المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة البروج من آية (1-10)


حفيدة بني عامر
10-22-2008, 01:45 PM
سورةُ البُروج
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)}

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 01:46 PM
تفسير سورة البروج

(1-10) {بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)}

{وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ} أي: المنازلِ المشتملةِ على منازلِ الشمسِ والقمرِ، والكواكبِ المنتظمةِ في سيرهَا على أكملِ ترتيبٍ، ونظامٍ دالٍّ على كمالِ قدرةِ اللهِ تعالَى ورحمتهِ، وسعةِ علمهِ وحكمتهِ.

{وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} وهوَ يومُ القيامةِ، الذي وعدَ اللهُ الخلقَ أنْ يجمعهمْ فيهِ، ويضمَّ فيهِ أولهمْ وآخرَهمْ، وقاصيهمْ ودانيهمْ، الذي لا يمكنُ أنْ يتغير، ولا يُخْلِفُ اللهُ الميعادَ.

{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}وشملَ هذا كلَّ منِ اتصفَ بهذا الوصفِ أي: مُبصِر ومُبْصَر، وحاضِر ومحضورٍ، وراءٍ ومَرئي.
والمقسمُ عليهِ،ما تضمنهُ هذا القسمُ من آياتِ اللهِ الباهرةِ، وحكمهِ الظاهرةِ، ورحمتهِ الواسعةِ، وقيلَ: إنَّ المقسمَ عليهِ قولهُ: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} وهذا دعاءٌ عليهمْ بالهلاكِ. و(الأخدودِ) الحُفَرُ التي تُحْفَرُ في الأرضِ.

وكانَ أصحابُ الأخدودِ هؤلاءِ قوماً كافرينَ، ولديهمْ قومٌ مؤمنونَ، فراودوهمْ للدخولِ في دينهمْ، فامتنعَ المؤمنونَ منْ ذلكَ، فشقَّ الكافرونَ أخدوداً ، وقذفوا فيهَا النارَ، وقعدوا حولهَا، وفتنوا المؤمنينَ، وعرضوهمْ عليهَا، فمنِ استجابَ لهمْ أطلقوهُ، ومنِ استمرَّ على الإيمانِ قذفوهُ في النارِ، وهذا في غايةِ المحاربةِ للهِ ولحزبهِ المؤمنينَ، ولهذا لعنَهمُ اللهُ وأهلكمْ وتوعدهمْ فقالَ: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} ثمَّ فسرَ الأخدودَ بقولهِ: {النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} وهذا من أعظمِ ما يكونُ منَ التجبُّرِ وقساوةِ القلبِ، لأنَّهمْ جمعوا بينَ الكفرِ بآياتِ اللهِ ومعاندتِها، ومحاربةِ أهلهَا وتعذيبهمْ بهذا العذابِ، الذي تنفطرُ منهُ القلوبُ، وحضورهمْ إياهمْ عندَ إلقائهمْ فيهَا، والحالُ أنَّهمْ ما نقموا منَ المؤمنينَ إلا خصلةً يُمدحونَ عليهَا، وبها سعادتهمْ، وهيَ أنَّهمْ كانوا يؤمنونَ باللهِ العزيزِ الحميدِ أي: الذي لهُ العزةُ التي قهرَ بهَا كلَّ شيءٍ، وهو حميدٌ في أقوالهِ وأوصافهِ وأفعالهِ.

{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}خلقاً وعبيداً، يتصرفُ فيهمْ تصرفَ المالكِ بملكهِ.
{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}علماً وسمعاً وبصراً، أفلا خافَ هؤلاءِ المتمردونَ على اللهِ، أنْ يبطشَ بهمُ العزيزُ المقتدرُ، أو مَا علمُوا أنَّهمْ جميعهمْ مماليكُ للهِ، ليسَ لأحدٍ على أحدٍ سلطةٌ، منْ دونِ إذنِ المالكِ؟ أو خفيَ عليهمْ أنَّ اللهَ محيطٌ بأعمالهمْ، مجازٍ لهمْ على فعالهمْ؟ كلاَّ إنَّ الكافرَ في غرورٍ، والظالمَ في جهلٍ وعمى عنْ سواءِ السبيلِ.
ثمَّ وعدَهمْ وأوعدَهمْ، وعرضَ عليهمُ التوبةَ، فقالَ: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} أي: العذابُ الشديدُ المحرقُ.
قالَ الحسنُ رحمهُ اللهُ: (انظرُوا إلى هذا الكرمِ والجودِ، همْ قتلُوا أولياءَهُ وأهلَ طاعتهِ، وهوَ يدعُوهمْ إلى التوبةِ).

