ بوجودِ الخالِقِ للكونِ بأسْرِهِ، ووجودِ المخلوقِ الحادثِ بعدَ أنْ لم يَكُنْ (الذي) يَطْرَأُ عليهِ العَدَمُ بعدَ وُجُودِهِ.

وقولُهُ: (واتِّفَاقِهِمَا في اسمٍ عامٍّ) إلخ: معناهُ أنَّ الخالقَ سبحانَهُ يُسَمَّى عليماً، والمخلوقَ يُسَمَّى عليمًا، وكونُ الخالقِ مُتَّصِفاً بالعلمِ، والغضبِ، والمَحَبَّةِ، ونحوِ ذلكَ، والمخلوقِ مُتَّصِفاً بذلكَ لا يُوجِبُ هذا التوافقُ تَمَاثُلًا في مدلولِ العليمِ ومدلولِ الغَضَبِ والمحبةِ، لا حينَ يُضافُ الاسمُ أو الصفةُ إلى الخالقِ، ويُصْبِحُ الاسمُ والصفةُ مُقَيَّدَيْنِ بِمَنْ نُسِبَا إليهِ ومُخْتَصَّيْنِ بهِ، ولا في حالةِ كونِ المعنى مُشْتَرِكًا بينهما؛ فالضميرُ في قولِهِ: (وَلاَ فِي غَيْرِهِ) راجعٌ إلى التَّقْيِيدِ والتخصيصِ، وغيرُهُ هو الإطلاقُ فالمعنى: التوافقُ في الاتصافِ بالصفةِ، والتَّسَمِّي بالاسمِ لا يُوجِبُ تماثُلاً في حالةِ التخصيصِ والتَّقْيِيدِ والإطلاقِ.

وَقَوْلُهُ: " لأنَّهُ ليس في الخارجِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ غيرُهُمَا يَشْتَرِكانِ فيهِ" المرادُ أنَّ المُسَمَّيَيْنِ يشتركانِ في المعنَى العامِّ الكُلِّيِّ، وهذا لا وجودَ لهُ إلاَّ في الذهْنِ، أمَّا أنَّ هناكَ شيئاً مُتَجَسِّداً يُشَاهَدُ عِيَانًا تَشْتَرِكُ فِيهِ المُسَمَّيَاتُ فَلاَ، بَلْ هذا مُخَالِفٌ للحِسِّ والعَقْلِ والشَّرْعِ، وضميرُ التثنيةِ راجعٌ إلى العرشِ والبعوضِ.

وقولُهُ:" بل الذهنُ يأخُذُ معنًى مُشْتَرَكاً كُلِّيًّا " إلخ مَعْنَاهُ أنَّ العقلَ يُدْرِكُ أنَّ المعنى العامَّ مُشْتَرِكٌ بينَ المُسَمَّيَاتِ، لِكُلٍّ منها نَصِيبٌ منهُ إلاَّ أنَّ ما يَخُصُّ بَعْضَهَا مِن هذا المعنى العامِّ يُخَالِفُ ما يَخُصُّ بعضَهَا الآخَرَ، فَلِكُلٍّ منها ما أُضِيفَ إليهِ.
وإذا لمْ يَلْزَمْ مثلُ ذلكَ فى العرشِ والبعوضِ (لمْ يَلْزَمْ بالنسبةِ للهِ) فإذا قِيلَ في الخالقِ العظيمِ: إنَّهُ موجودٌ لا معدومٌ، حَيٌّ لا يموتُ، قَيُّومٌ، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ؛ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ أنْ يكونَ مُمَاثِلاً لِكُلِّ موجودٍ وَحَيٍّ وقائِمٍ، وما يُنْفَي عنهُ العَدَمُ والموتُ والنومُ، كَأَهْلِ الجنَّةِ الذين لا يَنَامُونَ ولا يَمُوتُونَ؟ وذلكَ أنَّ هذهِ الأسماءَ العامَّةَ المُتَوَاطِئَةَ التي تُسَمِّيهَا النحاةُ أسماءَ الأجناسِ كالوجودِ والحياةِ، سواءً اتَّفَقَتْ مَعَانِيهَا في مَحَالِّهَا، وهو التَّوَاطُؤُ العامُّ، أو تَفَاضَلَتْ وهو التَّوَاطُؤُ المُسَمَّى بالمُشَكَّكِ، تُسْتَعْمَلُ مُطْلَقَةً عامَّةً، كما إذا قيلَ: الموجودُ يَنْقَسِمُ إلى واجبٍ ومُمْكِنٍ، وقديمٍ ومُحْدَثٍ، والعِلْمُ يَنْقَسِمُ إلى قديمٍ ومُحْدَثٍ، وتُسْتَعْمَلُ مضافةً مُخْتَصَّةً، كما إذا قِيلَ: وجودُ زيدٍ وعمرٍو، وعِلْمُ زَيْدٍ وعمرٍو، وذاتُ زيدٍ وعمرٍو، فإذا اسْتُعْمِلَتْ خاصَّةً مُعَيَّنَةً دَلَّتْ على ما يَخْتَصُّ بهِ المُسَمَّى، ولم تَدُلَّ على ما يَشْرَكُهُ فيهِ غيرُهُ، فإنَّمَا يَخْتَصُّ بهِ المُسَمَّى، لا شَرِكَةَ فيهِ بينَهُ وبينَ غيرِهِ، فإذا قِيلَ: عِلْمُ زيدٍ ونُزُولُ زيدٍ، واستواءُ زيدٍ، ونحوَ ذلكَ، لم يَدُلَّ هنا إلاَّ على ما يَخْتَصُّ بهِ زيدٌ مِن عِلْمٍ ونزولٍ واستواءٍ ونحوِ ذلكَ، ولم يَدُلَّ على ما يَشْرَكُهُ فيهِ غيرُهُ، فإذا كانَ هذا في صفاتِ المخلوقِ فذلكَ في الخالقِ أَوْلَى فإذا قِيلَ: عِلْمُ اللهِ، وكلامُ اللهِ، ونُزُولُهُ، واسْتِوَاؤُهُ، وَوُجُودُهُ، وحَيَاتُهُ، ونحوَ ذلكَ؛ لم يَدُلَّ ذلكَ على ما يَشْرَكُهُ فيهِ أَحَدٌ من المخلوقِينَ بطريقِ الأَوْلَى، ولمْ يَدُلَّ ذلكَ على مُمَاثَلَةِ الغَيْرِ لهُ في ذلكَ؛ فاللهُ لا مِثْلَ ولا كُفْؤَ لَهُ, ولا نِدَّ، فلا يَجُوزُ أنْ نَفْهَمَ مِن ذلكَ أنَّ عِلْمَهُ مِثْلُ عِلْمِ غيرِهِ، ولا كلامَهُ مثلُ كلامِ غيرِهِ، ولا حياتَهُ مثلُ حياةِ غيرِهِ.

قولُهُ:
ولهذا سَمَّى اللهُ نفسَهُ بأسماءٍ، وسَمَّى صفاتِهِ بأسماءٍ، وكانتْ تلكَ الأسماءُ مُخْتَصَّةً بهِ إذا أُضِيفَتْ إليهِ لا يَشْرَكُهُ فيها غَيْرُهُ، وَسَمَّى بعضَ مخلوقاتِهِ بأسماءٍ مُخْتَصَّةٍ بهم، مضافَةٍ إليهم، تُوَافِقُ تلكَ الأسماءَ إذا قُطِعَتْ عن الإضافةِ والتخصيصِ، ولم يَلْزَمْ مِن اتفاقِ الاسْمَيْنِ، وتماثُلِ مُسَمَّاهُمَا، واتِّحَادِهِ عندَ الإطلاقِ والتجريدِ عن الإضافةِ والتخصيصِ اتِّفَاقُهُمَا، ولا تَمَاثُلُ المُسَمَّى عندَ الإضافةِ والتخصيصِ، فَضْلاً عن أنْ يَتَّحِدَ مُسَمَّاهَا عندَ الإضافةِ والتخصيصِ.

الشر حُ:
يعني أنَّ اللهَ سَمَّى نفسَهُ بأسماءٍ، وَوَصَفَ نفسَهُ بصفاتٍ، كما سَمَّى بعضَ خَلْقِهِ بأسماءٍ، وَوَصَفَهُم بصفاتٍ، وتلكَ الأسماءُ والصفاتُ لِكُلٍّ من الخالقِ والمخلوقِ تَتَّفِقُ عندَ الإطلاقِ، وتَخْتَلِفُ عندَ الإضافةِ والتخصيصِ.
وأصلُ هذا أنَّ ما يُوصَفُ اللهُ بهِ، ويُوصَفُ بهِ العبادُ، يُوصَفُ اللهُ بهِ على ما يَلِيقُ بهِ، وَيُوصَفُ بهِ العبادُ على ما يَلِيقُ بهم، وذلكَ مثلَ الحياةِ، والعِلْمِ، والقُدْرَةِ، والسَّمْعِ، والبَصَرِ، والكلامِ، فإنَّ اللهَ له حياةٌ، وعِلْمٌ، وقُدْرَةٌ، وسَمْعٌ، وبَصَرٌ، وكَلاَمٌ، فَكَلاَمُهُ مُشْتَمِلٌ على حروفٍ، وهو يَتَكَلَّمُ بصوتِ نفسِهِ، والعبدَ لهُ حياةٌ، وعِلْمٌ، وقُدْرَةٌ، وَسَمْعٌ، وَبَصَرٌ، وَكَلاَمٌ، وكلامُ العبدِ مُشْتَمِلٌ على حروفٍ، وهو يَتَكَلَّمُ بصوتِ نفسِهِ.

