المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة الفجر من آية (1-14)


حفيدة بني عامر
10-22-2008, 04:44 PM
سورةُ الفَجر

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)}

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 04:45 PM
تفسير سورة الفجر


(1-5){بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5)}

الظاهرُ أنَّ المقسمَ بهِ هو المقسمُ عليهِ،وذلكَ جائزٌ مستعملٌ، إذا كانَ أمراً ظاهراً مُهِمّاً، وهوَ كذلكَ في هذا الموضعِ.

فأقسمَ تعالى بالفجرِ،الذي هوَ آخرُ الليلِ ومقدمةُ النهارِ، لمَا في إدبارِ الليلِ وإقبالِ النهارِ من الآياتِ الدالةِ على كمالِ قدرةِ اللهِ تعالَى، وأنَّهُ وحدهُ المدبّرُ لجميعِ الأمورِ، الذي لا تنبغي العبادةُ إلا لهُ.

ويقعُ في الفجرِ صلاةٌ فاضلةٌ معظمةٌ،يحسنُ أنْ يقسمَ اللهُ بهَا، ولهذا أقسمَ بعدهُ بالَّليالي العشرِ، وهيَ على الصحيحِ: ليالي عشرِ رمضانَ، أو ذي الحجةِ، فإنَّها ليالٍ مشتملةٌ على أيامٍ فاضلةٍ، ويقعُ فيهَا منَ العباداتِ والقرباتِ ما لا يقعُ في غيرهَا.

وفي ليالي عشرِ رمضانَ ليلةُ القدرِ،التي هيَ خيرٌ منْ ألفِ شهرٍ، وفي نهارِهَا صيامُ آخرِ رمضانَ الذي هوَ ركنٌ منْ أركانِ الإسلامِ.

وفي أيامِ عشرِ ذي الحجةِ: الوقوفُ بعرفةَ،الذي يغفرُ اللهُ فيهِ لعبادهِ مغفرةً يحزنُ لهَا الشيطانُ، فما رُئِيَ الشيطانُ أحقرَ ولا أدحرَ منهُ في يومِ عرفةَ، لمَا يرى مِنْ تنزُّلِ الأملاكِ والرحمةِ منَ اللهِ لعبادِهِ، ويقعُ فيهَا كثيرٌ من أفعالِ الحجِّ والعمرةِ، وهذه أشياءُ معظمةٌ، مستحقةٌ لأنْ يقسمَ اللهُ بهَا.

{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}أي: وقتَ سريانهِ وإرخائهِ ظلامَهُ على العبادِ، فيسكنونَ ويستريحونَ ويطمئنونَ، رحمةً منهُ تعالى وحكمةً.

{هَلْ فِي ذَلِكَ} المذكورِ {قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} أي: عقلٍ؟ نعمْ، بعضُ ذلكَ يكفي، لمنْ كانَ لهُ قلبٌ أو ألقَى السمعَ وهوَ شهيدٌ.

(6-14) {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} يقولُ تعالى: {أَلَمْ تَرَ} بقلبكَ وبصيرتكَ كيفَ فُعِلَ بهذهِ الأمم الطاغية، وهيَ {إِرَمَ} في اليمنِ {ذَاتِ الْعِمَادِ} أي: القوةِ الشديدةِ، والعتوِّ والتجبُّرِ.

{الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا}أي: مثلَ عادٍ {فِي الْبِلادِ} أي: في جميعِ البلدانِ ، كما قالَ لهمْ نبيهُم هودٌ عليهِ السلامُ: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

{وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}
أي: وادي القرى، نحتُوا بقوتهمُ الصخورَ، فاتخذوها مساكنَ.

{وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ}أي: الجنودِ الذين ثبتوا ملكهُ، كما تُثبتُ الأوتادُ ما يرادُ إمساكهُ بهَا.

{الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ} هذا الوصفُ عائدٌ إلى عادٍ وثمودَ وفرعونَ ومَنْ تبعهمْ، فإنَّهم طغوا في بلادِ اللهِ، وآذوا عبادَ اللهِ، في دينهمْ ودنياهمْ، ولهذا قالَ: {فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}وهوَ العملُ بالكفرِ وشُعبِهِ، منْ جميعِ أجناسِ المعاصي، وسعَوا في محاربةِ الرسلِ وصدِّ الناسِ عن سبيلِ اللهِ، فلمَّا بلغُوا منَ العتوِّ ما هوَ موجبٌ لهلاكهمْ أرسلَ اللهُ عليهمْ منْ عذابهِ ذنوباً وسوطَ عذابٍ.

{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} لمنْ عصاهُ يمهلُهُ قليلاً، ثمَّ يأخذُهُ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ.