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 01:48 PM
سُورَةُ الْبُرُوجِ
1- {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} البُرُوجُ: هِيَ النُّجُومُ، وَقِيلَ: هِيَ المَنَازِلُ للكَوَاكِبِ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ بُرْجاً لاثْنَيْ عَشَرَ كَوْكَباً.
2- {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ}؛ أَي: المَوْعُودِ بِهِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
3- {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} الْمُرَادُ بالشَّاهِدِ: مَنْ يَشْهَدُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الخلائقِ، وَالْمُرَادُ بالمَشْهُودِ: مَا يَشْهَدُ بِهِ الشَّاهِدُونَ عَلَى الْمُجْرِمِينَ، مِن الجرائمِ الفظيعةِ الَّتِي فَعَلُوهَا بالشهودِ أَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ كُلُّ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَمَا فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الأُخْدُودِ الآتِي ذِكْرُهَا، وَاللَّهُ عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ أَيْضاً كَمَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ.وَقِيلَ: الشاهدُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، يَشْهَدُ عَلَى كُلِّ عَامِلٍ بِمَا عَمِلَ فِيهِ، والمشهودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، يَشْهَدُ النَّاسُ فِيهِ مَوْسِمَ الْحَجِّ، وَتَحْضُرُهُ الْمَلائِكَةُ.
4- {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ}؛ أَيْ: لُعِنُوا. وَأَصْحَابُ الأُخْدُودِ هُمْ أَحَدُ مُلُوكِ الْكُفَّارِ وَجُنْدُهُ، لَمَّا آمَنَ بَعْضُ رَعِيَّتِهِ شَقُّوا لَهُمُ الأُخْدُودَ، وَأَضْرَمُوا فِيهِ النَّارَ، ثُمَّ قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: مَنْ رَجَعَ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ تَرَكْنَاهُ، وَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ أَلْقَيْنَاهُ فِي النَّارِ، فَصَبَرُوا فَأَلْقَوْهُمْ فِي النَّارِ فَاحْتَرَقُوا، والْمَلِكُ وَأَصْحَابُهُ يَنْظُرُونَ. والقِصَّةُ مُطَوَّلَةٌ فَانْظُرْهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (ج 4، ص 2299)
5- {النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ} الوَقُودُ: الحَطَبُ الَّذِي تُوقَدُ بِهِ.
6- {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ}؛ أَيْ: لُعِنُوا حِينَ أَحْدَقُوا بِالنَّارِ قَاعِدِينَ عَلَى الكَرَاسِيِّ عِنْدَ الأُخدودِ.
7- {وَهُمْ}؛ أَي: الَّذِينَ خَدُّوا الأُخْدُودَ، وَهُم الْمَلِكُ وَأَصْحَابُهُ، {عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ} مِنْ عَرْضِهِمْ عَلَى النَّارِ؛ لِيَرْجِعُوا إِلَى دِينِهِمْ، يَشْهَدُونَ بِمَا فَعَلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ.
8- {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}؛ أَيْ: إِلاَّ أَنَّهُمْ صَدَّقُوا بِاللَّهِ الغَالِبِ المَحْمُودِ فِي كُلِّ حَالٍ، مَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ ذَنْباً إِلاَّ إِيمَانَهُمْ.
9- {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وَمَنْ كَانَ هَذَا شَأْنَهُ فَهُوَ حَقِيقٌ بِأَنْ يُؤْمَنَ بِهِ وَيُوَحَّدَ. {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} مِنْ فِعْلِهِمْ بالمؤمنِينَ، لا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ خَافِيَةٌ، وَفِي هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لأَصْحَابِ الأُخدودِ، وَوَعْدٌ خَيْرٌ لِمَنْ عَذَّبُوهُ عَلَى دِينِهِ منْ أُولَئِكَ الْمُؤْمِنِينَ.
10- {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}؛ أَيْ: أَحْرَقُوهُمْ بِالنَّارِ، وَلَمْ يَجْعَلُوا لَهُمْ خِيَاراً فِي ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَكْفُرُوا بِاللَّهِ، فَمَحَنُوهُمْ فِي دِينِهِمْ لِيَرْجِعُوا عَنْهُ، {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا} مِنْ قَبِيحِ صُنْعِهِمْ وَيَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وَفِتْنَتِهِمْ، {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} فِي الآخِرَةِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}؛ أَيْ: ولهم عَذَابٌ آخَرُ زَائِدٌ عَلَى عَذَابِ كُفْرِهِمْ، وَهُوَ عَذَابُ الْحَرِيقِ بِسَبَبِ الحَرْقِ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ.