فالصفاتُ لها ثلاثُ اعتباراتٍ: تارةً تُعْتَبَرُ مُضَافَةً إلى الرَّبِّ، وتارةً تُعْتَبَرُ مُضَافَةً إلى العبدِ، وتارةً تُعْتَبَرُ مُطْلَقَةً، لا تَخْتَصُّ بالرَّبِّ ولا بالعبْدِ، فإذا قالَ العبدُ: حياةُ اللهِ، وقدرةُ اللهِ، وكلامُ اللهِ ونحوَ ذلكَ، فهذا كُلُّهُ غيرُ مخلوقٍ، ولا يُمَاثِلُ صفاتِ المخلوقِينَ، وإذا قالَ: عِلْمُ العبدِ، وقدرةُ العبدِ، وكلامُ العبدِ، فهذا كلُّهُ مخلوقٌ, ولا يُمَاثِلُ صفاتِ الربِّ، وإذا قال: العلمُ والقدرةُ والكلامُ. فهذا مُجْمَلٌ مُطْلَقٌ، لا يُقَالُ عليهِ كُلِّهِ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ، ولا إِنَّهُ غيرُ مخلوقٍ، بلْ ما اتَّصَفَ بهِ الرَّبُّ مِن ذلكَ فهو غيرُ مَخْلُوقٍ، وما اتَّصَفَ بهِ العبدُ مِن ذلكَ فهو مخلوقٌ فالصفةُ تَتْبَعُ الموصوفَ، فإنْ كانَ الموصوفُ هو الخالقَ؛ فصفاتُهُ غيرُ مَخْلُوقَةٍ، وإنْ كانَ الموصوفُ هو العبدَ المخلوقَ فصفاتُهُ مخلوقَةٌ.

وقولُهُ: - (ولمْ يَلْزَمْ مِن اتفاقِ الاسمينِ وتَمَاثُلِ مُسَمَّاهُمَا) إلخ يَعْنِي: فلا يَلْزَمُ مِن اتِّفَاقِ المُسَمَّيَيْنِ في المعنى العامِّ تَمَاثُلُ مُسَمَّاهُمَا، ولا اتَّحَادُهُ عندَ التجريدِ عن الإضافةِ، وهو الإطلاقُ، كما أنَّهُ لا يَلْزَمُ تَمَاثُلُ مُسَمَّاهُمَا في حالةِ الإضافةِ والاختصاصِ فَضْلاً عن اتحادِ مُسَمَّاهُمَا في هذهِ الحالةِ، فذلك مَنْفِيٌّ بطريقِ الأَوْلَى، فلا تَمَاثُلَ في الحالتَيْنِ بينَ المُسَمَّيَيْنِ وبطريقِ الأَوْلَى، لا اتِّحَادَ بينهما، وإنَّمَا يَحْصُلُ اشتراكٌ بينهما في المعنى العامِّ عندَ الإطلاقِ، وعبارةُ المُؤَلِّفِ هنا مُوهِمَةٌ أنَّهُ يَحْصُلُ تماثلٌ واتحادٌ بينَ المُسَمَّيَيْنِ في حالةِ الإطلاقِ، وهذا غيرُ مُرَادٍ للمُؤَلِّفِ؛ فإنَّ قولَهُ فيما سَبَقَ: (واتِّفَاقُ المُسَمَّيَيْنِ في اسمٍ عامٍّ لا يُوجِبُ تَمَاثُلَهُمَا عندَ الإضافةِ والتخصيصِ والتَّقْيِيدِ، ولا في غَيْرِهِ) صريحٌ في نَفْيِ هذا، فكلامُهُ السابقُ واللاحِقُ يُقَرِّرُ نَفْيَ المُمَاثَلَةِ بينَ المُسَمَّيَيْنِ, وإنْ حَصَلَ بينهما اشتراكٌ في الاسمِ والمعنى العامَّيْنِ.

قولُهُ:
فقد سَمَّى اللهُ نفسَهُ حَيًّا فقالَ: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وَسَمَّى بعضَ عبادِهِ حَيًّا فقال: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ}، وليس هذا الحَيُّ مثلَ هذا الحَيِّ؛ لأنَّ قولَهُ: الحَيُّ اسمٌ للهِ مُخْتَصٌّ بهِ، وقولَهَ: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} اسمٌ للحَيِّ المخلوقِ مُخْتَصٌّ بهِ، وإنَّمَا يَتَّفِقَانِ إذا أُطْلِقَا, وَجُرِّدَا عن التخصيصِ، ولكنْ ليسَ للمُطْلَقِ مُسَمًّى موجودٌ في الخارجِ، ولكنَّ العقلَ يَفْهَمُ مِن المُطْلَقِ قَدْراً مُشْتَرَكًا بينَ المُسَمَّيَيْنِ، وعندَ الاختصاصِ يُقَيَّدُ ذلكَ بِمَا يَتَمَيَّزُ بهِ الخالِقُ عن المخلوقِ، والمخلوقُ عن الخالقِ، ولاَ بُدَّ مِن هذا في جميعِ أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ، يُفْهَمُ منها ما دَلَّ عليهِ الاسمُ بالمُوَاطَأَةِ والاتِّفَاقِ، وما دَلَّ عليهِ بالإضافةِ والاختصاصِ المَانِعَةِ مِن مُشَارَكَةِ المخلوقِ للخالقِ في شىءٍ من خصائصِهِ – سبحانَهُ وتعالى – وكذلكَ سَمَّى اللهُ نفسَهُ عليماً حليماً، وسَمَّى بَعْضَ عبادِهِ عليماً، فقالَ: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ} يعني: إِسْحَقَ، وَسَمَّى آخَرَ حَلِيماً، فقالَ: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} يعني: إِسْمَاعِيلَ، وليسَ العليمُ كالعليمِ، ولا الحليمُ كالحليمِ، وسَمَّى نفسَهُ سميعاً بصيراً، فقالَ: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}، وَسَمَّى بَعْضَ عبادِهِ سميعاً بصيراً، فقالَ: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} وليسَ السميعُ كالسميعِ، ولا البصيرُ كالبصيرِ.

وَسَمَّى نفسَهُ بالرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ, فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} وسَمَّى بعضَ عبادِهِ بالرَّؤُوفِ الرحيمِ، فقالَ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} وليسَ الرَّؤُوفُ كالرَّؤُوفِ ولا الرحيمُ كالرحيمِ.

وسَمَّى نفسَهُ بالمَلِكِ فقالَ: {الْمَلِكُ القُدُّوسُ}، وَسَمَّى بعضَ عبادِهِ بالْمَلِكِ، فقالَ: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلًَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ} وليسَ المَلِكُ كالمَلِكِ.

وسَمَّى نفسَهُ بالمؤمنِ المُهَيْمِنِ، وسَمَّى بعضَ عبادِهِ بالمُؤْمِنِ، فقالَ: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ} وليس المؤمنُ كالمؤمنِ.

وسَمَّى نفسَهُ بالعزيزِ فقالَ: {العزيزُ الجبَّارُ المُتَكَبِّرُ}، وَسَمَّى بعضَ عبادِهِ بالعزيزِ، فقالَ: {وَقَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ}، وليسَ العزيزُ كالعزيزِ, وَسَمَّى نَفْسَهُ الجبارَ المُتَكَبِّرَ، وسَمَّى بعضَ خَلْقِهِ بالجبَّارِ المُتَكَبِّرِ، فقالَ: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}، وليسَ الجبارُ كالجبارِ، ولا المُتَكَبِّرُ كالمتكبرِ، ونظائرُ هذا مُتَعَدِّدَةٌ.



الشرحُ:
هذا تمثيلٌ للقاعدةِ السابقةِ، وهي أنَّ اللهَ سَمَّى نفسَهُ بأسماءٍ كالحَيِّ، كَمَا في قولِهِ: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} والمخلوقُ يُسَمَّى باسمِ الحَيِّ، كما في قولِهِ: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} ولكنْ لِكُلٍّ منهما ما أُضِيفَ إليهِ مِن اسمِ الحَيِّ المُتَضَمِّنِ صفةَ الحياةِ, لاَ يَشْرَكُهُ الآخَرُ فيهِ.

فالأيةُ الأولى: أُضِيفَ الاسمُ فيها إلى اللهِ فلا يَشْرَكُهُ مخلوقٌ في ذلكَ، والآيةُ الثانيةُ: أُضِيفَ فيها الاسمُ إلى المخلوقِ، فلا يَشْرَكُهُ الخالِقُ في مدلولِهِ الخاصِّ، وحينئذٍ فالخالقُ والمخلوقُ لا يَتَّفِقَانِ إلاَّ في الاسْمِ والمَعْنَى المُطْلَقِ (كالحَيُّ ضِدُّ المَيِّتِ) فَكُلٌّ مِن الخالقِ والمخلوقِ يُسَمَّى بِحَيٍّ ضِدُّ مَيِّتٍ، وفي هذا يكونُ الاشتراكُ فقطْ، وأمَّا الحياةُ المُضَافَةُ إلى اللهِ فهي خاصَّةٌ بهِ؛ حيثُ إِنَّهَا كامِلَةٌ، ولم يَسْبِقْهَا عَدَمٌ, وَلَنْ يَطْرَأَ عليها فَنَاءٌ، وحياةُ المخلوقِ تَخُصُّهُ فهي ناقصةٌ؛ حيثُ وُهِبَتْ لهُ بعدَ أنْ كانَ عَدَماً، ثم إِنَّهُ يَصِيرُ إلى الفناءِ والزَّوَالِ، وهذا مَعْنَى قَوْلِ المُؤَلِّفِ، وليس الحَيُّ كالْحَيِّ.

وقولُهُ:" وكذلكَ سَمَّى اللهُ نفسَهُ عليماً حليماً، وسَمَّى بعضَ عبادِهِ عليماً " فقالَ: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ} إلى قولِهِ:" وَنَظَائِرُ هذا مُتَعَدِّدَةٌ ": المرادُ أنَّهُ يُقَالُ في هذهِ الأسماءِ التي سَمَّى اللهُ بها نفسَهُ, وَسَمَّى بها بعضَ عبادِهِ كالعليمِ، والحليمِ، والرَّؤُوفِ والرحيمِ، إلخ، يُقَالُ في هذهِ مِثْلَ ما قِيلَ في تَسْمِيَةِ اللهِ حَيًّا، وَتَسْمِيَةِ المخلوقِ بذلكَ، فَيُقَالُ: وليسَ الحليمُ كالحليمِ، ولا العليمُ كالعليمِ، ولا الرؤوفُ كالرؤوفِ، ولا العزيزُ كالعزيزِ، ولا الجبَّارُ كالجبَّارِ، ولا السميعُ كالسميعِ، ولا البصيرُ كالبصيرِ؛ لأنَّ ما أُضِيفَ إلى اللهِ اسْمٌ لهُ سبحانَهُ، مُخْتَصٌّ بهِ، وما أُضِيفَ إلى المخلوقِ اسمٌ لهُ مُخْتَصٌّ بهِ، وإنَّمَا يَشْتَرِكَانِ في المَعْنَى العامِّ في حالةِ التجريدِ عن الإضافةِ.

