المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة الانشقاق


حفيدة بني عامر
10-22-2008, 12:49 PM
سورةُ الانشقاق
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وأذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ (3) وأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ (6) فأمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9) وأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً (15) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونََ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)}

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 12:50 PM
تفسير سورة الانشقاق


(1-15){بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15)}
يقولُ تعالَى مبيِّناً لما يكونُ في يومِ القيامةِ منْ تغيُّرِ الأجرامِ العظامِ: {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ} أي: انفطرتْ وتمايزَ بعضُهَا منْ بعضٍ، وانتثرتْ نجومُهَا، وخُسفَ بشمسِهَا وقمرهَا.

{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا}
أي: استمعتْ لأمرهِ، وألقتْ سمعَهَا، وأصاختْ لخطابهِ، وحقَّ لهَا ذلكَ، فإنَّهَا مسخرةٌ مدبرةٌ تحتَ مسخِّرٍ ملكٍ عظيمٍ، لا يعصَى أمرهُ، ولا يخالفُ حكمُهُ.
{وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ}
أي: رجفتْ وارتجتْ، ونسفتْ عليها جبالُهَا، ودكَّ ما عليها من بناءٍ ومعلمٍ، فسويتْ، ومدَّها اللهُ تعالَى مدَّ الأديمِ، حتى صارتْ واسعةً جدّاً، تسعُ أهلَ الموقفِ على كثرتهِمْ، فتصيرُ قاعاً صفصفاً لا ترى فيهِ عوجاً ولا أمتاً.
{وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا}من الأمواتِ والكنوزِ.{وَتَخَلَّتْ}منهمْ، فإنَّهُ ينفخُ في الصورِ، فتخرُجُ الأمواتُ من الأجداثِ إلى وجهِ الأرضِ، وتخرِجُ الأرضُ كنوزَهَا، حتَّى تكونَ كالأسطوانِ العظيمِ، يشاهدهُ الخلقُ، ويتحسرونَ على ما همْ فيه يتنافسونَ.

{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}أي: إنَّكَ ساعٍ إلى اللهِ، وعاملٌ بأوامرِه ونواهِيه، ومتقربٌ إليه إما بالخيرِ وإما بالشرِّ، ثم تلاقي اللهَ يومَ القيامةِ، فلا تعدمُ منه جزاءً بالفضلِ إنْ كنت سعيداً، أو بالعدلِ إنْ كنت شقيّاً.
ولهذا ذكرَ تفصيلَ الجزاءِ، فقالَ: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} وهمْ أهلُ السعادةِ{فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} وهوَ العرضُ اليسيرُ على اللهِ، فيقرِّرُه اللهُ بذنوبهِ، حتىَّ إذا ظنَّ العبدُ أنَّهُ قدْ هلكَ، قالَ اللهُ لهُ: ((إنِّي قدْ سترتهُا عليكَ في الدنيا، فأنا أسترهَا لكَ اليومَ)) . {وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ} في الجنةِ {مَسْرُوراً} لأنه نجا منَ العذابِ وفازَ بالثوابِ.

{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ}أي: بشمالهِ من خلفِه {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً}منَ الخزيِ والفضيحةِ، وما يجدُ في كتابِه منَ الأعمالِ التي قدَّمَها ولمْ يتبْ منهَا{وَيَصْلَى سَعِيراً} أي: تحيطُ به السعيرُ منْ كلِّ جانبٍ، ويقلبُ على عذابهَا، وذلكَ لأنَّهُ في الدنيا {كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً} لا يخطرُ البعثُ على بالهِ، وقدْ أساءَ، ولمْ يظنَّ أنَّه راجعٌ إلى ربهِ وموقوفٌ بينَ يديه.
{بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} فلا يحسنُ أنْ يتركَهُ سدىً، لا يؤمرُ ولا ينهى، ولا يثابُ ولا يعاقبُ.

(16-25) {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) ( س ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)}.

أقسمَ في هذا الموضعِ بآياتِ الليلِ، فأقسمَ بالشفقِ الذي هوَ بقيةُ نورِ الشمسِ، الذي هوَ مفتتحُ الليلِ.
{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} أي: احتوى عليهِ من حيواناتٍ وغيرهَا.{وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} أي: امتلأَ نوراً بإبدارهِ، وذلكَ أحسنُ مَا يكونُ وأكثرُ منافعَ، والمقسَمُ عليهِ قولهُ: {لَتَرْكَبُنَّ} أيُّهَا الناسُ {طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ} أي: أطواراً متعددةً، وأحوالاً متباينةً، من النطفةِ إلى العلقةِ، إلى المضغةِ، إلى نفخِ الروحِ، ثمَّ يكونُ وليداً، وطفلاً، ثمَّ مميزاً، ثم يجري عليهِ قلمُ التكليفِ، والأمرُ والنهيُ، ثمَّ يموتُ بعدَ ذلكَ، ثمَّ يبعثُ ويجازى بأعمالهِ، فهذهِ الطبقاتُ المختلفةُ الجاريةُ على العبدِ، دالَّةٌ على أنَّ اللهَ وحدهُ هوَ المعبودُ، الموحَّدُ، المدبِّرُ لعبادهِ بحكمتهِ ورحمتهِ، وأنَّ العبدَ فقيرٌ عاجزٌ، تحتَ تدبيرِ العزيزِ الرحيمِ، ومع هذا، فكثيرٌ مِنَ الناسِ لا يؤمنونَ {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} أي: لا يخضعونَ للقرآنِ، ولا ينقادونَ لأوامرهِ ونواهيهِ.
{بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ}أي: يعاندونَ الحقَّ بعدما تبينَ، فلا يستغربُ عدمُ إيمانهمْ وعدمُ انقيادهمْ للقرآنِ، فإنَّ المكذبَ بالحقِّ عناداً، لا حيلةَ فيهِ، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} أي: بمَا يعلمونهُ وينوونَهُ سرّاً، فاللهُ يعلمُ سرَّهمْ وجهرهمْ، وسيجازيهمْ بأعمالهمْ، ولهذا قالَ: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}وسميتِ البشارةُ بشارةً، لأنَّهَا تؤثرُ في البشرةِ سروراً أو غمّاً.فهذهِ حالُ أكثرِ الناسِ، التكذيبُ بالقرآنِ، وعدمُ الإيمانِ .ومنَ الناسِ فريقٌ هداهمُ اللهُ، فآمنوا باللهِ، وقبلُوا ما جاءَتْهمْ بهِ الرسلُ، فآمنُوا وعملُوا الصالحاتِ.فهؤلاءِ لهمْ أجرٌ غيرُ ممنونٍ أي: غيرُ مقطوعٍ، بلْ هوَ أجرٌ دائمٌ مما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ..
تم تفسير السورة، ولله الحمد.

