المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب الجنائز (25/29) [النهي عن النياحة]


محمد أبو زيد
01-10-2009, 11:24 AM
وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَعَنَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ النائِحَةَ والْمُسْتَمِعَةَ. أَخَرَجَهُ أبو دَاوُدَ.
وعن أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: أَخَذَ علينا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أن لا نَنُوحَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وعن عمرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ولهما نحوُهُ عن المُغيرةِ بنِ شُعْبَةَ.
وعن أنسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: شَهِدْتُ بِنْتًا للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تُدْفَنُ ورسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالسٌ عندَ القَبْرِ. فرأيتُ عَيْنَيْهِ تَدمعانِ. رواهُ البخاريُّ.

محمد أبو زيد
01-10-2009, 01:52 PM
53/552 - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). النَّوْحُ: هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِتَعْدِيدِ شَمَائِلِ الْمَيِّتِ وَمَحَاسِنِ أَفْعَالِهِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
54/553 - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لا نَنُوحَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لا نَنُوحَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
كَانَ أَخْذُهُ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ وَقْتَ الْمُبَايَعَةِ عَلَى الإِسْلامِ. وَالْحَدِيثَانِ دَلالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ وَتَحْرِيمِ اسْتِمَاعِهَا؛ إذْ لا يَكُونُ اللَّعْنُ إلاَّ عَلَى مُحَرَّمٍ.
وَفِي الْبَابِ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَخْرَجَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقَ)). وَفِي الْبَابِ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَلا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، عَن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِنِسَاءِ ابْنِ عَبْدِ الأَشْهَلِ يَبْكِينَ هَلْكَاهُنَّ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: ((لَكِنَّ حَمْزَةَ لا بَوَاكِيَ لَهُ))، فَجَاءَ نِسَاءُ الأَنْصَارِ يَبْكِينَ حَمْزَةَ، الْحَدِيثَ؛ فَإِنَّهُ مَنْسُوخٌ بِمَا فِي آخِرِهِ بِلَفْظِ: ((فَلا تَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الْيَوْمِ))، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَبَّرَ عَن النِّيَاحَةِ بِالْبُكَاءِ؛ فَإِنَّ الْبُكَاءَ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، كَمَا يَدُلُّ بِهِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَاتَ مَيِّتٌ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ يَنْهَاهُنَّ وَيَطْرُدُهُنَّ، فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((دَعْهُنَّ يَا عُمَرُ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ مُصَابٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ))، وَالْمَيِّتُ هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُنَّ: ((إِيَّاكُنَّ وَنَعِيقَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهُ مَهْمَا كَانَ مِنَ الْعَيْنِ وَمِنَ الْقَلْبِ فَمِنَ اللَّهِ وَمِنَ الرَّحْمَةِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْيَدِ وَاللِّسَانِ فَمِنَ الشَّيْطَانِ))؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْبُكَاءِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَن الصَّوْتِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلا نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي الرَّبَّ)). قَالَهُ فِي وَفَاةِ وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ)).
وَأَمَّا مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ أَمَرَهُ أَنْ يَنْهَى النِّسَاءَ الْمُجْتَمِعَاتِ لِلْبُكَاءِ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: ((احْثُ فِي وُجُوهِهِنَّ التُّرَابَ))، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بُكَاءً بِتَصْوِيتِ النِّيَاحَةِ، فَأَمَرَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ وَلَوْ بِحَثْوِ التُّرَابِ فِي أَفْوَاهِهِنَّ.


55/554 - وَعَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَهُمَا نَحْوُهُ عَن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
(وَعَن ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَهُمَا)؛ أَي: الشَّيْخَيْنِ، كَمَا دَلَّ لَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُمَا الْمُرَادُ بِهِ، (نَحْوُهُ)؛ أَيْ: نَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ (عَن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ).
الأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ، وَفِيهَا دَلالَةٌ عَلَى تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِسَبَبِ النِّيَاحَةِ عَلَيْهِ. وَقَد اسْتُشْكِلَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ تَعْذِيبَهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَاخْتَلَفَت الْجَوَابَاتُ، فَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ عَلَى عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، وَكَذَلِكَ أَنْكَرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَاسْتَبْعَدَ الْقُرْطُبِيُّ إنْكَارَ عَائِشَةَ، وَذَكَر أَنَّهُ رَوَاهُ عِدَّةٌ مِن الصَّحَابَةِ، فَلا وَجْهَ لإِنْكَارِهَا مَعَ إمْكَانِ تَأْوِيلِهِ.