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 01:55 PM
المتن :
سورةُ البروج


1-قولُه تعالى: {وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ} يقسمُ ربُّنا بالسماءِ صاحبةِ النجومِ ومنازِلها(1).
2-قولُه تعالى: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} ويقسمُ ربُّنا باليومِ الذي وعدَ به عبادَهُ للفصلِ بينهم، وهو يوم القيامة.
3-قولُه تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} ويقسمُ ربُّنا بكلِّ راءٍ مشاهِدٍ ومَرئيٍ مُشاهَدٍ، وكلِّ شاهدٍ على أحدٍ ومشهودٍ عليه؛ كيوم الجُمعة شاهدٌ لمن حضره، وهو مشهودٌ بمن حضره، وكذا يوم عرفة، أو الرسول صلى الله عليه وسلم شاهدٌ على أمَّته، وأمته مشهودٌ عليها، وكذا غيرها من الأمم(2).
وجوابُ القَسَم محذوف،تقديره: (لتُبْعَثُنَّ) بدلالة قوله تعالى: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} وهو اليوم الذي يكذِّبُ به الكفَّار.
4- 5-قولُه تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ} أصحاب الأخدود(3) هم الذين أمروا بحفر الشقوقِ الكبيرة في الأرض، ومَلْئها بالنار، وإلقاء المؤمنين بها، والمعنى: ليحصلِ القتلُ لهؤلاء الكافرين الذين عذَّبوا المؤمنين بإلقائهم في النار التي تُشعَل بالحطب وغيره مما توقَدُ به النار.
6-قولُه تعالى: {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ} أي: إذ هؤلاء الكفار قعودٌ حول النار، وهم متمكِّنون منها، يلقُون فيها من شاءوا من المؤمنين.
7-قولُه تعالى: {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} أي: وهؤلاء الكفار يشهدونَ على أنفسِهم بما فعلوه بالمؤمنين، بعد أن حضروا تعذيبَهم.
8- 9- قولُه تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: ما أنكر هؤلاء الكفار على المؤمنين إلا إيمانَهم بالله القويِّ الذي لا يُقهر، والمحمودِ الذي يكثرُ منه فِعْلُ ما يَحْمَدُهُ عليه خلقُه، والذي له كلُّ ما في السموات والأرض مُلْكاً وحُكْماً، وهو مطَّلِعٌ على كلِّ شيءٍ لا تخفى عليه منهم خافية، وهو مطَّلِعٌ على ما فعلَه هؤلاء الكفار بأوليائه.
10-قولُه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} أي: إنَّ الذين عذَّبوا المؤمنين بالنار(4) - من الكفَّار أو غيرِهم ممن اتَّصَفَ بعداءِ أولياءِ الله(5) - إذا لم يتوبوا إلى الله من فعلِهم فيصيروا بهذه التوبةِ من أوليائه(6)، فإن اللهَ سيعذِّبهم بنار جهنَّمَ التي تُطْبِقُ عليهم بظلُماتها، وبنارِ الحريقِ التي تحرقهم(7).
-
الحاشية :
(1) تدلُّ مادة برج في اللغة: على البروزِ والظُّهور، ومنه سُمِّيَ القصرُ والقلعةُ بُرجاً؛ لظهورِهما وبروزهما فوقَ الأرض يراهما المشاهِد دون عناء، وبها سُمِّيت منازل الشمس والقمر بروجاً، ومنه تبرُّجُ المرأة، وهو إظهار محاسنها.
وقد وقع اختلافٌ بين السلف في معنى البروج هنا على أقوال:
الأول:قصورٌ في السماء، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، وحكاه الضحاك من طريق عبيد المكتب، وقد أوردَ الطبريُّ في قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً} قولَ عطية العوفي من طريق إدريس، ويحيى بن رافع من طريق إسماعيل، وإبراهيم من طريق منصور، وأبي صالح من طريق إسماعيل.
وهذا القول مبناه: تسميةُ القصور بالبروج، والله أعلم.
الثاني:النجوم، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وابن أبي نجيح من طريق سفيان الثوري، وقتادة من طريق سعيد، وذكر الطبري في آية الفرقان قول أبي صالح من طريق إسماعيل، وقتادة من طريق معمر، ونسبَهُ ابن كثير إلى ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادةوالسدي.
ويظهرُ أن من فسَّرها بالقصور،اعتمد المعنى الأشهر من اللفظ، ولذا قال ابن جرير الطبري في ترجيح معنى البروج في قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً} : (وأَوْلى القولين في ذلكَ بالصواب، قول من قال: هي قصورٌ في السماء؛ لأن ذلك في كلام العرب {وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} ، وقول الأخطل:

كـأنـهـابرجُ روميٍّ يشيّدُهُ = بانٍ بجصٍّ وآجُرٍّ وأحجارِ

يعني بالبرج: القصر).
وتفسيرها بمطلق القَصْرِ
يمكن أن يدخل فيه تفسيرها بمنازل الشمس والقمر؛ لأنهما كالقصر بالنسبة لغيرهما، أما من جعل هذه القصور لحرسِ السماء؛ كما ورد عن عطية العوفي وأبي صالح، فإنه يحتاج إلى ما يعضده من خبرِ الصادق؛ لأن مثل ذلك التحديد لا يمكن أن يُعرفَ إلا من جهة الخبر، والله أعلم.
وأمَّا تفسيرها بالنجوم،فإنَّ أصلَ المادةِ التي تدلُّ على الظهور تحتملُ دخولَ النجومِ فيها؛ لأنها ظاهرةٌ بارزةٌ للعيان، وهذا التفسير أقرب الأقوال؛ لأنَّه أظهر للناس بخلاف غيره.
وقاعدةُ القَسَمِ: أن يكونَ المُقْسَمُ به مما يعلمه عامة الناس، أو يرونَ أثرَه، والله أعلم.
(2)ورد في تفسير هذه الآية اختلافٌ كثير، وإذا تأملته وجدتَه من اختلاف التنوع، وأنه من قبيلِ الاسم العام الذي يذكر المفسِّرون له أمثلةً تدلُّ عليه، قال ابن القيم: (ثم أقسَمَ سبحانه بالشاهدِ والمشهود مطلَقين غير معيَّنين، وأعمُّ المعاني فيه أنه المدرِك والمدرَك، والعالِم والمعلوم، والرائي والمَرئي، وهذا أَلْيَقُ المعاني به، ما عداه من الأقوال ذكرت على وجه التمثيل، لا على وجه التخصيص) (التبيان في أقسام القرآن: 57).
(3)وردَ خلافٌ بين السلف في تحديد أصحابِ الأخدودِ ومكانِهم، وقد وردَ في (صحيح مسلم) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أصحاب الأخدود الذين في اليمن، ولكن الرسولَ صلى الله عليه وسلم لم يُشِرْ في هذه القصة التي يذكرها للصحابة إلى هذه الآيات، ولذا يقال: إن كل ما ذكر من أصحاب الأخاديد فإنه داخلٌ في حُكم هذه الآية، وبالأخصِّ القوم الذين ذكرَ الرسول صلى الله عليه وسلم قصَّتَهُم، وهذا يكونُ من التفسير بالسنَّة؛ لأن المفسِّرَ استفادَ من هذه القصة المطابِقة لخبر الآية ففسَّر بها، والله أعلم.
(4)وردَ التفسير بذلك عن ابن عباس من طريق العوفي، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقتادة من طريق سعيد، والضحَّاك من طريق عبيد، وابن أبزَى من طريق جعفر.
(5)يقول ابن القيم: (وهذا شأنُ أعداءِ الله دائماً يَنْقِمونَ على أولياء الله ما ينبغي أن يُحَبُّوا ويُكرَموا لأجله؛ كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} ، وكذلك اللوطية نقموا من عبادِ الله تنزيههم عن مثل فعلِهم، فقالوا: { أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} ، وكذلك أهلُ الإشراك ينقِمونَ من الموحِّدين تجريدهم التوحيد، وإخلاص الدعوةِ والعبوديةِ لله وحدَه، وكذلك أهلُ البدعِ ينقِمون من أهل السنة تجريدَ متابعتِها، وتركَ ما خالفها، وكذلك المعطِّلة ينقِمون من أهلِ الإثباتِ إثباتَهم لله صفات كماله ونعوت جلاله.
وكذلك الرافضةُ ينقِمونَ على أهل السنَّةِ محبَّتَهم للصحابةِ جميعِهم، وترضِّيهم عنهم، وولايَتهم إياهم، وتقديمَ من قدَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، وتنزيلَهم منازِلهم التي أنزلهم الله ورسوله بها.
وكذلك أهلُ الرأي المُحدَثِ ينقِمون على أهلِ الحديثِ وحزبِ الرسول أخذَهم بحديثه وتركَهم ما خالفه، وكلُّ هؤلاء لهم نصيبٌ وبهم شبهٌ من أصحابِ الأخدود، وبينهم نَسَبٌ قريبٌ أو بعيد) (التبيان في أقسام القرآن: 59).
(6)قال الحسن البصري: (انظروا إلى هذا الكرم والجود، يقتلون أولياءَهُ ويفتنونَهم، وهو يدعوهم إلى المغفرة …) انظر: (التبيان في أقسام القرآن: 59).
(7)حَمَلَ بعض المفسِّرين؛ كالربيع بن أنس، هذه الآية على قصَّة أصحاب الأخدود، وقالوا بأن النار التي أوقدوها التَهَمَتْهُم بعد ما ألقَوْا فيها المؤمنين، وأنَّ هذا هو المراد بعذاب الحريق، والله أعلم بما كان، ولكن هذا لا يعني أن نارَ الحريقِ الدنيا، فالنار دَرَكات، ويجوز أن تكونَ هاتان المذكورتان منها.

