مشاهدة النسخة كاملة : ح2: حديث جبريل الطويل (2/2)
عبد العزيز الداخل
10-22-2008, 05:12 PM
2- عن عُمرَ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- قالَ: بَينَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذاتَ يَوْمٍ إذْ طلَعَ عَلَيْنا رَجُلٌ شَديدُ بَيَاضِ الثِّيابِ، شَديدُ سَوادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حتَّى جَلَسَ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ على فَخِذَيْهِ.
قالَ: يا محمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإسْلامِ.
فَقالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِليْهِ سَبِيلاً)).
قالَ: صَدَقْتَ.
قالَ: فَعَجِبْنا لَهُ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ.
قالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإيمانِ.
قالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِِ)).
قالَ: صَدَقْتَ.
قالَ: فَأَخْبِرْني عَنِ الإحسانِ؟
قالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإِنَّهُ يَرَاكَ)).
قالَ: فَأَخْبِرْني عَنِ السَّاعةِ.
قالَ: ((مَا الْمَسْؤُولُ عَنْها بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)).
قالَ: فَأخْبِرْني عَنْ أَمَاراتِها.
قالَ: ((أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ، يَتَطاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ)).
قالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا.
ثُمَّ قالَ لي: ((يا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟)).
قُلتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قالَ: ((فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)) رواه مسلِمٌ.
نورة آل رشيد
10-24-2008, 10:39 PM
(قالَ) جبريلُ: (صَدَقْتَ) فيمَا ذكَرْتَ؛ فإنَّ الأمرَ كمَا فَسَّرْتَ.
(قالَ) جِبْريلُ: (فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإحسَانِ)المرادُ بالإحسَانِ هُنَا: الإخْلاَصُ، وهُوَ شَرطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ والإسْلامِ مَعًا؛ وذلكَ لأنَّ مَنْ يَلْفِظْ بالكلمةِ وجَاءَ بالعَمَلِ بغيرِ نِيَّةٍ لمْ يَكُنْ مُحْسِنًا.
الإحسانَ المَذْكُورَ في القرآنِ في قولِهِ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الْحُسْنَى}، {وَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ}[سورة الرحمن: 60].
مَا هُوَ؟
قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ))الذي خَلَقَ الجِنَّ والإِنْسَ لعبَادَتِهِ عَمَلاً وَتَرْكًا وَقَوْلاً وفِعْلاً وَظَاهِرًا وَبَاطِنًا، مَعَ كمالِ حُضُورِ القَلْبِ وخُشُوعِ الجَوَارحِ، والإقبالِ إليهِ ((كَأَنَّكَ تَرَاهُ))بِعَيْنِكَ، ولو قَدَرَ أَحَدٌ أَنْ يُعَايِنَ رَبَّهُ في عِبَادَتِهِ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا ممَّا يَقْدِرُ عليهِ منَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ ومِنَ السَّمْتِ واجْتِمَاعِهِ بظاهِرِهِ وباطِنِهِ على الاعتناءِ بِتَتْمِيمِهَا على أحسنِ الوجوهِ.
((فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ)) لأَنَّ رُؤْيَتَهُ بالعينِ في الدُّنيا مُحَالٌ؛ لأِنَّهُ {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}.
((فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) إِذْ لا تَخْفَى عليهِ خَافِيَةٌ، سَوَاءٌ لَدَيْهِ الدَّانِيَةُ والقَاصِيَةُ، يَرَى الضَّمائرَ كمَا يَرَى الظَّاهِرَ، وَرُؤْيَتُهُ إيَّاكَ تَكْفِي في مُرَاعَاةِ الحُضُورِ والخشُوعِ في عِبَادَتِهِ.
ولا بُدَّ للإِنسانِ من التَّخَلِّي والتَّحَلِّي، حتَّى يكونَ أَهْلَ التَّجَلِّي، فالتَّخَلِّي أنْ يُطَهِّرَ ظَاهِرَهُ وباطِنَهُ عنْ قاذُورَاتِ الذنوبِ، والأخلاَقِ الذميمةِ بالتوبةِ الصادقةِ.
وحرامٌ على مَنْ كانَ مُتَدَنِّسًا بِدَنَسِ المعاصِي والأخلاقِ القَبيحةِ أَنْ يُؤْذَنَ لهُ بالدُّخُولِ في الحضرَةِ الرَّبَّانِيَّةِ؛ إذْ لا يَدْخُلُهَا إلاَّ المُطَهَّرونَ.
والتَّحَلِّي أنْ يُزَيِّنَ ظَاهِرَهُ وباطِنَهُ بالطَّاعاتِ والخيراتِ، وَيُزِيلَ بِها ظُلُمَاتِ السَّيِّئَاتِ، فمَن تَطَهَّرَ عَنْ نجاسةِ المُخَالَفَاتِ، وَتَزَيَّنَ بِزِينَةِ الطَّاعَاتِ اسْتَأْهَلَ أَنْ يَتَجَلَّى بقَلْبِهِ رَبُّ الموجوداتِ، وحينئذٍ يَفُوزُ بعمَلِ مَا أَشَارَ إليهِ سَيِّدُ العَارِفِينَ بقولِهِ:((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ … إلخ)).
قَالَ جبريلُ : صَدَقْتَ فِيمَا ذَكَرْتَ، وَيَنْبَغِي لأهلِ الإسلامِ أَنْ يَتَّصِفُوا بالإسلامِ والإيمانِ.
(قَالَ: فأَخْبِرْنِي عَنْ) وقْتِ قِيَامِ (السَّاعَةِ).
(قالَ) صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الجوابِ نَافِيًا عَنْ نفسِهِ العلمَ بوجهٍ خاصٍّ، تَلْخِيصُهُ: أَنْتَ وَأَنَا مُتَسَاوِيَانِ في أنَّا لا نَعْلَمُ أنَّ السَّاعةَ مَجِيئُهَا في وقتٍ منَ الأوقاتِ، ولا مَزِيدَ في تَعَدُّدِ العلمِ حتَّى يَتَيَقَّنَ عِندَهُ المسؤولُ عنهُ، وهُوَ الوقتُ المُعَيَّنُ الذي يَتَحَقَّقُ مَجِيئُهَا، واللهُ أَعْلَمُ بالصَّوابِ.
((مَا المَسْؤُولُ عَنْها)) يُرِيدُ نَفْسَهُ الكريمةَ، أَوْ كَلَّ مسؤولٍ عَنهَا، ((بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ))أيْ: مِنْكَ، أَوْ مِنْ كُلِّ سَائلٍ، بَلِ الكلُّ سَوَاءٌ في عدمِ علمِ زمنِ وقوعِهَا؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعةِ، لا عِنْدَ غيرِهِ، وأَشارَ جبريلُ بهذِهِ المسألةِ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالأَجْوِبَةِ، أنَّهُ يَنْبَغِي للسائلِ أنْ يَسْأَلَ عَمَّا يَنْبَغِي السؤالُ عَنْهُ، ولاَ يَسْأَلَ عَمَّا لا يَلِيقُ السُّؤَالُ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي للمُجِيبِ أَنْ يُجِيبَ بِمَا يَعْلَمُ وَيُفَوِّضَ العِلمَ أو يقولَ: لا أَعْلَمُ، ومِنَ العلمِ عِلْمُ الإنسانِ بِجَهْلِهِ.
(قالَ) جبريلُ:(فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا) أيْ: علاماتِ قُرْبِ وُقُوعِهَا.
(قالَ) صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا)) أَيْ: سَيِّدَتَهَا:
قِيلَ: هذَا إشارةٌ إلى كَثْرةِ أَوْلاَدِ المَمْلُوكَاتِ.
وقيلَ: هذَا كنايةٌ عنْ كثرةِ العُقُوقِ في الأَولادِ
حتَّى يكونَ السَّاداتُ والآباءُ والأُمَّهاتُ كالمَمْلُوكِينَ والمَمْلُوكَاتِ في الحكمِ عليهِم والجرأةِ وقلَّةِ الأدَبِ مَعَهمُ.
((وأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ)) جمعُ حَافٍ، وهُوَ مَنْ لا نَعْلَ بِرِجْلِهِ، ((الْعُرَاةَ)) عَنْ كَثيرٍ من الثِّيابِ، ((الْعَالَةَ))الفقراءَ، ((رِعَاءَ الشَّاءِ))رِعَاءَ الغَنَمِ، أَخِسَّاءَ النَّاسِ عِنْدَهُمْ، ((يَتَطَاوَلُونَ)) يَتَفَاخَرُونَ بطُولِ ((البُنْيَانِ)) وهذا كنايةٌ عَنِ انْقِلاَبِ الأمرِ وصَيْرُورَةِ الدُّنيا وَمَنَاصِبِهَا إلى غيرِ أهلِهَا، وَصَيْرُورَةِ الأَحْمَقِ أَسْعَدَ الناسِ بالدُّنيَا، وهذا يُؤْذِنُ بقُرْبِ وقوعِ القيامةِ، وقدْ ظَهَرَ مَا ذَكَرَ الصادقُ المَصْدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أَزْمِنَتِنَا هَذِهِ.
(ثمَّ انْطَلَقَ) جبريلُ (فَلَبِثْتُ)زَمَنًا (مَلِيًّا) كَثِيرًا، وقدْ بَيَّنَ ذلكَ بثلاثِ ليالٍ،(ثمَّ قالَ)صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِي: ((يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ)) عَنْ تِلْكَ المسْألةِ؟
(قُلْتُ: اللهُ ورسُولُهُ أَعْلَمُ) مِنَّا، ولاَ عِلْمَ لي بِهِ، (قالَ) صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ))ظَهَرَ في صورةِ رَجُلٍ ((أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ))أَمْرَ ((دِينِكُمْ)) فَإِنَّ تَحْصِيلَهُ مِنْ أهَمِّ المَهَمَّاتِ؛ إذْ لاَ بُدَّ مِنْ سُلُوكِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ولاَ يَتَأَتَّى إلاَّ بالعلمِ بهِ؛ إذِ العِلْمُ قَائِدٌ إلى العَمَلِ.
نورة آل رشيد
10-24-2008, 10:41 PM
(قال: فَأَخْبِرْنِي عن الإحسانِ)
(الإحسانُ)
لغةً: الإتقانُ، وقدْ يُرادُ بهِ الإنعامُ.
وشَرْعاً: ما وَرَدَ في الحديثِ.
(قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كأَنَّكَ تراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ).
العبادةُ: اسمٌ جامعٌ لِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَرْضَاهُ مِن الأقوالِ والأفعالِ الظاهرةِ والباطنةِ.
وشُرُوطُها:
-الإخلاصُ.
- والمُتَابَعَةُ.
وأَرْكَانُها:
-المَحَبَّةُ.
-والخوفُ.
-والرجاءُ.
وأَقْسَامُهَا:
-عُبُودِيَّةُ الرُّبُوبِيَّةِ، وهيَ عَامَّةٌ.
-وعُبُودِيَّةُ الأُلُوهِيَّةِ، وهيَ خَاصَّةٌ.
ومَعْنَى (تَعْبُدَ اللَّهَ)؛ أيْ: تُتْقِنَ هذا العملَ وتُكْمِلَهُ حتَّى كَأَنَّما ترَى اللَّهَ وأنتَ تَفْعَلُهُ.
وفي هذا مراقبةُ العبدِ لرَبِّهِ، والعبدُ لا يرَى اللَّهَ في الدُّنْيَا ولا يَقْدِرُ على ذلكَ.
ويَرَاهُ المؤمنُ في الآخرةِ.
ومِمَّا يُعِينُ على المُرَاقَبَةِ: أنْ تَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ قَوْلَكَ، ويرَى فِعْلَكَ، ويَطَّلِعُ على ما في صَدْرِكَ، وتُوقِنَ بلِقَائِهِ وتُوقِنَ بأنَّ عليكَ شُهُوداً، منهم الملائكةُ والجوارحُ والخَلْقُ.