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 12:54 PM
سُورَةُ الانْشِقَاقِ
1- {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}:انْشِقَاقُهَا منْ عَلامَاتِ الْقِيَامَةِ.
2- {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا}؛ أَيْ: أَطَاعَتْ رَبَّهَا، والأَذَنُ هُوَ الاستماعُ للشيءِ وَالإِصْغَاءُ إِلَيْهِ، {وَحُقَّتْ}؛ أَيْ: وَحُقَّ لَهَا أَنْ تُطِيعَ وَتَنْقَادَ وَتَسْمَعَ.
3- {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ}؛ أَيْ: بُسِطَتْ وَدُكَّتْ جِبَالُهَا، حَتَّى صَارَتْ قَاعاً صَفْصَفاً.
4- {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا}؛ أَيْ: أَخْرَجَتْ مَا فِيهَا مِنَ الأمواتِ والكنوزِ، وَطَرَحَتْهُمْ إِلَى ظَهْرِهَا، {وَتَخَلَّتْ} مِنْ ذَلِكَ؛ أَيْ: تَبَرَّأَتْ مِنْهُمْ وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَتَخَلَّتْ عَنْهُمْ إِلَى اللَّهِ؛ لِيُنْفُذَ فِيهِمْ أَمْرُهُ.
5- {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا}؛ أَي: اسْتَمَعَتْ لِمَا يَأْمُرُهَا بِهِ، وَأَطَاعَتْ، {وَحُقَّتْ}؛ أَيْ: وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَتَخَلَّى وَتَسْتَمِعَ لِمَا يُرِيدُ رَبُّهَا أَنْ يَأْمُرَهَا بِهِ.
6- {يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ} الْمُرَادُ جِنْسُ الإِنْسَانِ، فَيَشْمَلُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً}؛ الْمَعْنَى: إِنَّكَ سَاعٍ إِلَى رَبِّكَ فِي عَمَلِكَ، أَوْ إِلَى لقاءِ رَبِّكَ، {فَمُلاَقِيهِ}؛ أَيْ: فَلا بُدَّ أَنَّك سوفَ تُلاقِي رَبَّكَ بِعَمَلِكَ.
7- {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} وَهُم المُؤْمِنُونَ، يُعْطَوْنَ الصُّحُفَ الَّتِي فِيهَا بَيَانُ مَا لَهُمْ من الْحَسَنَاتِ بِأَيْمَانِهِمْ.
8- {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} هُوَ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُ، ثُمَّ يَغْفِرَهَا اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنَاقِشَهُ الْحِسَابَ. فَذَلِكَ هُوَ الْحِسَابُ اليَسِيرُ.
فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ)). قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً}؟ قَالَ: ((لَيْسَ ذَلِكَ بِالْحِسَابِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْعَرْضُ، مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ)).
9- {وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ}؛ أَيْ: وَيَنْصَرِفُ بَعْدَ الْحِسَابِ اليَسِيرِ إِلَى أهلِهِ الَّذِينَ هُمْ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الزوجاتِ والأولادِ، أَوْ إِلَى مَنْ أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ من الحُورِ الْعِينِ، {مَسْرُوراً}: مُبْتَهِجاً بِمَا أُوتِيَ مِن الْخَيْرِ وَالْكَرَامَةِ.
10- {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ}؛ أَيْ: لأَنَّ يَمِينَهُ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِهِ، وتَكُونُ يَدُهُ اليُسْرَى خَلْفَهُ.
11- {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً}؛ أَيْ: إِذَا قَرَأَ كِتَابَهُ قَالَ: يَا وَيْلاهُ! يَا ثُبُورَاهُ! وَالثُّبُورُ: الْهَلاكُ.
12- {وَيَصْلَى سَعِيراً}؛ أَيْ: يَدْخُلُهَا وَيُقَاسِي حَرَّ نَارِهَا وَشِدَّتَهَا.
13- {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً} بِاتِّبَاعِ هَوَاهُوَرُكُوبِ شَهْوَتِهِ بَطِراً أَشِراً؛ لِعَدَمِ خُطُورِ الآخِرَةِ بِبَالِهِ.
14- {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ}؛ الْمَعْنَى: أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ السرورِ ظَنُّهُ بِأَنَّهُ لا يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ، وَلا يُبْعَثُ للحِسَابِ والعِقَابِ.
15- {بَلَى}؛ أَيْ: بَلَى لَيَحُورَنَّ وَلَيُبْعَثَنَّ، {إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً}؛ أَيْ: كَانَ اللَّهُ بِهِ وَبِأَعْمَالِهِ عَالِماً لا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا خَافِيَةٌ.
16- {فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ}:يُقْسِمُ اللَّهُ تَعَالَى بالشَّفَقِ، وَالشَّفَقُ: الحُمْرَةُ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ صَلاةِ العشاءِ الآخِرَةِ.
17- {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ}؛ أَيْ: مَا جَمَعَ وَضَمَّ وَحَوَى وَلَفَّ، فَإِنَّهُ جَمَعَ وَضَمَّ مَا كَانَ مُنْتَشِراً بالنهارِ فِي تَصَرُّفِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّيْلَ إِذَا أَقْبَلَ آوَى كُلُّ شَيْءٍ إِلَى مَأْوَاهُ.
18- {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ}؛ أَي: اجْتَمَعَ وَتَكَامَلَ. وَاتِّسَاقُهُ: امْتِلاؤُهُ وَاجْتِمَاعُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مُنْتَصَفِ الشَّهْرِ القَمَرِيِّ.
19- {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ}: لَتَرْكَبُنَّ أَيُّهَا النَّاسُ حَالاً بَعْدَ حَالٍ، مِنَ الْغِنَى وَالفَقْرِ، وَالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ والحَشْرِ والحسابِ، ودخولِ الْجَنَّةِ أَو النَّارِ.
20- {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبما جَاءَ بِهِ من الْقُرْآنِ، مَعَ وُجُودِ مُوجِبَاتِ الإِيمَانِ بِذَلِكَ؟!
21- {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ}؛ أَيْ: أَيُّ مَانِعٍ لَهُمْ منْ سُجُودِهِمْ وَخُضُوعِهِمْ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؟! وَقِيلَ: الْمُرَادُ نَفْسُ السُّجُودِ, الْمَعْرُوفِ بِسُجُودِ التلاوةِ.
22- {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ}؛ أَيْ: يُكَذِّبُونَ بِالْكِتَابِ المُشْتَمِلِ عَلَى إثباتِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والثَّوَابِ والعقابِ.
23- {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ}؛ أَيْ: بِمَا يُضْمِرُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ من التَّكْذِيبِ، وَيَجْمَعُونَ من الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ والسَّـيِّئَةِ.
24- {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} الْكَلامُ خارجٌ مَخْرَجَ التَّهَكُّمِ بِهِم.
25- {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}: لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ.