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 02:04 PM
القارئ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)} .


الشيخ:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الله جل وعلا: {وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ} هذا قسم من الله -جل وعلا- بالسماء وبروجها، والبروج: هي الكواكب والنجوم التي في السماء أو منازلها، وهذا قسم من الله -جل وعلا- ببعض مخلوقاته التي يشاهدها العباد؛ لأن الله -جل وعلا- جعل لهم فيها آية وعبرة، ومثل هذه الآية قول الله جل وعلا: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً} ومثلها في دلالتها على السماء والبروج قول الله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجاً}.
وهذه البروج التي جعلها الله -جل وعلا- في السماء، بين لنا رب العالمين حكمته من خلقها:
-في قوله جل وعلا: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ}.
-وفي قوله جل وعلا: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}.
-وفي قوله جل وعلا: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}.
فهذه ثلاثة أشياء خلق الله -جل وعلا- النجوم لها:
- رجوماً للشياطين الذين يسترقون السمع؛ كما قال تعالى: {فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً}.
-وجعلها -جل وعلا- زينة للسماء، ومصابيح يستنير بها العباد.
- وجعلها -جل وعلا- علامات يهتدي بها العباد في البر وفي البحر، ولهذا قال قتادة - رحمه الله -: (خلق الله النجوم زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما ليس له به علم).
فمن ظن في هذه النجوم أنها تؤثر على مخلوقات الله -جل وعلا- وتدبرها فهو مشرك كافر بالله العظيم، وأما من استفاد من هذه النجوم في معرفة ما يحتاجه من القبلة، أو من الطريق، أو من معرفة المواقيت، أو من معرفة غيرها مما لا تعلق له بالشرك ولا اعتقاد فيه بالتأثير؛ فذلك مما رخص فيه جمهور العلماء.

ثم قال الله جل وعلا: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} اليوم الموعود: هو يوم القيامة؛ لأن الله -جل وعلا- جعله موعداً للخلائق يردهم إليه؛ وهذا بإجماع أهل التفسير، وقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تفسيره بذلك؛ إلا أن الأحاديث لا تثبت فيه، ويبين هذه الآية قول الله -جل وعلا- في شأن أهل الجنة: {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} وقال جل وعلا: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} وقوله -جل وعلا- في الرد على المشركين: {قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ}.

ثم قال جل وعلا: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} أكثر المفسرين على أن الشاهد: هويوم الجمعة؛ لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه.
والمشهود: هو يوم عرفة؛ لأن الحجاج يشهدون هذا اليوم.
والذي اختاره ابن القيم - رحمه الله - أن هذا مطلق في الشاهد والمشهود؛ فيكون قسماً بالله، وقسماً بالملائكة، وقسما بالرسل، وقسماً بالقرآن، وقسماً بكل شيء شاهد أو مشهود؛ لأن الله -جل وعلا- أطلق في هذه الآية ولم يقيد، فكل ما كان شاهداً أو مشهوداً بمعنى: مرئي أو رائي، أو مدرَك أو مدرِك، أو عالم أو معلوم، فالله -جل وعلا- قد أقسم به؛ لأن الله -جل وعلا- أطلق ولم يقيد بشيء، ولهذا تنوعت عبارات السلف - رحمهم الله - في الشاهد والمشهود، وهذا التنوع لعله في جملته من باب تفسير الشيء ببعض آحاده.
ثم قال جل وعلا: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} الأخدود: هو شق مستطيل عظيم في الأرض كالخندق هذا هو الأخدود، وأهل الأخدود هؤلاء لعنهم الله -جل وعلا- في هذه الآية، لعن من خدد تلك الأخاديد، وأضرم فيها النار، وحرق فيها عباد الله المؤمنين، فقال جل وعلا: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} أي: لعن أصحاب الأخدود.
ثم بين الله -جل وعلا- هذا الأخدود فقال: {النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ} يعني: أن المراد بالأخدود هاهنا: النار العظيمة التي أوقدت في هذه الحفر؛ليمتحن بها المؤمنون، فمن أجاب إلى الكفرلم يلق فيها، ومن كان مؤمناً وصبر على إيمانه فإنه يلقى في هذه النار.
وقوله جل وعلا: {ذَاتِ الْوَقُودِ} أي: ذات الحطب الذي يكون وقوداً لهذه النار.
{إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ} أي: أن أولئك المجرمين الذين خدوا هذه الأخاديد، قعود على هذه النار وعلى جنباتها يفتنون عباد الله المؤمنين.

{وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}أي: هم حاضرون ويشاهدون ما يفعلونه بعباد الله المؤمنين، وذلك لشدة قساوة قلوبهم وبطشهم وكفرهم بالله جل وعلا؛ لأن العادة جارية أن الكبراء والسلاطين إذا أرادوا تعذيب هذه الأمم لا يأتون ولا يباشرون هذه الأفعال، وهؤلاء يأتون ليروا عباد الله المؤمنين الأحياء وهم يحَّرقون في هذه النار تشفياً منهم؛ من أجل أنهم آمنوا بالله جل وعلا.
وهذه الآيات ذكر بعض العلماء أنها حوادث كثيرة وقعت قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأمم السابقة في أنحاء من المعمورة، امتحن بها الذين آمنوا.
وبعضهم يحمل هذه الآية على القصة التي خرجها الإمام مسلم في صحيحه من حديث صهيب في قصة الملك والساحر والغلام، وهي قصة طويلة، خد فيها هذا الملك الجبار الأخاديد، وصار يفتن المؤمنين، من صبر على إيمانه قذف فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فلما تقاعست أن تقع في النار،وكادت تجيب قال لها الصبي: (اتقِ الله واصبري) .
ثم قال جل وعلا: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} أي: ما نقم أولئك الكفار من هؤلاء المؤمنين إلا أنهم يؤمنون بالله جل وعلا، وهذا كما قال الله جل وعلا: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} وهذا شأن الكفار ينقمون من المؤمنين لإيمانهم، ويؤذونهم ويقتلونهم ويخرجونهم من ديارهم من أجل إيمانهم، كما قال الله جل وعلا: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} فلما كانت العداوة عداوة دينية يحمل عليها بُغض الإيمان، صاروا يؤذون عباد الله -جل وعلا- بلا رحمة، ويعذبونهم بلا هوادة، وهذا شأن أعداء الله -جل وعلا- مع المؤمنين.
وفي هذه الآيات تنبيه من الله جل وعلا لعباده المؤمنين ألا يغتروا بالكفار، ولا يركنوا إليهم، ولا يودوهم؛ لأنهم أعداء لهم، فالشأن في الكافر أنه ينقم من المؤمن؛ لأنه آمن بالله وحده.
وقوله جل وعلا: {الْعَزِيزُ} يعني: أن الله -جل وعلا- عزيز لا يغلب ولا يقهر.
فله جل وعلا:
-عزة القهر.
- وعزة القوة.
- وعزة الغلبة.
- وعزة الامتناع.
وقوله جل وعلا: {الْحَمِيدِ} يعني: المحمود، فالله -جل وعلا- محمود بماله من صفات الكمال والجلال والعظمة، وبماله من الأسماء الحسنى، وبماله من الأفعال الدائرة بين الفضل والعدل، وهو -جل وعلا- المحمود على كل حال، والمحمود بكل لسان.
وقد ذيل الله جل وعلا هذه الآية بقوله: {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} والله أعلم لئلا يظن مؤمن أن الله -جل وعلا- ليس بقدرته أن يدفع عن أولئك المؤمنين تسلط أعدائهم عليهم، وإنما صنع الله -جل وعلا- ذلك، وسلط أعداء الله على المؤمنين مع عزته -جل وعلا- وغلبته وقهره؛ ليمتحن عباده المؤمنين؛ ليرى -جل وعلا-هل يحمدوه على كل حال أو لا؟ وإلا فالله -جل وعلا- قادر على أن ينصر أوليائه، وقد بين الله -جل وعلا- ذلك في كتابه الكريم:
- كما قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}.
-وقال جل وعلا: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.
-وقال جل وعلا: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}.
-وقال جل وعلا: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}.
- {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}.
فهذه الآيات تدل على أن الله -جل وعلا- قادر على نصر أوليائه، ولكنه سبحانه يبتليهم ويختبرهم؛ ليرى -جل وعلا- من يصبر على إيمانه وطاعته، ويمحص الله -جل وعلا- بذلك إيمانه، وليعلم الله -جل وعلا- من ينقلب على عقبيه خاسئاً كافراً ضالاً.
ولهذا ذكر الله -جل وعلا- عن عباده المؤمنين أنهم إذا جاءتهم مثل هذه المصائب التي يتسلط بها أعداء الله عليهم، أنهم يؤمنون ويصدقون بوعد الله، ويزدادون تصديقاً وإيماناً بالله، كما قال الله جل وعلا: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} .
لما تحزب الأحزاب على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وضيقوا عليهم في المدينة، كان موقف المؤمنين ما ذكره الله -جل وعلا- في هذه الآية، وكما قال الله -جل وعلا- عن المؤمنين: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} يعني: أن المؤمنين يقولون للمنافقين: هل تنتظرون بنا إلا إحدى الحسنين، إما الشهادة وإما النصر، وذلك دليل على ثباتهم على إيمانهم، وصبرهم على دين الله جل وعلا، وأما المنافقون والكفار والذين لا يوقنون بلقاء الله، قالوا: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} .