وقولُهُ:" ولكنْ ليسَ لِلمُطْلَقِ مُسَمًّى موجودٌ في الخارجِ، ولكنَّ العقلَ يَفْهَمُ من المطلقِ قَدْراً مُشْتَرَكاً بينَ المُسَمَّيَيْنِ " يعني: أنَّ المعنى العامَّ الذي يَحْصُلُ فيهِ الاشتراكُ لا وُجُودَ لهُ خارجاً عن الذهنِ بحيثُ يكونُ مُتَشَخِّصاً في عينٍ من الأَعْيَانِ ولكنَّ العقلَ يَفْهَمُ مِن المُطْلَقِ قَدْراً مُشْتَرَكاً بينَ المُسَمَّيَيْنِ.

وقولُهُ:" وعندَ الاختصاصِ يُقَيَّدُ ذلكَ بِمَا يَتَمَيَّزُ بهِ الخالقُ عن المخلوقِ، والمخلوقُ عن الخالقِ " يَعْنِي: عندَما تُضَافُ الصفةُ إلى واحدٍ منهما يُقَيَّدُ ذلكَ – يعني: المعنى العامُّ المُطْلَقُ بما يَتَمَيَّزُ بهِ الخالقُ من المخلوقِ، أو المخلوقُ من الخالقِ – فصفةُ اللهِ كاملةٌ لا نَقْصَ فيها بِوَجْهٍ من الوجوهِ، وصفةُ المخلوقِ ناقصةٌ، وهذا هو المُمَيِّزُ بينهما.

وقولُهُ:" ولاَ بُدَّ مِن هذا في جميعِ أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ" يعنى: أنَّ البابَ في هذا بابٌ واحدٌ، فَبَيْنَ أسماءِ اللهِ وأسماءِ المخلوقاتِ تَوَاطُؤٌ وَتَوَافُقٌ في اللفظِ والمعنى العامِّ المُطْلَقِ، فعندَ القَطْعِ عن الإضافةِ والتخصيصِ يَحْصُلُ التوافقُ بَيْنَهُمَا، وحِينَمَا يَحْصُلُ التخصيصُ يَمْتَازُ كُلٌّ منهما بِمَا يُنَاسِبُهُ ويَلِيقُ بهِ، وكذلكَ خصائصُ اللهِ التي لا يَتَّصِفُ بها سواهُ؛ فإنَّهُ لا اشتراكَ في شيءٍ من ذلكَ بينَ الخالقِ والمخلوقِ، وكذلكَ خصائصُ المخلوقِ التي لا يَتَّصِفُ بها إلاَّ مخلوقٌ، هذا أيضًا لا شَرِكَةَ فيهِ بينَ الخالقِ والمخلوقِ، وسَيَأْتِي لذلكَ أمثلةٌ في مواضِعِهَا إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

ومعنى (أَمْشَاجٍ): أَخْلاَطٌ مِن عناصرَ مُخْتَلِفَةٍ، ومعنى (نَبْتَلِيهِ): نَخْتَبِرُهُ بالتكاليفِ، و (الرَّأْفَة) معناها: شِدَّةُ الرَّحْمَةِ, و (إِسْحَاقُ وَإِسْمَاعِيلُ) هما ابْنَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ, عَلَيْهِمْ وعلى نَبِيِّنَا أفضلُ الصلاةِ والسلامِ.

قولُهُ:
وكذلك سَمَّى صفاتِهِ بأسماءٍ، وَسَمَّى صفاتِ عبادِهِ بنظيرِ ذلكَ، فقالَ: {ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ}، {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ}، وقالَ: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}، وقالَ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}، وَسَمَّى صِفَةَ الْمَخْلُوقِ عِلْمًا وَقُوَّةً، فَقَالَ: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}، وقالَ: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}، وقالَ: {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ}، وقالَ: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً}، وقالَ: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}، وقالَ: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} أي: بِقُوَّةٍ، وقالَ: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ} أي: ذَا القُوَّةِ، وَلَيْسَ العِلْمُ كالعلمِ، ولا القُوَّةُ كَالقُوَّةِ.

الشرحُ:
معناهُ: إنَّ اللهَ تعالى وَصَفَ صفاتِهِ بأوصافٍ وكذلك وَصَفَ صفاتِ المخلوقِينَ بصفاتٍ، فَوَصَفَ عِلْمَهُ بالشمولِ والإحاطةِ {ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} والسَّعَةِ والعُمُومِ، {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ}، وَوَصَفَ عِلْمَ المَخْلُوقِ بالقِلَّةِ {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}، وَعَدَمُ السَّعَةِ {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِن العِلْمِ} كَمَا وَصَفَ سبحانَهُ قُوَّتَهُ بالشِّدَّةِ {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}، وَوَصَفَ قُوَّةَ المخلوقِ بِالضعْفِ {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً}.

فالمعنى أنَّ كونَ صِفَةِ البَارِي موصوفةً بصفةٍ، وصفةِ المخلوقِ موصوفةً بصفةٍ لا يُوجِبُ ذلكَ تَمَاثُلاً؛ بلْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ما يُنَاسِبُهُ! فلا تَمَاثُلَ بينَ الصِّفَتَيْنِ كَمَا أَنَّهُ لا تَمَاثُلَ بينَ المَوْصُوفَيْنِ, كما أنَّ أوصافَ اللهِ وأوصافَ المخلوقِ تَتَّفِقُ في الاسمِ دونَ أنْ يَقْتَضِيَ ذلكَ تَمَاثُلًا.

قولُهُ:
وَوَصَفَ نفسَهُ بالمَشِيئَةِ، وَوَصَفَ عبدَهُ بالمَشِيئَةِ، فقالَ: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشْاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.
وقالَ: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا}، {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}، وكذلكَ وَصَفَ نَفْسَهُ بالإرادةِ، وعبدَهُ بالإرادةِ، فقالَ: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

وَوَصَفَ نفسَهُ بالمَحَبَّةِ، وَوَصَفَ عبدَهُ بالمَحَبَّةِ، فقالَ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، وقالَ: {قَلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}.
وَوَصَفَ نفسَهُ بالرِّضَا، وَوَصََفَ عبدَهُ بالرضا، فقالَ: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}، وَمَعْلُومٌ أنَّ مشيئةَ اللهِ ليستْ مثلَ مشيئةِ العبدِ، ولا إرادتَهُ مثلَ إرادتِهِ، ولا مَحَبَّتَهُ مثلَ مَحَبَّتِهِ، ولا رِضَاهُ مِثْلَ رِضَاهُ، وكذلكَ وَصَفَ نفسَهُ بأنَّهُ يَمْقُتُ الكفَّارَ، وَوَصَفَهُم بالْمَقْتِ فقالَ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ }، وليس المَقْتُ مِثْلَ المَقْتِ، وهكذا وَصَفَ نَفْسَهُ بالمَكْرِ والكَيْدِ، كما وَصَفَ عبدَهُ بذلكَ، فقالَ: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} وقالَ: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً} وليسَ المَكْرُ كالمَكْرِ، ولا الكيدُ كالكيدِ.
وَوَصَفَ نَفْسَهُ بالعَمَلِ فقالَ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ}، وَوَصَفَ عبدَهُ بالعملِ فقالَ: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وَلَيْسَ العملُ كالعملِ.
وَوَصَفَ نفسَهُ بالمُنَادَاةِ والمُنَاجَاةِ، فقالَ: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا}، وقالَ: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ}، وقالَ: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا}، وَوَصَفَ عبادَهُ بالمُنَادَاةِ والمُنَاجَاةِ، فقالَ: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}، وقالَ: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ}، وقالَ: {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، وليسَ المُنَادَاةُ والمُنَاجَاةُ كالمُنَادَاةِ والمُنَاجَاةِ.
وَوَصَفَ نَفْسَهُ بالتَّكْلِيمِ في قولِهِ تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً }، وقولِهِ: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}، وقولِهِ: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ}، وَوَصَفَ عَبْدَهُ بالتكليمِ في قولِهِ: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}، وليسَ التكليمُ كالتكليمِ.
وَوَصَف نفسَهُ بالتَّنْبِئَةِ، وَوَصَفَ بَعْضَ الْخَلْقِ بالتَّنْبِئَةِ، فقالَ: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرٌ}، وليسَ الإِنْبَاءُ كالإِنْبَاءِ.
وَوَصَفَ نفسَهُ بالتعليمِ، وَوَصَفَ عبدَهُ بالتعليمِ فقالَ: { الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}، وقالَ: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} وقالَ: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، وليسَ التعليمُ كالتعليمِ.

وهكذا وَصَفَ نَفْسَهُ بالغَضَبِ، فقالَ: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ}، وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْغَضَبِ فى قولِهِ:{ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً }، وليسَ الغضبُ كالغضبِ.
وَوَصَفَ نفسَهُ بأنَّهُ اسْتَوَى على عرشِهِ، فَذَكَرَ ذلكَ في سبعةِ مواضعَ مِن كتابِهِ (أنَّهُ) اسْتَوَى على العرشِ، وَوَصَفَ بعضَ خَلْقِهِ بالاستواءِ على غيرِهِ في مثلِ قولِهِ: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} وقولِهِ: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} وقولِهِ: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ}، وليس الاستواءُ كالاستواءِ.
وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِبَسْطِ اليَدَيْنِ فقالَ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} وَوَصَفَ بعضَ خَلْقِهِ بِبَسْطِ اليَدِ فِي قولِهِ:{وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}، وليست اليدُ كاليدِ، ولا البسطُ كالبسطِ؛ وإذا كانَ المرادُ بالبسطِ الإعطاءَ والجُودَ فليسَ إعطاءُ اللهِ كإعطاءِ خَلْقِهِ، ولا جُودُهُ كَجُودِهِم، وَنَظَائِرُ هذا كثيرةٌ.