ثُمَّ جَمَعَ الْقُرْطُبِيُّ بَيْنَ حَدِيثِ التَّعْذِيبِ وَالآيَةِ بِأَنْ قَالَ: حَالُ الْبَرْزَخِ يَلْحَقُ بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا، وَقَدْ جَرَى التَّعْذِيبُ فِيهَا بِسَبَبِ ذَنْبِ الْغَيْرِ، كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}، فَلا يُعَارِضُ حَدِيثُ التَّعْذِيبِ آيَةَ: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}؛ لأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الإِخْبَارُ عَنْ حَالِ الآخِرَةِ. وَاسْتَقْوَاهُ الشَّارِحُ، وَذَهَبَ الأَكْثَرُونَ إلَى تَأْوِيلِهِ بِوُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: لِلْبُخَارِيِّ، أَنَّهُ يُعَذَّبُ بِذَلِكَ إذَا كَانَ سُنَّتَهُ وَطَرِيقَتَهُ، وَقَدْ أَقَرَّ أَهْلَهُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، فَيُعَذَّبُ لِذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقَتَهُ فَإِنَّهُ لا يُعَذَّبُ، فَالْمُرَادُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَدْ يُعَذَّبُ الْعَبْدُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ لَهُ فِيهِ سَبَبٌ.
الثَّانِي: أنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُعَذَّبُ إذَا أَوْصَى بأَنْ يُناحَ عَلَيْهِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ الْجُمْهُورِ، قَالُوا: وَقَدْ كَانَ مَعْرُوفاً عِنْدَ الْقُدَمَاءِ، كَمَا قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ:
إذَا مِتُّ فَابْكِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ = وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا أُمَّ مَعْبَدِ
وَلا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ النِّيَاحَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ امْتِثَالاً لَهُ أَنْ لا يُعَذَّبَ لَوْ لَمْ يَمْتَثِلُوا، بَلْ يُعَذَّبُ بِمُجَرَّدِ الإِيصَاءِ، فَإِن امْتَثَلُوهُ وَنَاحُوا عُذِّبَ عَلَى الأَمْرَيْنِ؛ الإِيصَاءِ؛ لأَنَّهُ فِعْلُهُ، وَالنِّيَاحَةُ؛ لأَنَّهَا بِسَبَبِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْكَافِرِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ لا يُعَذَّبُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ أَصْلاً. وَفِيهِ بُعْدٌ كما لا يَخْفَى؛ فَإِنَّ الْكَافِرَ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ذَنْبُ غَيْرِهِ أَيْضاً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.
الرَّابِعُ: أَنَّ مَعْنَى التَّعْذِيبِ تَوْبِيخُ الْمَلائِكَةِ لِلْمَيِّتِ بِمَا يَنْدُبُهُ بِهِ أَهْلُهُ، كَمَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعاً: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ إِذَا قَالَتِ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ، وَانَاصِرَاهُ، وَاكَاسِيَاهُ، جُلِدَ الْمَيِّتُ، وَقَالَ: أَنْتَ عَضُدُهَا، أَنْتَ نَاصِرُهَا، أَنْتَ كَاسِيهَا)).
وَأَخْرَجَ مَعْنَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ.
الْخَامِسُ: أَنَّ مَعْنَى التَّعْذِيبِ تَأَلُّمُ الْمَيِّتِ بِمَا يَقَعُ مِنْ أَهْلِهِ مِن النِّيَاحَةِ وَغَيْرِهَا؛ فَإِنَّهُ يَرِقُّ لَهُمْ. وَإِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هُوَ أَوْلَى الأَقْوَالِ.
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ فِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ امْرَأَةً عَن الْبُكَاءِ عَلَى ابْنِهَا، وَقَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا بَكَى اسْتَعْبَرَ لَهُ صُوَيْحِبُهُ، فيَا عِبَادَ اللَّهِ، لا تُعَذِّبُوا إِخْوَانَكُمْ)).
وَاسْتُدِلَّ لَهُ أَيْضاً أَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ عَلَى مَوْتَاهُمْ، وَهُوَ صَحِيحٌ. وَثَمَّةَ تَأْوِيلاتٌ أُخَرُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَشَفُّ مَا فِي الْبَابِ.