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 12:59 PM
المتن :
سورةُ الانشقاق
1- 2- قولُه تعالى: {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} أي: إذا السماءُ تصَدَّعَتْ وتَقَطَّعَتْ، وسَمِعَت وأطاعَت أمْرَ ربِّها في تصدُّعها(1)، وحُقَّ لها أن تطيع، فهي أهلٌ لهذه الطاعة(2).
3- 5- قولُه تعالى: {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} أي: وإذا الأرض بُسِطت يوم القيامة(3)، فزِيدَ في سَعَتِها(4)، وأَخرَجتْ ما في بطنها من الموتى وغيرهم(5)، وسمِعَت وأطاعت أمرَ ربِّها في مَدِّها وإخراج ما في بطنها، وحُقَّ لها أن تطيع، فهي لا تعصي أمره(6).
6-قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ} أي: إنك تعملُ عملاً تلقى اللهَ به، خيراً كان أم شرَّاً(7).
7-9 قولُه تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} هذا تفصيلٌ لأهلِ الكَدْحِ، فمن أُعْطي صحيفةَ أعمالِه بيدِه اليُمنى، فإنَّ الله يَعْرِضُ عليه ذنوبَه ولا يُدَقِّقُ عليه، فلا يحاسِبُه بها، بل يسهِّلُ أمرَهُ، ويتجاوزُ عنه(8)، ثمَّ ينصرفُ بعد هذا الحسابِ اليسيرِ إلى أهله في الجنة(9)، وهو فَرِحٌ بما أُعْطِيَ.
10- 12 قولُه تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً} هذا الفريقُ الثاني من أهلِ الكَدْح، وهم من يُعطَى صحيفةَ أعمالِه السيئةِ بيدِه الشِّمالِ من وراء ظهرِه(10)، فأولئك ينادُون بالهلاك على أنفسِهم(11)، ويدخلونَ نار جهنَّمَ التي أُوقِدَتْ مرَّةً بعد مرَّةٍ، فتشويَهُم وتحرقَهُم بحرِّها(12).
13- 15 قولُه تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَن يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} أي: إنَّ هذا الذي أوتي كتابه وراءَ ظهرِه كان في أهله في الدنيا(13) فَرِحاً لما هو فيه من المعاصي، وكان يعتقدُ أنه لن يرجع إلى الحياة بعد الممات(14)، ولذا كان يركَبُ المعاصي ولا يُبالي، ولكنه مخطئٌ في هذا الاعتقاد، بل سيرجع ويحاسَب على أعماله التي كان الله مطَّلِعاً عليها.
16- 18 قولُه تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} يُقْسِمُ الربُّ سبحانه بحُمْرَةِ الأُفقِ التي تظهرُ عندَ غروبِ الشمس(15)، ويقسمُ بالليلِ وما جَمَعَ فيه من الخلقِ وحَواهم(16)، ويقسِمُ بالقمرِ إذا تمَّت استدارَتُه، واجتمعَ فصار بَدْراً(17).
19- قولُه تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ} هذا جوابُ القَسَم، والمعنى: إنكم أيها الناس ستمرُّونَ بأحوالٍ تركَبونها حالاً بعد حال، من ابتداء أمرِكم بكونِكم نُطَفَاً في الأرحام إلى خروجِكم من بطون أمهاتِكم، إلى معايَنَتِكم أحوالَ الدنيا ونَكَدَها، إلى وصولِكم لأحوالِ الآخرة وهَوْلِها، حتى يدخلَ كل فريق منزلهُ: الجنة أو النار(18).
20- قولُه تعالى: {فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} أي: لم لا يصدِّقُ هؤلاء المشركونَ بالله، ويُقِرُّون بالبعث، مع ما قد عاينوا من حُجَجِ الله بحقيقة توحيده؟.
21- قولُه تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} أي: ولمَ إذا تُلِيَ عليهمْ كتابُ الله لا يخضَعون فيسجُدون لله تعالى تعظيماً واحتراماً؟.
22- 23 قولُه تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} أي: ولكن الذين كفروا من سَجِيَّتِهِم تكذيب ما جاء عن الله تعالى، الذي هو عالمٌ بما تحويْه صدورُهم وتُخْفِيهِ من التكذيبِ بكتابِ الله ورسولِه، وغيره.
24- 25 قولُه تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي: فأخْبِرهم بما سيلقَونه بسببِ تكذيبهم من العذاب المؤلم، لكن من تابَ منهم فآمنَ وعَمِلَ من الأعمالِ الصالحاتِ بأداء فرائضِ الله واجتنابِ نواهيه، فإنَّ لهم ثواباً من الله لا يُنقص ولا يُقطع، بل هو دائم.
والله أعلم.
-
الحاشية :
(1) كذا وردَ التفسير عن السَّلف: ابن عباس من طريق العوفي، وسعيد بن جبير من طريق جعفر، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقتادة من طريق معمر وسعيد، والضحَّاك من طريق عبيد.
(2)ورد عن ابن عباس من طريق العوفي: (حُقَّت لطاعة ربها)، وعن سعيد بن جبير من طريق جعفر: (وحقَّ لها).
(3) بيَّن مجاهد في تفسيره من طريق ابن أبي نجيحأن هذا كائنٌ يومَ القيامة.
(4)أوردَ الطبري عن علي بن الحسين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((وإذا كان يومُ القيامة مدَّ الله الأرضَ، حتى لا يكون لبشرٍ إلا موضعَ قَدَمَيْهِ، فأكونُ أوّلَ من يُدْعَى، وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه قبلها، فأقول: يا رب، إنَّ هذا أخبرني أنك أرسلته إلي، فيقول: صَدَق، ثم أشفع فأقول: يا رب، عبادك عبدوك في أطراف الأرض، قال: وهو المقام المحمود)) وهذا حديث مرسل، وقد ورد في بعض طرقه: حدثني بعض أهل العلم، فإن كان هذا المحدِّث صحابياً، فالحديثُ صحيحٌ، ورجاله ثقات، والله أعلم.