ومَنْ أحْسَنَ في الدُّنيا وجدَ ثوابَ الإحسانِ في الآخرةِ، يقولُ تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} الآيَةَ [يونس: 26].
(قال: فَأَخْبِرْنِي عن الساعةِ)
أي: القيامةِ، سُمِّيَتْ بذلكَ: لسرعةِ الحسابِ؛ ولأنَّها تَفْجَأُ الناسَ ولقُرْبِهَا.
وأَقْسَامُها هيَ أقسامُ القيامةِ:
- صُغْرَى.
- وكُبْرَى.
- ووُسْطَى.
قال: ((ما المَسْؤُولُ عنها بأعلمَ مِن السائلِ)) أيْ: لوْ أنَّ مَخْلُوقاً يَعْلَمُها لَعَلِمَتْهَا الملائكةُ؛ لقُرْبِهم مِن اللَّهِ تعالى، إذْ همْ أَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُونَ كلامَ اللَّهِ تعالى، وأَوَّلُ مَنْ يَمْتَثِلُونَ الأمرَ ويَتْرُكُونَ النهيَ، ولكنَّ الساعةَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ تعالى الخاصِّ بهِ فلا يَعْلَمُها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
(قال: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا) (أَمَارَاتُهَا)
أيْ: عَلامَاتُها التي تَدُلُّ عليها أوْ على قُرْبِهَا.
وهيَ:
- علاماتٌ صُغْرَى: سَبَقَتْ؛ كَمَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، والفتنةِ في عهدِ عثمانَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ ونَحْوِها.
- وَوُسْطَى: كالحديثِ.
- وكُبْرَى: كالدَّابَّةِ وعِيسَى ويَأْجُوجَ ومأجوجَ وغَيْرِها.
قالَ:((أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا)) أيْ: تَكْثُرُ الفتوحاتُ ويَكْثُرُ الإِمَاءُ؛ حتَّى تَلِدَ الأَمَةُ سَيِّدَهَا، وهيَ ما تُسَمَّى بأُمِّ الوَلَدِ، وهذهِ علامةٌ.
((وأنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ في البُنْيَانِ))
هذهِ العلامةُ الثانيَةُ، وهيَ انْفِتَاحُ الدُّنيا على الناسِ حتَّى تَرَى الفقيرَ غَنِيًّا، وكأنَّ فيهِ إسنادَ الأمرِ إلى غيرِ أهْلِهِ.
الفَوَائدُ:
1- حِرْصُ الصحابةِ على العِلْمِ.
2- مُلازَمَتُهُم لمَجالسِ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ.
3- قُدْرَةُ المَلَكِ على التَّشَكُّلِ.
4- بيانُ نوعٍ مِنْ أنواعِ الوَحْيِ.
5- مِنْ أدبِ طالبِ العلمِ نظافةُ ظاهرِهِ وبَاطِنِهِ.
6- مَشْرُوعِيَّةُ السفرِ لطلبِ العلمِ.
7- مِنْ صفاتِ طالبِ العلمِ التواضعُ.
8- القُرْبُ مِن العَالِمِ والدُّنُوُّ منهُ.
9- مِنْ أسبابِ تحصيلِ العلمِ السؤالُ.
10- البدءُ بالأَهَمِّ فالأهَمِّ عندَ طلبِ العلمِ.
11- أنَّ الإسلامَ هوَ الأعمالُ الظاهرةُ عندَ وجودِ الإيمانِ.
12- بيانُ أركانِ الإسلامِ.
13- لا يَتِمُّ الإسلامُ إلاَّ بأَرْكَانِهِ.
14- بيانُ معنى الإيمانِ.
15- أنَّ الإيمانَ هوَ الأعمالُ الباطنةُ عندَ وجودِ الإسلامِ.
16- معرفةُ أركانِ الإيمانِ.
17- فضلُ الإحسانِ.
18- وُجُوبُ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ تعالى.
19- أنَّ الساعةَ مِن الغيبِ الذي لا يَعْلَمُهُ إلاَّ اللَّهُ تعالى.
20- وجودُ علاماتِ الساعةِ.
21- الحَذرُ من الاغترارِ بالدُّنيا.
22- تعليمُ الملائكةِ للبَشَرِ.
23- فضلُ تعليمِ الناسِ.
24- مَن ادَّعَى الغيبَ كَفَرَ.
نورة آل رشيد
10-24-2008, 10:43 PM
أَماراتُ السَّاعةِ:
ذَكَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن علاماتِ السَّاعةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلامتينِ:
1-((أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا))وَالْمُرَادُ: برَبَّتـِها: سَيـِّدَتُها ومَالِكَتُهَا.
وللعُلماءِ فِي هَذَا أَقْوَالٌ مِنْهَا:
أ- قِيلَ: يَكْثُرُ العُقوقُ فِي الأَوْلادِ، فيُعامِلُ الْوَلَدُ أمَّهُ معامَلَةَ السيِّدِ أَمَتَهُ، مِن حَيْثُ السَّبُّ، والضَّربُ، والاستخدامُ، والاستهانةُ، وَهَذَا مَا يَميلُ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ إِلَيْهِ.
ب- وَقَالَ ابنُ رجبٍ:(وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى فَتْحِ البلادِ وكثرةِ جَلْبِ الرَّقيقِ، حتَّى تَكْثُرَ السَّرَارِيُّ، وتَكْثُرَ أولادُهُنَّ، فَتَكُونُ الأَمَةُ رَقيقةً لسيِّدِهَا، وأولادُهُ مِنْهَا بِمَنْزِلَتِهِ، فإنَّ وَلَدَ السَّيِّدِ بِمَنْزِلَةِ السَّيِّدِ فيَصيرُ ولدُ الأَمَةِ بِمَنْزِلَةِ ربِّهَا وسيِّدِها).
ج- ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْقَوْلِ بأنَّ أمَّ الْوَلَدِ تُعتَقُ بموتِ سيِّدِها، فكأنَّ ولدَهَا هُو الَّذي أَعْتَقَها، فصارَ عِتْقُهَا مَنسوبًا إِلَيْهِ، وبهذا صَارَ كأنَّهُ مَولاها وسَيِّدُهَا.
2- ((وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ)).
الحافِي:
هُو مَن لا نَعْلَ فِي قَدَمَيْهِ.
والعارِي:
هُو مَن لا ثِيابَ عَلَى بَدَنِهِ.
والعائلُ:
هُو الْفَقِيرُ.
والمرادُ: أنَّ أَسافِلَ النَّاسِ يَصيرونَ رؤساءَ، وتَكْثُرُ أموالُهُم، ويُشَيِّدُونَ الْمَبَانِيَ العاليَةَ مُباهاةً وتَفاخُرًا عَلَى عِبادِ اللَّهِ.
قالَ القرطبِيُّ:(الْمَقْصُودُ الإخبارُ عَن تَبَدُّلِ الْحَالِ بِأَنْ يَسْتَوْلِيَ أَهْلُ الباديَةِ عَلَى الأَمْرِ، ويَتَمَلَّكوا البلادَ بالقَهْرِ، فتَكْثُرَ أموالُهم وتَنْصَرِفَ هُمومُهُم إِلَى تَشييدِ البُنيانِ والتَّفاخُرِ بِهِ، وَقَد شَاهَدْنَا ذَلِكَ فِي هَذِه الأَزْمَانِ).
صفاتُ جِبريلَ عَلَيْهِ السَّلامُ:
هُو الرُّوحُ الأمينُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ}ووَصْفُهُ بالأمانةِ تزكيَةٌ عَظِيمَةٌ لَه مِن ربِّهِ جلَّ وَعَلا.
كَمَا بيَّنَ سبحانَهُ مِن صفاتِهِ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}.
فوَصَفَهُ بِحُسْنِ الخُلُقِ، وبَهاءِ الْمَنظرِ، والقوَّةِ وشدَّةِ البطشِ والفعلِ، وبأنَّ لَه مَكانةً ومَنْزِلةً عِنْدَ اللَّهِ، فَهُو سيِّدُ الْمَلائِكَةِ، مُطاعٌ أَمْرُهُ فِي السَّماواتِ.
رآه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صورتِهِ الحقيقيَّةِ مرَّتينِ؛
مرَّةً بَعْدَ بَعْثتِهِ بثلاثِ سنواتٍ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ فَرُعِبْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي)).
ويَشهدُ لِذَلِك قولُهُ جلَّ وَعَلا:{عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}، ورآهُ مَرّةً ثانيَةً لَيْلَةَ الإسراءِ والْمِعراجِ، كَمَا قَالَ: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى}، يَصِفُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعِظَمِ الْخَلْقِ، عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعودٍ قَالَ: (رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبريلَ فِي صورتِهِ، ولهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، كلُّ جَناحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الأُفُقَ: يَسْقُطُ مِن جَناحِهِ التَّهاويلُ (الأَشْيَاءُ المختلِفةُ الألوَانِ) مِن الدُّرِّ واليَوَاقِيتِ).
وقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((رَأَيْتـُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)).
مِن فوائدِ الْحَدِيثِ:
1- أنَّ العالِمَ إِذَا سُئلَ عَن شَيْءٍ وَلَم يَعْلَمْهُ أَنْ يَقُولَ: لا أَعْلَمُهُ، وأنَّ هَذَا لا يَنْقُصُ مِن مَكَانتِهِ، بَلْ هَذَا دَلالةٌ عَلَى مَتَانَةِ دِينِهِ، وخَوْضُ الْعَالِمِ بِكُلِّ جوانبِ الْعُلُومِ دُونَ التَّمكُّنِ بِهَا دَلالةٌ عَلَى رِقَّةِ الدِّينِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ العُلماءِ المعاصرينَ عَن الْحَدِيثِ الآتي: عَن سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَريمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِثَ بِهِ بَلاؤُهُ ثَمَانَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إِلا رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ)).
فيقولُ هَذَا المعاصرُ عَن هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحيحِ:
كَذِبٌ وافتراءٌ عَلَى دَاوُدَ دُونَ النَّظرِ فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا مِن الخوضِ بِمَا لا يَعْلَمُ، نَسأَلُ اللَّهَ السَّلامةَ.
2- كَمَا فِي الْحَدِيثِ دَلالةٌ عَلَى طَرِيقَةٍ مِن طُرُقِ التَّعليمِ، وَهِي السُّؤالُ والجوابُ، وَهَكَذَا يَنبغِي للدَّاعيَةِ أَنْ يَتَفنَّنَ فِي عَرْضِ مَا لَدَيْهِ مِن مَادَّةٍ، وَلا يَجْمُدَ عَلَى أسلوبٍ وَاحِدٍ، فيُؤَدِّيَ ذَلِك إِلَى مَلَلِ سامعِيهِ، بَل عَلَيْهِ أَنْ يَستفيدَ مِن كلِّ جديدٍ فِيهِ خَيْرٌ للأُمَّةِ، أَقُولُ هَذَا؛ لأنَّ البعضَ عندَهُ عُقَدٌ مِن كلِّ جديدٍ، وَهَذِه الطَّريقةُ مِن أحدثِ وأَجودِ الطُّرقِ فِي العَمَلِيَّةِ التَّعليميَّةِ عِنْدَ الْمُرَبِّينَ.
3- فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ الْمَلائِكَةَ يَتَشَكَّلونَ عَلَى صُورَةِ البَشَرِ، ويَشْهَدُ لِذَلِك نصوصٌ مِن الْقُرْآنِ، قَالَ تَعَالَى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانَا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا}، وَالْمَقْصُودُ بروحِنَا: جبريلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
كما أَخْبَرَ سبحانَهُ بأنَّ الْمَلائِكَةَ جَاءَتْ إبراهيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي صُورَةِ بَشَرٍ، وَلَم يَعْرِفْهُمْ عَلَيْهِ السَّلامُ حتَّى أَخْبَرُوهُ، وَكَذَلِك جَاءَتِ الْمَلائِكَةُ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَى صُورَةِ شَبابٍ حِسانِ الوُجوهِ، والأدلَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
4- كَمَا أنَّ فِي الْحَدِيثِ دلالةً عَلَى كَراهةِ مَا لا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِن الْبِناءِ ومِن تطويلِ البناءِ وتشييدِهِ،
ولعلَّ قائلاً يَقُولُ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلالةٌ وَاضِحَةٌ جليَّةٌ عَلَى ذَمِّ تطويلِ البناءِ، إنَّما فِيهِ إخبارٌ عَن عَلامةٍ مِن علاماتِ قُرْبِ السَّاعةِ، ولكنَّ هَذَا يُرَدُّ بأنَّ هُنَاكَ أحاديثَ تَشْهَدُ لِمَا قُلْتُ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُلُّ نَفَقَةٍ يُنْفِقُهَا الْعَبْدُ يُؤْجَرُ فِيهَا إِلا الْبُنْيَانَ)).
