المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرد على من زعم أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم ويريد أن يتوصل بذلك إلى نفي الصفات


عبد العزيز الداخل
12-03-2008, 03:43 AM
وَأَصْلُ كَلاَمِ هَؤُلاَءِ كُلِّهمْ عَلَى أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ وَالْأَجْسَامُ مُتَمَاثِلَةٌ.
وَالْمُثْبِتُونَ يُجِيبُونَ عَنْ هَذَا تَارَةً بِمَنْعِ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى، وَتَارَةً بِمَنْعِ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَارَةً بِمَنْعِ كِلْتَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَتَارَةً بالاسْتِفْصالِ.
وَلاَ رَيْبَ أَنَّ قَوْلَهُمْ بِتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ قَوْلٌ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ فَسَّرُوا الْجِسْمَ بِمَا يُشَارُ إِلَيْهِ، أَوْ بِالْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِالْمَوْجُودِ، أَوْ بِالْمُرَكَّبِ مِنَ الهَيُولِي وَالصُّورَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَأَمَّا إِذَا فَسَّرُوهُ بِالْمُرَكَّبِ مِنَ الجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ عَلَى أَنَّهَا مُتَمَاثِلَةٌ، فَهَذَا يُبْنَى عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ، وَعَلَى إِثْبَاتِ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ وَعَلَى أَنَّهَا مُتَمَاثِلَةٌ. وَجُمْهُورُ الْعُقَلاَءِ يُخَالِفُونَهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ التَّشْبِيهَ عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ تَجْسِيمًا بِنَاءً عَلَى تَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ، وَالْمُثْبِتُونَ يُنَازِعُونَهُمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ، كَإِطْلاَقِ الرَّافِضَةِ لـ "النَّصْبِ" عَلَى مَنْ تَوَلَّى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُ فَهُوَ نَاصِبيٌّ، وَأَهْل السُّنَّةِ يُنَازِعُونَهُمْ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى.
وَلِهَذَا يَقُولُ هَؤُلاَءِ: إِنَّ الشَّيْئَيْنِ لاَ يَشْتَبِهَانِ مِنْ وَجْهٍ وَيَخْتَلِفَانِ مِنْ وَجْهٍ. أَكْثَرُ الْعُقَلاَءِ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلاَمَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَّا فِيهِ حُجَجَ مَنْ يَقُولُ بِتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ وَحُجَجَ مَنْ نَفَى ذَلِكَ، وَبَيَّنَّا فَسَادَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِتَمَاثُلِهَا.
وَأَيْضًا، فَالِاعْتِمَادُ بِهَذَا الطَّرِيقِ عَلَى نَفْيِ التَّشْبِيهِ اعْتِمَادٌ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ تَمَاثُلُ الْأَجْسَامِ فَهُمْ لاَ يَنْفُونَ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحُجَّةِ الَّتِي يَنْفُونَ بِهَا الْجِسْمَ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ الْجِسْمَ، وَثَبَتَ امْتِنَاعُ الْجِسْمِ، كَانَ هَذَا وَحْدَهُ كَافِيًا فِي نَفْيِ ذَلِكَ، لاَ يَحْتَاجُ نَفْيُ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِ مُسَمَّى "التَّشْبِيهِ"، لَكِنَّ نَفْيَ الْجِسْمِ يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى نَفْيِ هَذَا التَّشْبِيهِ، بِأَنْ يُقَالَ: لَوْ ثَبَتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا لَكانَ جِسْمًا، ثُمَّ يُقَالُ: وَالْأَجْسَامُ مُتَمَاثِلَةٌ، فَيَجِبُ اشْتِرَاكُهَا فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ. لَكِنْ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ مُعْتَمِدًا فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ عَلَى نَفْيِ التَّجْسِيمِ، فَيَكُونُ أَصْلُ نَفْيِه نَفْيَ الْجِسْمِ، وَهَذَا مَسْلَكٌ آخَرُ سَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مُجَرَّدَ الِاعْتِمَادِ فِي نَفْيِ مَا يُنْفَى عَلَى مُجَرَّدِ نَفْيِ التَّشْبِيهِ لاَ يُفِيدُ، إِذْ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلاَّ وَيَشْتَبِهَانِ مِنْ وَجْهٍ وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ، بِخِلاَفِ الِاعْتِمَادِ عَلَى نَفْيِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - مُقَدَّسٌ عَنْهُ، فَإِنَّ هَذِهِ طَرِيقَةٌ صَحِيحَةٌ.
وَكَذَلِكَ إِذَا أُثْبِتَ لَهُ صِفَاتُ الْكَمَالِ، وَنُفِيَ مُمَاثَلَةُ غَيْرِهِ لَهُ فِيهَا، فَإِنَّ هَذَا نَفْيُ الْمُمَاثَلَةِ فِيمَا هُوَ مُسْتَحِقٌّ لَهُ، وَهَذَا حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ أَنْ لاَ يَشْرَكَهُ شَيْءٌ مِنَ الأَشْيَاءِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ. وَكُلُّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَهُوَ مُتَّصِفٌ بِهَا عَلَى وَجْهٍ لاَ يُمَاثِلُهُ فِيهِ أَحَدٌ؛ وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا إِثْبَاتَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَه مِنَ الصِّفَاتِ، وَنَفْيَ مُمَاثَلَتِهِ لِشَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقَاتِ.

عبد العزيز الداخل
12-05-2008, 02:00 PM
....................