56/555 - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: شَهِدْتُ بِنْتاً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُدْفَنُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عِنْدَ الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: شَهِدْتُ بِنْتاً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُدْفَنُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عِنْدَ الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
قَدْ بَيَّنَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الْبِنْتَ أُمُّ كُلْثُومٍ، وَقَدْ رَدَّ الْبُخَارِيُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهَا رُقَيَّةُ، بِأَنَّهَا مَاتَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَدْرٍ، فَلَمْ يَشْهَدْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفْنَهَا.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَتَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ لَهُ أَيْضاً، إلاَّ أَنَّهُ عُورِضَ بِحَدِيثِ: ((فَإِذَا وَجَبَتْ فَلا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ))، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ، أَوْ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالنِّسَاءِ؛ لأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي بُكَاؤُهُنَّ إلَى النِّيَاحَةِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ.

محمد أبو زيد
01-10-2009, 01:53 PM
483- وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: لَعَنَ رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- النائِحَةَ والْمُسْتَمِعَةَ. أخرَجَهُ أبو داودَ.
درجةُ الحديثِ:
الحديثُ ضعيفٌ.
قالَ في (التلخيصِ): رواه أحمدُ (11228) مِن حديثِ أبي سعيدٍ، واستَنْكَرَه أبو حاتمٍ، ورواه الطبرانيُّ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، ورواه ابنُ عَدِيٍّ مِن حديثِ أبي هُريرةَ، وكلُّها ضَعيفةٌ.
قلتُ: فقد ضَعَّفَه كلٌّ مِن: أبي حاتِمٍ، وابنِ حَجَرٍ، وابنِ الْمُلَقِّنِ.
مُفرداتُ الحديثِ:
-لعَنَ: لَعْناً، مِن بابِ نَفَعَ: طَرَدَه وأَبْعَدَه مِن الخيْرِ، فهو لَعينٌ ومَلعونٌ، والفاعلُ: لاعنٌ، والمبالَغَةُ: لِعانٌ، قالَ في (التعريفاتِ): اللعْنُ مِن اللهِ هو إبعادُ العبْدِ بسَخَطِه، ومِن الإنسانِ الدعاءُ بسَخَطِه.
-النائحةُ: ناحَ على الْمَيِّتِ نِياحةً، والنِّياحةُ هي: رفْعُ الصوتِ بالندْبِ، وتعديدُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ.
قالَ عِياضٌ: النِّياحةُ اجتماعُ النساءِ للبُكاءِ على الْمَيِّتِ.
-الْمُسْتَمِعَةُ: هي القَاصدةُ لسماعِ النِّياحةِ.
484- وعن أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالَتْ: أَخَذَ علينا رسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أن لا نَنُوحَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
485- وعن عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- قالَ: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ولهما نحوَه عن المُغيرةِ بنِ شُعْبَةَ.
مفرداتُ الحديثَيْنِ:
-أَخَذَ علينا: أيْ: العهْدَ، وأَلْزَمَنَا ألاَّ نَنُوحَ.
-بما نِيحَ عليه: الباءُ للسبَبِيَّةِ، و(ما) مَصدريَّةٌ؛ أيْ: بسبَبِ النَّوْحِ عليه.
"نِيحَ" بكسْرِ النونِ وسكونِ الياءِ وفتْحِ الحاءِ، مَبْنِيٌّ للمجهولِ.

486- وعن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: شَهِدْتُ بِنْتًا للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- تُدْفَنُ ورسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- جالسٌ عندَ القَبْرِ. فرأيتُ عَيْنَيْهِ تَدمعانِ. رواه البخاريُّ.
ما يُؤْخَذُ مِن هذه الأحاديثِ:
1- الحديثانِ رَقْمَ (483، 484): يَدُلاَّنِ على تحريمِ النِّياحةِ: التي هي رفْعُ الصوتِ، بتعديدِ شَمائلِ الْمَيِّتِ، ومَحَاسِنِ أفعالِه؛ فإنَّ هذه عادةٌ جاهليَّةٌ قَضَى عليها الإسلامُ وحَرَّمَها.
2- دليلُ تحريمِ النِّياحةِ: لعْنُ النائحةِ، فإنَّ اللعْنَ لا يكونُ إلاَّ في كبيرةٍ مِن كبائرِ الذنوبِ.
3- مِثْلُ النِّياحةِ: شَقُّ الثوْبِ، ولَطْمُ الْخَدِّ، ونَتْفُ الشعْرِ، ونحوَ ذلك؛ لِمَا في (البخاريِّ) (3519) و(مسلِمٍ) (103) أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- قالَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ)). دَعْوَى الجاهليَّةِ هي الندْبُ والنِّياحةُ.