وما كَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَتْ بِه الأُمَّةُ إِلا مَن عَصَمَهُ ربُّهُ، فأَصْبَحَ المسلمونَ يُسْرِفونَ بالبِناءِ، ويُنفقونَ الأموالَ الكثيرةَ فِيهِ، والأَوْلَى أَنْ تُنْفَقَ هَذِه الأموالُ بدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ، وإنقاذِهِم ممَّا هَمْ فِيهِ مِن غَيٍّ وضَلالٍ.
5- كَمَا أنَّ فِي الْحَدِيثِ دلالةً عَلَى استحبابِ تحسينِ الثِّيابِ، والهيئةِ والنَّظافةِ عِنْدَ الدُّخولِ عَلَى الْعُلَمَاءِ والفضلاءِ والملوكِ.
6- فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ آدابِ الجلوسِ فِي حِلَقِ الْعِلْمِ، فجبريلُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَلَسَ قريبًا مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لطالبِ الْعِلْمِ حتَّى يأخذَ الْعِلْمَ بدِقَّةٍ وتَثَبُّتٍ مِن أفواهِ الْعُلَمَاءِ.
كما فِيهِ بَيَانُ كيفيَّةِ الجلوسِ فِي حِلَقِ الْعِلْمِ ، فجبريلُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَلَسَ جِلْسَةَ التَّشهُّدِ، ووَضَعَ كفَّيهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، فعلَى طالبِ الْعِلْمِ أَنْ يُفرِّغَ ذِهنَهُ وحواسَّهُ أثناءَ ذَلِك حتَّى يَستفيدَ مِن مُجالستِهِ للعلماءِ.
7- فِي الْحَدِيثِ دَلالةٌ أنَّ الْغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ عزَّ وجلَّ، ويَشْهَدُ لِهَذِه الْحَقِيقَةِ نصوصٌ كَثِيرَةٌ مِن الذِّكرِ الحكيمِ.
مِنْهَا: قولُهُ جلَّ وَعَلا: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ}.
فالرَّسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَعْلَمُ مِن أمورِ الْغَيْبِ إِلا مَا عَلَّمَهُ ربُّهُ سبحانَهُ.
- وَقَالَ سبحانَهُ: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ}.
- وَقَالَ سبحانَهُ: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
وبهذهِ النُّصوصِ وغيرِها يُعلَمُ فسادُ قَوْلِ الرَّوافضِ الَّذين يَعتقدون أنَّ أئمَّتَهم يَعلمونَ الْغَيْبَ كَمَا فِي (الكافِي): (أنَّ الأئمَّةَ عَلَيْهِم السَّلامُ يَعْلَمونَ متَى يموتون، وأنَّهُم لا يَموتون إِلا باختيارٍ منهُمْ).
(أنَّ الأئمَّةَ عَلَيْهِم السَّلامُ إِذَا شاؤا أَنْ يَعْلَموا عَلِمُوا).
وفي صفحةِ (26) (أنَّ الأئمَّةَ يَعلمونَ عِلْمَ مَا كَانَ، وَمَا يَكُونُ، وأنَّهُ لا يَخْفَى عَلَيْهِمُ الشَّيءُ).
دِينُ الإِسْلامِ:
بيَّنَ صلواتُ اللَّهِ وسلامُهُ عَلَيْهِ بأنَّ هَذِه الأسئلةَ الَّتي سألهَا جبريلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإجابَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا هِي أصولُ وقواعدُ الدِّينِ، يَنْدَرِجُ تحتَهَا باقي أمورِ الدِّينِ مِن:
- عقائدَ.
- وعباداتٍ.
- وآدابٍ، وغيرِهَا.
ومِن هَذَا تَتَّضِحُ أَهَمِّيَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ العظيمِ، وبأنَّ النَّوويَّ رحمَهُ اللَّهُ وُفِّقَ فِي اِخْتِيَارِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أربعينِهِ؛ لأنَّهُ هَدَفَ مِن ذَلِك جَمْعَ الأَحَادِيثِ الجامعةِ لأمورِ الدِّينِ.
نورة آل رشيد
10-24-2008, 10:51 PM
فَصْلٌ وأمَّا الإِحْسَانُ ، فَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي القُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ:
تَارَةً: مَقْرُونًا بالإِيمانِ.
وتارَةً: مَقْرونًا بالإِسلامِ.
وتارَةً:مَقْرونًا بالتَّقْوَى أوْ بالعَمَلِ.
فالمَقْرونُ بالإِيمانِ:كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93].
وكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}[الكهف: 30].
والمَقْرُونُ بالإِسْلامِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ}[البقرة: 112].
وكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} الآيَةَ [لقمان: 22].
والمَقْرُونُ بالتَّقْوَى: كقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128].
وقَدْ يُذْكَرُ مُفْرَدًا: كقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26].
وقَدْ ثَبَتَ فِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَفْسِيرُ الزِّيَادَةِ بالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الجَنَّةِ، وهَذَا مُنَاسِبٌ لِجَعْلِهِ جَزَاءً لأَِهْلِ الإِحْسَانِ؛ لأَِنَّ الإِحْسَانَ هوَ أنْ يَعْبُدَ المُؤْمِنُ رَبَّهُ فِي الدُّنيا عَلَى وَجْهِ الحُضُورِ والمُرَاقَبَةِ، كَأَنَّهُ يَرَاهُ بقَلْبِهِ ويَنْظُرُ إِلَيْهِ فِي حَالِ عِبَادَتِهِ، فَكَانَ جَزَاءُ ذَلِكَ النَّظَرَ إِلَى اللَّهِ عِيَانًا فِي الآخِرَةِ.
وعَكْسُ هَذَا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنْ جَزَاءِ الكُفَّارِ فِي الآخِرَةِ: {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المُطَفِّفِينَ: 15]، وجَعَلَ ذَلِكَ جَزَاءً لحَالِهِم فِي الدُّنيا، وهوَ تَرَاكُمُ الرَّانِ عَلَى قُلُوبِهِم، حَتَّى حُجِبَتْ عنْ مَعْرِفَتِهِ ومُرَاقَبَتِهِ فِي الدُّنيا، فَكَانَ جَزَاؤُهُم عَلَى ذَلِكَ أَنْ حُجِبُوا عَنْ رُؤْيَتِهِ فِي الآخِرَةِ.
فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِي تَفْسِيرِ الإِحْسَانِ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ...)) إلخ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ العَبْدَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وهيَ اسْتِحْضَارُ قُرْبِهِ، وأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ:
- الخَشْيَةَ والخَوْفَ والهَيْبَةَ والتَّعْظِيمَ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((أَنْ تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)).
- ويُوجِبُ أيضًا النُّصْحَ فِي العِبَادَةِ ، وبَذْلَ الجُهْدِ فِي تَحْسِينِهَا وإِتْمَامِهَا وإِكْمَالِهَا.
- وقَدْ وَصَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ ، كَمَا رَوَى إِبْرَاهِيمُ الْهَجَرِيُّ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: (أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ أَخْشَى اللَّهَ كَأَنِّي أَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ أَكُنْ أَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَانِي).
ورُوِيَ عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ.
ويُرْوَى مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا: ((كُنْ كَأَنَّكَ تَرَى اللَّهَ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)).
وخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ واجْعَلْهُ مُوجَزًا، فَقَالَ: ((صَلِّ صَلاةَ مُوَدِّعٍ؛ فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ لا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)).
وفي حَدِيثِ حَارِثَةَ المَشْهُورِ -وقَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ مُرْسَلَةٍ، وَرُوِيَ مُتَّصِلاً، والمُرْسَلُ أَصَحُّ- أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ لَهُ: ((كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ؟)).
قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا.
قَالَ: ((انْظُرْ مَا تَقُولُ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً)).
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَزَفَتْ نَفْسِي عَن الدُّنْيَا، فَأَسْهَرْتُ لَيْلِي، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ كَيْفَ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ كَيْفَ يَتَعَاوَوْنَ فِيهَا، قَالَ: ((أَبْصَرْتَ فَالْزَمْ، عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ الإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ)).
ويُرْوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَصَّى رَجُلاً فَقَالَ لَهُ: ((اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ اسْتِحْيَاءَكَ مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ صَالِحِي عَشِيرَتِكَ لا يُفَارِقَانِكَ)).
ويُرْوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلاً.
ويُرْوَى عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَصَّاهُ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ فَقَالَ: ((اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ كَمَا تَسْتَحِي رَجُلاً ذَا هَيْبَةٍ مِنْ أَهْلِكَ)).
وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ كَشْفِ العَوْرَةِ خَاليًا، فَقَالَ: ((اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ)).
ووَصَّى أَبُو الدَّرْدَاءِ رَجُلاً فَقَالَ لَهُ: (اعْبُد اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ).
وخَطَبَ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ إِلَى ابنِ عُمَرَ ابْنَتَهُ وَهُمَا فِي الطَّوَافِ، فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ لَقِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: (كُنَّا فِي الطَّوَافِ نَتَخَايَلُ اللَّهَ بَيْنَ أَعْيُنِنَا). أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)).
قِيلَ: إِنَّهُ تَعْلِيلٌ للأَوَّلِ ؛ فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا أُمِرَ بِمُرَاقَبَةِ اللَّهِ فِي العِبَادَةِ، واسْتِحْضَارِ قُرْبِهِ مِنْ عَبْدِهِ، حَتَّى كَأَنَّ العَبْدَ يَرَاهُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَيَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ بِإِيمَانِهِ بأَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ، ويَطَّلِعُ عَلَى سِرِّهِ وعَلانِيَتِهِ، وبَاطِنِهِ وظَاهِرِهِ، وَلا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ.
فَإِذَا حَقَّقَ هَذَا المَقَامَ سَهُلَ عَلَيْهِ الانْتِقَالُ إِلَى المَقَامِ الثَّانِي ، وهوَ دَوَامُ التَّحْدِيقِ بالبَصِيرَةِ إِلَى قُرْبِ اللَّهِ مِنْ عَبْدِهِ ومَعِيَّتِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ.
وقِيلَ: بَلْ هوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ شَقَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ ، فَلْيَعْبُد اللَّهَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ ويَطَّلِعُ عَلَيْهِ، فَلْيَسْتَحْيِ مِنْ نَظَرِهِ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ العَارِفِينَ: (اتَّقِ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ).
وقَالَ بَعْضُهُم: (خَفِ اللَّهَ عَلَى قَدْرِ قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ، واسْتَحْيِ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ).
قَالَتْ بَعْضُ العَارِفَاتِ مِن السَّلَفِ: (مَنْ عَمِلَ لِلَّهِ عَلَى المُشَاهَدَةِ فَهُو عَارِفٌ، وَمَنْ عَمِلَ عَلَى مُشَاهَدَةِ اللَّهِ إيَّاهُ فَهُو مُخْلِصٌ).
فَأَشَارَتْ إِلَى المَقَامَيْنِ اللَّذَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما:
أَحَدُهُمَا: مَقَامُ الإِخْلاصِ، وهوَ أَنْ يَعْمَلَ العَبْدُ عَلَى اسْتِحْضَارِ مُشَاهَدَةِ اللَّهِ إِيَّاهُ، واطِّلاعِهِ عَلَيْهِ، وقُرْبِهِ مِنْهُ.