محمد أبو زيد
12-14-2008, 04:02 PM
قولُه:
وأصْلُ كلامِ هؤلاءِ كلِّهم على أن إثباتَ الصفاتِ مستلزِمٌ للتجسيمِ. والأجسامُ متماثلةٌ. والمثبِتون يُجيبون عن هذا تارةً بمنْعِ المقَدِّمةِ الأُولى. وتارةً بمنعِ المقَدِّمةِ الثانيةِ. وتارةً بمنعِ كلٍّ من المقَدِّمَتَين. وتارةً بالاستفصالِ. ولا ريبَ أن قولَهم بتماثُلِ الأجسامِ قولٌ باطلٌ. سواء فسَّرُوا الجسمَ بما يُشارُ إليه، أو بالقائمِ بنفسِه أو بالموجودِ، أو بالمركَّبِ من الْهَيُولَى والصورةِ ونحوِ ذلك. فأما إذا فسَّرُوه بالمركَّبِ من الجواهرِ الفرْدَةِ على أنها متماثِلَةٌ فهذا يُبْنَى على صحَّةِ ذلك وعلى إثباتِ الجوهَرِ الفَرْدِ، وعلى أنه متماثلٌ، وجمهورُ العقلاءِ يُخالفونهم في ذلك.



الشرْحُ:
يقولُ الشيخُ: إن أصْلَ شبهةِ الجهْمِيَّةِ والمعتزِلةِ والأشاعرةِ وأتباعِهم هو أن إثباتَ الصفاتِ يَستلزِمُ الجسميَّةَ والأجسامُ متماثِلَةٌ. والردُّ عليهم يكونُ طَوْراً بمنْعِ المقِدِّمةِ الأُولى: وهو أن يُقالَ الاتِّصافُ بالصفاتِ لا يَستلزِمُ الجسميَّةَ، وطَوْراً يُثبَتُ بمنعِ كلٍّ من المقَدِّمتين. وذلك بأن يُقالَ: ليس كلُّ متَّصِفٍ بالصفَةِ فهو جسْمٌ وليست الأجسامُ متماثِلَةً، وطَوْراً بالاستِفصالِ عن المرادِ بالجسمِ، والجسمُ بأيِّ تفسيرٍ فسَّرُوه فلا شكَّ في بُطلانِ قولِهم بأن الأجسامَ متماثِلَةٌ فإنه قولٌ مخالِفٌ لصريحِ المعقولِ وصحيحِ المنقولِ. وقولُ المؤلِّفِ أما إذا فسَّرُوه بالمركَّبِ من الجواهِرِ المُفْرَدَةِ إلخ. معناه أنهم حين يفسِّرون الجسْمَ بأنه المركَّبُ من الجواهرِ الفَرْدَةِ فهذا القولُ يُبنى على صحَّةِ كونِه مركَّباً وعلى صحَّةِ وجودِ الجوهرِ الفرْدِ وعلى صحَّةِ تماثلِ الأجسامِ. وكلُّ هذه الأقوالِ ليس مع أصحابِها سوى الظنونِ الكاذبةِ والشُّبَهِ الفاسدةِ ولذلك يُخالفُهم فيها جماهيرُ العقلاءِ على اختلافِ أصنافِهم.

والْهَيُولَى هي كما قالَ: في شفاءِ الغلِيلِ فيما في كلامِ العرَبِ من الدَّخيلِ عن الْمُزْهِرِ في كلامِ المتكلِّمين: أصْلُ الشيءِ، فإن يكنْ من كلامِ العربِ فهو صحيحُ الاشتقاقِ. ووزْنُه فَعُولَى، والصوابُ أنه لفظٌ يونانيٌّ بمعنى الأصْلِ والمادةِ وفي الاصطلاحِ: جوهَرٌ في الجسْمِ قابلٌ لما يَعرضُ له من الاتِّصالِ والانفصالِ.

قولُه:
والمقصودُ هنا: أنهم يُطلقون التشبيهَ على ما يَعتقدونه تَجسيماً بِناءً على تماثُلِ الأجسامِ، والمثبِتون يُنازعونهم في اعتقادِهم؛ كإطلاقِ الرافضةِ (النَّصْبَ) على من تَولَّى أبا بكرٍ وعمرَ - رضيَ اللهُ عنهما - بِناءً على أن من أحبَّهما فقد أَبغضَ عليًّا - رضيَ اللهُ عنه - ومن أَبغضَه فهو ناصِبِيٌّ، وأهلُ السنَّةِ يُنازعونهم في المقِدِّمةِ الأُولَى ولهذا يَقولُ هؤلاءِ: إن الشيئين لا يَشتبهان مِن وجْهٍ ويَختلفان من وجْهٍ، وأكثرُ العقلاءِ على خلافِ ذلك. وقد بسَطْنَا الكلامَ على هذا في غيرِ هذا الموضعِ وبيَّنَّا فيه حُجَجَ من يقولُ بتماثلِ الأجسامِ وحُججَ من نَفى ذلك. وبيَّنَّا فسادَ قولِ من يقولُ بتماثلِها.

الشرْحُ:
يعني وخلاصةُ القولِ أن النُّفاةَ يُطلقون اسمَ التَّشْبيهِ على ما يَعتقدونه مُقتضياً للجِسميَّةِ وهو إثباتُ الصفاتِ. وهذا الحكْمُ منهم مَبناه على القولِ بتماثلِ الأجسامِ والمثْبِتون لأسماءِ اللهِ وصفاتِه يُنازعونهم في هذا الحكْمِ. فليس إثباتُ الصفاتِ تشبيهاً بل هو التوحيدُ. وليست الأجسامُ متماثلةً. فليست السماءُ كالأرضِ ولا الخُبزُ كاللَّبنِ ولا الحديدُ كاللحمِ وهكذا سائرُ الأجسامِ. ومثلُ مقالَةِ هؤلاءِ النُّفاةِ مقالَةُ الرافضةِ وحكْمُهم بأن من تَولَّى أبا بكرٍ وعمرَ فقد نَصَبَ العداوةَ لآلِ البيتِ.