4- والحكمةُ في النهيِ عن ذلك: ما فيه مِن إظهارِ الجزَعِ والتسَخُّطِ، وعَدَمِ الصبْرِ الواجبِ على قدَرِ اللهِ تعالى وقَضائِه.
أمَّا الرِّضا بقَضاءِ اللهِ تعالى: فلا يَجِبُ، وإنما يُسْتَحَبُّ، ومنهم مَن قال بوُجُوبِه.
5- يَدُلُّ الحديثُ رقْمَ (483): على تحريمِ الاستماعِ إلى النائحةِ، وأنَّ الْمُسْتَمِعَةَ شريكةٌ في اللعْنِ، بخِلافِ السامعةِ التي لم تَقْصِد الاستماعَ، فلا تَدْخُلُ في الحكْمِ، ولكنَّ الواجبَ عليها -إذا لم تَقْدِرْ على تغييرِ الْمُنْكَرِ- أنْ لا تَجْلِسَ مع النائحاتِ.
قالَ شيخُ الإسلامِ: الصبْرُ واجبٌ إجماعاً.
6- قالَ الشيخُ: الثوابُ في الْمَصائِبِ على الصبْرِ عليها, لا على الْمُصيبةِ نفسِها, فإنها ليستْ مِن كسْبِ ابنِ آدَمَ.
والصبْرُ شَرْعاً: هو حبْسُ النفْسِ عن الجَزَعِ، وحَبْسُ اللسانِ عن التَّشَكِّي، والجوارحِ عن لطْمِ الْخَدِّ، وشَقِّ الثوبِ ونحوِها، وهو خلُقٌ فاضلٌ يَدُلُّ على صلاحِ العَبْدِ، وصلابَتِه في دِينِه، قالَ تعالى: {يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:25].
وجاءَ مَدْحُ الصبْرِ والصابرينَ في أكثَرَ مِن ثمانينَ مَوْضعاً في القرآنِ الكريمِ.
7- وأمَّا الحديثُ رَقْمَ (485) فيَدُلُّ على أنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بسببِ النِّياحةِ عليه، والنِّياحةُ ليستْ مِن فِعْلِه، فلذا استَشْكَلَ العلماءُ معنى تعذيبِ الْمَيِّتِ بما نِيحَ عليه، واللهُ تعالى يقولُ: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر:18].
وأفضَلُ ما قيلَ فيه قولُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ قالَ: الصوابُ أنَّ الْمَيِّتَ يَتَأَذَّى بالبكاءِ عليه، كما نَطَقَتْ به الأحاديثُ الصحيحةُ، مثلُ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أِهْلِهِ عَلَيْه)) وفي لفْظٍ: ((مَنْ يُنَحْ عَلَيْهِ يُعَذَّبْ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ))، والشارِعُ لم يَقُلْ: يعاقَبْ بما نِيحَ عليه، وإنما قالَ: يُعَذَّبْ، والعذابُ أعَمُّ مِن العِقابِ، فإنَّ العذابَ هو الأَلَمُ، وليس كلُّ مَن تَأَلَّمَ بسببٍ كانَ ذلك عِقاباً له، ولكن يَنبغِي أنْ يُوصِيَ بتَرْكِ النِّياحَةِ عليه، إذا كان مِن عادَةِ أهلِه النِّياحةُ، لأنه مَتَى غَلَبَ على ظَنِّهِ النِّياحَةُ، وفِعْلُهم لها، ولم يُوصِ بها مع القُدرةِ فقد رَضِيَ بها، فيكونُ كتارِكِ المنْكَرِ مع القُدرةِ على إزالتِه.
8- قولُه تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} هذه الآيةُ الكريمةُ قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ عامَّةٌ، لأَهَمِّيَّتِها وعَظَمَتِها وُجِدَتْ بالشرائعِ السابقةِ، ولذا قالَ تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [النجم:36-39}.
لكن إن كانت النفْسُ الأخرى هي السبَبَ في الوزْرِ، فإنها تعاقَبُ بمثْلِ عِقابِ المباشِرِ؛ لقولِه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: ((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ)). رواه أبو داودَ (5129)، وقولِه: ((وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) رواه مسلمٌ (1017).