فَإِذَا اسْتَحْضَرَ العَبْدُ هَذَا فِي عَمَلِهِ، وعَمِلَ عَلَيْهِ، فَهُو مُخْلِصٌ لِلَّهِ؛ لأَِنَّ اسْتِحْضَارَهُ ذَلِكَ فِي عَمَلِهِ يَمْنَعُهُ مِن الالتِفَاتِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وإِرَادَتِهِ بالعَمَلِ.
والثَّانِي: مَقَامُ المُشَاهَدَةِ، وهوَ أَنْ يَعْمَلَ العَبْدُ عَلَى مُقْتَضَى مُشَاهَدَتِهِ لِلَّهِ بقَلْبِهِ، وهوَ أَنْ يَتَنَوَّرَ القَلْبُ بالإِيمَانِ، وتَنْفُذَ البَصِيرَةُ فِي العِرْفَانِ، حَتَّى يَصِيرَ الغَيْبُ كَالْعِيَانِ.
وهَذَا هوَ حَقِيقَةُ مَقَامِ الإِحْسَانِ المُشَارِ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ويَتَفَاوَتُ أَهْلُ هَذَا المَقَامِ فِيهِ بِحَسَبِ قُوَّةِ نُفُوذِ البَصَائِرِ.
وَقَدْ فَسَّرَ طَائِفَةٌ مِن العُلَمَاءِ المَثَلَ الأَعْلَى المَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الرُّوم: 27]، بِهَذَا المَعْنَى.
ومِثْلُهُ قولُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35]، والمُرَادُ: مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ المُؤْمِنِ.
كَذَا قَالَهُ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُ مِن السَّلَفِ.
وقَدْ سَبَقَ حَدِيثُ: ((أَفْضَلُ الإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُ كُنْتَ)).
وحَدِيثُ: مَا تَزْكِيَةُ المَرْءِ نَفْسَهُ؟
قَالَ: ((أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ)).
وخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاثَةٌ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: رَجُلٌ حَيْثُ تَوَجَّهَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ)) وذَكَرَ الحَدِيثَ.
وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلَى هَذَا المَعْنَى فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ:
- كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186].
- وقَوْلِهِ تَعَالَى {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ}.
- وقَوْلِهِ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا} [المُجَادَلَة: 7 ].
- وَقَوْلِهِ: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يُونُس: 61].
- وقَوْلِهِ: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16].
- وقَوْلِهِ: {وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} [النساء: 108].
وقَدْ وَرَدَت الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بالنَّدْبِ إِلَى اسْتِحْضَارِ هَذَا القُرْبِ فِي حَالِ العِبَادَاتِ :
- كقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ)).
- وقَوْلِهِ: ((إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى)).
- وقَوْلِهِ: ((إِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ)).
- وقَوْلِهِ للَّذِينَ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُم بالذِّكْرِ: ((إِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا)).
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ)).
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((هُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)).
- وقَوْلِهِ: ((يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ)).
- وقَوْلِهِ: ((يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا مَعَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍَ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍَ خَيْرٍ مِنْهُ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)).
ومَنْ فَهِمَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ تَشْبِيهًا أوْ حُلُولاً أو اتِّحَادًا، فَإِنَّما أُتِيَ مِنْ جَهْلِهِ وسُوءِ فَهْمِهِ عَن اللَّهِ ورَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واللَّهُ ورَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ،
فَسُبْحَانَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وهوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.
قَالَ بَكْرٌ المُزَنِيُّ: (مَنْ مِثْلُكَ يَا ابْنَ آدَمَ: خُلِّيَ بَيْنَكَ وبَيْنَ المِحْرَابِ والمَاءِ، كُلَّمَا شِئْتَ دَخَلْتَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ).
ومَنْ وَصَلَ إِلَى اسْتِحْضَارِ هَذَا فِي حَالِ ذِكْرِهِ لِلَّهِ وعِبَادَتِهِ، اسْتَأْنَسَ باللَّهِ، واسْتَوْحَشَ مِنْ خَلْقِهِ ضَرُورَةً.
قَالَ ثَوْرُ بنُ يَزِيدَ: (قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الكُتُبِ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ: (يَا مَعْشَرَ الحَوَارِيِّينَ، كَلِّمُوا اللَّهَ كَثِيرًا، وكَلِّمُوا النَّاسَ قَلِيلاً.
قَالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ اللَّهَ كَثِيرًا؟
قَالَ: اخْلُوا بِمُنَاجَاتِهِ، اخْلُوا بدُعَائِهِ) خَرَّجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ.
وخَرَّجَ أَيْضًا بإِسْنَادِهِ عنْ رِيَاحٍ قَالَ: (كَانَ عِنْدَنَا رَجُلٌ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، حَتَّى أُقْعِدَ مِنْ رِجْلَيْهِ، فكَانَ يُصَلِّي جَالِسًا أَلْفَ رَكْعَةٍ، فَإِذَا صَلَّى العَصْرَ احْتَبَى فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ويَقُولُ: عَجِبْتُ للخَلِيقَةِ كَيْفَ أَنِسَتْ بسِوَاكَ؟! بَلْ عَجِبْتُ للخَلِيقَةِ كَيْف اسْتَنَارَتْ قُلُوبُهَا بِذِكْرِ سِوَاكَ؟!)
وقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: (دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بنِ النَّضْرِ الحَارِثِيِّ، فَرَأَيْتُهُ كَأَنَّهُ مُنْقَبِضٌ، فَقُلْتُ: كَأَنَّكَ تَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى؟
قَالَ: أَجَلْ.
فَقُلْتُ: أَوَمَا تَسْتَوْحِشُ؟
فَقَالَ: كَيْفَ أَسْتَوْحِشُ وهوَ يَقُولُ: أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي).
وقِيلَ لِمَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ وهوَ جَالِسٌ فِي بَيْتِهِ وحْدَهُ: (أَلا تَسْتَوْحِشُ؟
فقَالَ: أَوَيَسْتَوْحِشُ مَعَ اللَّهِ أَحَدٌ؟
وكَانَ حَبِيبٌ أَبُو مُحَمَّدٍ يَخْلُو فِي بَيْتِهِ ويَقُولُ: (مَنْ لَمْ تَقَرَّ عَيْنُهُ بِكَ فَلا قَرَّتْ عَيْنُهُ، ومَنْ لَمْ يَأْنَسْ بِكَ فَلا أَنِسَ).
وقَالَ غَزْوَانُ: (إِنِّي أَصَبْتُ رَاحَةَ قَلْبِي فِي مُجَالَسَةِ مَنْ لَدَيْهِ حَاجَتِي).
وقَالَ مُسْلِمُ بنُ يَسَارٍ: (مَا تَلَذَّذَ المُتَلَذِّذُونَ بِمِثْلِ الخَلْوَةِ بِمُنَاجَاةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلّ)َ.
وقَالَ مُسْلِمٌ العَابِدُ: (لَوْلا الجَمَاعَةُ مَا خَرَجْتُ مِنْ بَابِي أَبَدًا حَتَّى أَمُوتَ).
وقَالَ: (مَا يَجِدُ المُطِيعُونَ لِلَّهِ لَذَّةً فِي الدُّنْيَا أَحْلَى مِن الخَلْوَةِ بِمُنَاجَاةِ سَيِّدِهِم، وَلا أَحْسَبُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ مِنْ عَظِيمِ الثَّوَابِ أَكْبَرَ فِي صُدُورِهِم وألَذَّ فِي قُلُوبِهِم مِن النَّظَرِ إِلَيْهِ)، ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ.
وعنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ أَدْهَمَ قَالَ: (أَعْلَى الدَّرَجَاتِ أَنْ تَنْقَطِعَ إِلَى رَبِّكَ، وتَسْتَأْنِسَ إِلَيْهِ بقَلْبِكَ وعَقْلِكَ وجَمِيعِ جَوَارِحِكَ، حَتَّى لا تَرْجُوَ إلا رَبَّكَ، وَلا تَخَافَ إلا ذَنْبَكَ، وتَرْسَخَ مَحَبَّتُهُ فِي قَلْبِكَ حَتَّى لا تُؤْثِرَ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ لَمْ تُبالِ فِي بَرٍّ كُنْتَ أوْ فِي بَحْرٍ، أوْ فِي سَهْلٍ أوْ فِي جَبَلٍ، وكَانَ شَوْقُكَ إِلَى لِقَاءِ الحَبِيبِ شَوْقَ الظَّمْآنِ إِلَى الْمَاءِ البَارِدِ، وشَوْقَ الجَائِعِ إِلَى الطَّعَامِ الطَّيِّبِ، ويَكُونُ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَكَ أَحْلَى مِن العَسَلِ، وأَحْلَى مِن المَاءِ العَذْبِ الصَّافِي عِنْدَ العَطْشَانِ فِي اليَوْمِ الصَّائِفِ).
وقَالَ الفُضَيْلُ: (طُوبَى لِمَن اسْتَوْحَشَ مِنَ النَّاسِ وَكَانَ اللَّهُ جَلِيسَهُ).
وقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: (لا آنَسَنِي اللَّهُ إلا بِهِ أَبَدًا).
وقَالَ مَعْرُوفٌ لِرَجُلٍ: (تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ؛ حَتَّى يَكُونَ جَلِيسَكَ وأَنِيسَكَ ومَوْضِعَ شَكْوَاكَ).
وقَالَ ذُو النُّونِ: (مِنْ عَلامَةِ المُحِبِّينَ لِلَّهِ أَنْ لا يَأْنَسُوا بِسَوَاهُ، وَلا يَسْتَوْحِشُوا مَعَهُ).
ثُمَّ قَالَ: (إِذَا سَكَنَ القَلْبَ حُبُّ اللَّهِ تَعَالَى أَنِسَ باللَّهِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَلُّ فيِ صُدُورِ العَارِفِينَ أنْ يُحِبُّوا سِوَاهُ).
وكَلامُ القَوْمِ فِي هَذَا البَابِ يَطُولُ ذِكْرُهُ جِدًّا ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَمَنْ تَأَمَّلَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِمَّا دلَّ عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيثُ العَظِيمُ، عَلِمَ أَنَّ جَمِيعَ العُلُومِ والمَعَارِفِ تَرْجِعُ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ وتَدْخُلُ تَحْتَهُ، وأَنَّ جَمِيعَ العُلَمَاءِ مِنْ فِرَقِ هَذِهِ الأُمَّة لا تَخْرُجُ عُلُومُهم الَّتِي يَتَكَلَّمُونَ فِيهَا عَن هَذَا الحَدِيثِ ومَا دَلَّ عَلَيْهِ مُجْمَلاً ومُفَصَّلاً؛ فَإِنَّ الفُقَهَاءَ إنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ فِي العِبَادَاتِ التي هيَ مِنْ جُمْلَةِ خِصَالِ الإِسْلامِ، ويُضِيفُونَ إِلَى ذَلِكَ الكَلامَ فِي أَحْكَامِ الأَمْوَالِ والأَبْضَاعِ والدِّمَاءِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الإِسْلامِ كَمَا سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
ويَبْقَى كَثِيرٌ مِنْ عِلْمِ الإِسْلامِ مِن الآدَابِ والأَخْلاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ لا يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إلا القَلِيلُ مِنْهُم، ولا يَتَكَلَّمُونَ عَلَى مَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ، وهُمَا أَصْلُ الإِسْلامِ كُلِّهِ.
والَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ، يَتَكَلَّمُونَ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ، وعَلَى الإِيمَانِ باللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، والإِيمَانِ بالقَدَرِ.
والَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ عَلَى عِلْمِ المَعَارِفِ والمُعَامَلاتِ يَتَكَلَّمُونَ عَلَى مَقَامِ الإِحْسَانِ، وعَلَى الأَعْمَالِ البَاطِنَةِ التِي تَدْخُلُ فِي الإِيمَانِ أَيْضًا، َالْخَشْيَةِ، والمَحَبَّةِ، والتَّوَكُّلِ، والرِّضا، والصَّبْرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
فانْحَصَرَت العُلُومُ الشَّرْعِيَّةُ التي يَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا فِرَقُ المُسْلِمِينَ فِي هَذَا الحَدِيثِ ، ورَجَعَتْ كُلُّهَا إِلَيْهِ. فَفِي هَذَا الحَدِيثِ وَحْدَهُ كِفَايَةٌ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ.