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 04:49 PM
سُورَةُ الفَجْرِ
1- {وَالْفَجْرِ} أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بالفَجْرِ؛ لأَنَّهُ وَقْتُ انْفِجَارِ الظُّلْمَةِ عَن النَّهَارِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُرِيدُ فَجْرَ يَوْمِ النَّحْرِ.
2- {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}؛ أَي: اللَّيَالِي العَشْرِ منْ ذِي الْحِجَّةِ.
3- {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} فالشَّفْعُ: الزَّوْجُ، والوَتْرُ: الْفَرْدُ مِن كُلِّ الأَشْيَاءِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بالشَّفْعِ: يَوْمَا التَّشْرِيقِ الأَوَّلُ وَالثَّانِي، اللَّذَانِ يَجُوزُ التَّعَجُّلُ فِيهِمَا، والوَتْرُ: الْيَوْمُ الثَّالِثُ.
4- {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}؛ أَيْ: إِذَا جَاءَ وَأَقْبَلَ ثُمَّ أَدْبَرَ.
5- {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}الحِجْرُ: الْعَقْلُ، فَمَنْ كَانَ ذَا عَقْلٍ وَلُبٍّ عَلِمَ أَنَّ مَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ منْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ حَقِيقٌ بِأَنْ يُقْسَمَ بِهِ.
6- {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} وَهُمْ عَادٌ الأُولَى، وَيُقَالُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ: عَادٌ الأُخْرَى. نَبِيُّهُمْ هُودٌ، كَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ.
7- {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} إِرَمُ: اسْمٌ آخَرُ لِعَادٍ الأُولَى. وَقِيلَ: هُوَ جَدُّهُمْ. وَقِيلَ: اسْمُ مَوْضِعِهِمْ. وَهُوَ مَدِينَةُ دِمَشْقَ أَوْ مَدِينَةٌ أُخْرَى بالأَحْقَافِ.
وَمَعْنَى ذَاتِ العِمَادِ: قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عُمُدٍ وَخِيَامٍ فِي الرَّبِيعِ، فَإِذَا هَاجَ النَّبْتُ رَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَقِيلَ: كَانَتْ مَدِينَتُهُمْ مُحْكَمَةَ البُنْيَانِ ذَاتَ أَعْمِدَةٍ طِوَالٍ مَنْحُوتَةٍ.
8- {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ}؛ أَيْ: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ تِلْكَ القبيلةِ فِي الطُّولِ والشِّدَّةِ وَالقُوَّةِ، وَهُم الَّذِينَ قَالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟أَوْ: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ فِي شِدَّةِ بُنْيَانِهَا.
9- {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} كَانُوا يَنْحِتُونَ الْجِبَالَ وَيُنَقِّبُونَهَا، وَيَجْعَلُونَ تِلْكَ الأنقابَ بُيُوتاً يَسْكُنُونَ فِيهَا، وَوَادِيهِمْ هُوَ الحِجْرُ، أَوْ وَادِي الْقُرَى، عَلَى طَرِيقِ الشَّامِ مِن الْمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ.
10- {وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ}: وَهِيَ الأهرامُ الَّتِي بَنَاهَا الفَرَاعِنَةُ؛ لِتَكُونَ قُبُوراً لَهُمْ، وَسَخَّرُوا فِي بِنَائِهَا شُعُوبَهُمْ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: ذِي الجُنُودِ الَّذِينَ لَهُمْ خِيَامٌ كَثِيرَةٌ يَشُدُّونَهَا بالأوتادِ.
11- {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ} صِفَةٌ لِعَادٍ وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ؛ أَيْ: طَغَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فِي بِلادِهِمْ وَتَمَرَّدَتْ وَعَتَتْ.
12- {فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} بالكُفْرِ وَمَعَاصِي اللَّهِ وَالْجَوْرِ عَلَى عِبَادِهِ.
13- {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}؛ أَيْ: أَفْرَغَ عَلَيْهِمْ وَأَلْقَى عَلَى تِلْكَ الطوائفِ عَذَاباً، كَمَا يُقَالُ: صَبَبْتُ السوطَ عَلَى المُجْرِمِ؛أَيْ: جَلَدْتُهُ بِهِ جَلْداً شَدِيداً.
14- {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}: يَرْصُدُ عَمَلَ كُلِّ إِنْسَانٍ حَتَّى يُجَازِيَهُ عَلَيْهِ بالخيرِ خَيْراً وبالشرِّ شَرًّا، وَقَالَ الْحَسَنُ: عَلَيْهِ طَرِيقُ الْعِبَادِ لا يَفُوتُهُ أَحَدٌ.

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 04:54 PM
المتن :
سورةُ الفَجر
1-قولُه تعالى: {وَالْفَجْرِ}يقسِمُ ربُّنا بالفجر الذي هو أوَّلُ النهَار(1).
2-قولُه تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}ويقسمُ ربُّنا بليالٍ عِدَّتها عشرٌ، وهي ليالي عشرٍ من ذي الحِجَّة(2).
3-قولُه تعالى: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}ويقسمُ ربُّنا بما هو شَفْعٌ، وما هو وَتْرٌ؛ كالعاشر من ذي الحِجَّة: يوم النَّحر، والتاسعِ من ذي الحِجَّة: يوم عَرَفَة(3).
4- قولُه تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}ويقسمُ ربُّنا باللَّيلِ إذا ذهبَ وسَار(4).
5-قولُه تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} يقولُ تعالى: هل فيما أقسمتُ به من هذه الأمورِ مَقْنَعٌ لصاحبِ عقل(5)؟ والمعنى: إنَّ هذه الأقسامَ فيها مُكْتَفَى لمن له عقلٌ يتدبَّرُ به ويتفكَّر، فيعقِلُ عن ربه أوامرَه ونواهيه.
وجوابُ القَسَمِ محذوف،وتقديرُه: لتُجازُنَّ بأعمالِكم.
6- 8-قولُه تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} ألم تَنْظُرْ يا محمد -صلى الله عليه وسلم- بعينِ قلبِكَ إلى ما فعلَ الله بقبيلةِ عادِ إرَم(6) ذاتِ البيوتِ التي يقومُ بناؤها على الأعمِدَة؛ كالخيام أو غيرها(7)؟ وفي هذا إشارة إلى ارتفاع بنائِهِم وقوَّتِه، مما يدلُّ على قوَّتِهم، ولذا قال: التي لم يُخلقْ في بلاد الله التي حولَهم مثلهم في القوَّة والشدَّة؛ كما قال الله فيهم: {وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} ، وقال: {وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} .
9-قولُه تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} أي: وكيف فعلَ بثمود قوم النبي صالح عليه السلام الذين شقُّوا الجبال(8) التي في واديهم فنحَتوا منها البيوت؟ كما قال الله عنهم: {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ} .
10-قولُه تعالى: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ} أي: وألم ترَ كيف فعلَ ربُّكَ بفِرعون مصرَ صاحبِ الأوتاد؟، وهي أخشابٌ أو حديدٌ يُثَبِّتُهَا في الأرض، كان يعذِّب بها الناس، أو هي الملاعبُ التي صُنِعَتْ له منها(9).
11- 14-قولُه تعالى: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} أي: عادٌ وثمود وفرعون الذين تجاوزوا ما أباحَ الله، وكفروا به في البلاد التي كانوا يسكُنونها، فأكثروا في هذه البلادِ المعمورةِ المعاصيَ وركوبَ ما حرَّم الله، فأنزلَ الله عليهم عذابَهُ ونقمَتَه، والله يرقُبُ أعمالَ هؤلاء الكافرين الذين أنزلَ بهم عقوبته، وهو بالمِرْصادِ لكلِّ الكافرين فلا يفلت منهم أحدٌ.
-
الحاشية :
(1)وردَ خلافٌ بين السَّلَفِ في هذا القَسَمِ على أقوال:

الأول: فجرُ الصُّبح ، وهو قول عكرمة من طريق عاصم الأحول، وذكره ابن كثير عن علي، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسدي. الثاني: النَّهار، ورد عن ابن عباس من طريق أبي نصر.

الثالث: صلاة الفجر، ورد ذلك عن ابن عباس من طريق العوفي.
والمشهورُ من اللفظِ أنه يُطلَقُ على أول النهار،وقد يكون ذكر صلاة الفجر مُراداً به ذكر أفضلِ عملٍ يتضمنه الفجر، لا تفسير معنى الفجر، والله أعلم.
وأما الرواية عن ابن عباس من طريق أبي نصر فهي غريبة، ويحتملُ أنه قابلَ القَسَم بالليل بالقسمِ بالنهار على سبيل التوسُّع في إطلاق اللفظ لا على التفسير بالمطابق، والله أعلم.
(2)وردَ تفسيرها بهذا عن ابن عباس من طريق زرارة بن أبي أوفى والعوفي وأبي نصر، وابن الزبير من طريق محمد بن المرتفع، ومسروق من طريق أبي إسحاق، وعكرمة من طريق عاصم الأحول، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، والضحاك من طريق عبيد، وابن زيد.
قال الطبري: (والصوابُ من القول في ذلك عندنا: أنها عشرُ ذي الحجة؛ لإجماع الحجَّة من أهلِ التأويل عليه، وأنَّ عبدَ الله بن أبي زياد القطواني، حدثني قال: ثني زيد بن حباب، قال أخبرني عياش بن عقبة، قال: ثني جبير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)} قال: ((عشرُ الأضحى)).
(3)وقعَ خلافٌ في المراد بالشفع والوتر عند السلف على أقوال، منها:
الأول: الشفعُ يوم النحر، والوترُ يوم عَرَفة، وهو قول ابن عباس من طريق زرارة بن أبي أوفى وعكرمة، وعكرمة من طريق عبيد الله وعاصم الأحول وسعيد الثوري وقتادة، والضحاك من طريق أبي سنان وعبيد.
الثاني: الشفع: الخَلْق، والوتر: الله، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح وابن جريج وأبي يحيى وجابر، وأبي صالح من طريق إسماعيل بن أبي خالد.
الثالث: الصلاةُ المكتوبةُ منها شفعٌ ومنها وتر، وهو قول عمران بن حصين من طريق قتادة، وقتادة من طريق معمر وسعيد، والربيع بن أنس من طريق أبي جعفر.
وقيل غير ذلك، قال الطبري: (والصوابُ من القول أن يقال: إن الله تعالى ذِكْرُهُ أقسمَ بالشفع والوتر، ولم يخصِّص نوعاً من الشفع ولا من الوتر دونَ نوعٍ بخبرٍ ولا عقل، وكل شفع ووتر فهو مما أقسمَ به مما قال أهل التأويل أنه داخِلٌ في قَسَمِهِ هذا، لعموم قسَمِهِ بذلك).
(4)كذا ورد عن عبد الله بن الزبير من طريق محمد بن المرتفع، وابن عباس من طريق العوفي، ومجاهد من طريق أبي يحيى، وأبي العالية من طريق الربيع بن أنس، وقتادة من طريق معمر وسعيد، وابن زيد، وقال عكرمة: (ليلة جمع)يعني: ليلة مزدلفة، وهذا يُحمَل على التمثيلِ بليلةٍ شريفةٍ، وإلا فالخبرُ عامٌّ في كل ليلة، وليس فيه ما يدلُّ على التخصيص، ولذا حملَها الجمهور على العموم، والله أعلم.
(5) كذا فسَّر السلف ذلك: ابن عباس من طريق أبي ظبيان والعوفي وعلي بن أبي طلحة وأبي نصر، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح وأبي يحيى وهلال بن خباب، والحسن من طريق أبي رجاء، وقتادة من طريق سعيد ومعمر وابن زيد.
(6)وردَ ذلك عن قتادة من طريق معمر قال: (قبيلة من عاد، كان يقال لهم إرم: جد عاد) وكذا ورد عن ابن إسحاق.
-وقد وردَ عن بعض السلف تفسير إرم بأنها مدينتهم، فعن محمد بن كعب القرظي: الإسكندرية، وعن المقبري: دمشق.
-وورد عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيحتفسير إرم بالقديمة، وعنه من طريق أبي يحيى: أمَّة.
-وفسَّرها ابن عباس من طريق العوفي، والضحاك من طريق عبيدبال هالك.
قال الطبري: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنَّ إرمَ إما بلدة كانت عاد تسكُنُها، فلذلك رُدَّت على عاد للإتباع لها، ولم يُجْرَ من أجل ذلك، وإما اسم قبيلة، فلم يُجْرَ أيضاً كما لا تُجْرَى أسماء القبائل، كتميم وبكر، وما أشبه ذلك إذا أرادوا به القبيلة، وأما اسم عاد فلم يجر؛ إذ كان اسماً أعجمياً.
فأما ما ذُكر عن مجاهد أنه قال: القديمة، فقولٌ لا معنى له، لأن ذلك لو كان معناه، لكان مخفوضاً بالتنوين، وفي ترك الإجراء الدليل على أنه ليس بنعتٍ ولا صفة.