فإنه حكْمٌ باطلٌ يُنازعهم فيه أهلُ السنَّةِ والجماعةِ فإنهم يُحبُّون الجميعَ ويتَرَضَّون عنهم، ومحبَّةُ بعضِهم لا تُنافي محبَّةَ البعضِ الآخَرِ. ولكنَّ هؤلاءِ الرافضةَ جعَلُوا الأشياءَ لا تَتَّفقُ من وجْهٍ وتَختلفُ من وجْهٍ آخَرَ فعندَهم لا ولاءَ إلا بِبَرَاءٍ. ولا شكَّ في أن قولَهم: من تَولَّى أبا بكرٍ وعمرَ فقد نَصَبَ العداوةَ لعليٍّ - مقِدِّمةٌ باطلةٌ، وأما قولُهم: ومن أَبغضَه فهو ناصبِيٌّ فهي مقِدِّمةٌ صحيحةٌ فإن من أَبغضَ أحداً من الصحابةِ فقد نَصَبَ العداوةَ له. وحبُّ أصحابِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جميعاً واجبٌ كما ثَبتتْ به النصوصُ؛ فإذا قالَ الرافضيُّ: أنتم ناصِبَةٌ تَنْصِبُون العداوةَ، لآلِ محمَّدٍ، فإنه يُقالُ له: نحن نتَوَلَّى الصحابةَ والقرابَة فإذا قالَ لا ولاءَ إلا ببراءٍ، فمن لم يَتَبَرَّأْ من الصحابةِ لم يَتولَّ القرابةَ، بل يكون قد نَصَبَ لهم العداوةَ، قيلَ له: هَبْ أن هذا يُسمَّى نصْباً فلِمَ قلتَ إن هذا محرَّمٌ فإنه لا دَلالةَ على ذمِّ النصْبِ بهذا التفسيرِ كما أنه لا دَلالةَ على ذمِّ الرفْضِ بمعنى موالاةِ أهلِ البيتِ إذا كان الرجلُ موالياً لهم.

ولقد أَحسنَ القائلُ:

إذا كانَ نصْباً وَلاءُ الصحابِ فإني كما زَعموا ناصبِي
وإن كان رفْضاً وَلاءُ الجميعِ فلا بَرَحَ الرفضُ من جانِبِي

والرفْضُ هو بُغضُ أبي بكرٍ وعمرَ - رضيَ اللهُ عنهما - قيلَ للإمامِ أحمدَ: مَن الرافضيُّ؟ قالَ: الذي يَسبُّ أبا بكرٍ وعمرَ وبهذا سُمِّيَت الرافضةُ فإنهم رَفضوا زيدَ بنَ عليٍّ لما تَوَلَّى الخليفتين أبا بكرٍ وعمرَ لبغضِهم لهما، فالمبْغِضُ لهما هو الرافضيُّ.
وأصْلُ الرفْضِ من المنافقين الزنادقةِ فإنه ابتدَعَه ابنُ سبأٍ الزنديقُ وأظْهَرَ الغلوَّ في عليٍّ بدعوى الإمامةِ والنصِّ عليه وادَّعَى العِصمةَ له. ولهذا لما كان مبدؤُه من النفاقِ قالَ بعضُ السلفِ: حبُّ أبي بكرٍ وعمرَ إيمانٌ وبُغضُهما نفاقٌ.

واعلَمْ أن الأصْلَ في الحكْمِ على الأشياءِ وتسميتِها هو باعتبارِ أن الألفاظَ نوعان: مذكورٌ في كتابِ اللهِ وسنَّةِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكلامِ أهلِ الإجماعِ فهذا يجبُ اعتبارُ معناه وتعليقُ الحكْمِ به؛ فإنْ كانَ المذكورُ به مدْحاً استحقَّ المدحَ وإن كان ذمًّا استحقَّ الذمَّ. وإن أَثبتَ شيئاً وَجبَ إثباتُه وإن نَفَى شيئاً وَجبَ نفيُه لأنَّ كلامَ اللهِ حقٌّ، وكلامَ رسولِه حقٌّ، وكلامَ أهلِ الإجماعِ حقٌّ. وحينئذٍ فمن دَخلَ في اسمٍ مذمومٍ في الشرْعِ كان مذموماً كاسمِ الكافرِ والمنافقِ والملحِدِ ونحوِ ذلك ومن دَخلَ في اسمٍ محمودٍ في الشرْعِ كان محموداً كاسمِ المؤمنِ والتقيِّ والصدِّيقِ وما أَشبهَ ذلك.

وأما الألفاظُ التي ليس لها أصلٌ في الشرْعِ فتلك لا يَجوزُ تعليقُ المدْحِ والذمِّ والإثباتِ والنفيِ على معناها. والألفاظُ التي يُعارِضُ بها النفاةُ النصوصَ هي من هذا الضرْبِ كلفظِ الجسمِ والحيِّزِ والجهةِ والجوهَرِ والعَرَضِ والتركيبِ. وقولُ المؤلِّفِ: (وقد بسطْنَا الكلامَ على هذا في غيرِ هذا الموضعِ). معناه أنه قد استَوْفَى الكلامَ على مسألةِ الرفضِ والنصبِ كما أَوضحَ القولَ في بُطلان تماثلِ الأجسامِ وتهافتِ حُججِ القائلين بذلك، والبراهينِ العقليَّةِ والنصوصِ السمْعيَّةِ الدالَّةِ على عدَمِ تماثلِها، قد بَسطَ الكلامَ على هذا في غيرِ هذه الرسالةِ كما في كتابَيْه: منهاجُ السنَّةِ وموافقةُ صريحِ المعقولِ لصحيحِ المنقولِ.