الشرحُ:
قولُهُ: (وَوَصَفَ نفسَهُ بالمشيئةِ، وَوَصَفَ عبدَهُ بالمشيئَةِ) إلى قولِهِ: (وَمَعْلُومٌ أنَّ مشيئةَ اللهِ ليستْ مثلَ مشيئةِ العبدِ، ولا إرادتَهُ مثلَ إرادتِهِ، ولا محبتَهُ مثلَ محبتِهِ، ولا رضاهُ مثلَ رضاهُ}، هَذَا شُرُوعٌ في التمثيلِ لِكَوْنِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِصِفَاتٍ وَوَصَفَ عبادَهُ بصفاتٍ، وقولُهُ: (وَمَعْلُومٌ) إلخ.... لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ، فبعدَ أنْ ذَكَرَ الآياتِ الدالَّةَ على صِفَةِ المَشِيئَةِ والإرادةِ والمَحَبَّةِ والرِّضَا قالَ: ومعلومٌ أنَّ صفةَ اللهِ المُضَافَةَ إليهِ لَيْسَتْ مثلَ الصفةِ المُضَافَةِ إلى العبدِ, بلْ لِكُلٍّ مِنهما ما يُنَاسِبُهُ.

والإرادةُ لفظٌ فيهِ إجمالٌ، فيرادُ بها الإرادةُ الكَوْنِيَّةُ الشامِلَةُ لجميعِ الحوادثِ، كقولِ المسلمينِ: " مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ " وكقولِ اللهِ تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ}، وقولِ نوحٍ عليهِ السلامُ: { وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ}.

وَلاَ رَيْبَ أَنَّ اللهَ قد يَأْمُرُ العبادَ بِمَا لا يُرِيدُهُ بهذا التفسيرِ، فإنَّ الإرادةَ الكونِيَّةَ لَيْسَتْ مُسْتَلْزِمَةً للأمرِ، قالَ تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}، فَدَلَّ على أنَّهُ لم يُؤْتِ كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا، مع أنَّهُ قد أَمَرَ كُلَّ نَفْسٍ بِهُدَاهَا، وكما اتَّفَقَ العلماءُ على أنَّ مَن حَلَفَ باللهِ لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَ غَرِيمِهِ غداً إنْ شاءَ اللهُ، وَلَيَرُدَّنَّ وَدِيعَتَهُ أوْ غَصْبَهُ، أو لَيُصَلِّيَنَّ الظهرَ أو العصرَ إنْ شاءَ اللهُ، أو لَيَصُومَنَّ رَمَضَانَ إنْ شاءَ اللهُ، ونحوَ ذلكَ مِمَّا أَمَرَهُ اللهُ بهِ فإنَّهُ إِذَا لم يَفْعَل المَحْلُوفَ عليهِ لاَ يَحْنَثُ مَعَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ بهِ؛ لقولِهِ إنْ شاءَ اللهُ، فَعُلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْهُ مَعَ أَمْرِهِ بِهِ.
وَيُرَادُ بِهَا الإرادةُ الدِّينيَّةُ، وهي التي بِمَعْنَى المحبةِ والرضا، وهي مُلاَزِمَةٌ للأمرِ، كقولِهِ تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ}، ومنهُ قولُ المسلمِينَ: هذا يَفْعَلُ شيئاً لاَ يُرِيدُهُ اللهُ، إذا كانَ يَفْعَلُ بعضَ الفواحشِ، أيْ: أنَّهُ لا يُحِبُّهُ ولا يَرْضَاهُ، بل يَنْهَى عنهُ وَيَكْرَهُهُ.

وقولُهُ: (وكذلِكَ وَصَفَ نفسَهُ بأنَّهُ يَمْقُتُ الكفارَ، وَوَصَفَهُمْ بِالْمَقْتِ) إلى قولِهِ: (وَنَظَائِرُ هَذَا كثيرةٌ) يَعْنِي: وهذهِ الآياتُ أيضًا اسْتَشْهَدَ بها المُؤَلِّفُ على كَوْنِ اللهِ تعالى وَصَفَ نفسَهُ بصفاتٍ، وَوَصَفَ عبدَهُ بصفاتٍ، والمَكْرُ: فِعْلُ شَيْءٍ يُرَادُ بهِ ضِدُّهُ، والكَيْدُ: الاستدراجُ، كما في الآيةِ الكريمةِ {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}، قالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى يَكِيدُهُمْ كَمَا يَكِيدُونَ دِينَهُ وَرَسُولَهُ وَعِبَادَهُ، وَكَيْدُهُ سُبْحَانَهُ اسْتِدْرَاجُهُمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، والإملاءُ لهم حَتَّى يَأْخُذَهُمْ على غِرَّةٍ، فإذا فَعَلَ ذلكَ أعداءُ اللهِ بأوليائِهِ ودينِهِ كانَ كَيْدُ اللهِ لهم حَسَناً لاَ قُبْحَ فيهِ، فَيُعْطِيهِم وَيُعَافِيهِم وَيَسْتَدْرِجُهُم مِن حيثُ لا يعلمونَ. وَمَكْرُهُ سبحانَهُ بأهلِ المَكْرِ – مُقَابَلَةً لَهُمْ بِفِعْلِهِمْ – عَمَلٌ مَمْدُوحٌ, لاَ ذَمَّ فِيهِ، وجزاءٌ لَهُمْ مِن جِنْسِ عَمَلِهِمْ، قالَ تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}.

وهذهِ التفاسيرُ المُتَقَدِّمَةُ لِلْمَكْرِ والكَيْدِ لَيْسَتْ مِن بابِ التأويلِ الذي يُنْكِرُهُ أَهْلُ السُّنَّةِ والجماعَةِ بَلْ مِن بابِ التفسيرِ؛ فإنَّ جميعَ الصحابةِ والتابعِينَ يَصِفُونَ اللهَ – سبحانَهُ وتعالى – بِأَنَّهُ شديدُ القوَّةِ، وكذلكَ شديدُ المَكْرِ، وشديدُ الأَخْذِ، كما وَصَفَ نفسَهُ بذلكَ في غيرِ آيَةٍ مِن كتابِهِ، كقولِهِ: {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}، وقولِهِ: {إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ}، فَيَعْرِفُونَ مَعَانِيَهَا, ولكنْ لا يُكَيِّفُونَهَا، ولا يُشَبِّهُونَهَا بِصِفَاتِ المَخْلُوقِينَ، هذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بينَ أَهْلِ السُّنَّةِ.

وقولُهُ: {فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ}، يعني كما في سورةِ الأعرافِ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}، وفي سورةِ يُونُسَ: {إِنَّ رَبَّكُم اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}، وفي سورةِ الرَّعْدِ: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}، وفي سورةِ طه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، وفي سورةِ الفُرْقَانِ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ}، وفي سورةِ السَّجْدَةِ {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}، وَفِي سورةِ الحَدِيدِ: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}.

ومعنى {يُزَكِّيهِمْ}: يُطَهِّرُهُمْ مِن الشِّرْكِ والمَعَاصِي، (طَبَعَ): خَتَمَ، (أَسِفاً): حَزِيناً أو شَدِيدَ الْغَضَبِ، (الجُودِيِّ): جَبَلٌ بِالْمَوصِلِ، (مَغْلُولَةٌ): مَقْبُوضَةٌ عن العَطَاءِ،(اسْتَوَى): اسْتَقَرَّ وَارْتَفََعَ، {وَإِذْ أَسَّرَ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً} هِيَ حَفْصَةُ، والحديثُ هُوَ تَحْرِيمُ مَارِيَةَ، أو العَسَلِ، أو تَحْرِيمُ التي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ، {وَنَبَّأَتْ بِهِ} أي: أَخْبَرَتْ بهِ غَيْرَهَا {وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ} أي: أَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ على ذلكَ الواقعِ منها مِن الإخبارِ لغيرِهَا، {أَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِي}: أَجْعَلُهُ خَالِصاً لِي دُونَ شَرِيكٍ.

وقولُ المُؤَلِّفِ: (وليسَ اليدُ كاليدِ، ولا البسطُ كالبسطِ، وإذا كانَ المرادُ بالبسطِ الإعطاءَ والجُودَ فليسَ إعطاءُ اللهِ كإعطاءِ خَلْقِهِ، ولا جُودُهُ كَجُودِهِمْ): يَعْنِي كمَا أنَّ اليدَ الحقيقيَّةَ للهِ ليستْ كاليدِ الحقيقيةِ للمخلوقِ، فكذلكَ صفةُ اليدِ – وهي البَسْطُ – ليستْ مُتَمَاثِلَةً, بلْ لِكُلٍّ منهما يَدُهُ التي تُنَاسِبُهُ، وبَسْطُ يَدِهِ اللائِقُ بهِ.

وقد أَشَارَ المُؤَلِّفُ إلى أنَّ للبسطِ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كِنَايَةٌ عن كَثْرَةِ الجُودِ والعَطَاءِ وَعَدَمِ البُخْلِ، قالَ ابنُ عَبَّاسٍ في معنى قولِهِ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ }: إِنَّهُمْ لاَ يَعْنُونَ بذلكَ أنَّ يَدَ اللَّهِ مُوثَقَةٌ، ولكنْ يقولونَ بَخِيلٌ يعني: أَمْسَكَ ما عنْدَهُ بُخْلًا.
والثاني: أنَّ معنى كَوْنِ اليَدَيْنِ مَبْسُوطَتَيْنِ أَنَّهُمَا غيرُ مَغْلُولَتَيْنِ، ولا مَقْبُوضَتَيْنِ، بلْ مُطْلَقَتَيْنِ.
وعلى كلِّ حالٍ فَلَيْسَتْ يَدُ اللهِ مثلَ يَدِ خَلْقِهِ، ولا بَسْطُهُ كَبَسْطِهِم، بلْ لِلْمَخْلُوقِ ما يُنَاسِبُهُ، وللخالقِ ما يُنَاسِبُهُ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}.