وأشبهُ الأقوالِ فيه بالصواب عندي:
أنها اسم قبيلة من عاد، ولذلك جاءت القراءة بترك إضافة عادٍ إليها وتركِ إجرائها، كما يقال: ألم تر ما فعل ربك بتميمِ نهشل؟ فيُترك إجراء نهشل، وهي قبيلة، فَتُرِكَ إجراؤها لذلك، وهي في موضعِ خفضٍ بالردِّ على تميم، ولو كانت إرم اسم بلدة أو اسم جدٍّ لِّعاد لجاءت القراءة بإضافة عاد إليها، كما يقال: هذا عمرو زبيد، وحاتم طيِّء، وأعشى همدان، ولكنها اسم قبيلة منها فيما أرى، كما قال قتادة، والله أعلم، فلذلك أجمعت القُرّاء فيها على ترك الإضافة وترك الإجراء).
(7)ورد عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح: (أهل عمود لا يقيمون) وكذا ورد عن قتادة من طريق معمر، وقال ابن زيد: (عاد قوم هود بنوها وعملوها حين كانوا بالأحقاف).
وقال الضحاك من طريق عبيد: (يعني: الشدة والقوة).
قال ابن جرير الطبري: (وأشبه الأقوال في ذلك بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيل، قول من قال: عنَى بذلك أنهم كانوا أهل عمود سيارة؛ لأن المعروف في كلام العرب من العِماد: ما عمل به الخيام من الخشب والسواري التي يحمل عليها البناء، ولا يُعلم بناء كان لهم بالعماد بخبر صحيح، بل وجَّهَ أهلُ التأويل قوله: {ذَاتِ الْعِمَادِ}إلى أنه عُني به طولُ أجسامِهِم.
وبعضهم إلى أنه عُني به عمادُ خيامِهم، فأما عمادُ البُنيان، فلا يُعلمُ كثيرُ أحدٍ من أهلِ التأويل وجَّهه إليه، وتأويلُ القرآنِ إنما يوجَّه إلى الأغلب من معانيه ما وُجِدَ إلى ذلك سبيل دون الأنكر).
(8) ورد عن السلف اختلافُ عِبارة في تفسير هذه اللفظة، فعن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة: (خرقوها) ومن طريق العوفي: (ينحتون من الجبال)، وكذا ورد عن قتادة من طريق سعيد، وورد عنه من طريق معمر: (نقبوا الصَّخر)، وعن الضحاك من طريق عبيد: (قَدُّوا الصخر).
وهذه العبارات ترجع إلى معنى واحد، فهي عباراتٌ متقاربةُ المعنى لبيانِ معنى الجَوْب، وورد عن ابن زيد تفسيره: (ضربوا البيوتَ والمساكنَ في الصخر في الجبال، حتى جعلوها مساكن).
وهذا ليس تفسيراً مطابقاً لمعنى الجَوْب، وإنما هو تفسير على المعنى، والله أعلم.
(9) اختلفَ السلفُ في تفسير الأوتاد على أقوال:
الأول: الجنود، وهو قولُ ابن عباس من طريق العوفي.
الثاني: الحبالُ التي كان يُوتِدُ بها الناس فيعذِّبهم، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح وأبي رافع، وسعيد بن جبير من طريق محمود، وعنه من طريق رجل مجهول: (منارات يعذبهم عليها).
الثالث:مَظَالٌّ وملاعبُ يلعبُ تحتها، وهو قول قتادة من طريق معمر وسعيد.
قال الطبري: (وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: عنى بذلك: الأوتاد التي تُوتَد من خشبٍ كانت أو حديد؛ لأن ذلك المعروف من معاني الأوتاد، ووُصِفَ بذلك لأنه: إما أن يكونَ كان يعذِّب الناس بها، كما قال أبو رافع وسعيد بن جبير، وإما أن يكونَ كان يلعبُ بها).
ويظهر أن مرجِعَ الخلافِ الاحتمال اللغوي في لفظ الأوتاد،
فهو يُطلق على هذه المذكورة، غير أن أشهرَ إطلاقاتِها ما رجَّحه الطبري، والله أعلم.

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 05:10 PM
القارئ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)}

الشيخ:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذه سورة الفجر، أقسم الله -جل وعلا- فيها بالفجر وهو الصبح؛ كما قال الله جل وعلا في آية أخرى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}.

وقوله جل وعلا: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} جمهور أهل التفسير على أن المراد بها ليال الأيام العشر من ذي الحجة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام)).

وفي الفجر عرَّفه الله -جل وعلا- بالألف واللام، وأما الليالي العشر فنكَّرها رب العالمين؛ ذكر بعض العلماء أن الله -جل وعلا- عرف الفجر؛ لأن كلاً يدركه لوضوحه وظهوره، وأما الليالي العشر فنكَّرها الله جل وعلا؛ لأنه لا سبيل إلى معرفتها إلا عن طريق الشرع.