وبَقِيَ الكَلامُ عَلَى ذِكْرِ السَّاعَةِ مِن الحَدِيثِ:
فَقَوْلُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: (أَخْبِرْنِي عَن السَّاعَةِ).
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)) يَعْنِي: أَنَّ عِلْمَ الخَلْقِ كُلِّهِم فِي وَقْتِ السَّاعَةِ سَوَاءٌ.
وهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا ؛ ولِهَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلا اللَّهُ تَعَالَى)) ثُمَّ تَلا: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لُقْمَان: 34].
وقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً} [الأعراف: 187].
وفِي (صَحِيحِ البُخَارِي): عَن ابنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: ((مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، لا يَعْلَمُهَا إِلا اللَّهُ)) ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}الآيَةَ.
وخَرَّجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، ولَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: ((أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ إِلا الْخَمْسَ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}الآيَةَ)).
وخَرَّجَ أَيْضًا بإِسْنَادِهِ عَن ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: (أُوتِيَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَفَاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ خَمْسٍ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ})الآيَةَ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا) يَعْنِي: عَنْ عَلامَاتِهَا الَّتِي تَدُلُّ عَلَى اقْتِرَابِهَا.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا)) وهيَ عَلامَاتُهَا أَيْضًا.
وقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ للسَّاعَةِ عَلامَتَيْنِ:
الأُولَى: ((أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا)) ، والمُرَادُ بِرَبَّتِهَا سيِّدَتُهَا ومَالِكَتُهَا.
وفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((رَبَّهَا)).
وهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى فَتْحِ البِلاد ِ، وكَثْرَةِ جَلْبِ الرَّقِيقِ حَتَّى تَكْثُرَ السَّرَارِي، ويَكْثُرَ أَوْلادُهُنَّ، فتَكُونُ الأُمُّ رَقِيقَةً لِسَيِّدِهَا، وَأَوْلادُهُ مِنْهَا بِمَنْزِلَتِهِ؛ فَإِنَّ وَلَدَ السَّيِّدِ بِمَنْزِلَةِ السَّيِّدِ، فيَصِيرُ وَلَدُ الأَمَةِ بِمَنْزِلَةِ رَبِّهَا وسَيِّدِهَا.
وذَكَرَ الخَطَّابِيُّ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بذَلِكَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إِنَّمَا تُعْتَقُ عَلَى وَلَدِهَا مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ مِيرَاثِ وَالِدِهِ، وإِنَّهَا تَنْتَقِلُ إِلَى أَوْلادِهَا بالمِيرَاثِ فَتُعْتَقُ عَلَيْهِم، وَإِنَّهَا قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا تُبَاعُ.
قَالَ: (وفِي هَذَا الاسْتِدْلالِ نَظَرٌ).
قُلْتُ: قَد اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُم عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وعَلَى أَنَّ أُمَّ الوَلَدِ لا تُبَاعُ، وأَنَّهَا تُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا بِكُلِّ حَالٍ؛ لأَِنَّهُ جَعَلَ وَلَدَ الأَمَةِ رَبَّهَا، فَكَأَنَّ وَلَدَهَا هوَ الذِي أَعْتَقَهَا فَصَارَ عِتْقُهَا مَنْسُوبًا إِلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ سَبَبُ عِتْقِهَا، فَصَارَ كَأَنَّهُ مَوْلاهَا.
وهَذَا كَمَا رُوِيَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي أُمِّ وَلَدِهِ مَارِيَةَ لَمَّا وَلَدَتْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ((أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا)).
وقَد اسْتَدَلَّ بِهَذَا الإِمَامُ أَحْمَدُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بنِ الحَكَمِ عَنْهُ: (تَلِدُ الأَمَةُ رَبَّتَهَا: تَكْثُرُ أُمَّهَاتُ الأَوْلادِ، يَقُولُ: إِذَا وَلَدَتْ فَقَدْ عُتِقَتْ لِوَلَدِهَا، وقَالَ: فِيهِ حُجَّةُ أَنَّ أُمَّهَاتِ الأَوْلادِ لا يُبَعْنَ).
وقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ: ((تَلِدُ الأَمَةُ رَبَّتَهَا)) بِأَنَّهُ يَكْثُرُ جَلْبُ الرَّقِيقِ، حَتَّى تُجْلَبَ البِنْتُ فَتُعْتَقَ، ثُمَّ تُجْلَبَ الأُمُّ فتَشْتَرِيَهَا البِنْتُ وتَسْتَخْدِمَهَا جَاهِلَةً بأَنَّهَا أُمُّهَا، وَقَدْ وَقَعَ هَذَا فِي الإِسْلامِ.
وقِيلَ:مَعْنَاهُ أَنَّ الإِمَاءَ يَلِدْنَ المُلُوكَ.
وقَالَ وَكِيعٌ: مَعْنَاهُ: (تَلِدُ الْعَجَمُ العَرَبَ، والعَرَبُ مُلُوكُ العَجَمِ وأَرْبَابٌ لَهُم).
والعَلامَةُ الثَانِيَةُ:((أَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ)).
والمُرَادُ بالعَالَةِ : الفُقَرَاءُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} [الضُّحى-8].
وقَوْلُهُ: ((رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ)) هَكَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ، والمُرَادُ أَنَّ أَسَافِلَ النَّاسِ يَصِيرُونَ رُؤَسَاءَهُم، وتَكْثُرُ أَمْوَالُهم حَتَّى يَتَبَاهَوْا بِطُولِ البُنْيَانِ وزَخْرَفَتِهِ وإِتْقَانِهِ.
وفي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذَكَرَ ثَلاثَ عَلامَاتٍ:
- مِنْهَا: أَنْ تَكُونَ الْحُفَاةُ العُرَاةُ رُءُوسَ النَّاسِ.
- ومِنْهَا: أَنْ يَتَطَاوَلَ رِعَاءُ البَهْمِ فِي البُنْيَانِ.
ورَوَى هَذَا الحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَطَاءٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، فَقَالَ فِيهِ: ((وَأَنْ تَرَى الصُّمَّ الْبُكْمَ الْعُمْيَ الْحُفَاةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فيِ الْبُنْيَانِ مُلُوكَ النَّاسِ)).
قَالَ: فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ.
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَعَتَّ؟
قَالَ: ((هُمُ الْعُرَيْبُ)).
وكَذَا رَوَى هَذِهِ اللَّفْظَةَ الأَخِيرَةَ عَلِيُّ بنُ زَيْدٍ عنْ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ عن ابنِ عُمَرَ.
وَأَمَّا الأَلْفَاظُ الأُوَلُ، فَهِيَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهَا.
وقَوْلُهُ: ((الصُّمَّ الْبُكْمَ الْعُمْيَ))، إِشَارَةٌ إِلَى جَهْلِهِم وعَدَمِ عِلْمِهِم وفَهْمِهِم.
وفي هَذَا المَعْنَى أَحَادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ، فَخَرَّجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالدُّنيَا لُكَعَ بْنَ لُكَعٍ)).
وفِي (صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ): عَنْ أَنَسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: ((لا تَنْقَضِي الدُّنْيَا حَتَّى تَكُونَ عِنْدَ لُكَعِ بْنِ لُكَعٍ)).
وخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ)).
وخَرَّجَ الإِمَامُ أَحْمَدُوالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: ((بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ، يُتَّهَمُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْمُتَّهَمُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ)).
قَالُوا: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟
قَالَ: ((السَّفِيهُ يَنْطِقُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ)).
وفِي رِوَايَةٍ: ((الْفَاسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ)).
وفِي رِوَايَةٍ للإِمَامِ أَحْمَدَ:((إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ الدَّجَّالِ سِنِينَ خَدَّاعَةً، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ)) وذَكَرَ بَاقِيَهُ.
ومَضْمُونُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فِي هَذَا الحَدِيثِ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الأُمُورَ تُوَسَّدُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَن السَّاعَةِ: ((إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ))؛ فَإِنَّهُ إِذَا صَارَ الحُفَاةُ العُرَاةُ رِعَاءُ الشَّاءِ -وهُمْ أَهْلُ الجَهْلِ والجَفَاءِ- رُءُوسَ النَّاسِ، وأَصْحَابَ الثَّرْوَةِ والأَمْوَالِ، حَتَّى يَتَطَاوَلُوا فِي البُنْيَانِ؛ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ بذَلِكَ نِظَامُ الدِّينِ والدُّنْيَا؛ فَإِنَّهُ إِذَا رَأَسَ النَّاسَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا عَائِلاً، فَصَارَ مَلِكًا عَلَى النَّاسِ، سَوَاءٌ كَانَ مُلْكُهُ عَامًّا أَو خَاصًّا فِي بَعْضِ الأَشْيَاءِ، فَإِنَّهُ لا يَكَادُ يُعْطِي النَّاسَ حُقُوقَهُم، بَلْ يَسْتَأْثِرُ عَلَيْهِم بِمَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ مِن المَالِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: (لَئِنْ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى فَمِ التِّنِّينَ فَيَقْضِمُهَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَمُدَّهَا إِلَى يَدِ غَنِيٍّ قَدْ عَالَجَ الْفَقْرَ).
وإِذَا كَانَ مَعَ هَذَا جَاهِلاً جَافِيًا فَسَدَ بذَلِكَ الدِّينُ ؛ لأَِنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ هِمَّةٌ فِي إِصْلاحِ دِينِ النَّاسِ وَلا تَعْلِيمِهِم، بلْ هِمَّتُهُ فِي جِبَايَةِ المَالِ واكْتِنَازِهِ، وَلا يُبَالِي بِمَا فَسَدَ مِنْ دِينِ النَّاسِ، وَلا بِمَنْ ضَاعَ مِنْ أَهْلِ حَاجَاتِهِم.
وفي حَدِيثٍ آخَرَ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَسُودَ كُلَّ قَبِيلَةٍ مُنَافِقُوهَا)).
وإِذَا صَارَ مُلُوكُ النَّاسِ ورُءُوسُهُم عَلَى هَذِهِ الحَالِ انْعَكَسَتْ سَائِرُ الأَحْوَالِ، فَصُدِّقَ الكَاذِبُ، وكُذِّبَ الصَّادِقُ، وائْتُمِنَ الخَائِنُ، وخُوِّنَ الأَمِينُ، وتَكَلَّمَ الجَاهِلُ، وسَكَتَ العَالِمُ أوْ عُدِمَ بالكُلِّيَّةِ، كَمَا صَحَّ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ)).
وأَخْبَرَ: ((أَنَّهُ يُقْبَضُ الْعِلْمُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)).
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَصِيرَ العِلْمُ جَهْلاً، والجَهْلُ عِلْمًا).
وهَذَا كُلُّهُ مِن انْقِلابِ الحَقَائِقِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وانْعِكَاسِ الأُمُورِ.
وفِي (صَحِيحِ الحَاكِمِ): عِنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُوضَعَ الأَخْيَارُ، وَيُرْفَعَ الأَشْرَارُ)).
وفِي قَوْلِهِ: ((يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ)) دَلِيلٌ عَلَى ذَمِّ التَّبَاهِي والتَّفَاخُرِ، خُصُوصًا بالتَّطَاوُلِ فِي البُنْيَانِ.
ولَمْ يَكُنْ إِطَالَةُ البِنَاءِ مَعْرُوفًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، بَلْ كَانَ بُنْيَانُهم قَصِيرًا بِقَدْرِ الحَاجَةِ.
ورَوَى أَبُو الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ)) خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ.
وخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجَ فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً، فَقَالَ: ((مَا هَذِهِ؟))
قَالُوا: هَذِهِ لِفُلانٍ، رَجُلٍ مِن الأَنْصَارِ.