قولُه:
وأيضاً فالاعتمادُ بهذا الطريقِ على نفيِ التشبيهِ اعتمادٌ باطلٌ؛ وذلك أنه إذا ثَبتَ تماثُلُ الأجسامِ فهم لا يَنفُون ذلك إلا بالحُجَّةِ التي يَنفون بها الجِسمَ، وإذا ثَبتَ أن هذا يَستلزمُ الجسمَ وثَبَتَ امتناعُ الجسمِ كان هذا وحدَه كافياً في نفيِ ذلك لا يَحتاجُ نفيُ ذلك إلى نفيِ مسمَّى ( التشبيهِ) لكنَّ نفيَ التجسيمِ يكونُ مبنيًّا على نفيِ هذا التشبيهِ بأن يُقالَ لو ثَبتَ له كذا وكذا لكان جِسماً، ثم يُقالُ: والأجسامُ متماثلةٌ، فيجبُ اشتراكُهما فيما يَجبُ ويَجوزُ ويَمتنعُ، وهذا ممتَنِعٌ عليه، لكن حينئذٍ يكون من سَلكَ هذا المسلكَ معتمداً في نفيِ التشبيهِ على نفيِ التجسيمِ، فيكون أصْلُ نفيِه نفيَ الجسمِ. وهذا مسلَكٌ آخَرُ سنتكلَّمُ عليه إن شاءَ اللهُ تعالى.

الشرْحُ:
يقولُ الشيخُ: بالإضافةِ إلى ما سَبقَ من الردِّ على النفاةِ وإبطالِ مقَدِّماتِهم التي جَعلوها أساساً لنفيِ الصفاتِ يُقالُ لهم: اعتمادُكم على نفيِ التشبيهِ بطريقِ نفيِ الصفاتِ لاستلزامِها الجسميَّةَ وكونِ الأجسامِ متماثلةً اعتمادٌ باطلٌ؛ لأنه على فرْضِ أن الأجسامَ متماثلَةٌ فأنتم لا تَنْفُون الصفاتِ إلا بالحُجَّةِ التي تَنفون بها الجسميَّةَ. وإذا ثَبتَ انتفاءُ الصفاتِ وانتفاءُ الجسميَّةِ كان هذا وحدَه كافياً في نفيِ التشبيهِ، لا يَحتاجُ في الأمرِ إلى نفيِ مدلولِ التشبيهِ الذي هو تماثلُ الجسمين بحيث يَجوزُ على أحدِهما ما يَجوزُ على الآخرِ ويَجبُ له ما يَجبُ له ويَمتنعُ عليه ما يَمتنعُ عليه لكنْ في هذه الحالِ يكونُ مَن اعتمدَ على نفيِ الجسميَّةِ لاستلزامِها التشبيهَ نافياً للجسمِ أوَّلاً ثم نافياً للتشبيهِ لانتفاءِ الجسميَّةِ وهذا مسلَكٌ غيرُ المسلَكِ الأوَّلِ الذي هو الاعتمادُ في نفيِ الجسميَّةِ على نفيِ الصفاتِ وكونُ الأجسامِ متماثلةً؛ فإن المسلَكَ الأخيرَ هو الاعتمادُ في نفيِ التشبيهِ على امتناعِ الجسميَّةِ فقط. وسيتكلَّمُ المؤلِّفُ على هذا المسلَكِ عند قولِه: (فصلٌ: وأفسدُ من ذلك ما يَسلُكُه نفاةُ الصفاتِ أو بعضِها).

قولُه:
وإنما المقصودُ هنا أن مجرَّدَ الاعتمادِ في نفيِ ما يُنفَى على مجرَّدِ نفيِ التشبيهِ لا يُفيدُ؛ إذ ما من شيئين إلا ويَشتبهان من وَجهٍ ويفترقان من وَجهٍ، بخلافِ الاعتمادِ على نفيِ النقصِ والعيبِ، ونحوِ ذلك مما هو سبحانَه مقدَّسٌ عنه؛ فإن هذه طريقةٌ صحيحةٌ. وكذلك إذا أَثْبتَ له صفاتِ الكمالِ ونَفَى مماثلةَ غيرِه له فيها فإن هذا نفيُ المماثلةِ فيما هو مستَحِقٌّ له وهذا حقيقةُ التوحيدِ وهو: أن لا يُشاركَه شيءٌ من الأشياءِ فيما هو من خصائصِه، وكلُّ صفةٍ من صفاتِ الكمالِ فهو متَّصِفٌ بها على وجهٍ لا يماثلُه فيها أحدٌ. ولهذا كان مذهبُ سلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها: إثباتُ ما وَصفَ اللهُ به نفسَه من الصفاتِ، ونفيُ مماثلتِه لشيءٍ من المخلوقاتِ.