ثم قال جل وعلا: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}الشفع والوتر اختلف العلماء في بيانهما حتى بلغت أقوالهم قريباً من ستة وثلاثين قولاً، لكن هذه الأقوال يجمعها أمران أو هذه الأقوال ترد إلى أمرين:

أحدهما: أن المراد بالوتر والشفع المخلوقات والمأمورات
على اختلاف بين العلماء في تحديد هذه المخلوقات أو المأمورات:
فمنهم من يقول: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.
ومنهم من يقول: الوتر عرفة (المكان)، والشفع منى ومزدلفة.
إلى غيرها من الأقوال التي تعود إلى المخلوقات والمأمورات.

والثاني: أن المراد بالشفع المخلوقون، وبالوتر الخالق رب العالمين؛
لأن الله -جل وعلا- قال: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} فالمخلوقات كل واحد منها له زوجان، والشفع هو الزوج فدل ذلك على أن المراد المخلوقات.
وأما الوتر فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر)) ولكن أو قبل ذلك ورد حديث جابر - رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فسر: (الليالي العشر بليالي ذي الحجة وأن الشفع هو يوم النحر وأن الوتر هو يوم عرفة).

وهذا الحديث استنكر الحافظ ابن كثير رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أورده الحافظ ابن حجر في (الفتح) وسكت عليه، وهذا الحديث الذي يظهر: رجاله لا بأس بهم كما قال ابن كثير، إلا أن أحد رجاله يظهر أنه لا يحتمل أن يروي مثل هذا الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في تفسير هذه السورة، أو في تفسير هذه الآيات، لا سيما مع اختلاف أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيانها، فلو كان عندهم شيء من المرفوع لم يخف على جملة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وليس خفاؤه الذي يمنع من تصحيحه الحديث، ولكن أحد رجاله ليس من الثقات المعروفين الكبار، ومثل تفرده هذا يحتاج إلى نظر، ولهذا الحافظ ابن كثير استنكر رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وعليه فما اختاره الإمام ابن جرير -رحمه الله- من أن المراد الشفع والوتر في هذه الآية ما يصح أن يطلق عليه ذلك في لغة العرب، ولغة العرب تطلق الشفع على الزوج يعني: على الشيء المزدوج، وتطلق الوتر على الشيء الواحد، فالذي له زوج أو مقارن هذا هو الشفع، والذي ليس له هذا هو الوتر، والله تعالى أعلم.

ثم قال جل وعلا: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} يعني: والليل إذا يمضي، وهذا كقول لله جل وعلا: {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ}.

ثم قال جل وعلا: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} بعض العلماء يقول: إن هذا جواب القسم، ولكن هذا قول ضعفه العلماء.

واختلفوا في جواب القسم هاهنا، والذي اختاره الحافظ ابن القيم رحمه الله: أن الله -جل وعلا- أراد هنا ما أقسم به لا ما أقسم عليه؛ لأن الله -جل وعلا- أراد لفت انتباه الناس، وبيان عظمة خلقه في هذه الأشياء التي أقسم بها، ولهذا لم يأت بالمقسم عليه؛ لأن القسم أحياناً يراد به المقسم عليه، وأحيانا يراد القسم فقط، فالله -جل وعلا- في هذه الآيات استظهر الحافظ ابن القيم أنه إنما أراد المقسم به وهو: {الْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ(2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} ولهذا حذف جواب القسم.


وقوله جل وعلا: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}الحجر هو: العقل سمي بذلك لأنه يمنع الإنسان عما لا يليق به.
ومعنى هذه الآية: هل فيما ذكر من الفجر وما بعده قسم كاف يستغني به ذوو العقول، وجوابه نعم في هذا كفاية وعبرة؛ لأن هذا المقسم به وهو هذه المخلوقات آيات عظام من آيات الله جل وعلا.


ثم قال جل وعلا: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (5) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (6) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} هذا فيه بيان لما أحله الله -جل وعلا- بقوم عاد وقد قال الله -جل وعلا- في هذه الآية: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إرم}فإرم: هذا بيان لعاد، وعاد إرم: هذه هي عاد الأولى التي قال الله -جل وعلا-: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى}فعاد الأولى وهناك عاد الثانية، عاد الثانية هذه بعد بناء الكعبة، وأما عاد الأولى فهم قوم هود، وهود بعث بعد نبي الله -جل وعلا- نوح، بعد إغراق قوم نوح بالطوفان بعث الله هوداً عليه والسلام إلى عاد.
وعاد هذه قبيلة جدهم عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، هذه القبيلة تنسب إلى عاد، وكانت مساكنهم ممتده في جبال الرمال من حضرموت إلى عمان وما حولها، وقد جعل الله -جل وعلا- فيهم من القوة في أجسادهم، ومن الحذق في صناعاتهم، ومن الخيرات في بلادهم، ما كانوا به في زروعهم أخصب الناس في زمانهم، وديارهم تسمى الأحقاف، كما قال الله جل وعلا: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ} وبين الله -جل وعلا- ما هم عليه من القوة في قوله سبحانه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ}.

وقال -جل وعلا- حكاية عن هود عليه السلام أنه قال لهم: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} (بكل ريع) يعني: بكل مكان مرتفع يبنون آية؛ أي: يبنون بنياناً شاهقاً {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ}المصانع هذه أمكنة تبنى تجمع فيها المياه، وكانت معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ}وهذا من قوتهم {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (127) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (128) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}.

فهذه حالهم لما بعث الله -جل وعلا- إليهم نبيه هُوداً عليه السلام، بعث الله -جل وعلا- لهم هوداً يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته؛ كما أخبر الله -تعالى- في مواضع كثيرة من كتابه:

-كما قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ}.
- وقال -جل وعلا- في آيات هود: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ}.
فكذبوا هوداً عليه السلام، وأنكروا ألوهية الله جل وعلا، واستهزؤا بهود عليه السلام، واستبعدوا أن يحل بهم عذاب الله -جل وعلا- كما أخبر الله جل وعلا عنهم في قوله:
-{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126)}.
-وفي قوله جل وعلا:{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}.
-وفي قوله تعالى: {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}.
-وفي قوله تعالى: {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}.
فلما كذبوه وعصوه أنزل الله -جل وعلا- عليهم عذابه وبطشه، أرسل الله -جل وعلا- عليهم ريحاً باردة تتابعت عليهم سبع ليال وثمانية أيام؛ حتى أصبحوا كأنهم:{أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} أي: كأنهم جذوع نخل ليس عليها رؤوسها؛ لأن المفسرين ذكروا أن الله -جل وعلا- لما أرسل عليهم هذه الريح الشديدة الباردة صارت تحمل الرجل منهم فتلقيه على رأسه حتى ينشدخ رأسه.
قال الله -جل وعلا-: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ}.
-وقال الله -جل وعلا-: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ}.
-وقال جل وعلا مبيناً مردهم في الآخرة: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ}.
وأما ثمود: فهم قوم صالح كانوا يسكنون بوادي القرى، وهو مكان بين تبوك والحجاز، وهذا الوادي سمي وادي القرى؛ لأن هذا الوادي كان متصلاً بالقرى، القرية بجانب أختها، وكانت ثمود تسكن هذا الوادي، وثمود هذا هو ثمود بن عابر بن إرم بن سام ابن نوح، أرسل الله -جل وعلا- إلى قومه نبيه صالحاً عليه السلام، وقومه قوم صالح -عليه السلام- الذين هم ثمود، ذكر الله -جل وعلا- أوصافهم في قوله سبحانه وتعالى: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ} يعني: يشقون الجبال بحذق، وفي قوله جل وعلا: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً} فكانوا ينحتون هذه الجبال ويجعلونها بيوتاً، كما أنهم كانوا ينشئون لهم قصوراً في تلك السهول وهي الأودية، ونحتهم لهذه الجبال يدل على قوتهم؛ وعظم ما هم فيه من الحرفة والصناعة، ومع ذلك كانوا يعيشون آمنين؛كما قال الله تعالى في الآية الأخرى: {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ} يعني: ليس عندهم خوف، فلما كانوا كذلك وكانوا مشركين بالله -جل وعلا- بعث الله إليهم نبيه صالحاً -عليه السلام- بعد هود يدعوهم إلى توحيد الله تعالى؛ كما قال الله جل وعلا: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ}.
ولكنهم كفروا به وبما بعث به، وكفروا بألوهية الله -جل وعلا-، وسخروا من صالح ومَن آمن معه، كما أخبر الله -جل وعلا- عنهم في مواضع: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} وقال جل وعلا: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ} كذبوا نبي الله صالحاً عليه السلام، فلما كان يدعوهم وجاءهم في ناديهم سألوه أن يخرج لهم آية، فذكر المفسرون أنه عليه السلام لما طلبوا منه الآية - وهي أن يُخرج لهم ناقة من هذه الصخرة - صلى لله -جل وعلا- ثم دعاه، فخرجت ناقة بالوصف الذي أرادوا من هذه الصخرة، ولكنهم أو كثير منهم كفروا، وقليل من آمن، ولهذا قال الله -جل وعلا- في شأنهم: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} لأن هذه آية ومعجزة باهرة عظيمة، ومع ذلك عرفوا الحق فأعرضوا عنه.

فلما خرجت هذه الناقة أمرهم صالح -عليه السلام- أن يتركوها ترعى، واتفق معهم على أن تشرب من البئر يوماً وهم يشربون منه يوماً، فلما مضت الأيام والأوقات ضاقوا بهذه الناقة ذرعاً فقتلوها، وقتلها زعيمهم وشريفهم، كما ثبت ذلك في (الصحيح).

قد قال المؤرخون: إن الذي قتلها قُدَار بن سالف قتل هذه الناقة، فلما قتلها أخرهم صالح -عليه السلام- العذاب ثلاثة أيام، ووعدهم بالعذاب أنه ينـزل عليهم بعد ثلاثة أيام، فلما توعدهم بالعذاب اجتمعوا على قتله عليه السلام، اجتمع تسعه منهم على قتله فأرادوا قتله، كما أخبر الله -جل وعلا- عنهم في قوله: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فأخذهم الله -جل وعلا- قبل أن يقتلوا نبيه صالحاً عليه السلام، ولهذا قال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فلما عاجلهم العذاب وقتل هؤلاء التسعة، أيقن قوم صالح أنهم مهلكون، وأن ما وعدهم به سيحل عليهم.

ذكر المؤرخون والمفسرون: أن أول يوم من هذه الأيام الثلاثة كان يوم الخميس، فاصفرت وجوههم، ثم لما جاء اليوم الثاني وهو يوم الجمعة احمرت، فلما جاء اليوم الثالث وهو يوم السبت اسودت وجوههم، فلما جاء الصبح من يوم الأحد جاءهم وعد الله -جل وعلا- الذي وعده على لسان صالح، إذ قال لهم: { تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} فأخذهم العذاب مصبحين، لما جاء الصبح صاحت الصيحة من السماء، ورجفت الأرض، فأهلكهم الله -جل وعلا- قال الله جل وعلا: {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ} هذا إهلاك الله -جل وعلا- لثمود.


وأما فِرْعَوْنَ فقد تقدم لنا ما كان بينه وبين موسى -عليه الصلاة والسلام-في تفسير سورة النازعات، وقوله -جل وعلا- في هذه الآية: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ}:

قال بعض العلماء:

الأوتاد هاهنا المراد بها الجنود؛لأن فرعون كان له جنود ثبتوا مملكته كما تثبت الأوتاد الخيام.
وقال بعضهم:
إن المراد بالأوتاد الأوتاد التي كان فرعون -لعنه الله- يعذب الناس بها،بمعنى أنه كان يمدهم على هذه الأوتاد ويسومهم سوء العذاب.
وعلى كلٍ هذه صفة ذم له - لفرعون - أو أن هذه الصفة تكشف حقيقته وحاله.

ثم قال -جل وعلا- في وصف الجميع: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} يعني: أن ثموداً الذين جابوا الصخر بالواد، قطعوا الصخر بالواد، أو عاداً، أو فرعون، هؤلاء كلهم طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، يعني نشروا الفساد سواءً في أنفسهم أو في غيرهم، فأصبح هذا الفساد منتشراً ظاهراً.

قال الله -جل وعلا-: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} يعني: أن الله -جل وعلا- أنزل عليهم عذاباً من عنده، فعذبهم به في الدنيا قبل الآخرة.

وقوله -جل وعلا- في هذه الآية: {سَوْطَ عَذَابٍ}:

- قال بعض العلماء: إن الله -جل وعلا- هاهنا قال: {سَوْطَ عَذَابٍ} ليبين أن عذابهم الذي عذبهم به في الدنيا مع شدته؛ فإنه كالسوط بالنسبة لعذاب الآخرة.
-وقال بعض العلماء:إن قوله هاهنا: {سَوْطَ عَذَابٍ} أن الله -جل وعلا- أخذهم بعذاب شديد؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يعذب أحداً في الدنيا فأعلى مايعذبه به يضربه بالسياط؛ لأنه بالسيف يقتله، ولكن إذا أراد العذاب المؤلم فإنه يكون بالسياط، ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الخوارج: ((لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)).



-قال بعض العلماء: إن قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لأقتلنهم قتل عاد))، يعني: قتلاً شديداً، فهو يفسر قوله -جل وعلا-: {سَوْطَ عَذَابٍ}.
- وقال بعضهم: إن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لأقتلنهم قتل عاد)) أي: لأقتلنهم قتلاً آتي فيه على جميعهم لا أترك منهم أحدا، كما أن الله -جل وعلا- لم يترك من عاد أحداً.

ثم قال -جل وعلا-: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} قال ابن عباس رضي الله عنه: يعني يسمع ويرى، والمراد أن الله -جل وعلا- مطلع عليهم، يطلع على الخلق، ويعلم ما يقولون، ويبصر ما يفعلون، فهو -جل وعلا- راصد لحركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم، ويرصدهم -جل وعلا- حال إسرارهم وحال علانيتهم.

وهذه الآيات التي تقدمتفيها تخويف لمن يعصي الله جل وعلا؛ لأن المعصية تورث نقمة الله جل وعلا، وقد يعاجل العبد بالعقوبة في الدنيا.

كما أن هذه الآيات فيها طمأنة للمؤمنين بأن أعداء الله -جل وعلا- مهما طغوا وبغوا فإن الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم مهما ملكوا من القوات فالله -جل وعلا- أقوى منهم، قوم عاد كانوا على قوة عظيمة، حتى افتخروا بها: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} وهؤلاء المذكورون من ثمود وفرعون وعاد كان لهم مال ورياسة وجاه وسلطان، ولكن ذلك لم يغن عنهم من عذاب الله تعالى شيئاً؛ لأن الله -جل وعلا- على كل شيء قدير.
ثم إن هذه الآيات فيها لفت لانتباه العباد لئلا يغتروا بما أوتوا، فالعبد مهما أوتي من شيء فهو ضعيف، ومهما صنع فهو ضعيف، ومهما اخترع فهو ضعيف، وهذا كله يدل على أن المؤمن إذا كانت عنده شيء من المخترعات أو رأى هذه الاختراعات ألا يغتر بها، وألا يطغى بها، وألا تقوده هذه المخترعات وهذه القوى إلى معصية الله جل وعلا، وألا يهاب من أعداء الله لأنهم يمتلكون هذه المخترعات، والإنسان الذي يرى هذه المخترعات في هذا العصر قد يغتر بها، ويظن أن أهلها على حق، أو أنهم منصورون أبداً، أو أنهم لا غالب لهم، وكل هذا خطأ.
فهذه الوسائل سواء كانت وسائل عسكرية أو ترفيهية أو حاجية أو وسائل مواصلات أو غيرها من الوسائل لا بد للمسلم أن يعرف موقفه منها، حتى لا يغتر بها، وحتى يتعامل معها على وفق شرع الله جل وعلا، فالمؤمن إذا نظر إلى هذه المخترعات لا تزيده إلا إيماناً بالله وحده؛ لأن الله -جل وعلا- أخبرنا بوجود هذه المخترعات قبل أن توجد، فقد أنزل على نبيه -صلى الله عليه وسلم-: {وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ}.
ثم إن هذه المخترعات تزيدنا إيماناً بالله جل وعلا؛لأن نظر المؤمن ليس قاصراً على المخترع، لكن يفكر فيالعقل، الذي اخترع هذا، وإذا فكر في العقل بعد ذلك ينظر إلى خالق هذا العقل، فلولا الله -جل وعلا- ما استطاع العقل أن يخلق هذه الأشياء، إذاً هذه مردها إلى الله جل وعلا {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}.
ثم إن المؤمن إذا رأى مثل هذه المخترعات يقارنها بخلق الله الذي صنعه الله جل وعلا، إذا بهرته هذه الدقة في بعض الأنظمة فلينظر إلى الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار تمشي بدقة متناهية، وإذا رأى هذا البنيان الشاهق فلينظر إلى الجبال، وإذا رأى الطائرات فلينظر إلى الطيور: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ}.
ثم إن المؤمن يأخذ من هذه المخترعات ما أباحه الله -جل وعلا- منها، لا يغالي فيها ولا يفرط؛ بل يأخذ منها بقدر حاجته وبما أباحه الله؛ لأن الله -جل وعلا- قال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}.
ثم إن هذه الوسائل ينبغي أن تستغل في نفع المسلمين، وفي الدعوة إلى الإسلام، فوسائل المواصلات الآن أو الاتصالات قد يستعملها بعض المسلمين فيما يضر المسلمين، أو فيما لا يعود عليهم بالنفع، وهذا غلط، فالمفترض في مثل هذه الأشياء أن تستغل في الدعوة إلى الله، ونشر الإسلام.
الآن بعض الناس يشغل نفسه في الحاسب ويذكر عادات بلده، أو عادات قومه، أو يذكر بعض الفكاهات، وغيرها، مما تضر ولا تنفع، أو على الأقل لا تنفع، مع أن المسلمين بحاجة إلى مثل هذه الأشياء لدعوة غيرهم إلى الله جل وعلا.
ثم إن هذه المخترعات ينبغي أو يجب ألا تحدث في قلب المسلم خضوعاً للكفار،ولا اعتقاداً لعزتهم، ولا ذلاً لهم، بل هذه الأشياء لا تزيد المؤمن إلا إيماناً بالله، وعزة بدين الإسلام، وليعلم أن الله -جل وعلا- ناصر دينه:
- كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}.
-وقال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ}.
-{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ}.
فالله -جل وعلا- أمرنا بأن نعد قوة؛ ولو كانت هذه القوة يسيرة، لكن قوة نستطيع عليها، وبعد ذلك لسنا مكلفين، ولسنا مكلفين أن يكون عندنا ما عند غيرنا، ولكن علينا أن نعد وأن نجتهد في العدة، فإذا فعلنا ذلك نصرنا الله -جل وعلا- وعداً منه، والله -جل وعلا- لا يخلف الميعاد.
فالشاهد أن مثل هذه المخترعات وهذه القوى ينبغي للمسلم أن يعتبر بأحوال الأمم السابقة؛ وما كانوا عليه من القوة، وقد أهلكهم الله -جل وعلا- مع قوتهم، ونصر عليهم المؤمنين مع ضعفهم {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.
كما أن هذه الآيات فيها بيان لشؤم المعصية، المعصية لها شؤم، تحدث الفساد في البر وفي البحر وفي الأنفس، تحدث الضيق في النفس، تحدث على العبد تنغيصاً في معاشه قبل معاده، ولهذا قال الله -جل وعلا-: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