محمد أبو زيد
12-14-2008, 10:23 AM
قولُه: ( وذلكَ أنَّهُ قدْ عُلِمَ بضرورةِ العَقْلِ أنَّهُ لا بُدَّ منْ موجودٍ قديمٍ غَنِيٍّ عمَّا سواهُ؛ إذْ نحنُ نُشَاهِدُ حدوثَ الْمُحْدَثَاتِ كالحيوانِ والْمَعْدِنِ والنباتِ، والحادثُ مُمْكِنٌ، وليسَ بواجِبٍ ولا مُمْتَنِعٍ، وقدْ عُلِمَ بالاضطرارِ أنَّ الْمُحْدَثَ لا بُدَّ لهُ منْ مُحْدِثٍ، والْمُمْكِنَ لا بُدَّ لهُ منْ وَاجِبٍ، كما قالَ تعالى: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ }، فإذا لم يكونوا خُلِقُوا منْ غيرِ خالِقٍ، ولا هم الخالِقونَ لأنفسِهم، تَعَيَّنَ أنَّ لهم خَالِقًا خَلَقَهُم، وإذا كانَ من المعلومِ بالضرورةِ أنَّ في الوجودِ ما هوَ قديمٌ واجبٌ بنفسِه، وما هوَ مُحْدَثٌ مُمْكِنٌ يَقْبَلُ الوجودَ والعدَمَ، فمعلومٌ أنَّ هذا موجودٌ، وهذا موجودٌ، ولا يَلْزَمُ من اتِّفاقِهما في مُسَمَّى الوجودِ أنْ يكونَ وجودُ هذا مِثْلَ وُجودِ هذا، بلْ وُجودُ هذا يَخُصُّه، ووجودُ هذا يَخُصُّه، واتِّفاقُهما في اسمٍ عامٍّ لا يَقْتَضِي تَمَاثُلَهُما في مُسَمَّى ذلكَ الاسمِ عندَ الإضافةِ والتقييدِ والتخصيصِ ولا في غيرِه، فلا يقولُ عاقل،ٌ إذا قِيلَ: إنَّ العرْشَ شيءٌ موجودٌ، وإنَّ البَعُوضَ شيءٌ موجودٌ: إنَّ هذا مِثلُ هذا؛ لاتِّفاقِهما في مُسَمَّى ( الشيءِ ) و( الوجودِ )؛ لأنَّهُ ليسَ في الخارِجِ شيءٌ موجودٌ غيرَهما يَشْتَرِكَانِ فيه، بل الذِّهْنُ يأخُذُ معنًى مُشْتَرَكًا كُلِّيًّا هوَ مُسَمَّى الاسمِ الْمُطْلَقِ، وإذا قيلَ: هذا موجودٌ، فوجودُ كلٍّ منهما يَخُصُّه لا يَشْرَكُه فيهِ غيرُه، معَ أنَّ الاسمَ حقيقةٌ في كلٍّ منهما ) .

التوضيحُ

بعدَ أنْ بَيَّنَ شيخُ الإسلامِ أُصولَ تلكَ الفِرَقِ، وشيئًا منْ فَسادِ مذاهبِهم، وأنَّ نَفْيَهم للصفاتِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الذاتِ، بَدَأَ بإبطالِ تلكَ الْمَذاهبِ عَقْلاً ونَقْلاً، إجمالاً وتفصيلاً. فبَدَأَ هنا بِرَدٍّ إجماليٍّ، ثمَّ سَيُفَصِّلُ الردَّ عندَ الكلامِ عن الْأَصْلَيْنِ، والردُّ الإجماليُّ مُرَكَّبٌ منْ وجهينِ:

الأوَّلُ: في الوجودِ . والثاني: في الاتِّفاقِ في الأسماءِ .

الوجهُ الأوَّلُ: في الموجودِ، وهوَ أنَّ الموجودَ إمَّا خالقٌ وإمَّا مخلوقٌ، ولكلٍّ منهما وجودٌ يَخُصُّه، والمعنى أنَّهُ لا بُدَّ منْ موجودٍ قديمٍ واجبٍ بنفسِه تنتهي إليه المخلوقاتُ الْمُحْدَثَةُ، وبرهانُه في مُقَدِّمَتَيْنِ:

1- أنَّنا نُشَاهِدُ حدوثَ المخلوقاتِ كالحيوانِ والْمَعْدِنِ والنباتِ، وهذهِ الْمُحْدَثاتُ مُمْكِنَةٌ وليستْ واجبةً؛ لأنَّها مَسبوقةٌ بالعَدَمِ، كما أنَّها ليستْ مُمْتَنِعَةً؛ لأنَّها موجودٌ الآنَ، والْمُمْتَنِعُ لا يَتَحَقَّقُ وجودُه، وقدْ سَبَقَتْ هذهِ الْمُصْطَلَحَاتُ. وقدْ أشارَ شيخُ الإسلامِ إلى هذا المعنى في غيرِ هذهِ الرسالةِ بقولِه عن الحوادثِ: "فعَدَمُها يَنْفِي وُجوبَها، ووجودُها يَنْفِي امتناعَها "، ولَعَلَّها واضحةً الآنَ .

2- فما دامتْ هذهِ المخلوقاتُ مُحْدَثَةً مُمْكِنَةً، فإنَّهُ يُعْلَمُ ضرورةً أنَّهُ لا بُدَّ لها منْ خالقٍ واجبٍ بنفسِه تَنْتَهي إليهِ؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ التسلسُلُ الْمُمْتَنِعُ عندَ عامَّةِ العُقلاءِ، وهوَ كونُ الموجودِ مُفْتَقِرًا إلى موجودٍ، والموجودِ إلى موجودٍ، وهكذا .

- والدليلُ النَّقْلِيُّ على هذا البُرهانِ العقليِّ قولُ العزيزِ العَلِيِّ: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}، فهذا سَبْرٌ وتَقسيمٌ، قَسَّمَ أسبابَ إيجادِ المخلوقاتِ وحَصَرَهَا في ثلاثةٍ، ثمَّ سَبَرَها ليُبَيِّنَ الْحَقَّ فيها كما يَلِي:

1- إمَّا أنَّهُم وُجِدُوا منْ غيرِ مُوجِدٍ . 2- أوْ أَنَّهُم أَوْجَدُوا أَنْفُسَهم . 3- أوْ أَوْجَدَهُم اللَّهُ تعالى .

- وحَذَفَ السببَ الثالثَ؛ لأنَّهُ نتيجةُ هذا البرهانِ، وهوَ مَعلومٌ من الْمُقَدِّمَتَيْنِ قَبْلَه؛ فلذلكَ صَحَّ حَذْفُه. قالَ الْأَخْضَرِيُّ في (السُّلَّمُ المُنَوْرَقُ في الْمَنْطِقِ):

" والحَذْفُ في بعضِ الْمُقَدِّمَاتِ أو النتيجةِ لعِلْمٍ آتِ "

فأَوَّلاً: إيجادُهم منْ غيرِ موجودٍ مُمْتَنِعٌ؛ لأنَّ الْمُمْكِنَ لا يَتَرَجَّحُ وجودُه على عَدَمِه إلَّا بِمُرَجِّحٍ، وكونُه وُجِدَ منْ غيرِ مُوجِدٍ يَقْتَضي الترجيحَ بلا مُرَجِّحٍ وهوَ مُمْتَنِعٌ . ولكنْ قالَ شيخُ الإسلامِ: ( نفْسُ العلْمِ بأنَّ الْمُحْدَثَ لا بدَّ لهُ مِنْ مُحْدِثٍ أَبْيَنَ وأَقْوَى وأظْهَرَ في العقْلِ منْ كَوْنِ الْمُمْكِنِ لا يَتَرَجَّحُ إلَّا بِمُرَجَّحٍ )، إلى أنْ قالَ: ( وكلُّ مَنْ كانَ إلى الْفِطْرَةِ العَقْلِيَّةِ والشرعيَّةِ النبويَّةِ أقْرَبَ كانتْ طريقتُهُ أَقْوَمَ ) .

ثانيًا: أَوْجَدُوا أنفسَهم: إمَّا أنَّ نَفْسَ المخلوقِ أَوْجَدَ نفسَهُ، أوْ أنَّ المخلوقَ أَوْجَدَهُ مخلوقٌ مثلُه . فالأوَّلُ باطِلٌ؛ لأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يكونَ المخلوقُ مُتَقَدِّمًا على نفسِه باعتبارِه مُحْدِثًا، ومُتَأَخِّرًا باعتبارِه حادِثًا، وتَقَدُّمُ الشيءِ على نفسِه وتَأَخُّرِهِ عنه مُحَالٌ في غايةِ الامتناعِ . والثاني، كونُ المخلوقِ أَوْجَدَه مخلوقٌ آخَرُ، مُحَالٌ؛ لِإِفْضَائِه إلى التَّسَلْسُلِ كما سَبَقَ .
- فلَزِمَ بانتفاءِ هذهِ الأسبابِ إيجادُ الخالِقِ لهم، وهوَ الواجِبُ القديمُ الغَنِيُّ عمَّا سِوَاهُ .
- قولُه: ( فإذا كانَ من المعلومِ بالضرورةِ ... )، فقدْ ثَبَتَ أنَّ في الوجودِ ما هوَ قديمٌ واجبٌ، وما هوَ مُحْدَثٌ مُمْكِنٌ، وأنَّ كُلًّا منهما يَتَّفِقَانِ في الوجودِ، ومعَ ذلكَ لم يَلْزَمْ من اتِّفَاقِهما في المعنى العامِّ، وهوَ الوجودُ، تَمَاثِلُهُما في الوجودِ عندَ الإضافةِ والتقييدِ والتخصيصِ .