ثم قال جل وعلا: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}وهذه الجملة فيها تطمين لعباد الله المؤمنين، بأن الله -جل وعلا- له ملك السماوات والأرض؛ فينصر -جل وعلا- من شاء، ويذل من شاء، والكافر مهما تكبر وتجبر فإن الله -جل وعلا- له ملك السماوات والأرض، وهو قادر على أن يذله ويخزيه، كما أن في هذه الآية تخويفاً وتهديداً لأعداء الله -جل وعلا- الذين يفتنون المؤمنين عن دينهم، فإن الله -جل وعلا- له ملك السماوات والأرض يأخذهم -جل وعلا- على حين غرة وهم لا يشعرون، يأخذهم في تقلبهم، أو يأخذهم وهم نائمون، أو يأخذهم ضحى وهم يلعبون، والله -جل وعلا- قادر عل ذلك.
ثم قال جل وعلا: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: أن الله -جل وعلا- عالم بجميع الأشياء؛ محيط بها، لا تخفى عليه، كما أنه -جل وعلا- شاهد للعباد، وهو كذلك شاهد عليهم، يشهد لهم جل وعلا، ويشهد عليهم، ويشهد جل وعلا على كل شيء؛ لأنه -جل وعلا- عالم بكل شيء لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ومن ذلك أن الله -جل وعلا- شهيد على أعمال أولئك المجرمين بعباد الله المؤمنين، وهو -جل وعلا- شاهد عليهم يوم القيامة بما كسبته أيديهم، وشاهد للمؤمنين بصبرهم على دين الله جل وعلا، وصبرهم على الأذى فيه.
ثم قال جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} هذه الآية يتوعد الله -جل وعلا- فيها الذين فتنوا المؤمنين، وجاء الله -جل وعلا- بوصف الإيمان في هذه الآية ليؤكد أنهم ما نقموا منهم إلا لإيمانهم، ولم يقل جل وعلا: إن الذين فتنوا أولئك، ولكن قال: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ} ليبين -جل وعلا- ويؤكد أن سبب فتنتهم لأولئك إنما هو إيمانهم الذي ذكره الله في قوله: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا} .
ثم إنه -جل وعلا- جاء بهذا الوصف:
ليبين عموم هذا الحكم لجميع الناس، جاء بهذا الوصف وأدخل عليه الألف واللام وذلك يقتضي العموم، فالذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات فإنهم داخلون في هذه الآية بوصف الإيمان الذي ذكره الله جل وعلا، وإن كان أولئك الذين قص الله -جل وعلا- خبرهم هم الداخلين في هذه الآية مباشرة، وهم المرادون بها عند أكثر علماء التفسير.
ثم قال جل وعلا: {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}فالذين يعذبهم الله -جل وعلا- ويستحقون هذا الجزاء هم الذين فتنوا المؤمنين عن دينهم، ثم أصروا على ذلك؛ فماتوا ولم يتوبوا، وأما من فتن المؤمنين ثم تاب بعد ذلك فلا يكون داخلاً في هذه الآية؛ لأن الله -جل وعلا- يتوب على من تاب، وذلك غاية الكرم منه -جل وعلا- لعباده، يقتلون أولياءه، ويدعوهم -جل وعلا- إلى التوبة.
وهذا يدل على أن العبد لا يتعاظم ذنباً فعله أن يغفره الله -جل وعلا- له، ولو كان ذلك بقتل الأنفس، فإن الله -جل وعلا- قد دعا عباده إلى التوبة مما هو أعظم من قتل الأنفس {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ومن الذنوب الإشراك بالله جل وعلا، والذي قتل مائة نفس تاب الله -جل وعلا- عليه، ووعدهم جل وعلا، وعد أهل الإشراك الذين تابوا بالتوبة {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} .
وقوله جل وعلا: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} جمع الله -جل وعلا- عليهم في هذه الآية عذابين، قال بعض العلماء:
الأول: متعلق بعذاب الآخرة.
والثاني: متعلق بعذاب الدنيا.
ذلك أن الله -جل وعلا- ما أمات أولئك الذين فتنوا المؤمنين إلا بعد أن أحرقهم بالنار.
وقال بعض العلماء: إن لهم في الآخرة عذابين: عذاب جهنم، والمراد به في هذه الآية: أنهم يعذبون بزمهرير؛ وهو: البردُ الشديد، ثم بعد ذلك يردون إلى العذاب الحار؛ وهو المراد بقوله جل وعلا: {عَذَابَ الْحَرِيقِ}فهم يعذبون أولاً: بالبرودة الشديدة، ثم يعذبون بعد ذلك: بالحرارة الشديدة الأليمة.
والذي يظهر -والله أعلم- أن قوله جل وعلا: {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} يعني: أن هؤلاء الكفار لما جمعوا بين أمرين: الكفر بالله جل وعلا، وبين تعذيب المؤمنين وصدهم عن دين الله؛ فإن الله -جل وعلا- يعذبهم عذاباً شديداً؛ فيعذبهم -جل وعلا- بجهنم ولا يزال هذا العذاب يتسع عليهم، وهذا مأخوذ من قوله: {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}؛ لأن النار إذا اشتعلت فإنها تبدأ تتسع شيئاً فشيئاً، فكأن الله -جل وعلا- أخبر أنه يزيدهم من العذاب والنكال جزاءً ما فتنوا به عباده المؤمنين، وجزاء على كفرهم بالله جل وعلا.
والله -جل وعلا- بين في كتابه أن هذه النار درجات وطبقات، والناس يعذبون في هذه النار بحسب أعمالهم:
-فمنهم من هو في الدرك الأسفل من النار.
-ومنهم من يوضع تحت قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، وهو أهون أهل النار عذاباً.
-وما بين ذلك، يعذب الله -جل وعلا- الناس في النار.