الشرْحُ:
يقولُ المؤلِّفُ: إنما المرادُ في هذا البحثِ هو بيانُ فسادِ طريقةِ النُّفاةِ المعطِّلَةِ حيث اعتَمَدوا في نفيِ مشابهةِ اللهِ لخلْقِه على النفيِ المجرَّدِ عن إثباتِ الصفاتِ، فإن هذا طريقٌ فاسدٌ، وإنما الطريقُ الصحيحُ إثباتُ حقائقِ أسماءِ اللهِ وصفاتِه ونفيُ مماثلتِه لشيءٍ من مخلوقاتِه. وكونُه سبحانَه يتَّفقُ مع المخلوقِ في الاسمِ وفي المعنى الكُلِّيِّ المشترَكِ لا يَلزمُ منه مماثلتُه لخلقِه: فإنه ما من موجودَيْن إلا وبينَهما اتِّفاقٌ من وجهٍ واختلافٌ من وجْهٍ آخَرَ؛ ألا تَرى أنه إذا قيلَ بيْنَ الإنسانِ والفَرَسِ تشابُهٌ من جهةِ أن هذا حيوانٌ وهذا حيوانٌ، واختلافٌ من جهةِ أن هذا ناطقٌ وهذا صاهِلٌ وغيرُ ذلك من الأمورِ كان ذلك صحيحاً؛ فإن بيْنَ الصفتَيْن من التشابُهِ والاختلافِ بحسَبِ ما بينَ الذاتَيْن؛ فاللهُ تعالى موصوفٌ بصفاتِ الكمالِ الذي لا نَقْصَ فيه مُنَزَّهٌ عن صفاتِ النقصِ مطلقاً ومُنَزَّهٌ عن أن يماثِلَه غيرُه في صفاتِ كمالِه، وحينئذٍ فإثباتُ أسماءِ اللهِ وصفاتِه مع نفيِ المماثلَةِ لأحدٍ من مخلوقاتِه هو محضُ التوحيدِ، فلا يُشركُه أحدٌ في خصائصِه وأوصافِه المضافةِ إليه، وله المثلُ الأَعْلى: فكلُّ وصفٍ كمالٌ لا نقْصَ فيه بوجهٍ من الوجوهِ فهو متَّصِفٌ به على وجهٍ لا يماثلُه فيه أحدٌ، وكلُّ وصفِ نقصٍ وعيْبٍ فهو مُنَزَّهٌ عنه. ومن أجْلِ أن الاعتمادَ في نفيِ التشبيهِ على الإثباتِ البريءِ من التمثيلِ، والنفيِ الخالي من التعطيلِ هو الموافقُ لصريحِ كتابِ اللهِ وسنَّةِ رسولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو مقْتَضَى العقولِ السليمةِ، والفِطَرِ المستقيمةِ من أجْلِ ذلك كان مذهبُ سلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها وصْفَ اللهِ بما وَصفَ به نفسَه أو وَصفَه به رسولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النفيِ والإثباتِ، فاللهُ سبحانَه وتعالى قد نَفَى عن نفسِه مماثلَة المخلوقين فقالَ تعالى: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} فبيَّنَ سبحانَه أنه لم يكن أحدٌ كُفُواً له، وقالَ تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} فأَنكرَ أن يكونَ له سميٌّ، وقد بيَّنَ سبحانَه أن لا مِثلَ له في صفاتِه، ولا أفعالِه، فإن التماثلَ في الصفاتِ والأفعالِ يتضمَّنُ التماثلَ في الذاتِ فإن الذاتَيْن المختلفتين يَمتنعُ تماثلُ صفاتِهما وأفعالِهما؛ إذ تماثلُ الصفاتِ والأفعالِ يَستلزمُ تماثلَ الذواتِ فإن الصفةَ تابعةٌ للموصوفِ بها والفعلُ أيضاً تابعٌ لفاعلِه، بل هو مما يُوصفُ به الفاعلُ.

محمد أبو زيد
12-14-2008, 04:03 PM
الجوابُ عن الشُّبْهَةِ
قولُه : ( وأَصْلُ كلامِ هؤلاءِ كلِّهم على أنَّ إثباتَ الصِّفاتِ مُسْتَلْزِمٌ للتجسيمِ, والأجسامُ مُتَمَاثِلَةٌ, والْمُثْبِتُون يُجِيبُون عن هذا تارةً بِمَنْعِ المقدِّمةِ الأُولى, وتارةً بِمَنْعِ المقَدِّمَةِ الثانيةِ, وتارةً بِمَنْعِ كلٍّ من الْمُقَدِّمَتَيْنِ, وتارةً بالاستفصالِ ) .
أصلُ شُبْهَتِهم كما سَبَقَ من مُقَدِّمَتَيْن .الأُولى : أنَّ إثباتَ الصِّفاتِ يَسْتَلْزِمُ التجسيمَ . والثانيةِ : الأجسامُ مُتَمَاثِلَةٌ فيكونُ الجوابُ عليهم إمَّا بِمَنْعِ المُقَدِّمَة الأُولى أو بِمَنْعِ الثانيةِ أو بِمَنْعِهما معًا أو بالاستفصالِ أو بالإبطالِ, وسَأُرَتِّبُ الجوابَ على سِتَّةِ أَوْجُهٍ كما يَلِي :

الوجهُ الأوَّلُ : لم يَذْكُرْه شيخُ الإسلامِ, وهو مَنْعُ المُقَدِّمَةِ الأُولى, أي: نَمْنَعُ قولَكم بأنَّ الصِّفاتِ لا تَقومُ إلا بجسْمٍ, بل قد يُوصَفُ ما ليس بجسْمٍ, كما تقولُ: نَهارٌ طويلٌ ، بَرْدٌ شديدٌ... وهكذا .