9- وأمَّا الحديثُ رَقْمَ (486): فيَدُلُّ على جوازِ البكاءِ على الميِّتِ بدونِ رفْعِ صوتٍ، فقد قالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- عندَ موتِ ابنِه إبراهيمَ: ((الْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي الرَّبَّ)) رواه البُخاريُّ (1303) ومسلِمٌ (2315)، وكما جاءَ في البخاريِّ (1304): ومسلمٍ (924) مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ أنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- قالَ: ((إِنَّ اللهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وأشارَ إلى لسانِه- أَوْ يَرْحَمُ)) فهذا الحُزْنُ هو رحمةٌ يُنْزِلُها اللهُ على قُلوبِ بعضِ عِبادِه، وفيه تخفيفٌ مِن شِدَّةِ الْمُصيبَةِ.
10- يَجِبُ الصبْرُ واحتسابُ الأجْرِ عندَ اللهِ تعالى والاسترجاعُ، قالَ اللهُ تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:157,156]، وقالَ تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10].
فأهْلُ الإيمانِ هم أقَلُّ الناسَ انْزِعَاجاً عندَ الْمَصائِبِ، وأحسَنُهم طُمأنينةً، وأقلُّهم قَلَقاً عندَ النوازلِ، وهذه الكلماتُ المبارَكَةُ الطَّيِّبَاتُ مِن كتابِ اللهِ تعالى، هي أبْلَغُ علاجٍ عندَ الْمُصيبَةِ، وأنْفَعُه في العاجِلَةِ والآجِلَةِ، فإنها تَضَمَّنَتْ أصْلَيْنِ، إذا تَحَقَّقَ العبْدُ مَعْرِفَتَهما: هانَتْ عليه الْمُصيبةُ:
الأوَّلُ: أنَّ العبْدَ وأَهْلَه وما عندَه مِلْكٌ للهِ تعالى.
الثاني: أنَّ مَصيرَ العبْدِ ومَرَدَّه إلى ربِّه ومَولاهُ.
ومَن هذه حالُه لا يَفْرَحُ بموجودٍ، ولا يَحْزَنُ على مَفقودٍ.
وإذا عَلِمَ المؤمنُ عِلْمَ اليقينِ أنَّ ما أصابَه لم يَكُنْ ليُخْطِئَه، وما أَخطأهُ لم يَكُنْ ليُصيبَه- هانَتْ عليه الْمُصيبةُ.
قالَ ابنُ القَيِّمِ: كان مِن هَدْيِهِ السكونُ والرضا بالقضاءِ، والحمدُ للهِ والاسترجاعُ.
قالَ شيخُ الإسلامِ: للعلماءِ في الرضا قولانِ: هل هو واجبٌ، أو مُسْتَحَبٌّ؟ والصحيحُ أنه مستحَبٌّ.
11- قالَ في (مختصَرِ كفايةِ الأخيارِ) للشافعِيَّةِ:
-الشخْصُ إذا ذاقَ أنَّ للهِ ما أَعْطَى، وله ما أَخَذَ، لا يَشُقُّ عليه أيَّةُ مُصيبَةٍ؛ لأنَّ الْمُلْكَ للهِ يَتَصَرَّفُ فيه كيف شاءَ.
-فإنْ فاتَه ذلك، وغَلَبَ عليه الوازِعُ الطبيعيُّ، دفَعَه الوازِعُ الشرعيُّ إلى الصبرِ والاحتسابِ.
-فإنْ فاتَه ذلك تَعَدَّدَت عليه الْمُصيبَةُ، وهذا إنما يَنشأُ مِن فَراغِ القلْبِ عن اللهِ تعالى، بخِلافِ القلْبِ العامِرِ به، فإنه يَرَى الأموالَ والأولادَ فِتنةً وقَطيعةً عن رَبِّه، وبُعداً عن غايتِه.
13- اختلَفَ العلماءُ في إباحةِ تَرْكِ الزِّينةِ، وحُسْنِ الثيابِ، وتَجَرُّدِ الْمُصابِ، لِمُدَّةِ ثلاثةِ أيَّامٍ غيرَ الزوجةِ، فأباحَ ذلك كثيرٌ مِن الفقهاءِ ومنهم: الحنابِلَةُ؛ لِمَا في (البخاريِّ) (303) و(مسلمٍ) (938) عن أمِّ عَطِيَّةَ قالتَ: قالَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: ((لاَ تَحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)).
وأَنْكَرَ ذلك شيخُ الإسلامِ، وذَكَرَ أنَّ السلَفَ لم يَكونوا يَفعلونَ شيئاً مِن ذلك، فلا يُغَيِّرُونَ شيئاً مِن زِيِّهِمْ قَبْلَ الْمُصيبةِ، ولا كانوا يَتركون ما كانوا يَفعلونَه قَبْلَها؛ فإنَّ ذلك مُنافٍ للصبْرِ.