(5) قال قتادة من طريق سعيد: (ألقَت أثقالها وما فيها) وعن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح: (أخرجَتْ ما فيها من الموتى).
ويظهرُ أن هذا مثالٌ لما تخرجه من بطنها، ولذا ورد عن ابن عباس: (ألقت سواري الذَّهب)(الدر المنثور) عن ابن المنذر.
والنصُّ عَامٌّ ، وليس هناك ما يدل على التخصيص، ولذا يُحملُ ما ورد عنهم أنه تفسيرٌ بالمثال، وتفسير قتادة على العموم، والله أعلم.
(6) جواب قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (1)} محذوف، تُرك استغناءً بمعرفة المخاطَبين به بمعناه، وتقديره: رأى الإنسان ما قدَّم من خير أو شرٍّ، وقد بيَّن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6)} (انظر: تفسير الطبري).
(7)أوردَ بعض المفسِّرين في الضمير في {فَمُلاقِيهِ} احتمالين في عَودِهِ إلى الظاهر قبله:
- فقيل:ملاقٍ ربك.
-وقيل: ملاقٍ عملك.
وهما متلازمان؛ لأنه سيلاقي ربَّه بعملِه، كما فسَّر ابن عباس من طريق العوفي، وهذا من اختلاف التنوع الذي تحتمله الآية، وهو يرجع إلى أكثر من معنى، غير أنهما متلازمان، والله أعلم.
(8)روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (قال صلى الله عليه وسلم: ((من نوقشَ الحسابَ عُذِّب)) قالت: فقلت: أليس قال الله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8)}؟، قال: ((ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العَرْض، من نوقشَ الحسابَ يوم القيامة فقد عُذِّب)) وهذا تفسيرٌ نبويٌّ صريحٌ لمعنى هذه الآية.
(9) قال قتادة من طريق سعيد: (إلى أهلٍ أعدَّهم الله له في الجنَّة).
(10) قال الإمام الطبري: (وأما من أُعطِيَ كتابَهُ منكم أيها الناس يومئذ وراءَ ظهره، وذلك بأن جعلَ يدَه اليُمنى إلى عنقِه، وجعلَ الشمالَ من يديه وراء ظهره، فيتناول كتابَهُ بشماله وراء ظهره، ولذلك وصفهم - جلَّ ثناؤه - أحياناً أنهم يؤتون كُتُبَهُم بشَمائِلِهم، وأحياناً أنهم يؤتَوْنها من وراء ظهورهم).
(11) قال الضحاك من طريق عبيد المكتب: (يدعو بالهلاك).
(12) في قوله:{يَصْلَى} قراءتان.
الأولى: بتخفيف اللام.
والثانية بتشديدها، وفائدة التَّشْدِيد كما قال الطبري: (أن الله يصليهم تَصْلِيَةً بعد تَصْلِيَة، وإنضاجَةً بعد إنضاجة …) وهذا يعني أن صيغة (فَعَّلَ) تدل على تكرُّرِ الحدَث وتكثيرِه.
أما قراءة التخفيف، فتدل على أنهم يدخلونها ويَرِدونها فقط، دون معنى التكرار، والله أعلم.
(13) قال قتادة من طريق سعيد: (أي في الدنيا).
(14) كذا ورد عن السلف: ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة: (يبعث)، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح: (ألا يرجع إلينا)، وقتادة من طريق سعيد: (أن لا مَعاد ولا رَجْعة) ومن طريق معمر: (أن لن ينقلب) يقول: (لن يبعث)، وكذا قال ابن زيد، وقال سفيان الثوري من طريق مهران: (يرجع).
وهذه الأقوال متَّفِقة،وإنما بينها اختلافُ عبارة، والله أعلم.
(15) نسبَ ابنُ جريرٍ إلى بعض أهل العراق هذا القول، ولم يذكرهم، وقد وردَ تفسيره بذلك عن ابن عمر(الدر المنثور) ومكحول(تفسير عبد الرزاق) ونسبه ابن كثير في تفسيره إلى عليٍّ وابن عباس وعُبادة بن الصامت وأبي هريرة وشدَّاد بن أوس وابن عمر ومحمد بن علي بن الحسين ومكحول وبكر بن عبد الله المزني وبكير بن الأشج ومالك وابن أبي ذئب وعبد العزيز بن سلمة بن الماجشون، ونقل هذا المعنى عن الخليل والجوهري من علماء اللغة.
ويلاحَظُ أنَّ هذا اللفظ مما يتعلقُ به حكمٌ شرعيٌّ، فقد ورد في (صحيح مسلم) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((وقت المَغْرِبِ ما لم يغب الشفق)).
وهذا القول هو الصواب، وهو اختيار ابن جرير وابن كثير وغيرهم من المفسِّرين، والله أعلم.
وقد قال مجاهد في تفسير الشَّفَق: (النهارُ كله) ورد ذلك عنه من طريق ابن أبي نجيح ومنصور، وقال في رواية العوَّام بن حَوْشَب: (إن الشفقَ من الشمس)، ويظهر أنه إنما حملَهُ على هذا، قَرْنُهُ بقوله تعالى: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17)}(تفسير ابن كثير) وقال عنه ابن القيم: (وهذا ضَعِيف جدّاً….) (التبيان في أقسام القرآن: 69).
وحكى ابن جرير عن بعضِهم أنه من الأضداد، فيقال للحمرة: شَفَق، وللبياض شَفَق، ولم ينسبه إلى أحد، وقد ورد عن أبي هريرة وعمر بن عبد العزيز تفسير الشفق بالبياض (تفسير عبد الرزاق)، والله أعلم.
(16) قالابن جرير: (والليل وما جمع مما سكنَ وهدأَ فيه من ذي رُوح كان يطيرُ أو يَدِبُّ نهاراً …. وبنحْوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل).
ثم ذكرَ الروايةَ عن مفسِّري السلف: عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة ومجاهد وابن أبي مليكة، والحسن من طريق أبي رجاء، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح ومنصور، وقتادة من طريق سعيد ومعمر، وسعيد بن جبير من طريق أبي الهيثم، وعكرمة من طريق سماك، وابن زيد.