وهذهِ ألفاظٌ لمعانيَ مُتقارِبَةٍ؛ فالإضافةُ: ضَمُّ شيءٍ إلى شيءٍ للتعريفِ أو التخصيصِ .

والتقييدُ: التعيينُ أو الوصْفُ بأمْرٍ زائدٍ على الحقيقةِ.

والتخصيصُ: قَصْرُ المعنى العامِّ على بعضِ أفرادِه .
- ومُؤَدَّى هذهِ الألفاظِ: إضافةُ اللفظِ العامِّ الذِّهْنِيِّ إلى مُعَيَّنٍ، وتخصيصُه بهِ في الخارِجِ .
قولُه: ( ولا في غيرِه )، أيْ: لا يَلْزَمُ منهُ التماثُلُ بينَ كلِّ مَنْ يَصْدُقُ عليهِ هذا المعنى، فإذا أُضِيفَ وقُيِّدَ بِمُعَيَّنٍ كانَ عَدَمُ التماثُلِ أوْضَحَ وأَوْلَى.

مِثالُ ذلكَ: ( العَرْشُ والبَعوضُ )، فكِلاَهُما ( شيءٌ موجودٌ )، فلا يَلْزَمُ من اتِّفاقِهما في مُسَمَّى ( الشيءِ ) و( الوجودِ ) أنْ يكونَ العَرْشُ مِثْلَ البَعوضِ. وعَلَّلَ لذلكَ بقولِه: ( لأنَّهُ ليسَ في خارِجِ الذِّهْنِ شيءٌ موجودٌ غيرَهما يَشْتَرِكانِ فيهِ )، والمعنى: أنَّهُ ليسَ في خارِجِ الذِّهْنِ شيءٌ موجودٌ يَشْتَرِكانِ فيهِ غيرَ مُجَرَّدِ مُسَمَّى ( الشيءِ) ومُسَمَّى ( الوجودِ )؛ فإن هذهِ الْمُسَمَّيَاتِ مُجَرَّدُ معانيَ كُلِّيَّةٍ ذِهْنِيَّةٍ غيرِ حِسِّيَّةٍ خارجيَّةٍ؛ لذلكَ قالَ: ( بل الذِّهْنُ يأْخُذُ معنًى مُشْتَرَكًا كُلِّيًّا هوَ مُسَمَّى الاسمِ الْمُطْلَقِ ). والمعنى أنَّ الذِّهْنَ يَأْخُذُ هذا المعنى الْمُشْتَرَكَ بينَهما، وهوَ مُسَمَّى ( الشيءِ والوجودِ ). وأمَّا في الواقِعِ فلا يكونُ إلَّا مُقَيَّدًا مُخْتَصًّا بما يُضافُ إليهِ، كما قالَ: ( فإذا قيلَ: هذا موجودٌ، فوجودُ كلٍّ منهما يَخُصُّه لا يَشْرَكُهُ غيرُه فيهِ، معَ أنَّ الاسمَ حقيقةٌ في كلٍّ منهما )، وهذا واضحٌ، وهوَ تَكرارٌ لِمَا سَبَقَ .


- والْخُلاَصَةُ: أنَّ لِمُسَمَّى الوجودِ ثلاثَ حالاتٍ:
1- حالةُ الإطلاقِ: وهوَ المعنى الكُلِّيُّ الذهْنِيُّ، ولا يُوجَدُ في الخارِجِ .
2- حالةُ الإضافةِ إلى الخالِقِ .
3- حالةُ الإضافةِ إلى المخلوقِ .

- قالَ شيخُ الإسـلامِ في غيرِ هذهِ الرسالةِ: " من المشهورِ عندَ أهْلِ الْمَنْطِقِ أنَّ الكُلِّيَّاتِ إنَّما تكونُ كُلِّيَّاتٍ في الأذهانِ لا في الأعيانِ " .

الوجهُ الثاني: الاتِّفاقُ في الأسماءِ لا يُوجِبُ تَمَاثُلَ الْمُسَمَّيَاتِ
قولُه: ( ولهذا سَمَّى اللَّهُ نفسَه بأسماءٍ، وسَمَّى صِفاتِهِ بأسماءٍ، فكانتْ تلكَ الأسماءُ مُخْتَصَّةً بهِ إذا أُضيفَتْ إليه لا يَشْرَكُهُ فيها غيرُه، وسَمَّى بعضَ مخلوقاتِه بأسماءٍ مُخْتَصَّةٍ بهم مُضافةٍ إليهم تُوافِقُ تلكَ الأسماءَ إذا قُطِعَتْ من الإضافةِ والتخصيصِ، ولمْ يَلْزَمْ من اتِّفاقِ الاسْمَيْنِ تَمَاثُلُ مُسَمَّاهُما واتِّحادُه عندَ الإطلاقِ والتجريدِ عن الإضافةِ والتخصيصِ لا اتِّفاقُهما، ولا تَمَاثُلُ الْمُسَمَّى عندَ الإضافةِ والتخصيصِ، فَضْلاً عنْ أنْ يَتَّحِدَ مُسَمَّاهُما عندَ الإضافةِ والتخصيصِ ) .

التوضيحُ

هذا الوجهُ نتيجةٌ حَتْمِيَّةٌ للوَجْهِ الأوَّلِ، وإنَّما فَصَّلْتُهُ للتوضيحِ؛ ولذلكَ قالَ شيخُ الإسلامِ: ( ولهذا )، أيْ: لهذا السببِ، وهوَ اختلافُ الْمُسَمَّى عندَ الإضافةِ والتقييدِ عنهُ عندَ الإطلاقِ، سَمَّى اللَّهُ تعالى نفسَهُ بأسماءٍ، وسَمَّى صفاتِه بأسماءٍ، فتكونُ هذهِ الأسماءُ خاصَّةً بهِ لائقةً بعَظَمَتِه لا يَشْرَكُه فيها غيرُه، وكذلكَ سَمَّى بعضَ مخلوقاتِه بأسماءٍ مُخْتَصَّةٍ بهم مُناسِبَةٍ لافتقارِهم معَ أنَّها تُوَافِقُ أسماءَ اللَّهِ عندَ الإطلاقِ، ولكنْ تُخَالِفُها عندَ التقييدِ؛ لاختلافِ خصائصِ اللَّهِ تعالى عنْ خصائصِ خَلْقِه .

- ثمَّ ذَكَرَ شيخُ الإسلامِ قاعدةً في جميعِ ما سيأتي من الأسماءِ الْمُشْتَرَكَةِ بينَ الخالقِ والمخلوقِ، وهيَ قولُه: ( ولمْ يَلْزَمْ من اتِّفاقِ الاسمَيْنِ تَمَاثُلُ مُسَمَّاهُما واتِّحادُه عندَ الإطلاقِ والتجريدِ عن الإضافةِ والتخصيصِ لا اتِّفَاقُهما، ولا تَمَاثُلُ المسمَّى عندَ الإضافةِ والتخصيصِ، فَضْلاً عنْ أنْ يَتَّحِدَ مسمَّاهما عندَ الإضافةِ والتخصيصِ).
وهيَ قاعدةٌ مَشهورةٌ، ولكنْ صياغةُ شيخِ الإسلامِ لها بهذا الأسلوبِ صَعَّبَهَا حتَّى التَبَسَتْ على بعضِ الشارِحينَ فلم يَهْتَدُوا إلى حقيقةِ التبيينِ. فأقولُ في إيضاحِها مُسْتَعِينًا باللَّهِ: هنا ألفاظٌ يَنبغِي بيانُها، وهيَ:

1- التماثُلُ: هوَ كونُ الشيئينِ مُسَاوِيَيْنِ ومتشابِهَيْنِ منْ كلِّ وجهٍ.
2- الاتِّحادُ: هوَ كونُ الشيئينِ شيئًا واحدًا، ففَرَّقَ بينَ الاتِّحادِ والتماثُلِ.
3- الاتِّفاقُ: هوَ كونُ الشيئينِ متَّفِقَيْنِ في اللفظِ والمعنى الْكُلِّيِّ، دونَ الحقيقةِ والكيفيَّةِ.

- أمَّا الإطلاقُ، فهوَ ضِدُّ التخصيصِ، والتجريدُ ضِدُّ الإضافةِ، والإضافةُ والتخصيصُ مُتَرَادِفَانِ وقدْ سَبَقَا. فيقولُ شيخُ الإسلامِ: هنا حالتانِ:

أوَّلاً: حالةُ الإطلاقِ وعدَمُ الإضافةِ: لا يَلْزَمُ من اتِّفاقِ الاسْمَيْنِ في المعنى تَمَاثُلُ مُسَمَّاهما، بلْ ولا اتِّحادُهُ منْ بابِ أَوْلَى، وإن اتَّفَقَا في المعنى الكُلِّيِّ .

ثانيًا: حالةُ التخصيصِ والإضافةِ: فمِنْ بابِ أَوْلَى أَلَّا يَلْزَمُ من اتِّفاقِ الاسمَيْنِ إذا أُضِيفَا التَّمَاثُلُ، فَضْلاً عنْ أنْ يَلْزَمَ الاتِّحادُ؛ لأنَّهُ إنْ كانَ لا يَلْزَمُ ذلكَ عندَ الإطلاقِ فعندَ التخصيصِ منْ بابِ أَوْلَى، فكلُّ اسمٍ يَخْتَصُّ بما أُضِيفَ لهُ . فتَدَبَّرْ عبارةَ شيخِ الإسلامِ منْ خلالِ هذا التفصيلِ .

- وقدْ رَبَطَ الإمامُ أبو الحسَنِ الأشعريُّ بينَ هذهِ القاعدةِ وبينَ ما سَبَقَ ذِكْرُه في الوجودِ بعبارةٍ فَرِيدةٍ قالَ فيها ما نَصُّهُ: ( وليسَ اتِّفاقُهما في حقيقةِ ذلكَ يُوجِبُ تَشْبِيهًا بينَهما، ألا تَرَى أنَّ وَصْفَ الباري عَزَّ وَجَلَّ بأنَّهُ موجودٌ، ووَصْفَ الإنسانِ بذلكَ، لا يُوجِبُ تَشَابُهًا بينَهما وإنْ كانا قد اتَّفَقَا في حقيقةِ الوجودِ، ولوْ وَجَبَ تَشَابُهُهما بذلكَ لوَجَبَ تشابُهُ السَّوَادِ والْبَيَاضِ بكونِهما موجودَيْنِ .. )، ثمَّ قالَ: (وكذلكَ الصفاتُ ...).