فالشاهد: أنه لما كانت النار درجات ودركات وطبقات، وكانت هذه النار فيها من العذاب ما يقع على قدر ذنب العبد وجرمه، فإن هؤلاء لعظم جرمهم لكونهم لم يقتصروا على الكفر بالله وحده؛ وإنما تعدوا إلى فتن المؤمنين وصدهم عن دين الله؛ زاد الله -جل وعلا- في عذابهم نكالاً لهم.
وفي هذه الآية ما يدل على أن العبد المؤمن ولو ارتكب شيئاً من السيئات والمعاصي فإنه لا ينبغي له أن يشهره بين الناس، ويدعو الناس إليه؛ لأن ذلك من فتن الناس عن دينهم، ومن كان كذلك فيخشى أنه إذا فُتن العبد عن دينه، وارتد بسبب ما جلبه له من الوسائل وغيرها أن يدخل في هذه الآية التي توعد الله -جل وعلا- بها الكفار، وما كان دون ذلك من فتن أولياء الله، ومن فتن المؤمنين بالمعاصي والسيئات؛ فإنه له نصيباً من العذاب بقدر جرمه الذي ارتكبه من دعوة الناس إلى معصية الله جل وعلا.

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 02:10 PM
http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/115_1232923215.rm


http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/115_1232924098.rm

نورة آل رشيد
02-09-2009, 10:41 PM
تفسير سورة البروج
تفسير قول الله تعالى : ( والسماء ذات البروج )
أقوال السلف في معنى (البروج)
فائدة: الحكمة من خلق النجوم
مسألة: حكم تعلم منازل النجوم في معرفة القبلة ونحوها
مسألة: حكم من اعتقد بأن النجوم لها تأثير في تدبير الكون
تفسير قول الله تعالى : ( واليوم الموعود )المراد باليوم الموعود يوم القيامة بإجماع المفسرين
تفسير قول الله تعالى : ( وشاهد ومشهود )بيان جواب القسم
اختيار ابن القيم في المراد بالشاهد والمشهود
تفسير قول الله تعالى : ( قتل أصحاب الأخدود )
تفسير قول الله تعالى : ( النار ذات الوقود ، إذ هم عليها قعود ، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود )
تفسير قول الله تعالى : ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد )
كلام نفيس لابن القيم في أن أعداء الله ينقمون دائماً على المؤمنين
معنى (العزيز) و (الحميد)
مناسبة ختم الآية السابقة باسمي: (العزيز) و (الحميد)
حال المؤمنين عند نزول المصائب بهم
حال المنافقين عند نزول المصائب
تفسير قول الله تعالى : ( الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيءٍ شهيد )
تفسير قول الله تعالى : ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق)
أقوال المفسرين في الجمع بين العذابين في قوله تعالى: ( فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق)
بيان أن عذاب أهل النار متفاوت
خطر الدعوة إلى المعصية

نورة آل رشيد
02-09-2009, 10:41 PM
الأسئلة

س1: بين معنى البروج في اللغة، ثم اذكر أقوال المفسرين في تفسير قول الله تعالى: {وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ}.
س2: ما هو اليوم الموعود ؟وما فائدة القسم به في هذه السورة؟
س3: تعددت أقوال المفسرين في تفسير قول الله تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}، اذكر أجمع هذه الأقوال، وما نوع اختلاف المفسرين في تفسير هذه الآية؟
س4: بين جواب القسم في الآيات السابقة.
س5: بين معاني المفردات التالية: قُتل، الأخدود، الوَقُود، نقموا، فتنوا.
س6: فسر هذه الآيات تفسيراً إجمالياً.
س7: اذكر الفوائد التي تستفيدها من قول الله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.
س8: اذكر الفوائد التي تستفيدها من قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} .