والروايةُ عن مجاهد من طريق منصور جاءت مرَّة: (وما أظلمَ عليه، وما دخلَ فيه)، ومرَّة: (وما لفَّ)، ومرة: (وما لفَّ عليه)، ومرَّة: (وما دخلَ فيه).
وهذه تفاسيرٌ بالمعنى؛ لأن ما لفَّ عليه الليل فقد جمَعهُ، وما دخل فيه فقد جمعَهُ، وما أظلمَ عليه فقد جمعَهُ، وبهذا لا تكون خارجة عن معنى الجمع، ولذا لم يجعله ابن جرير قولاً آخر في معنى وسَق، والله أعلم.
وقد ترجم ابن جرير لقول آخر، فقال: (وقال آخرون: معنى ذلك: وما ساق، ثم ذكر الروايةَ عن ابن عباسٍ من طريق عطيَّة العوفي، قال: (وما ساق الليل من شيء جمعه: النجوم) قال عطية العوفي: (ويقال: والليل وما جمع)، وعن عكرمة من طريق حسين، قال: (وما ساق من ظُلمة، فإذا كان الليل، ذهبَ كلُّ شيءٍ إلى مأواه)، وعن الضحاك من طريق عبيد، قال: (ما ساق معه من ظُلمةٍ إذا أَقْبَلَ) ).
وإذا تأملتَ هذه الأقوال،وجدتَها لا تخرجُ عن معنى الجمع، ومن ثَمَّ فهي لا تخالفُ القولَ الأول، بل هي تفاسيرُ على المعنى، فيها زيادةُ بسطٍ لأمثلةِ ما يجمعه الليل، أو طريقة هذا الجمع، والله أعلم.
(17) كذا ورد عن السلف في تفسير{اتَّسَقَ} ويلاحَظُ أن مادة (وسق) و(اتسق) واحدة، أما عبارات السلف فهي:
1-إذا استوى، ورد ذلك عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة والعوفي، وزاد العوفي لفظة (اجتمع)، وعن عكرمة من طريق سماك، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وسعيد بن جبير من طريق أبي الهيثم، وقتادة من طريق سعيد، وتفسير الضحاك من طريق عبيد، مثل تفسير ابن عباس من طريق العوفي، وابن زيد.
2-إذا اجتمع وامتلأ، عن الحسن من طريق حفص.
3-لثلاث عشرة - أي: صار مستديراً - عن سعيد بن جبير من طريق جعفر بن أبي المغيرة، ومجاهد من طريق منصور.
4-إذا استدار، عن قتادة من طريق معمر.
وهذه الأقوال من قَبيلِ اختلافِ التنوُّع في التعبير عن المعنى الواحدِ بعباراتٍ مختلِفة، وذلك لتقريبِ المعنى إلى ذِهْنِ السامع، ولذا وردَ عن الواحد منهم عبارتان في التفسير، والله أعلم.
(18) ورد في هذه الآية قراءتان متواتِرتان:
الأُولى: بضمِّ الباء من (تَرْكَبُنَّ) وتأويلها ما سبق ذكره.
والثانية: بفتح الباء من (تَرْكَبَنَّ) وقد اختلف السلف في المخاطَبِ بهذا الخطاب، كما اختلفوا في الطَبَقِ المركوب على أَقوال:
الأول: لتركبنَّ يامحمد حالاً بعد حالٍ، وأمراً بعد أمرٍ من الشدائد، من قول العرب: (وَقع فلانٌ في بناتِ طَبَق) إذا وقع في أمرٍ شديد، وهذا قول ابن عباس من طريق مجاهد، وقد ذكر ابن جرير تحت هذا القول أقوال بعض السلف، ولكنهم لم يصرِّحوا بأن الخطابَ للرسول صلى الله عليه وسلم، وهم عكرمة والحسن ومرة وسعيد بن جبير، ومجاهد وقتادة والضحاك.
وقد جعل الطبريُّ هذا القول عائداً إلى معنى ما ذكرتُه في المتن، فقال: (فالصواب من التأويل، قول من قال: لتركبنَّ يا محمد حالاً بعد حال، وأمراً بعد أمر من الشدائد، والمرادُ بذلك - وإن كان الخطابُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موجَّهاً - جميع الناس أنهم يَلْقَوْنَ من شدائد يوم القيامة وأهوالِه أحوالاً.
وإنما قلنا:عنى بذلك ما ذكرنا، أن الكلام قبل قوله: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (19)} جرى بخطاب الجميع، وكذلك بعده، فكان أشبه أن يكونَ ذلك نظيرَ ما قبلَه وما بعدَه).
الثاني: لتركبنَّ يامحمدسماءً بعد سماء، وهذا قولُ ابن مسعود من طريق علقمة، والحسن وأبي العالية من طريق قتادة، ومسروق من طريق أبي الضحى، والشعبي من طريق إسماعيل، وقد ورد وصفُ السموات بالطَّبَقِ في قوله تعالى: {سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً} وهذا القول فيه إشارة إلى عُروج النبي صلى الله عليه وسلم للسماء.
الثالث: لتركبنَّ السماءَ حالاً بعد حالٍ من ضُروب التغيُّر التي تَلْحَقُها، من كونها تتشقَّق، وتَحْمَرُّ فتكون وردةً كالدِّهان، وتكون كالمُهْلِ، وغيرها وهذا قول ابن مسعود من طريق مرة الهمذاني وإبراهيم النَخَعي.
وعلى هذه القراءة يكون الاختلافُ راجعاً إلى أكثر من معنى، وسبب هذا الاختلاف أنه ذكر في الآية الوصف، وهو {طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ} وهو محتمِلٌ لأكثر من موصوف، فحمَلَهُ كل مفسِّر على ما يصلُحُ له، ولذا وردَ عن بعضهم فيه قولان.
وقد ورد تأويلاتٌ أخرى عن السلف ذكرَها ابن كثير، وهي داخلةٌ تحتَ هذا السبب، ولا يهولَنَّكَ هذا الاختلاف؛ إذ الأمر فيه سَهْلٌ، فلا تَسْتَصْعِبه.
قال الطاهر بن عاشور: (وجملة {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ (19)} نسج نظمها نسجاً مجملاً لتوفير المعاني التي تذهب إليها أفهامُ السامعين، فجاءت على أبدع ما يُنسَجُ عليه الكلام الذي يُرسلُ إرسالَ الأمثالِ من الكلام الجامعِ البديعِ، والنسجِ الوافِر المعنى، ولذلك كثُرت تأويلاتُ المفسِّرينَ لها).