- وقدْ أَشَرْتُ إلى مَضمونِ هذهِ القاعدةِ وما سَبَقَ منْ كلامِ شيخِ الإسلامِ في مَنْظُومَتِي الدُّرَّةِ الأَثَرَيَّةِ بقَوْلِي:

وإنْ تَجِدْ لَفْظَيْنِ قدْ تَوَافَقَا فكُنْهُهُمَا والكيفُ قدْ تَفَارَقَا
فاعْتَقِد الكَمالَ للإلـهِ وكُنْ عن التكييفِ دَوْمًا لاهِ


الأمثلةُ على القاعدةِ

أوَّلاً: أمْثِلَةٌ لأسماءٍ سَمَّى اللَّهُ بها نَفْسَه وسَمَّى بعضَ عِبَادِهِ بها:

قولُه: ( فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ حَيًّا فقالَ: { اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ }، وسَمَّى بعضَ عِبادِه حَيًّا فقالَ: { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ }، وليسَ هذا الْحَيُّ مِثلَ هذا الحيِّ؛ لأنَّ قولَهُ: { الْحَيُّ }، اسمٌ لِلَّهِ مُخْتَصٌّ بهِ، وقولَهُ: { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ}، اسمٌ للحَيِّ المخلوقِ مُخْتَصٌّ بهِ، وإنَّما يَتَّفِقَانِ إذا أُطْلِقَا وجُرِّدَا عن التخصيصِ، ولكنْ ليسَ للمُطْلَقِ مُسَمًّى موجودٌ في الخارِجِ، ولكنَّ العَقْلَ يَفهَمُ من الْمُطْلَقِ قَدَرًا مُشْتَرَكًا بينَ الْمُسَمَّيْنِ، وعندَ الاختصاصِ يُقَيَّدُ ذلكَ بما يَتَمَيَّزُ بهِ الخالِقُ عن المخلوقِ، والمخلوقُ عن الخالقِ .

ولا بُدَّ منْ هذا في جميعِ أسماءِ اللَّهِ وصفاتِه، يُفْهَمُ منها ما دَلَّ عليها الاسمُ بالمُواطَأَةِ والاتِّفاقِ، وما دَلَّ عليهِ بالإضافةِ والاختصاصِ المانِعَةِ منْ مُشَارَكَةِ المخلوقِ للخالِقِ في شيءٍ منْ خصائصِه سُبحانَهُ وتعالَى ) .

التوضيحُ

سَمَّى اللَّهُ سبحانَه نفسَه بأسمائِه، وسَمَّى مخلوقاتِه ببعضِ هذهِ الأسماءِ، ولكنَّ أسماءَ اللَّهِ تعالى مُخْتَصَّةٌ بهِ، وأسماءَ المخلوقاتِ مُخْتَصَّةٌ بهم، وإنَّما تَتَّفِقُ هذهِ الأسماءُ عندَ الإطلاقِ والتجريدِ عن الإضافةِ كما سَبَقَ، وهذا الْمُطْلَقُ ذِهْنِيٌّ يَفْهَمُه العقْلُ. ثمَّ عندَ الاختصاصِ في الخارِجِ تَتَمَيَّزُ أسماءُ الخالِقِ عنْ أسماءِ المخلوقِ، وهذهِ قاعدةٌ مُطَّرِدَةٌ في جميعِ أسماءِ اللَّهِ وصفاتِه، فَيُفَرَّقُ بينَ ما يَلِي:

أوَّلاً: ما يَدُلُّ عليهِ الاسمُ بالْمُوَاطأَةِ، أي: الاتِّفاقِ في اللفظِ والمعنى العامِّ عندَ الإطلاقِ .

ثانيًا: ما يَدُلُّ عليهِ الاسمُ عندَ الإضافةِ والاختصاصِ التي تَمْنَعُ منْ مُشارَكَةِ المخلوقِ للخالقِ في خصائصِه، وهذا ثَلْجُ اليقينِ وكلامٌ مَتِينٌ، وقدْ سَبَقَ نحوُهُ .

ثمَّ ذَكَرَ شيخُ الإسلامِ أَمْثِلَةً لهذهِ الأسماءِ، بَدَأَها باسمِ: ( الحيِّ )، فإذا أُضِيفَ إلى اللَّهِ اخْتُصَّ بهِ، وإذا أُضيفَ إلى المخلوقِ اخْتُصَّ بفَنائِه وافتقارِه، وسَيُتَابِعُ الأمثلةَ في ذلكَ .

- وهذهِ الطريقةُ، وهيَ سَرْدُ الأسماءِ والصفاتِ التي اتَّفَقَتْ بينَ الخالِقِ والمخلوقِ؛ لِبَيانِ أنَّ مُجَرَّدَ التسميةِ لا تَدُلُّ على التشبيهِ، اتَّبَعَها أئِمَّةُ السلَفِ في رَدِّهِمْ على الْمُبْتَدِعَةِ من الْمُمَثِّلَةِ والْمُعَطِّلَةِ. ومنْ هؤلاءِ إمامُ الأئمَّةِ ابنُ خُزَيْمَةَ كما في كتابِه العظيمِ: ( كتابُ التوحيدِ )؛ حيثُ ذَكَرَ أمْثِلَةً كثيرةً جِدًّا تَفُوقُ ما ذَكَرَهُ شيخُ الإسلامِ، ثُمَّ قالَ: ( وليسَ في تَسْمِيَتِنَا بعضَ الخلْقِ ببعضِ أسامي اللَّهِ ما يُوجِبُ عندَ العُقلاءِ، الذينَ يَعْقِلُونَ عن اللَّهِ خِطَابَهُ، أنْ يُقالَ: إنَّكُم شَبَّهْتُم اللَّهَ بِخَلْقِه) .

مُتابَعةُ الأمْثِلَةِ

قولُه: ( وكذلكَ سَمَّى اللَّهُ نَفْسَه عليمًا حَلِيمًا، وسَمَّى بعضَ عِبادِه عليمًا فقالَ: { وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ }، يعني إسحاقَ، وسَمَّى آخَرَ حَلِيمًا فقالَ: { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ }، يعني إسماعيلَ، وليسَ العَليمُ كالعَليمِ، ولا الْحَليمُ كالْحَليمِ. وسَمَّى نفسَهُ سميعًا بصيرًا فقالَ: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ * إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا }، وسَمَّى بعضَ عِبادِه سَمِيعًا بَصيرًا فقالَ: { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا }، وليسَ السميعُ كالسميعِ، ولا البصيرُ كالبصيرِ. وسَمَّى نفسَهُ بالرَّءُوفِ الرحيمِ فقالَ: { إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}، وسَمَّى بعْضَ عِبادِه بالرءُوفِ الرَحِيمِ فقالَ: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }، وليسَ الرءوفُ كالرءوفِ، ولا الرحيمُ كالرحيمِ. وسَمَّى نفسَهُ بالْمَلِكِ فقالَ: { الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ }، وسَمَّى بعضَ عِبادِه بالْمَلِكِ فقالَ: { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا }، { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ }، وليسَ الْمَلِكُ كالَمَلِكِ. وسَمَّى نفسَهُ بالمؤمنِ الْمُهَيْمِنِ فقالَ: { الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ }، وسَمَّى بعضَ عِبادِه بالمؤمنِ فقالَ: { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ }، وليسَ المؤمِنُ كالمؤمِنِ. وسَمَّى نفْسَهُ بالعزيزِ فقالَ: { الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ }، وسَمَّى بعضَ عِبادِه بالعزيزِ فقالَ: { وَقَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ }، وليسَ العَزيزُ كالعزيزِ. وسَمَّى نفسَهُ الجبَّارَ المتكبِّرَ، وسَمَّى بعضَ خَلْقِه بالجَبَّارِ المتكبِّرِ فقالَ: { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ }، وليسَ الجبَّارُ كالجبَّارِ، ولا المتكبِّرُ كالمتكبِّرِ. ونظائِرُ هذا مُتَعَدِّدَةٌ ) .

التوضيحُ

نَضَعُ هذهِ الأمْثِلَةَ التي ذَكَرَها شيخُ الإسلامِ في الْجَدْوَلِ التالي تَبْسِيطًا للمقصودِ:


دليلُ تسميةِ بعضِ عبادِه به
دليلُ تسميةِ اللَّهِ بهِ نفسَه
الاسمُ
{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ }.
{ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ }.
1) الحيُّ
{ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ }، { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ } .
{ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ }.
2) العليمُ
الحليمُ
{ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا }.
{ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } .
3) السميعُ
البصيرُ
{ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }.
{ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ }.
4) الرءوفُ
الرحيمُ
{ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ }، { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ}.
{ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ }.
5) الملِكُ
{ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا }.
{ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ }.
6) المؤمِنُ
{ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} .
{ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ }.
7) الجبَّارُ
المتكَبِّرُ
{ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ }.
{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
8) العزيزُ


(هنا جدول يؤخذ كصورة)

ثانيًا: أَمْثِلَةٌ لصفاتٍ اتَّصَفَ اللَّهُ بها كما تَلِيقُ بهِ، واتَّصَفَ المخلوقُ بها .