فَجَاءَ صَاحِبُهَا، فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَهَدَمَهَا الرَّجُلُ.
وخَرَّجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا، وعِنْدَهُ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((كُلُّ بِنَاءٍ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ هَكَذَا عَلَى رَأْسِهِ- أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَهُوَ وَبَالٌ)).
وقَالَ حُرَيْثُ بنُ السَّائِبِ: عَن الْحَسَنِ: كُنْتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِي خِلافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَتَنَاوَلُ سَقْفَهَا بِيَدِي.
ورُوِيَ عَن عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ: (لا تُطِيلُوا بِنَاءَكُم؛ فَإِنَّهُ شَرُّ أَيَّامِكُم).
وَقَالَ يَزِيدُ بنُ أَبِي زِيَادٍ: قَالَ حُذَيْفَةُ لِسَلْمَانَ: (أَلا نَبْنِي لَكَ مَسْكَنًا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟)
قَالَ: (لِمَ؟ لِتَجْعَلَنِي مَلِكًا؟)
قالَ: (لا، ولَكِنْ نَبْنِي لَكَ بَيْتًا مِنْ قَصَبٍ ونَسْقُفُهُ بِالْبَوَارِي، إِذَا قُمْتَ كَادَ أَنْ يُصِيبَ رَأْسَكَ، وإِذَا نِمْتَ كَادَ أَنْ يَمَسَّ طَرَفَيْكَ).
قَالَ: (كَأَنَّكَ كُنْتَ فِي نَفْسِي).
وعَنْ عَمَّارِ بنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: (إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ بِنَاءَهُ فَوْقَ سَبْعِ أَذْرُعٍ، نُودِيَ: يَا أَفْسَقَ الفَاسِقِينَ، إِلَى أَيْنَ؟) خَرَّجَهُ كُلَّهُ ابنُ أَبِي الدُّنْيَا.
وقَالَ يَعْقُوبُ بنُ شَيْبَةَ فِي (مُسْنَدِهِ): بَلَغَنِي عَن ابنِ عَائِشَةَ، حَدَّثَنَا ابنُ أَبِي شُمَيْلَةَ قَالَ: (نَزَلَ المُسْلِمُونَ حَوْلَ المَسْجِدِ، يَعْنِي بالبَصْرَةِ فِي أَخْبِيَةِ الشَّعَرِ، فَفَشَا فِيهِم السَّرَقُ، فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ، فَأَذِنَ لَهُم فِي الْيَرَاعِ، فَبَنَوْا بالْقَصَبِ، فَفَشَا فِيهِم الْحَرِيقُ، فكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ، فَأَذِنَ لَهُم فِي المَدَرِ، ونَهَى أَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ سَمْكَهُ أَكْثَرَ مِنْ سَبَعَةِ أَذْرُعٍ، وقَالَ: (إِذَا بَنَيْتُمْ مِنْهُ بُيُوتَكُم فَابْنُوا منهُ المَسْجِدَ).
قَالَ ابنُ عَائِشَةَ: وكَانَ عُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ بَنَى مَسْجِدَ البَصْرَةِ بالقَصَبِ، قَالَ: (مَنْ صَلَّى فِيهِ وهُوَ مِنْ قَصَبٍ أَفْضَلُ مِمَّنْ صَلَّى فِيهِ وهوَ مِنْ لَبِنٍ، ومَنْ صَلَّى فِيهِ وهوَ مِنْ لَبِنٍ خَيْرٌ مِمَّنْ صَلَّى فيهِ وهوَ مِنْ آجُرٍّ).
وخَرَّجَ ابنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ)).
ومِنْ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: ((أَرَاكُمْ سَتُشَرِّفُونَ مَسَاجِدَكُمْ بَعْدِي كَمَا شَرَّفَتِ الْيَهُودُ كَنَائِسَهَا، وَكَمَا شَرَّفَتِ النَّصَارَى بِيَعَهَا)).
ورَوَى ابنُ أَبِي الدُّنيا بإِسْنَادِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ مُسْلِمٍ، عَن الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا بَنَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَسْجِدَ قَالَ: ((ابْنُوهُ عَرِيشًا كَعَرِيشِ مُوسَى)).
قِيلَ للحَسَنِ: وَمَا عَرِيشُ مُوسَى؟
قَالَ: (إِذَا رَفَعَ يَدَهُ بَلَغَ العَرِيشَ)، يَعْنِي: السَّقْفَ.
نورة آل رشيد
10-24-2008, 11:00 PM
http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/115_1236384168.rm
قوله هنا في القدر:
((بالقدر خيره وشره))الشر هنا: من باب إضافة القدر إلى العامل. أما فعل الله -جل وعلا- فليس فيه شر، كما جاء في الحديث: ((والشر ليس إليك)).
قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
قال العلماء: الإحسان هنا ركنٌ واحدٌ، والإحسان جاء في القرآن مقروناً بأشياء أيضاً:
- مقروناً بالتقوى:{إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}.
-ومقروناً بالعمل الصالح.
- ومقروناً بأشياء أتى الإحسان مستقلاً، كقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}.
ويراد بالإحسان: إحسان العمل.
وقوله هنا في بيان ركنه: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) هذا ركنٌ به يحصل الإحسان؛ لأن الإحسان من: أحْسَنَ العمل، إذا جعله حسناً.
وإحسان العمل يتفاوت فيه الناس، ومنه قدرٌ مجزئٌ يصح معه أن يكون العمل حسناً وأن يكون فاعله محسناً.
فكل مسلم عنده قدْر -أيضاً- من الإحسان، لا يصح عمله بدونه، ثم هناك القدْر الواجب أو المستحب -الآخر- الذي يتفاوت فيه الناس بحسب الحال الذي يتحقق به هذه المرتبة.
فأما القدْر المجزئ: فأن يكون العمل حسناً، بمعنى: أن يكون خالصاً صواباً، يعني: أن يكون النية فيه صحيحة، وأن يكون على وفق السنة.
وأمَّا القدر المستحب: فأن يكون قائماً في عمله على مقام المراقبة أو مقام المشاهدة.
ومقام المراقبة أقل ومقام المشاهدة أعظم المراتب التي يصير إليها العبد المؤمن وهو أن تكون عنده الأشياء حق اليقين.
فأما المرتبة الأولى (مرتبة المراقبة): فهي في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك))ذكر مقام المراقبة في قوله: ((فإن لم تكن تراه فإنه يراك))وهي مقام أكثر الناس، فإنهم إذا وصلوا إلى هذه المرتبة فإنهم يعبدونه جل وعلا على مقام المراقبة، فإذا راقب الله دخل في الصلاة بمراقبته لله -جل وعلا- يعلم أنّ الله -جل وعلا- مطلع عليه وأنه بين يدي الله -جل وعلا- كما قال سبحانه في سورة يونس: {وما تكون في شأنٍ وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه}. فهذا مقام الإحساس بمراقبة الله -جل وعلا- للعبد.
(صَلِّ صلاة مودع) لتعلم أن الله -جل وعلا- مراقبُك، وأنه -جل وعلا- مطلعٌ عليك وما تُفيض في شيء إلا وهو يعلمه سبحانه ويراه ويبصره منك سبحانه وتعالى فهذا مقام المراقبة.
وكلما عظمت هذه رجعت إلى إحسان العمل، فإذا تحرك المرء في صلاته مثلاً فاستحضر مقام مراقبة الله -جل وعلا- له واطلاعه عليه؛ فإنه مباشرة سيخشع لاستحضاره هذا المقام.
أعلى منه لأهل العلم: مقام المشاهدة، وهو الذي أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ((أن تعبد الله كأنك تراه)) وهذه المشاهدة المقصود بها: مشاهدة الصفات، لا مشاهدة الذات؛ لأن الصوفية والضُلاَّل هم الذين جعلوا ذلك مدخلاً لمشاهدة الذات -كما يزعمون- وهذا من أعظم الباطل والبهتان، وإنما يمكن مشاهدة الصفات.
ويُعنى بها: مشاهدة آثار صفات الله -جل وعلا- في خلقه، فإن العبد المؤمن كلما عظم علمه وعظم يقينه بصفات الله -جل وعلا- وبأسمائه أرجع كل شيء يحصل في ملكوت الله إلى اسم من أسماء الله -جل وعلا- أو إلى صفة من صفاته.
فإذا رأى حَسَناً أمامه أرجعه إلى صفة من صفات الله، وإلى أثر من آثار أسمائه الحسنى في ملكوته، وإذا رأى سيئاً أرجعه إلى صفة من صفات الله، وإذا رأى خلْقاً فيه كذا أرجعه إلى صفة من صفات الله، وإذا رأى طاعة أرجعها إلى صفة، وإذا رأى معصية وإذا رأى مصيبة وإذا رأى حرباً وإذا رأى قتالاً وإذا رأى علماً وإذا رأى أي حالة من الحالات يراها في السماء أو في الأرض فإن مقام مشاهدته لصفات الله تقتضي أنه يُرجع كل شيء يراه إلى آثار أسماء الله -جل وعلا- وصفاته في خلقه.
ولهذا يحصل هذا المقام لمن عَظُم علمه بأسماء الله -جل وعلا- وبصفاته وبأثرها في ملكوته. حتى يشهد صفة إحاطة الله -جل وعلا- بالعبد، وأن الله -جل وعلا- رقيبٌ عليه، وأنه محيطٌ به، وأنه شاهدٌ عليه، فيعظم ذلك في نفسه حتى يستحي أن يكشف عورته في خلوة لا يراها إلا هو، كما جاء في الحديث؛ قال في كشف العورة: ((إن الله أحق أن يُستحى منه)) هذا لأجل مقام المشاهدة العظيم.
فإذاً: أهل السنة، والذين يتكلمون في الزهد وفي إصلاح أعمال القلوب على منهج أهل السنة؛ يجعلون هذا على مقامين:
- مقام المشاهدة
- والمراقبة.
وكل هذا راجع إلى الإحسان؛ إحسان العمل: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) كلما عظم مقام المراقبة أوالمشاهدة زاد إحسان العمل.
(قال: فأخبرني عن الساعة قال: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل))لأن علم الساعة عند الله -جل وعلا-: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لاتأتيكم إلا بغته…)كما في آية الأعراف.
(قال: فأخبرني عن أماراتها)
الساعة لها أمارات، وهي: الدلائل والعلامات، والأمارات يعني: الأشراط، كما جاء في آية سورة محمد، قال -جل وعلا-: {فقد جاء أشراطها} يعني: أشراط الساعة، وهي: علاماتها، جمع (شَرَط) وهو: العلامة البينة الواضحة التي تدل على الشيء.
(قال: أخبرني عن أماراتها) أمارات الساعة: قسمها العلماء إلى قسمين:
- أشراط، أو:أمارات صغرى.
- وأشراط أو:أمارات كبرى.
وهذا المذكور هنا هي الأمارات الصغرى، ذكر منها: أن تلد الأمة ربتها.
والمقصود بالأشراط الصغرى أو الأمارات الصغرى هي: التي تحصل قبل خروج المسيح الدجال، مما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه من علامات الساعة فإن هذا من الأشراط الصغرى، ثم ما بعد ذلك؛ من الأشراط الكبرى. وهي عشرٌ تحصل تباعاً في ذلك فمثلاً:
قوله: ((لا تقوم الساعة حتى تقاتلون قوماً (كذا)..) هذا من الأشراط الصغرى.
((لاتقوم الساعة حتى تخرج نارٌ من المدينة تضيء لها أعناق الإبل ببصرى)) هذا من الأمارات الصغرى.
((لاتقوم الساعة حتى يفتح بيت المقدس)) أو: ((اُعدد ستاً))كما في حديث عوف ابن مالك؛ المعروف: ((اُعْدُد ستا بين يدي الساعة: موتي، وفتح بيت المقدس، ثم موتان يخرج فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال...))إلى آخره.