الوجهُ الثاني والثالثُ والرابعُ
قولُه : ( ولا رَيْبَ أنَّ قولَهم بتَمَاثُلِ الأجسامِ قولٌ باطلٌ سواءٌ فَسَّرُوا الجسْمَ بما يُشارُ إليه أو بالقائمِ بنفسِه أو بالمَوْجودِ أو بالمرَكَّبِ من الْهَيُولَى والصورةِ ونحوَ ذلك . فأمَّا إذا فَسَّرُوه بالمركَّبِ من الجواهِرِ الْمُفرَدَةِ على أنها مُتَمَاثِلَةٌ فهذا يُبْنَى على صِحَّةِ ذلك وعلى إثباتِ الجواهِرِ المفْرَدَةِ وعلى أنها مُتَمَاثِلَةٌ وجمهورُ العُقلاءِ يُخالِفونَهُ في ذلك .

والمقصودُ هنا أنهم يُطْلِقُونَ التشبيهَ على ما يَعْتَقِدُونه تَجسيمًا بِناءً على تَمَاثُلِ الأجسامِ والمثْبِتُون يُنازِعُونَهم في اعتقادِهم كإطلاقِ الرَافِضَةِ ( النَّصْبَ ) على مَن تَوَلَّى أبا بَكْرٍ وعمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما بِناءً على أنَّ مَن أَحَبَّهُما فقد أَبْغَضَ عليًّا رَضِيَ اللهُ عنه ، ومَن أَبْغَضه فهو نَاصِبِيٌّ ، وأهْلُ السُّنَّةِ يُنازِعونَهم في المُقَدِّمَةِ الأُولى, ولهذا يقولُ هؤلاءِ : إنَّ الشيئين لا يَشْتَبِهانِ من وجهٍ ويَختلفان من وجهٍ ، وأكثَرُ العُقلاءِ على خِلافِ ذلك .
وقد بَسَطْنَا الكلامَ على هذا في غيرِ هذا الموضِعِ ، وبَيَّنَّا فيه حُجَجَ مَن يقولُ بتَمَاثُلِ الأجسامِ وحُجَجُ مَن نَفَى ذلك ، وبَيَّنَّا فَسادَ قولِ مَن يقولُ بتَمَاثُلِها .

التوضيحُ

الوجهُ الثاني: نَمْنَعُ قولَكم بأنَّ الأجسامَ مُتَمَاثِلَةٌ على جميعِ تفسيراتِكم للجسْمِ سواءٌ قُلْتُمْ: إنه كلُّ ما يُشارُ إليه أو القائمُ بنفسِه أو المَوْجودُ أو المُرَكَّبُ من الْهَيُولَى والصورةِ – الْهَيُولَى أصلُ الشيءِ ومادَّتُه, وهو بمعنى المادَّةِ كما سَبَقَ بيانُه - .

وأمَّا إذا عَرَّفْتُم الجسمَ بأنه المُرَكَّبُ من الجواهِرِ الْمُفْرَدَةِ كما سَبَقَ, ثم قُلْتُمْ بأنها مُتَمَاثِلَةٌ فهذا القولُ مَبْنِيٌّ على صِحَّةِ ثلاثِ مُقَدِّمَاتٍ :
إثباتُ أنَّ الجسْمَ مُرَكَّبٌ من الجواهِرِ الْمُفرَدَةِ .
إثباتُ وُجودِ هذه الجواهِرِ المُفْرَدَةِ .
إثباتُ أنَّ الجواهِرَ المُفْرَدَةَ مُتَمَاثِلَةٌ, وجمهورُ العُقلاءِ يُخالِفون في الجميعِ .

ويَكْفِي في إبطالِ هذه الْمُقَدِّمَاتِ الثلاثِ إبطالُ أصْلِ وُجودِ الجواهِرِ المُفْرَدَةِ ، وقد سَبَقَ أنه ما من شيءٍ, إلا ويَقْبَلُ الانقسامَ حتى يَتَغَيَّرَ أو يَنْعَدِمَ .
الوجهُ الثالثُ : نَمْنَعُ الْمُقَدِّمَتَيْنِ بِناءً على مَنْعِنَا لكلٍّ منهما, وهذه نتيجةٌ طبيعيَّةٌ لذلك .

الوجهُ الرابعُ : الاستفصالُ : فنقولُ : هل مرادُكم بالجسْمِ الذاتُ التي تُرَى ويُمْكِنُ الإشارةُ إليها والْمُتَّصِفَةُ بالسمْعِ والبصَرِ ، أمْ أنها المُرَكَّبةُ من المادَّةِ والصورةِ أو الجواهِرِ المُفْرَدَةِ ، فلا ريبَ أنَّ الأوَّلَ صحيحٌ والثانِيَ باطلٌ ، وهذا تطبيقٌ للقاعدةِ الثانيةِ .
وهاتان الْمُقَدِّمَتَانِ كإطلاقِ الرَّافِضَةِ للنَّصْبِ فهم يقولون : كلُّ مَن تَوَلَّى أبا بكْرٍ وعُمَرَ فقد أَبْغَضَ عَلِيًّا, ومن أَبْغَضَ عَلِيًّا فهو ناصبِيٌّ ، وأهلُ السنَّةِ يَمْنَعُونَ المُقَدِّمَةَ الأُولى؛ لأنَّ تَوَلِّيَ أبي بكْرٍ وعمرَ لا يَسْتَلْزِمُ بُغْضَ عليٍّ, ووَجْهُ الشبَهِ كما يَلِي:


النتيجةُ
المُقَدِّمَةُ الثانيةُ
المُقَدِّمَةُ الأُولى

إثباتُ الصِّفاتِ تَمثيلٌ
الأجسامُ مُتَمَاثِلَةٌ
الصِّفاتُ لا تقومُ إلا بجِسْمٍ
عندَ المُتَكَلِّمِين
من تَوَلَّى أبا بكرٍ وعُمَرَ فهو ناصِبِيٌّ
مَن أَبْغَضَ عَلِيًّا فهو ناصبِيٌّ
كلُّ مَن تَوَلَّى أبا بكرٍ وعُمَرَ فقد أَبْغَضَ عَلِيًّا
عند الرَافِضَةِ


فأهلُ السُّنَّةِ يَمْنَعون المُقَدِّمَةَ الأُولى عندَ المُتَكَلِّمِين وعندَ الرَافِضَةِ وإن كانوا يُسَلِّمُونَ بالمُقَدِّمَةِ الثانيةِ عندَ الرَافِضَةِ دونَ المُتَكَلِّمِينَ فيَمْنَعون كِلاَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ عندَ المُتَكَلِّمِينَ .
وهؤلاءِ المُعَطَّلةُ يَبْنُون مَذْهَبَهم على قولِهم بأن الشيئين لا يَشْتَبِهانِ مِن وجهٍ, ويختلفان مِن وجهٍ, بل إما أن يكونَا مُختلِفين أو مُتَمَاثِلينِ ، وعامَّةُ العقلاءِ على خِلافِهم كما سَبَقَ في الكلامِ عن القَدْرَ المشترَكِ .

الوجهُ الخامسُ
قولُه : ( وأيضًا فالاعتمادُ بهذا الطريقِ على نَفْيِ التشبيهِ اعتمادٌ باطلٌ ، وذلك أنه إذا ثَبَتَ تَمَاثُلُ الأجسامِ فهم لا يَنْفُون ذلك إلا بالحُجَّةِ التي يَنْفُونَ بها الجسْمَ و إذا ثَبَتَ أنَّ هذا يَسْتَلْزِمُ الجسْمَ وثَبَتَ امتناعُ الجسْمِ كان هذا وحدَه كافيًا في نَفْيِ ذلك .لا يَحتاجُ نَفْيُ ذلك إلى نَفْيِ مُسَمَّى " التشبيهِ ", لكنَّ نفيَ التجسيمِ يكونُ مَبْنِيًّا على نَفْيِ هذا التشبيهِ ، بأن يقالَ : لو ثَبَتَ له كذا وكذا لكان جِسْمًا ثم يُقالَ : و الأجسامُ مُتَمَاثِلَةٌ فيَجِبُ اشتراكُهما فيما يَجِبُ ويَجوزُ ويَمْتَنِعُ . وهذا مُمْتَنِعٌ عليه ، لكن حينئذٍ يكونُ مَن سَلَكَ هذا الْمَسْلَكَ مُعْتَمِدًا في نفيِ التشبيهِ على نَفْيِ التجسيمِ ، فيكونُ أَصْلُ نفيِه نفيَ الجسْمِ, و هذا مَسلَكٌ آخَرُ, سنَتَكَلَّمُ عليه إنْ شاءَ اللهُ تعالى ).

التوضيحُ

هذا الْمَقْطَعُ مِمَّا أَشْكَلَ على بعضِ الشرَّاحِ, فتَنَكَّبُوا فيه سبيلَ الإيضاحِ ، وتوضيحُه مُسْتَعينًا بالعليمِ الفتَّاحِ ، أنَّ هذا هو الردُّ الخامسُ على مَن اعْتَمَدَ على نفيِ التشبيهِ بِناءً على التجسيمِ, وهو أنه اعْتَمَدَ في تنزيهِه على نفيِ التجسيمِ, لا نفيِ التشبيهِ فيكونُ قد اعْتَمَدَ على ضابِطٍ آخَرَ في التنزيهِ, وهو نفيُ التجسيمِ ، و هذا الْمَسْلَكُ هو الذي سَنتحدَّثُ عنه تفصيلاً ويَسْتَبِينَ بُطْلاَنُه ، والدليلُ على أنه اعتمادٌ على نفيِ التجسيمِ أنَّ قولَهم هو ( لو قامتْ به بعضُ الصِّفاتِ لكان جِسْمًا, والأجسامُ مُتَمَاثِلَةٌ ) وهم يُعَلِّلُونَ امتناعَ التجسيمِ على اللهِ بالْحُجَّةِ التي يَمنعون بها التشبيهَ فيقولون : الأجسامُ مُتَمَاثِلَةٌ فيما يَجِبُ ويَجوزُ ويَمْتَنِعُ عليها, فمُجَرَّدُ إثباتِ كونِ اللهِ جِسْمًا مُمْتَنِعٌ ؛ لأنه مُسْتَلْزِمٌ لاجتماعِ النقيضينِ فلا يَحْتاجُون إلى نَفْيِ التشبيهِ بعدَ ذلك .

فالحاصِلُ أنهم لم يَعْتَمِدوا على نَفْيِ التشبيهِ كما يَزْعُمون وإنما اعْتَمَدوا على نَفْيِ التجسيمِ ، ونَفْيُ التجسيمِ لا يَحْصُلُ به التنزيهُ, كما سيأتي عندَ قولِه ( وأَفْسَدُ من ذلك ما يَسْلُكُه نُفَاةُ الصِّفاتِ أو بعضِها …) فهذا الرَّدُّ مُتَضَمِّنٌ لإبطالِ أصْلِ شُبْهَتِهِم .

الوجهُ السادسُ
قولُه : ( وإنما المقصودُ هنا أنَّ مُجَرَّدَ الاعتمادِ في نَفْيِ ما يُنْفَى على مُجَرَّدِ نَفْيِ التشبيهِ لا يُفِيدُ؛ إذ ما من شيئينِ إلا ويَشْتَبِهانِ من وَجْهٍ ويَفْتَرِقَانِ مِن وَجْهٍ ) .

التوضيحُ

الاعتمادُ على مُجَرَّدِ نَفْيِ التشبيهِ لا يُفيدُ؛ إذ ما من شيئينِ إلا ويَشْتَبِهانِ من وَجْهٍ ويَفترقان من وجهٍ كما سَبَقَ بيانُه, وهذا إبطالٌ لأصْلِ شُبْهَتِهم أيضًا .

الطريقةُ الصحيحةُ في النفيِ
قولُه : ( بخِلافِ الاعتمادِ على نَفْيِ النقْصِ والعَيْبِ ونحوَ ذلك مِمَّا هو - سبحانَه وتعالى – مقدَّسٌ عنه فإن هذه طريقةٌ صحيحةٌ ، وكذلك إذا أَثْبَتَ له صفاتِ الكمالِ ونَفَى مُمَاثَلَةَ غيرِه له فيها فإنَّ هذا نفيُ المُمَاثَلَةِ فيما هو مُسْتَحِقٌّ له ، وهذا حقيقةُ التوحيدِ, وهو أن لا يُشارِكَه شيءٌ من الأشياءِ فيما هو من خصائصِه ، وكلُّ صفةٍ من صفاتِ الكمالِ فهو مُتَّصِفٌ بها على وجهٍ لا يُمَاثِلُه فيها أَحَدٌ . ولهذا كان مَذْهَبُ سلَفِ الأمَّةِ وأئِمَّتِها إثباتُ ما وَصَفَ اللهُ به نفسَه من الصِّفاتِ ونَفْيُ مُمَاثَلَتِه لشيءٍ من المخلوقاتِ ).

التوضيحُ

ذَكَرَ الطرُقَ الصحيحةَ هنا بعدَ الطريقةِ الفاسدةِ ، وسيأتي بعدَ ذلك بطريقةٍ ثانيةٍ من طُرُقِ المُتَكَلِّمِينَ فأُلَخِّصُ هنا الطرُقَ الصحيحةَ في التنزيهِ, وهي ثلاثةٌ :

الأُولى : لم يَذْكُرْها المؤلِّفُ لكنها سَبَقَتْ في القاعدةِ الأُولى, وهي نَفْيُ ما نَفَاهُ اللهُ عن نفسِه تصريحًا وهي طريقةٌ نَقْلِيَّةٌ نَصِّيَّةٌ, كقولِه تعالى : } لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ { .

الثانيةُ : نَفْيُ النقْصِ والعيبِ عن اللهِ تعالى كالعَمَى والصَّمَمِ والجوعِ وغيرِها, وضابِطُ النقْصِ والعَيْبِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ :
كلُّ مَا يُضَادُّ الكمالَ الذي وَصَفَ به نفسَه فإذا قالَ : } وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ { كان ضِدُّه نَقْصًا.
إذا نَفَى عن نفسِه نَقْصًا دَلَّ على عَدَمِ اتِّصافِه بما هو من لوازمِ ذلك النقْصِ فمَثَلاً : نَفْيُ الصاحِبَةِ والولَدِ دليلٌ على عَدَمِ اتِّصافِه بالشَّهْوةِ ونحوِها من اللزوامِ.

الثالثةُ : نَفْيُ مُمَاثَلَتِه للمخلوقينَ فكُلُّ صفةِ كمالٍ فهو مُتَّصِفٌ بها لا يُمَاثِلُه فيها شيءٌ ، و هذا مَذْهَبُ سلَفِ الأمَّةِ وأئِمَّتِها إثباتُ ما وَصَفَ اللهُ به نفسَه بلا تَمثيلٍ .
وقد سَبَقَتْ كثيرٌ من النُّقولاتِ عنهم, وقالَ أبو عثمانَ الصابونيُّ : " وقد أعاذَ اللهُ تعالى أهلَ السنَّةِ من التحريفِ والتكييفِ والتشبيهِ ومَنَّ عليهم بالتعريفِ والتفهيمِ حتى سَلَكوا سُبُلَ التوحيدِ والتنزيهِ وَتَرَكُوا القولَ بالتعطيلِ والتشبيهِ واتَّبَعُوا قولَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ { .

وقالَ أبو حَسَنٍ الأشعريُّ : " وَأَجْمَعُوا على أنَّ صِفتَه - عَزَّ وَجَلَّ - لا تُشْبِهُ صفاتِ الْمُحْدَثين. ومِن أصْرَحِ ما يَدُلُّ على حقيقةِ اعتقادِ السلَفِ ما سَبَقَ نَقْلُه عن الإمامِ ابنِ قُتَيْبَةَ المتوفَّى سنةَ 270 هـ حيث قالَ: " فنحن نقولُ كما قالَ اللهُ تعالى, وكما قالَ رسولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ولا نَتَجَاهَلُ, ولا يَحْمِلُنا ما نحن فيه من نَفْيِ التشبيهِ أن نُنْكِرَ ما وَصَفَ به نفسَه ، ولكننا لا نقولُ كيف اليدان ، وإنْ سُئِلْنَا نَقْتَصِرُ على جُملةِ ما قالَ ونُمْسِكُ عما لم يَقُلْ " فتَأَمَّلْ هذه العبارةَ تُغْنِكَ عن كثيرٍ من الكلامِ .