قولُه: ( وكذلكَ سَمَّى صفاتِه بأسماءٍ، وسَمَّى صفاتِ عِبادِه بنظيرِ ذلكَ، فقالَ: { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ }، { أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ }، وقال: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }، وقالَ: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً }.
وسَمَّى صِفَةَ المخلوقِ عِلْمًا وقُوَّةً فقالَ: { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً }، وقالَ: { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ }، وقالَ: { فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ}، وقالَ: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً }، وقالَ: { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}، وقالَ: { وَالسَّمَاءَ بَنَيْناهَا بِأَيْدٍ }، أيْ: بقُوَّةٍ، وقالَ: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ }، أيْ: ذا القوَّةِ، وليسَ العِلْمُ كالعِلْمِ، ولا القوَّةُ كالقوَّةِ. ووَصَفَ نفسَهُ بالمشيئةِ، ووَصَفَ عبْدَهُ بالمشيئةِ، فقالَ: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }، وقالَ: { إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّه سَبِيلاً * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا }.
وكذلكَ وَصَفَ نفسَه بالإرادةِ، ووَصَفَ عَبْدَهُ بالإرادةِ، فقالَ: { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }.
ووَصَفَ نفسَهُ بالمحبَّةِ، ووَصَفَ عبدَه بالمحبَّةِ، فقالَ: { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }، وقالَ: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ }.
ووَصَفَ نفسَه بالرِّضَا، ووَصَفَ عَبْدَهُ بالرِّضَا، فقالَ: { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ }.
ومعلومٌ أنَّ مشيئةَ اللَّهِ ليستْ مِثلَ مَشيئةِ العَبْدِ، ولا إرادتُهُ مِثلَ إرادتِه، ولا مَحَبَّتُهُ مثلَ مَحَبَّتِه، ولا رِضاهُ مِثْلَ رِضاهُ. وكذلكَ وَصَفَ نفسَهُ بأنَّهُ يَمْقُتُ الكُفَّارَ، ووَصَفَهُم بالْمَقْتِ، فقالَ: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ }، وليسَ الْمَقْتُ مِثْلَ الْمَقْتِ. وهكذا وَصَفَ نفْسَهُ بالْمَكْرِ والكَيْدِ كما وَصَفَ عَبدَهُ بذلكَ فقالَ: { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ}، وقالَ: { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا }، وليسَ الْمَكْرُ كالْمَكْرِ، ولا الْكَيْدُ كالكيدِ. ووَصَفَ نفسَهُ بالعمَلِ فقالَ: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ }، ووَصَفَ عَبْدَهُ بالعمَلِ فقالَ: { جَزَاءً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }، وليسَ العمَلُ كالعمَلِ . ووَصَفَ نفسَهُ بالْمُناداةِ والْمُناجاةِ فقالَ: { وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا }، وقالَ: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ }، وقالَ: { وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا }، ووَصَفَ عبدَهُ بالْمُناداةِ والْمُناجاةِ فقالَ: { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}، وقالَ: { إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ}، وقالَ: { إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }، وليسَ الْمُناداةُ كالمناداةِ، ولا الْمُناجاةُ كالْمُناجاةِ. ووَصَفَ نفسَهُ بالْمُتَكَلِّمِ في قولِه: { وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}، وقولِه: { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ }، وَقَوْلِه: { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ }، ووَصَفَ عبدَهُ بالتكليمِ في قولِه: { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي * فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}. ووَصَفَ نفسَهُ بالتنْبِئَةِ، ووَصَفَ بعضَ الْخَلْقِ بالتنبئةِ، فقالَ:{ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا * فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ * فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ }، وليسَ الإنباءُ كالإنباءِ. ووَصَفَ نفسَهُ بالتعليمِ فقالَ: { الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ }، وقالَ: { تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ }، وقالَ: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ }، وليسَ التعليمُ كالتعليمِ .

وهكذا وَصَفَ نفسَهُ بالغضَبِ فقالَ: { وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ }، ووَصَفَ عَبدَهُ بالغَضَبِ في قولِه: { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا }، وليسَ الغَضَبُ كالغَضَبِ .

ووَصَفَ نفسَهُ بأنَّهُ اسْتَوَى على عَرْشِه، فذَكَرَ ذلكَ في سَبْعِ مواضِعَ منْ كتابِه أنَّهُ اسْتَوَى على العَرْشِ، ووَصَفَ بعضَ خَلْقِه بالاستواءِ على غيرِه في مِثْلِ قولِه: { لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ }، وقولِه: { فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ }، وقولِه: { وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ }، وليسَ الاستواءُ كالاستواءِ. ووَصَفَ نفسَهُ ببَسْطِ اليدينِ فقالَ: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ }، ووَصَفَ بعضَ خَلْقِه ببَسْطِ اليدِ في قولِه: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ }، وليسَ اليدُ كاليدِ، ولا البسْطُ كالبسطِ، وإذا كانَ المرادُ بالبسْطِ الإعطاءَ والْجُودَ، فليسَ إعطاءُ اللَّهِ كإعطاءِ خَلْقِه، ولا جُودُه كجُودِهم، ونظائرُ هذا كثيرةٌ) .


التوضيحُ

وهنا ذَكَرَ أمْثِلَةً للصِّفاتِ التي اتَّصَفَ اللَّهُ بها كما تَليقُ بهِ، واتَّصَفَ بها المخلوقُ، وترتيبُها كما سَبَقَ في الأسماءِ:



دليلُ اتِّصافِ المخلوقِ بها بما يُنَاسِبُ افتقارَه
دليلُ اتِّصافِ الخالقِ بها كما تَلِيقُ بعَظَمَتِه
الصفةُ
{ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً }[الرومُ:54]، { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ }[هودُ:52]، { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ }(ص17)، أيْ: ذا القوَّةِ .
{ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }[الذارياتُ:58]، { هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً }[فُصِّلَتْ:15]، { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ } [الذارياتُ:47]، أيْ: بقُوَّةٍ، وليست جَمْعًا لليَدِ كما سيأتي .
1) القوَّةُ
{ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً }[الإسراءُ:85]، { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ }[يوسُفُ:76]، { فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ }[غافرُ:83].
{وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ }[البقرةُ:255]، { أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ}[النساءُ:166].
2) العلْمُ
{ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ }[التكويرُ:28]، { وَمَا تَشَاءُونَ }، [التكويرُ:29]، { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} [الإنسانُ:29].
{ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ }[التكويرُ:29].
3) المشيئةُ
{تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا}[الأنفالُ:76].
{وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ }[الأنفالُ:67].
4) الإرادةُ
{ وَيُحِبُّونَهُ }[المائدةُ:54]، { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ }،[آلُ عمرانَ:31].
{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ }[المائدةُ:54]، { يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ }[آلُ عمرانَ:31].
5) المحَبَّةُ
{ رَضُوا عَنْهُ }[المائدةُ:119].
{ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ }[المائدةُ:119].
6) الرِّضَا
{ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ }[غافرُ:10].
{ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ }[غافرُ:10].
7)الْمَقْتُ
{ وَيَمْكُرُونَ }[الأنفالُ:30].
{ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينِ }[الأنفالُ:30].
8) الْمَكْرُ
{ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا }[الطارقُ:15].
{ وَأَكِيدُ كَيْدًا }[الطارقُ:16].
9) الْكَيْدُ
{ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }[السجدةُ:17].
{ عَمِلَتْ أَيْدِينَا }[يس:71].
10) الْعَمَلُ
{ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ } [الحجراتُ:4]، { إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ}[المجادلةُ:12]، { إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }[المجادلةُ:9].
{ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } [مريمُ:52]، { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ }[القَصصُ:62]، { وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا }[الأعرافُ:22] .
11) الْمُنَادَاةُ
والْمُنَاجَاةُ
{ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ }[يوسفُ:54].
{ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا }[النساء:164]، { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ }[الأعرافُ:143]، { مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ }[البقرةُ: 253].
12) التكليمُ
{ فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ .. فَلَمَّا أَنْبَأَهَا بِهِ }،[التحريمُ:3].
{ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ }[التحريمُ:3].
13) التَّنْبِئَةُ
{ تُعَلِّمُونَهُنَّ }[المائدةُ:4]، { وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ }[آلُ عمرانَ:164].
{ عَلَّمَ الْقُرْآنَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ }[الرحمنُ:1-4]، { مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ }[المائدةُ:4].
14) التعليمُ
{ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا } [الأعرافُ:150].
{ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ }[الفتحُ:6].
15) الغضَبُ
لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ}[الزخرفُ:13]، { فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ }[المؤمنونَ:28]، { وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ }[هودُ:44].
في سَبْعِ مَوَاضِعَ: [الأعرافُ:54]،[يونسُ:3][الرعدُ:2]، [طه:5]،[الفرقانُ:59]،[السجدةُ:4]،[الحديدُ:4].
16) الاستواءُ
{ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ }[الإسراءُ:29]. ونظائرُها كثيرةٌ .
{ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }[المائدةُ:64]، وإذا كانتْ بمعنى الإعطاءِ والْجُودِ فكذلكَ بلا تَمْثِيلٍ .
17) بَسْطُ
اليدينِ



(هنا جدول يؤخذ كصورة)

فكلُّ هذهِ الصِّفاتِ الاتِّفاقُ فيها في المعنى الكُلِّيِّ فقطْ دونَ الكَيْفِيَّاتِ والخصائصِ .

قولُه تعالى: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، قالَ فيهِ شيخُ الإسلامِ: (وإذا كانَ الْمُرادُ بالبَسْطِ الإعطاءَ والجُودَ ... قالَ ابنُ قُتَيْبَةَ: وتأويلُ الآيةِ أنَّ اليهودَ قالتْ: يدُ اللَّهِ مغلولةٌ، أيْ: مُمْسِكَةٌ عن العَطاءِ، فضَرَبَ الغُلَّ في اليدِ مِثالاً لأنَّهُ يَقْبِضُ اليدَ عنْ أنْ تَمْتَدَّ وتَنْبَسِطَ كما تُقْبَضُ يدُ البخيلِ، فقالَ تعالى: { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ }، أيْ: قُبِضَتْ عن العَطاءِ والإنفاقِ في الْخَيْرِ والبِرِّ ). وهذا المعنى لا يَتَنَافَى معَ إثباتِ اليدَيْنِ للَّهِ؛ لأنَّهُ لا يُعَبَّرُ بهذا التعبيرِ إلَّا لِمَنْ لهُ يَدَانِ حقيقِيَّتانِ .
نتيجةُ ما تَقَدَّمَ