هذه جميعها أشراط صغرى، وهذه الأشراط الصغرى ذكرها لا يدل على مدْحٍ أوعلى ذمٍ فقد يُذكر الشيء على أنه علامة من علامات الساعة وليس هذا دليلاً على أنه محمود أو مذموم أو على أنه منهى عنه في الشريعة، فقد يكون الشيء من الأشراط وهو من الأمور المحمودة في الشريعة، كما قال -عليه الصلاة والسلام- في حديث عوف ابن مالك: ((اُعْدُد ستاً بين يدي الساعة: موتي ثم فتح بيت المقدس)) وهو من الأمور المحمودة؛ وقد يكون من الأمور المذمومة.
فإذاً: وصف الشيء بأنه من أشراط الساعة الصغرى أو الكبرى لا يدل بنفسه -يعني: بكونه شرْطاً- لا يدل على مدحه أو ذمه، بل هذا له اعتبار آخر.
قال هنا: (فأخبرني عن أماراتها) يعني: الأمارات الصغرى.
قال: ((أن تلد الأمة ربَّتها))(ربَّتها) يعني: سيدتها.
فالأَمة إذا ولدت فإن مولودها الذكر أو الأنثى هو سَيِّدٌ، كمالك الأمة؛ فإذاً: الأَمة التي ولدت هذا الولد أصبحت مسودة لهُ، فهو سيدٌ على أمّه، والبنت سيدةٌ على الأَمة؛ باعتبار أنّ الأب سيد، لهذا تُعتق أم الولد بعد موت السيد، ولا تعتق بمجرد ولادتها منه، بل بعد موته؛ لأجل الولادة.
ولهذا قال هنا: ((أن تلد الأمة ربَّتها)) الربَّة هنا يعني: السيدة تلد سيدتها؛ لأن البنت المولودة حُرة وسيدة.
فقال أهل العلم:في هذا كناية أو إخبار عن كثرة الرقيق، وإلا فإنه موجود في عهد الإسلام الأول- وموجود فيما قبله ولود الأمة لسيدها أو لسيدتها، وهذا غير مقصود به هذا الخبر بأنه من أمارات الساعة لكن المقصود به: أن يكثر ذلك حيث يكون ظاهرةً، ويكون علامة.
قد حصل هذا، فقد كثر لما كثرت الفتوح، صار الرجل يأخذ إماءً كثيرة، ويصير له عشر أو عشرون من الإماء، فيطأ هذه ويطأ هذه فكل واحدة تنجب فيصبح الأولاد أسياداً على الأمهات؛ لكثرة الرقيق.
قال: ((وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)) يعني: أن ترى الفقراء الذين ليسوا بأهل للغنى وليسوا بأهل للتطاول؛ لما جعلهم الله -جل وعلا- عليه؛ من رعيٍ للشياه أو تتبع للجمال أو نحو ذلك، فمن العلامات: أنهم يتركون هذا الذي هو لهم، ويتجهون للتطاول في البنيان.
والتطاول في البنيان؛ جاء في ذمّه أحاديث كثيرة معروفة، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يتطاولون في البنيان، بل كانت منازلهم قصيرة -رضوان الله عليهم- ففي هذا ذمٌّ للذين يتطاولون في البنيان وهم ليسوا أصلاً بأهلٍ لذلك وهذا فيه تغير الناس وكثرة المال وأنْ يكون المال بأيدي من ليس له بأهل.
قال: (ثم انطلق فلبثت ملياً)(انطلق) يعني: جبريل، (فلبثت) اللابث: عمر -رضي الله عنه-، (ملياً) جاءت في بعض الروايات أنها ثلاثة أيام، ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((يا عمر أتدري من السائل؟))
قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم)) أخبره -عليه الصلاة والسلام- بذلك، حتى يعظم وقع هذه الأسئلة وجواب هذه الأسئلة.
هذا الحديث أيضاً يطول الكلام عليه وإنما نقصد من هذا الشرح إلى ذكر أصولٍ عامة في فهم هذه الأحاديث، ينبني عليها فهم العلم في فروعه: فهم الحديث والسنة والفقه والعقيدة فيما نرجوا.
ونسأل الله -جل وعلا- أن ييسره لي ولكم، وأستغفرالله العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
نورة آل رشيد
10-24-2008, 11:07 PM
جميع العلوم والمعارف ترجع إلى هذا الحديث
سبب تحديث ابن عمر - رضي الله عنهما- بهذا الحديث
صفات جبريل - عليه السلام -
شرح قوله: (فأخبرني عن الإحسان...)
القدر المجزئ من الإحسان
القدر المستحب من الإحسان
أحوال ذكر الإحسان في القرآن الكريم
ذكر الإحسان مفرداً
ذكر الإحسان مقروناً بالإيمان
ذكر الإحسان مقروناً بالإسلام
ذكر الإحسان مقروناً بالتقوى
ذكر الإحسان مقروناً بالعمل
مرتبتا الإحسان:
المرتبة الأولى: (أن تعبد الله كأنك تراه)، وفيها مقام المشاهدة
معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (أن تعبد الله كأنك تراه)
الرد على ضلال الصوفية في الكلام على المشاهدة
رؤية الله تعالى في الدنيا ممتنعة
المرتبة الثانية: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وفيها مقام المراقبة
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)
الإحسان يوجب خشية الله، وحسن العبادة
ذكر بعض أقوال السلف في معنى الإحسان
تفسير المثل الأعلى وعلاقته بالإحسان
أهمية استحضار قرب الله تعالى من العبد
أحاديث في الندب إلى استحضار قرب الله تعالى من العبد
أثر استحضار قرب الله تعالى من العبد
تنبيه على غلط من ساء فهمه لآيات المعية وأحاديثها
آثار عن السلف في استحضار قرب الله وذكر بعض أحوالهم
وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالإحسان
ذكر بعض وصايا السلف
جزاء الإحسان وجزاء الكفار
الكلام على ذكر الساعة من الحديث
معنى قول جبريل - عليه السلام -: (أخبرني عن الساعة؟)
معنى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (أن تلد الأمة ربتها)
معنى قوله: (فأخبرني عن أماراتها)
أمارات الساعة قسمان:
أمارات صغرى:
المراد بالأشراط الصغرى
مثال على الأشراط الصغرى
المذكور في الحديث من الأشراط الصغرى
أمارات كبرى
كون العمل من أشراط الساعة لا يدل على مدحه ولا ذمه في ذاته
ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -علامتين للساعة في هذا الحديث:
العلامة الأولى: أن تلد الأمة ربتها
معنى ولادة الأمة ربتها
العلامة الثانية: أن ترى الحفاة العراة العالة يتطاولون في البنيان
معنى التطاول في البنيان
من فوائد حديث عمر - رضي الله عنه-:
حِرْصُ الصحابةِ على العِلْمِ.
مُلازَمَة الصحابة لمَجالسِ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ.
بيان مراتب الدين
مِنْ أسبابِ تحصيلِ العلمِ السؤال
التحذيرُ من الاغترارِ بالدُّنيا
البدء بالأهم فالأهم عند طلب العلم
القرب من العالم والدنو منه
لا يعلم متى الساعة إلا الله تعالى
نورة آل رشيد
10-24-2008, 11:08 PM
العناصر
جميع العلوم والمعارف ترجع إلى هذا الحديث (حديث جبريل)
سبب تحديث ابن عمر - رضي الله عنهما- بهذا الحديث صفات جبريل - عليه السلام -
شرح قوله: (فأخبرني عن الإحسان...)
القدر المجزئ من الإحسان
القدر المستحب من الإحسان
أحوال ذكر الإحسان في القرآن الكريم
مرتبتا الإحسان:
معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (أن تعبد الله كأنك تراه)
الرد على ضلال الصوفية في الكلام على المشاهدة
رؤية الله تعالى في الدنيا ممتنعة
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)
ذكر بعض أقوال السلف في معنى الإحسان
تفسير المثل الأعلى وعلاقته بالإحسان
أهمية استحضار قرب الله تعالى من العبد
أحاديث في الندب إلى استحضار قرب الله تعالى من العبد
أثر استحضار قرب الله تعالى من العبد
تنبيه على غلط من ساء فهمه لآيات المعية وأحاديثها
آثار عن السلف في استحضار قرب الله وذكر بعض أحوالهم
وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالإحسان
ذكر بعض وصايا السلف
جزاء الإحسان وجزاء الكفار
الكلام على ذكر الساعة من الحديث
معنى قول جبريل - عليه السلام -: (أخبرني عن الساعة؟)
معنى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (أن تلد الأمة ربتها)
معنى قوله: (فأخبرني عن أماراتها)
أمارات الساعة قسمان: صغرى، وكبرى
كون العمل من أشراط الساعة لا يدل على مدحه ولا ذمه في ذاته
ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -علامتين للساعة في هذا الحديث
معنى ولادة الأمة ربتها
معنى التطاول في البنيان
من فوائد حديث عمر - رضي الله عنه-
الأسئلة
س1: ما ركن الإحسان؟
س2: اذكر بعض أقوال السلف في معنى الإحسان؟
س3: بين أثر الإحسان على سلوك العبد؟
س4: عظم استحضار السلف قرب ربهم، اذكر بعض أحوالهم في ذلك؟
س5: بين معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أن تلد الأمة ربتها) وهل وقع ذلك؟
س6: ما المراد بأشراط الساعة الصغرى واذكر أمثلة لها؟
س7: إذا كان العمل من أشراط الساعة فهل يتضمن مدحه أو ذمّه؟
س8: ما معنى : (الأشراط) لغة؟
س9: ما معنى التطاول في البنيان؟
س10: كيف ترد على ضلال الصوفية الذين يزعمون رؤيتهم لله تعالى في الدنيا؟
س11: اذكر بعض الفوائد المستنبطة من هذا الحديث؟
ساجدة فاروق
02-16-2010, 08:35 PM
السؤال الأول : قول الامام الحافظ ابن رجب عند كلامه على مقام المشاهدة
(وَقَدْ فَسَّرَ طَائِفَةٌ مِن العُلَمَاءِ المَثَلَ الأَعْلَى المَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الرُّوم: 27]، بِهَذَا المَعْنَى)
ما المقصود بهذه العبارة؟
الجواب : هذا المعنى في تفسير قول الله تعالى: {وله المثل الأعلى} ذكره بعض المفسرين
قال ابن كثير تفسير هذه الآية: (وقد أنشد بعض المُفَسرين عند ذكر هذه الآية لبعض أهل المعارف:
إذَا سَكَن الغَديرُ على صَفَاء ... وَجُنبَ أنْ يُحَرّكَهُ النَّسيمُ
ترى فيه السَّمَاء بَلا امْترَاء ... كَذَاكَ الشَّمْسُ تَبْدو وَالنّجُومُ
كَذاكَ قُلُوبُ أرْبَاب التَّجَلِّي ... يُرَى في صَفْوها اللهُ العَظيمُ).
وقال ابن رجب في فتح الباري: (وحديث حارثة هو من هذا المعنى ؛ فإنه قال : كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وإلى أهل النار يتعاوون فيها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عرفت فالزم، عَبْدٌ نوَّر الله الإيمان في قلبه)) وهو حديث مرسل ، وقد روي مسندا بإسناد ضعيف.
وكذلك قول ابن عمر لعروة لما خطب إليه ابنته في الطواف فلم يرد عليه ثم لقيه فاعتذر إليه وقال : (كنا في الطواف تتخايل الله بين أعيننا)
ومنه الأثر الذي ذكره الفضيل بن عياض: يقول الله : (ما أنا مطلع على أحبائي إذا جهنم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم ، ومثلت نفسي بين أعينهم فخاطبوني على المشاهدة وكلموني على حضوري).
وبهذا فسر المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض}، ومثله قوله تعالى: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ توقَدُ () مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} ، قال ابن كعب وغيره من السلف: مثل نوره في قلب المؤمن .
فمن وصل إلى هذا المقام فقد وصل إلى نهاية الإحسان وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان فعرف ربه وأَنِسَ به في خلوته وتنعم بذكره ومناجاته ودعائه حتى ربما استوحش من خلقه، كما قال بعضهم : عجبت للخليقة كيف أنست بسواك ؟ بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك)...