حفيدة بني عامر
10-22-2008, 05:32 PM
http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/115_1233641045.rm

http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/115_1233641472.rm

نورة آل رشيد
02-09-2009, 11:52 PM
تفسير سورة الفجر
تفسير قول الله تعالى : ( والفجر )

أقوال السلف في المراد بالفجر
تفسير قول الله تعالى : ( وليالٍ عشر )
الحكمة من تعريف الفجر وتنكير الليالي في الآيتين السابقتين
تفسير قول الله تعالى : ( والشفع والوتر )
أقوال السلف في المراد بالشفع والوتر
تفسير قول الله تعالى : ( والليل إذا يسر )
تفسير قول الله تعالى : ( هل في ذلك قسم لذي حجر )
بيان المقسم به والمقسم عليه في هذه السورة
بيان جواب القسم في السورة
تفسير قول الله تعالى : ( ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد )
أقوال السلف في المراد بـ(إرم)
تفسير قول الله تعالى : ( وثمود الذين جابوا الصخر بالواد )
أقوال السلف في تفسير قوله تعالى: (جابوا الصخر بالواد)
تفسير قول الله تعالى : ( وفرعون ذي الأوتاد )
أقوال السلف في المراد بـ(الأوتاد)
تفسير قول الله تعالى : ( الذين طغوا في البلاد ، فأكثروا فيها الفساد )
تفسير قول الله تعالى : ( فصب عليهم ربك سوط عذاب ، إن ربك لبالمرصاد )
أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى : ( سوط عذاب )
فوائد من الآيات:
خطر الاغترار بالمخترعات الحديثة

موقف المؤمن من هذه المخترعات
التحذير من استعمال هذه المخترعات فيما يغضب الله عز وجل
يجب ألا تحدث هذه المخترعات في قلب المؤمن خضوعاً للكفار
ينبغي للمسلم أن يعتبر بأحوال الأمم السابقة

نورة آل رشيد
02-09-2009, 11:53 PM
الأسئله

س1: اذكر أقوال العلماء في المراد بالفجر في قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ} مع الترجيح.

س2: بين معنى التنكير في قوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} ثم اذكر أقوال العلماء في المراد بها.
س3: اذكر أقوال العلماء في المراد {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} مع الترجيح.
س4: هل المراد في قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}ليلة معينة، أو عموم الليالي؟ وضح القول المختار.

س5: بين معاني المفردات التالية: الشفع، الوتر، يَسْرِ، حِجْر، إِرَمَ، الِعَمادِ، جابوا، الأوْتاد،طَغَوْا، صَبَّ، المرصاد.
س6: بين جواب القسم في قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ}.
س7: من المنهج القرآني الحكيم التذكير بأيام الذين خلوا من قبل وحلَّت بهم المثلات، تحدث باختصار عن فوائد هذا المنهج مبيناً آثاره التربوية.
س8: فسر الآيات الكريمة السابقة تفسيراً إجمالياً.
س9: قال الله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} لمن الخطاب في هذه الآية، وبين ما تفيده هذه الآية بالنسبة للعصاة والدعاة إلى الله تعالى.