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 01:19 PM
القارئ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)}

الشيخ:

هذه سورة الانشقاق بين الله -جل وعلا- فيها شيئاً من أهوال يوم القيامة، فقال الله -جل وعلا-: {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ} وهو معنى قوله:{إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ} وقد تقدم ذلك.

ثم قال -جل وعلا-: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} أي: أن السماوات تستمع إلى ربها -جل وعلا- وتصغي، وتستجيب لما أمرها -جل وعلا- فتنشق وتذهب وتزول.

ثم قال -جل وعلا-: {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ} يعني: أن الأرض يوم القيامة تمد فلا يكون فيها نتوء ولا اعوجاج، كما قال الله -جل وعلا-: {فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً} بل هي ممتدة مستقيمة ليس فيها عروج، ولا ارتفاع، ولا انخفاض، بل هي شيء واحد، وقد جاء في حديث علي بن الحسين رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: _((إذا كان يوم القيامة فإن الأرض تمد مد الأديم)) يعني: مد الجلد؛ أورده الحافظ ابن كثير، وهذا حديث ضعيف لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لإرساله.

ثم قال -جل وعلا-: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} أي: أن الأرض يوم القيامة تخرج ما في بطنها من الأموات، لبعثهم إلى الله -جل وعلا- وتتخلى عنهم؛ لأنه في الدنيا كانت هذه الأرض يجد فيها العبد أحياناً ملجأً ومهرباً، ويمشي عليها، ويستقر ويبني وينتفع بها، لكن إذا كان يوم القيامة فإن الأرض تتخلى عنه فلا يستطيع أن ينتفع منها بشيء، وإنما تُلقي هذه الأجساد وتخرجهم على باطنها لحشرهم إلى الله -جل وعلا-.

ثم قال -جل وعلا-: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} أي: أن هذه الأرض تصغي إلى الله -جل وعلا- وتستمع أمره وحُقَّ لها ذلك؛ لأن الله -جل وعلا- هو مدبر السماوات والأرض.


ثم قال -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}يعني: أن الإنسان يسعى في هذه الدنيا؛ وهذا السعي سيلاقيه وسيوافى به يوم القيامة، سيلاقيه عند الله جل وعلا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
ولهذا قسم الله -جل وعلا- الناس بعد ذلك إلى فريقين، فريق في الجنة، وفريق في السعير.
قال الله جل وعلا: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} يعني: إذا أُعطي الإنسان كتاب أعماله بيمنه فسوف يحاسب حساباً يسيراً؛ لأن ذلك دليل على أنه من أهل الجنة، ولهذا بين الله -جل وعلا- فرح المؤمن واستبشاره بذلك في سورة الحاقة: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} يعني: خذوا اقرؤوا كتابيه، {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ}، قال الله -جل وعلا- في هذه الآية: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} بين النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الحساب، لما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله جل وعلا يدني العبد يوم القيامة - العبد المؤمن - فيضعه تحت كنفه، ويقرره بذنوبه، ثم إذا أقر وظن أنه هلك، قال الله جل وعلا: ((قد سترتها عليك في الدنيا وها أنا أغفرها لك اليوم)).



عائشة-رضي الله عنها- لما سمعت هذه الآية: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك وقالت: ألم يقل الله جل وعلا: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً}؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((إنما ذلك العرض)).

فالحساب اليسير المراد به في هذه الآية: العرض على الله جل وعلا، فيعرض العبد على الله جل وعلا- العبد المؤمن- فيضعه الله -جل وعلا- تحت كنفه، ويقرره بذنوبه، ثم يغفرها -جل وعلا- له.

قال الله جل وعلا: {وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} أي: إلى أهله الذين أعدهم الله -جل وعلا- له في الجنة، سواء كانوا من أهله الذين كانوا في الدنيا معه، ثم كانوا من أهل الجنة يوم القيامة، أو أهل الجنة أيضاً الذين ينشئهم الله -جل وعلا- لعباده المؤمنين في دار النعيم، فكلهم داخلون في هذه الآية؛ لأن العبد المؤمن إذا مات على الإيمان، ومات أهله وذريته كذلك، جمعهم الله -جل وعلا- في جنات النعيم، كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}.

وكذلك الله -جل وعلا- ينشئ لعبده أزواجاً وأهلاً في الجنة، سواء كان هذا الإنشاء إنشاءً جديداً، أو إنشاءً في الأوصاف؛ لأن أهل الجنة يوم القيامة ليسوا كأهل الدنيا، فالمرأة إذا جمعها الله -جل وعلا- بزوجها من أهل الدنيا في الآخرة تتبدل أوصافها وتتغير، وكذلك العبد في الدنيا إذا جمع الله -جل وعلا- المرأة إلى زوجها في الآخرة تكون أوصاف زوجها هذه متغيرة ومتبدلة، وكذلك الله -جل وعلا- ينشئ للعبد المؤمن أزواجاً في الآخرة ينقلب إليهن من الحور العين، وكل ذلك داخل في هذه الآية في قوله جل وعلا: {وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً}.

ثم قال جل وعلا: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً} يعني: أن من أعطى كتابه وراء ظهره فسوف يدعو بالهلاك؛ لأن الهلاك متحقق له لا محالة {وَيَصْلَى سَعِيراً} يعني: أنه يعذب في نار جهنم، وقد قال الله -جل وعلا- في سورة الحاقة: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ}.

قال العلماء - رحمهم الله -: إن العبد الكافر الفاجر الذي يأخذ كتابه بشماله؛ يعطى هذا الكتاب بشماله من وراء ظهره؛ لأن يده اليمنى تكون مغلولة إلى عنقه، ويعطى كتابه بشماله وراء ظهره؛ وذلك دليل وعلامة له على أنه من أهل النار، ولهذا قال الله جل وعلا: {وَيَصْلَى سَعِيراً}.

ثم بين -جل وعلا- ما الذي أوصله إلى هذه النار، وما الذي فضحه على رؤوس الأشهاد، وما الذي أخزاه يوم الدين، قال الله جل وعلا: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً} يعني: أنه كان في أهله فرحاً فَرَحَ بطر وأشر، يظن أن الساعة لا تقوم، وأن النعيم والعذاب إنما هو في الدنيا، فهو مسرور في أهله في هذه الحياة الدنيا، سروراً أوجب له الخلود في النار يوم القيامة.
وإلا فالسرور في ذاته ليس مذموماً، وإنما السرور والفرح الذي ينتج البطر والأشر والإعراض عن دين الله وشرعه، كما قال الله -جل وعلا- لقارون: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}، وإلا فالمؤمن يفرح ويُسر في هذه الحياة الدنيا، وقد يعجل له الله -جل وعلا- بشائر الخير في الدنيا، ولكن هذا الفرح فرح ليس فيه مذمة على المؤمن؛لأنه لا يخرجه إلى معصية الله -جل وعلا- أو الكفر بآياته.
وأما سرور أولئك وفرحهم فإنه فرح أخرجهم عن طاعة الله إلى معصية الله، وعن الإيمان به إلى الكفر به، والكفر إلى ما جاءت به الأنبياء والرسل.



ثم قال جل وعلا: {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَن يَحُورَ} يعني: أن هذا الكافر ظن أنه لن يرجع إلى ربه، ولن ينقلب إليه، وأن المصير ليس إلى الله جل وعلا.

ثم قال جل وعلا: {بَلَى} يعنى: سيكون المصير إلى الله؛ والمرجع إليه جل وعلا، كما بينا ذلك فيما تقدم.

قال جل وعلا: {إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} يعني: أن الله -جل وعلا- يعلم هذا العبد، ويعلم سره ونجواه، ويكتب أعماله ويحصيها عليه.

قال الله جل وعلا: {فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} قد قدمنا أن قوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} أي: أقسم بالشفق، و(لا) هذه كما قال العلماء: (زائدة لتأكيد المعنى) وفي هذه المسألة كلام طويل، ولكن جمهور العلماء على أن قوله جل وعلا: {فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ}، {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ}، {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}، {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} أن معنى ذلك إقسام من الله جل وعلا، وفي هذه الآية أقسم الله -جل وعلا- فقال: {فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ}والشفق: هو الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس.

{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} يعني: ما جمع وضم؛ لأن الليل يجمع الظلمة، ويجمع أشياء كثيرة.


ثم قال جل وعلا: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} يعني: إذا تكامل وكان بدراً.

فهذه الأشياء كلها آيات من آيات الله الدالة على عظمته وقدرته، أقسم الله -جل وعلا- بها في هذه الآيات.

والمقسم عليه قوله جل وعلا: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ} يعني: لتركبن حالة بعد حالة، أو حالة على حالة؛ لأن العبد يتقلب في رحم أمه أطواراً، ثم يخرج من بطن أمه إلى الدنيا، فيتقلب في هذه الدنيا أطواراً مختلفة، وألواناً مختلفة، يكون صغيراً، ثم شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، وتعتريه حالات متعددة من المرض والنوم والصحة، والطاعة، والمعصية، والضلالة، والهدى، إلى غيرها من الأحوال التي تعتري الإنسان، أقسم الله -جل وعلا- على ذلك {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ}.

ثم قال جل وعلا: {فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} يعني: أن هؤلاء الكفار لماذا لا يؤمنون بالله جل وعلا؟ ولماذا لا يؤمنون بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا لا يؤمنون بالبعث والنشور؟ وهم يرون آيات الله -جل وعلا- التي يسيرها ليراها عباده بأعينهم في هذه الحياة الدنيا، ولكن كما قال الله جل وعلا: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ}.

ثم قال جل وعلا: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} أي: إن هذا القرآن بما اشتمل عليه من آيات عظيمة؛ حري بهؤلاء الكفار أن يسجدوا لهذا القرآن لعظمته، ويؤمنوا بما فيه من الآيات، ومن هذه الآية أخذ الإمامأَبُو حَنِيفَةَ- رحمه الله - وبعض العلماء: إلى أن سجود التلاوة واجب؛ لأن الله -جل وعلا- ذم الكفار إذ لم يسجدوا، ولكن الذي عليه جمهور العلماء، وهو الذي دلت عليه النصوص أن سجود التلاوة سنة؛ وليس بواجب؛ لأن عمر -رضي الله تعالى- عنه تلا آية السجدة في سورة النحل يوم الجمعة على المنبر ثم نزل وسجد، ثم لما جاءت الجمعة الأخرى قرأها ولم يسجد، وقال: ((من شاء سجد ومن لم يشأ لم يسجد، والنبي -صلى الله عليه وسلم- سجد مرةً في سورة النجم، ومرة لم يسجد، فدل ذلك على أن السجود ليس بواجب، ولو كان واجباً لسجده النبي صلى الله عليه وسلم.

ولكن هذه الآية تدل على ذم الكفار الذين لا يستجيبون لهذا القرآن، ولا يذعنون لأوامر الله -جل وعلا- ولا ينتهون عن نواهيه التي جعلها في هذا الكتاب العظيم.

ثم قال جل وعلا: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ} أي: ما منعهم من الإيمان، وما منعهم من الإذعان لهذا القرآن، إلا لأنهم يكذبون، وعبر الله -جل وعلا- عنهم بصيغة المضارع، وهذا يدل على أنهم في حالهم وفي مستقبلهم يكذبون ويصرون على تكذبيهم؛ كما قال الله -جل وعلا- في الآية الأخرى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ}.


ثم قال جل وعلا: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} يعني: أن الله -جل وعلا- محيط بهم، يعلم سرهم ونجواهم، وما يعلنونه وما يضمرونه.
{فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} يعني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يبشر هؤلاء الكفار بعذاب أليم؛ لأن البشارة تكون في الخير وتكون في الشر، فإذا أطلقت فإنها تنصرف إلى الخير، وقد تقيد بالعذاب أو بغيره فتنصرف إلى الشر، وفي هذه الآية قال الله جل وعلا: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} جزاء لتكذيبهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- وبما جاء به.



ثم قال جل وعلا: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} هذا استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع تكون: (إلا) فيه بمعنى: (لكن) أي: لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون أي: غير منقطع، بل هو مستمر، كما تقدم بيان ذلك.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 01:26 PM
http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/115_1232918856.rm

http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/115_1232921520.rm

نورة آل رشيد
02-09-2009, 10:34 PM
تفسير سورة الانشقاق

تفسير قول الله تعالى : ( إذا السماء انشقت ، وأذنت لربها وحقت )

تفسير قول الله تعالى : ( وإذا الأرض مدت ، وألقت ما فيها وتخلت ، وأذنت لربها وحقت )
تفسير قول الله تعالى : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه )
احتمالان في عود الضمير في قوله تعالى: (فملاقيه)
تفسير قول الله تعالى : ( فأما من أوتي كتابه بيمينه ، فسوف يحاسب حساباً يسيراً ، وينقلب إلى أهله مسروراً)

المراد بالأهل في قوله تعالى: ( وينقلب إلى أهله مسرورا )
بيان متى يكون السرور مذموما ومتى لا يكون مذموما
تفسير قول الله تعالى : ( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً ، ويصلى سعيراً)
القراءات في قوله (يصلى)
تفسير قول الله تعالى : ( إنه كان في أهله مسروراً )
تفسير قول الله تعالى : ( إنه ظن أن لن يحور )
تفسير قول الله تعالى : ( بلى إن ربه كان به بصيراً )
تفسير قول الله تعالى : ( فلا أقسم بالشفق )
صيغة ( فلا أقسم ) يراد بها الإقسام
بيان المراد بالشفق
تفسير قول الله تعالى : ( والليل وما وسق )
أقوال السلف في تفسير قوله تعالى: ( والليل وما وسق)
تفسير قول الله تعالى : ( والقمر إذا اتسق )
أقوال السلف في تفسير قوله تعالى: (والقمر إذا اتسق)
تفسير قول الله تعالى : ( لتركبن طبقاً عن طبق )
القراءات في قوله تعالى: (لتركبن)
أقوال السلف في معنى الطبق المركوب
تفسير قول الله تعالى : ( فما لهم لا يؤمنون ، وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون )
حكم سجود التلاوة
تفسير قول الله تعالى : ( بل الذين كفروا يكذبون ، والله أعلم بما يوعون )
تفسير قول الله تعالى : ( فبشرهم بعذاب أليم )
البشارة عند الإطلاق يراد بها الخير وقد يراد بها الشر عند التقييد
تفسير قول الله تعالى : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون )
ضابط الاستثناء المنقطع

نورة آل رشيد
02-09-2009, 10:34 PM
الأسئلة
س1: بين جواب الشرط في قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ}.
س2: بين معاني الكلمات التالية: انشقَّت، أَذِنَت، حُقَّت، تخلَّت، ثبوراً، سعيراً، يحور.
س3: قال الله تعالى:{إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ(1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ(2) وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ(3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ(4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ(5)}، فسِّر هذه الآيات تفسيراً إجمالياً مبيناً أثر الموعظة بأهوال يوم القيامة على سلوك العبد.
س4: بين ما يفيده الاسم الموصول في قوله تعالى: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}.
س5: بيِّن مرجع ضمير الغائب في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}.
س6: من أعظم العلوم نفعاً للعبد علم الجزاء. تكلم عن أهمية هذا العلم وأثره على سلوك العبد من خلال دراستك لتفسير السورة.
س7: ما معنى الحساب في قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً}.
س8 : أيُّهما يكون قبل الآخر؟ نشر الدواوين أم الحساب؟ استدل لما تقول.
س9: في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((حفَّت الجنة بالمكاره))، اذكر ما يشهد لهذه الجملة من الآيات التي درستها.
س10: ورد في مواضع عدة من القرآن الكريم أن الفريق الخاسر يؤتى كتابَه بشماله، وورد في هذه الآيات أنه يؤتى كتابَه وراء ظهره، فكيف تجمع بين هذه النصوص؟
س11: ذكر الله عز وجل أن الفريق الخاسر يؤتى كتابه وراء ظهره، بين الحكمة من إيتائه كتابه بهذه الطريقة.
س12: التفكر في أسماء الله الحسنى وصفاته العلى من أعظم الوسائل المعينة على الاستقامة، تكلم عن هذا الأصل من خلال دراستك لهذه الآيات.
س13: بين معاني الكلمات التالية: الشفق، وسق، اتسق، طبق، يوعون، ممنون.
س14: فسر هذه الآيات تفسيراً إجمالياً.
س15: كرر الله عز وجل الموعظة بالجزاء مرتين في هذه السورة، تكلم باختصار عن أهمية هذا التكرار.
س16: بين معنى تركيب القسم بصيغة {لا أُقْسِمُ}.
س17: بين جواب القسم في هذه الآيات، واشرحه بإيجاز.
س18: بين مناسبة المقسم به للمقسم عليه في هذا القسم.
س19: بين دلالة الآيات الكونية على البعث والجزاء.
س20: ما معنى السجود في قوله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ}؟
س21: اذكر شروط العمل الصالح.
س22: اذكر القراءتين في قوله تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ}، مع بيان المعنى على كلا القراءتين.