إلى أن قال: (وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) " اعبد الله كأنك تراه " إشارة إلى أن العابد يتخيل ذلك في عبادته ، لا أنه يراه حقيقة لا ببصره ولا بقلبه . وأما من زعم أن القلوب تصل في الدنيا إلى رؤية الله عيانا كما تراه الأبصار في الآخرة كما يزعم ذلك من يزعمه من الصوفية - فهو زعم باطل).
وهذا الذي ذكره هو ما يسمى بالمثال العلمي، وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً في مواضع من كتبه، ومن أفضل من عبر عنه في ما اطلعت عليه ابن القيم رحمه الله تعالى إذ قال في كتابه شفاء العليل: (إذا شرح الله صدر عبده بنوره الذي يقذفه في قلبه أراه في ضوء ذلك النور حقائق الأسماء والصفات التي تضل فيها معرفة العبد إذ لا يمكن أن يعرفها العبد على ما هي عليه في نفس الأمر، وأراه في ضوء ذلك النور حقائق الإيمان وحقائق العبودية وما يصححها وما يفسدها وتفاوت معرفة الأسماء والصفات والإيمان والإخلاص وأحكام العبودية بحسب تفاوتهم في هذا النور.
قال تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}
وقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به}
فيكشف لقلب المؤمن في ضوء ذلك النور عن حقيقة المثل الأعلى مستويا على عرش الإيمان في قلب العبد المؤمن؛ فيشهد بقلبه ربًّا عظيمًا قاهرًا قادرًا أكبرَ من كل شيء في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، السماوات السبع قبضة إحدى يديه، والأرضون السبع قبضة اليد الأخرى، يمسك السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، ثم يهزُّهن ثم يقول: أنا الملك.
فالسماوات السبع في كفِّه كخردلة في كف العبد، يحيط ولا يحاط به، ويحصر خلقه ولا يحصرونه، ويدركهم ولا يدركونه، لو أن الناس من لدن آدم إلى آخر الخلق قاموا صفًا واحدًا ما أحاطوا به سبحانه.
ثم يشهده في علمه فوق كل عليم، وفي قدرته فوق كل قدير، وفي جوده فوق كل جواد، وفي رحمته فوق كل رحيم، وفي جماله فوق كل جميل، حتى لو كان جمال الخلائق كلهم على شخص واحد منهم ثم أعطى الخلق كلهم مثل ذلك الجمال لكانت نسبته إلى جمال الرب سبحانه دون نسبة سراج ضعيف إلى ضوء الشمس.
ولو اجتمعت قوى الخلائق على شخص واحد منهم ثم أعطى كل منهم مثل تلك القوة لكانت نسبتها إلى قوته سبحانه دون نسبة قوة البعوضة إلى حملة العرش.
ولو كان جودهم على رجل واحد وكل الخلائق على ذلك الجود لكانت نسبته إلى جوده دون نسبة قطرة إلى البحر.
وكذلك علم الخلائق إذا نسبة إلى علمه كان كنقرة عصفور من البحر.
وكذلك سائر صفاته كحياته وسمعه وبصره وإرادته فلو فرض البحر المحيط بالأرض مداد تحيط به سبعة أبحر وجميع أشجار الأرض شيئا بعد شيء أقلام لفني ذلك المداد والأقلام ولا تفنى كلماته ولا تنفد.
فهو أكبر في علمه من كل عالم وفي قدرته من كل قادر، وفي جوده من كل جواد، وفي غناه من كل غني، وفي علوه من كل عالٍ، وفي رحمته من كل رحيم.
استوى على عرشه واستولى على خلقه، متفرد بتدبير مملكته فلا قبض ولا بسط ولا منع ولا ضلال ولا سعادة ولا شقاوة ولا موت ولا حياة ولا نفع ولا ضر إلا بيده، لا مالك غيره ولا مدبر سواه، لا يستقل أحد معه بملك مثقال ذرة في السماوات والأرض ولا له شركة في ملكها، ولا يحتاج إلى وزير ولا ظهير ولا معين، ولا يغيب فيخلفه غيره، ولا يعيَ فيعينه سواه، ولا يتقدم أحد بالشفاعة بين يديه إلا من بعد إذنه لمن شاء وفيمن شاء؛ فهو أول مشاهد المعرفة، ثم يترقى منه إلى مشهد فوقه لا يتم إلا به وهو مشهد الإلهية فيشهده سبحانه متجلياً في كماله بأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه وفضله في ثوابه فيشهد ربًّا قيومًا متكلمًا آمرًا ناهيًا، يحب ويبغض ويرضى ويغضب، قد أرسل رسله وأنزل كتبه وأقام على عباده الحجة البالغة، وأتم عليهم نعمته السابغة، يهدى من يشاء منه نعمة وفضلاً، ويضل من يشاء حكمة منه وعدلاً، يُنزل إليهم أوامره، وتعرض عليه أعمالهم، لم يخلقهم عبثاً، ولم يتركهم سدًى، بل أَمْره جارٍ عليهم في حركاتهم وسكناتهم وظواهرهم وبواطنهم؛ فلله عليهم حُكْمٌ وأمر في كل تحريكةٍ وتسكينةٍ ولحظةٍ ولفظةٍ.
وَينكشف له في هذا النور عدله وحكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وبره في شرعه وأحكامه، وأنها أحكام رب رحيم محسن لطيف حكيم، قد بهرت حكمته العقول وأقرت بها الفِطَر، وشهدت لمنزلها بالوحدانية، ولمن جاء بها بالرسالة والنبوة، وينكشف له في ضوء ذلك النور إثبات صفات الكمال، وتنزيهه سبحانه عن النقص والمثال، وإن كل كمال في الوجود فمعطيه وخالقه أحق به وأولى، وكل نقص وعيب فهو سبحانه منزه متعالٍ عنه.
وينكشف له في ضوء هذا النور حقائق المعاد واليوم الآخر وما أخبر به الرسول عنه حتى كأنه يشاهده عيانًا، وكأنه يخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأمره ونهيه ووعده ووعيده، إخبار من كأنه قد رأى وعاين وشاهد ما أخبر به؛ فمن أراد سبحانه هدايته شرح صدره لهذا فاتسع له وانفسح، ومن أراد ضلالته جعل صدره من ذلك في ضيق وحرج لا يجد فيه مسلكا ولا منفذًا، والله الموفق المعين.
وهذا الباب يكفي اللبيب في معرفة القدر والحكمة ويطلعه على العدل والتوحيد الذي تضمنهما قوله: {شهد الله أنه لا إله هو والملائكة وألوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم () إن الدين عند الله الإسلام} ).
وأكثر المفسرين على أن المثل الأعلى الصفات العليا التي تستوجب إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، واعتقاد الكمال المطلق له جل وعلا ، وأنه لا يساميه في ذلك أحد
قال ابن جرير (ت:310 هـ): (( وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى ) يقول: ولله المثل الأعلى، وهو الأفضل والأطيب، والأحسن، والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره).
وقال في تفسير آية الروم: (وقوله:(وَلَهُ المَثَلُ الأعْلَى) يقول: ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ليس كمثله شيء، فذلك المثل الأعلى، تعالى ربنا وتقدّس).
قال أبو الليث السمرقندي (ت:375هـ): ({ وَلِلَّهِ المثل الاعلى } أي: الصفة العليا ، وهي شهادة أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له).
وبنحو ذلك قال: الثعلبي وأبو المظفر السمعاني والبغوي وغيرهم.
وقد روى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل : {ولله المثل الأعلى} قال : يقول : ليس كمثله شيء). أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في كتاب الاعتقاد وفي كتاب الأسماء والصفات.
وهذا تفسير باللازم؛ فكونه تعالى له المثل الأعلى يقتضي أنه ليس كمثله شيء، قال ابن القيم –رحمه الله -: (يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان لأنهما إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحدَه، يستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير).
وقد استدل رحمه الله بهذه الآية على تفرد الله تعالى بصفات الكمال.
وروى عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: {ولله المثل الأعلى} قال: شهادة أن لا إله إلا الله). وأخرجه أيضاً ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الدعاء.
وقد نسبه أبو المظفر السمعاني لمجاهد وتبعه القرطبي وهو خطأ.
والمثَل في اللغة يطلق على معانٍ أحدها: الصفة، وهذا المعنى كثير في الاستعمال وله شواهد كثيرة منها قوله تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن....) الآية فوصفها، وسمى ذلك الوصف مثلاً.
وروى أبو منصور الأزهري عن محمد بن سلام الجمحي قال: أخبرني عمر بن أبي خليفة، قال: سمعت مقاتلا صاحب التفسير يسأل أبا عمرو بن العلاء عن قول الله تعالى: {مَثَلُ الجنّة التي وُعِد المُتّقون} ما مثلها؟ قال: فيها أنهارٌ من ماء غير آسن.
قال: فسألت يونس عنها، فقال: مَثَلُها صِفَتُها.
قال محمد بن سلام: ومثل ذلك قوله تعالى: {ذَلِك مَثَلُهم في التَّوْرَاة ومَثَلُهم في الإنْجِيل} أي صِفتهم.
قال أبو جعفر النحاس (ت:338هـ): ( {وله المثل الأعلى في السموات والأرض..} روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال يقول ليس كمثله شيء.
وقيل: يعني لا إله إلا الله
وحقيقته في اللغة وله الوصف الأعلى).
-
السؤال الثاني : قول الشيخ صالح ال الشيخ :
( وهذه المشاهدة المقصود بها: مشاهدة الصفات، لا مشاهدة الذات؛ لأن الصوفية والضُلاَّل هم الذين جعلوا ذلك مدخلاً لمشاهدة الذات -كما يزعمون- وهذا من أعظم الباطل والبهتان، وإنما يمكن مشاهدة الصفات)
هل هذا التفسير للمشاهدة هو الصواب أم تفسير باقي الشروح التي تفسر الرؤية: (كأنك ترى الله على الحقيقة )؟, خصوصا أنه مما يعضد الرأي الأخير استخدام أداة التشبيه كأن التي تنفي حدوث الرؤية على الحقيقة وتحيل المعنى الى محاولة التصور الذهني والروحي لهذا الموقف فاذا عجز العبد عن رؤية الله حقيقة وتصورا فلينتقل الى الرتبة الأدنى وهي المراقبة وهي أسهل لسهولة تصور أن الله يرى عباده . أجيبوني مشكورين ...
الجواب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أن تعبد الله كأنك تراه) ليس المراد منه الحث على تصور ذات الله جل وعلا؛ فإن هذا مما ينهى عنه وفي الحديث: (تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله) وقد روي من حديث أبي هريرة وابن عمر وعبد الله بن سلام وابن عباس وقد حسنه الألباني بمجموع طرقه، وقوى الحافظ ابن حجر إسناده عن ابن عباس موقوفاً عليه.
وإنما المراد من الحديث الحث على أن يحسن المرء عبادة الله جل وعلا والتقرب إليه كأنه يرى الله، فيبلغ به الإيمان بالله تعالى والتصديق بوعده والإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا والتفكر في آثارها ما يكون له أثر عظيم في عبادته وإحسان العمل والتقرب إلى الله جل وعلا، لا أن يحاول أن يتصور ذات الله سبحانه وتقدس.
ولأضرب لذلك مثالاً حتى يتضح الأمر، لو قلت لطالب في قاعة الاختبار وليس في القاعة من يراقبه: إياك والغش فإن القاعة مراقبة بالكاميرات، فأدِّ الاختبار كأنك ترى الأستاذ، أو كأن الأستاذ يراك؛ فهل أردت منه أن يتخيل صورة الأستاذ؟
أم هل أردت منه لازم قولك؟ وهو العمل بما يقتضيه استحضار تلك المراقبة، وأن يعتقد أنه مراقب في تصرفاته.
وهذا الأمر متلازم مع قوة اليقين؛ فمن عظم يقينه بالله جل وعلا عبده وكأنه يراه، نسأل الله من فضله.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir