عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 10:00 PM
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
مُقَدِّمَةُ الشَّارِحِ: ( ابنُ عثيمين رحمه الله )
الحمْدُ(1) للهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إليهِ(2) ، ونَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنْفُسِنا ومِنْ سيِّئاتِ أعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ ، وأشْهَدُ(3) أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى(4) آلِهِ(5) وأصْحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ(6) وسلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا.
أمَّا بَعْدُ: فهذا تَعْلِيقٌ مُخْتَصَرٌ على كتابِ (لُمْعَةِ الاعْتِقَادِ) الذي ألَّفَهُ أبُو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ أحْمدَ بنِ قُدَامَةَ المقْدِسِيُّ المولودُ في شَعبانَ سَنَةَ 541هـ بقريَةٍ(7) منْ أعْمَالِ نَابْلِسَ، المُتَوَفَّى يومَ عيدِ الفِطْرِ سَنَةَ 620هـ بدِمَشْقَ، رَحِمَهُ اللهُ.
وهذا الكتابُ جَمَعَ فيهِ مُؤَلِّفُهُ زُبْدَةَ العَقِيدةِ، ومِنْ ثَمَّ قَرَّرَتْ رِئَاسَةُ المعاهِدِ العِلْمِيَّةِ دراسَتَهُ في مَطْلِعِ القِسْمِ الثانويِّ في المعاهِدِ في السَّنَةِ الأُولَى مِنه؛ ليكونَ رَكِيزَةً يُعْتَمَدُ عليها في هذه المرْحَلَةِ.
ونَظَرًا لأهَمِيَّةِ الكتابِ مَوْضُوعًا ومَنْهَجًا، وعدَمِ وُجُودِ شرْحٍ لهُ، فقَدْ عَقَدْتُ العَزْمَ - مُسْتَعِينًا باللهِ، مُسْتَلْهِمًا منهُ الصوابَ في القَصْدِ والعَمَلِ - على أنْ أَضَعَ عليهِ كلماتٍ يسيرةً تَكْشِفُ غَوامِضَهُ، وتُبَيِّنُ مَوَارِدَهُ، وتُبْرِزُ فوائِدَهُ.
واللهَ أرْجُو أنْ لا يَكِلَنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عينٍ، وأنْ يُمِدَّنِي برُوْحٍ(8) مِنْ عندِهِ وتَوْفيقٍ، وأنْ يَجْعَلَ عَمَلِي مُبَارَكًا ونَافِعًا؛ إنَّهُ جَوَادٌ كريمٌ.
محمدٌ الصالح العُثَيْمِين
تَحْرِيرًا في 10/1/1392هـ
قَوَاعِدُ هَامَّةٌ فِي الأَسْماءِ والصِّفَاتِ
وقبلَ الدُّخولِ في صميمِ الكتابِ أُحِبُّ أنْ أُقَدِّمَ قواعِدَ هامَّةً فيما يَتَعَلَّقُ بأسماءِ اللهِ وصفاتِهِ.
القاعِدَةُ الأُولَى:
في الواجِبِ نحوَ نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ في أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ.
الواجِبُ في نصوصِ الكتابِ والسنَّةِ إبقاءُ دلالَتِها على ظاهِرِها مِنْ غيرِ تَغْييرٍ؛ لأنَّ اللهَ أنْزَلَ القرآنَ بلسانٍ عَربيٍّ مُبِينٍ، والنبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَكَلَّمُ باللسانِ العربيِّ، فَوَجَبَ إبْقَاءُ دلالةِ كلامِ اللهِ وكلامِ رسولِهِ على ما هيَ عليهِ في ذلكَ اللسانِ، ولأنَّ تَغْييرَهَا عنْ ظاهِرِها قولٌ على اللهِ بلا عِلْمٍ، وهوَ حَرَامٌ(9) لقولِهِ تعالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.
مِثَالُ ذلكَ: قولُهُ تعالَى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}.
فإنَّ ظاهِرَ الآيَةِ أنَّ للهِ يَدَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ، فيَجِبُ إثباتُ ذلكَ لهُ.
فَإذا قالَ قائِلٌ: المرادُ بهما القوَّةُ.
قُلْنا لهُ:هذا صَرْفٌ للكلامِ عنْ ظاهِرِهِ، فلا يجوزُ القولُ بهِ؛ لأنَّهُ قوْلٌ على اللهِ بلا عِلْمٍ.
القاعِدةُ الثانيَةُ: في أسماءِ اللهِ تعالَى .
وتحتَ هذه القاعدةِ فروعٌ:
الفرعُ الأوَّلُ : أسماءُ اللهِ كلُّها حُسْنَى .
أيْ: بالِغَةٌ في الحُسْنِ غايَتَهُ؛ لأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لصفاتٍ كامِلَةٍ لا نَقْصَ فيها بوجْهٍ من الوجوهِ، قالَ اللهُ تعالَى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}.
مثالُ ذلكَ: الرحمنُ ، فهوَ اسْمٌ منْ أسماءِ اللهِ تعالَى، دالٌّ على صِفَةٍ عظيمةٍ هيَ الرحمةُ الواسِعَةُ.
ومِنْ ثَمَّ نَعْرِفُ أنَّهُ ليسَ مِنْ أسماءِ اللهِ: الدَّهْرُ(10)؛ لأنَّهُ لا يَتَضَمَّنُ معْنًى يَبْلُغُ غايَةَ الحُسْنِ، فأمَّا قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تسُبُّوا الدَّهْرَ فإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ))، فمعْنَاهُ: مالِكُ الدهرِ المُتَصَرِّفُ فيهِ؛ بدليلِ قولِهِ في الروايَةِ الثانيَةِ عن اللهِ تعالَى: ((بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهار)).
الفرعُ الثاني:أسماءُ اللهِ غيرُ محصورَةٍ بعددٍ مُعَيَّنٍ.
لقولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديثِ المشهورِ: ((أَسْأَلُكَ اللَّهم بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ))(11).
وما اسْتَأْثَرَ اللهُ بهِ في عِلْمِ الغيبِ عندَهُ لا يُمْكِنُ حَصْرُهُ ولا الإِحاطَةُ بهِ.
والجمعُ بينَ هذا وبينَ قولِهِ في الحديثِ الصحيحِ: ((إِنَّ للهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ))، أنَّ مَعْنَى هذا الحديثِ: أنَّ مِنْ أسماءِ اللهِ تسعَةً وتسعينَ اسمًا، مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجنةَ، وليسَ المرادُ حصْرَ أسمائِهِ تعالَى بهذا العدَدِ، ونظيرُ هذا أن تَقولَ: عندِي مِائَةُ دِرْهَمٍ أَعْدَدْتُها للصدَقَةِ، فلا يُنَافِي أن يكونَ عندَكَ دَرَاهِمُ أخْرَى أعْدَدْتَها لغيرِ الصدَقَةِ.
الفرعُ الثالِثُ:أسماءُ اللهِ لا تُثْبَتُ بالعقلِ، وإنَّما تُثْبَتُ بالشرعِ.
فهي تَوْقِيفِيَّةٌ يَتَوَقَّفُ إثْباتُها على ما جاءَ عن الشرعِ، فلا يُزادُ فيها ولا يُنْقَصُ؛ لأنَّ العقلَ لا يُمْكِنُهُ إدراكُ ما يَسْتَحِقُّهُ تعالَى من الأسماءِ، فَوَجَبَ الوقوفُ في ذلكَ على الشرْعِ؛ ولأنَّ تَسْمِيتَهُ بما لم يُسَمِّ بهِ نفْسَهُ، أوْ إِنْكارَ ما سَمَّى بهِ نفسَهُ، جِنَايَةٌ في حقِّهِ تعالَى، فوَجَبَ سُلُوكُ الأَدَبِ في ذلكَ .
(12).الفرعُ الرابِعُ: كلُّ اسْمٍ منْ أسماءِ اللهِ فإنَّهُ يَدُلُّ على ذاتِ اللهِ وعلى الصِّفَةِ التي تَضَمَّنَها، وعلى الأَثَرِ المتَرَتِّبِ عليهِ(13) إنْ كانَ مُتَعَدِّيًا ، ولا يَتِمُّ الإِيمانُ بالاسمِ إلاَّ بإثباتِ ذلكَ كلِّهِ.
مثالُ ذلكَ في غيرِ المتَعَدِّي: (العظيمُ)فلا يَتِمُّ الإيمانُ بهِ حتَّى تُؤْمِنَ بإثباتِهِ اسْمًا مِنْ أسماءِ اللهِ، دالاًّ على ذاتِهِ تعالَى وعلى ما تَضَمَّنَهُ من الصِّفَةِ وهيَ العَظَمَةُ.
ومثالُ ذلكَ في المُتَعَدِّي: (الرحمنُ)
فلا يَتِمُّ الإيمانُ بهِ حتَّى تُؤْمِنَ بإثباتِهِ اسمًا منْ أسماءِ اللهِ، دالاًّ على ذاتِهِ تعالَى وعلى مَا تَضَمَّنَهُ من الصِّفَةِ وهيَ الرحمةُ، وعلى ما تَرَتَّبَ عليهِ مِنْ أثَرٍ وهوَ أنَّهُ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ.
القاعِدةُ الثالثةُ:في صفاتِ اللهِ تعالَى.
وتَحْتَها فُرُوعٌ أيضًا:
الفرعُ الأوَّلُ:صفاتُ اللهِ كلُّها عُلْيا،
صِفَاتُ كَمَالٍ ومَدْحٍ، ليسَ فيها نَقْصٌ بوجْهٍ من الوجوهِ.
كالحياةِ، والعلْمِ، والقُدْرَةِ، والسَّمْعِ، والبصرِ، والحكْمَةِ، والرحمةِ، والعُلُوِّ، وغيرِ ذلكَ؛ لقولِهِ تعالَى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} ؛ ولأنَّ الربَّ كامِلٌ فَوَجَبَ كَمَالُ صفاتِهِ(14).
* وإذا كانَت الصِّفَةُ نَقْصًا لا كَمَالَ فيها فهيَ مُمْتَنِعَةٌ في حقِّهِ، كالموتِ، والجهلِ، والعَجْزِ، والصَّمَمِ، والعمَى، ونحوِ ذلكَ؛ لأنَّهُ سُبْحَانَهُ عَاقَبَ الواصِفِينَ لهُ بالنقْصِ، وَنَزَّهُ نَفْسَهُ عمَّا يَصِفُونَهُ بهِ من النقائِصِ ؛ ولأنَّ الرَّبَّ لا يُمْكِنُ أن يكونَ ناقِصًا؛ لمنافاةِ النقصِ للربوبِيَّةِ.
* وإذا كانَت الصِّفَةُ كَمَالاً منْ وجْهٍ، ونَقْصًا مِنْ وجهٍ، لم تَكُنْ ثابِتَةً للهِ ولا مُمْتَنِعَةً عليهِ على سبيلِ الإطلاقِ، بلْ لا بدَّ مِن التفصيلِ، فَتَثْبُتُ للهِ في الحالِ التي تكونُ كَمَالاً، وتَمْتَنِعُ عليهِ في الحالِ التي تكونُ نقْصًا، كالمكْرِ، والكَيْدِ، والخِداعِ، ونحوِها، فهذه الصِّفاتُ تكونُ كَمَالاً إذا كانَت في مُقَابَلَةِ مِثْلِها؛ لأنَّها تدلُّ على أنَّ فاعِلَها ليسَ بعاجِزٍ عنْ مُقَابَلَةِ عَدُوِّهِ بمثْلِ فِعْلِهِ، وتكونُ نَقْصًا في غيرِ هذه الحالِ، فَتَثْبُتُ للهِ في الحالِ الأُولَى دونَ الثانيَةِ، قالَ اللهُ تعالَى:{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}.
{إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16)} .
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}، إلى غيرِ ذلكَ.
فإذا قيلَ: هلْ يُوصَفُ اللهُ بالمكْرِ مثلاً؟
فلا تَقُلْ: نَعَمْ، ولا تَقُلْ: لا، ولكِن قُلْ: هوَ مَاكِرٌ بمَنْ يَسْتَحِقُّ ذلكَ، واللهُ أعلَمُ(15).
الفرعُ الثاني: صفاتُ اللهِ تنقسِمُ إلى قسمَيْنِ: ثُبُوتِيَّةٌ وسَلْبِيَّةٌ:
* فالثبوتيَّةُ: ما أثْبَتَها اللهُ لنفْسِهِ كالحياةِ،والعِلْمِ، والقُدْرَةِ.
ويَجِبُ إثباتُها للهِ على الوجْهِ اللائِقِ بهِ؛ لأنَّ اللهَ أثْبَتَها لنفسِهِ، وهوَ أعلَمُ بصفاتِهِ.
* والسَّلْبِيَّةُ: هيَ التي نفاها اللهُ عنْ نفسِهِ كالظُّلْمِ، فيَجِبُ نَفْيُها عن اللهِ؛ لأنَّ اللهَ نَفَاها عنْ نَفْسِهِ، لكن يَجِبُ اعْتِقَادُ ثُبُوتِ ضِدِّها للهِ على الوجْهِ الأكمَلِ؛ لأنَّ النَّفْيَ لا يَكونُ كَمَالاً حتَّى يَتَضَمَّنَ ثُبُوتًا.
مثالُ ذلكَ: قولُهُ تعالَى: {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} فيَجِبُ نَفْيُ الظُّلْمِ عن اللهِ معَ اعْتِقَادِ ثُبُوتِ العَدْلِ للهِ على الوجْهِ الأكمَلِ.
الفرعُ الثالثُ: الصفاتُ الثبوتيَّةُ تنقَسِمُ إلى قسمَيْنِ: ذَاتيَّةٌ وفِعْلِيَّةٌ.
* فالذاتيَّةُ:هيَ التي لم يَزَلْ ولا يزالُ مُتَّصِفًا بها،كالسمعِ والبصرِ.
* والفعليَّةُ:هيَ التي تَتَعَلَّقُ بمشيئَتِهِ؛ إنْ شاءَ فعَلَها، وإنْ شاءَ لم يَفْعَلْها؛ كالاستواءِ على العرشِ والمجيءِ.
وربَّما تكونُ الصفةُ ذاتيَّةً فعليَّةً باعتبارَيْنِ كالكلامِ، فإنَّهُ باعتبارِ أصْلِ الصفةِ(16) صفةٌ ذاتيَّةٌ؛ لأنَّ اللهَ لم يزَلْ ولا يزالُ مُتَكَلِّمًا، وباعتبارِ آحادِ الكلامِ صفةٌ فعليَّةٌ؛ لأنَّ الكلامَ مُتَعَلِّقٌ بمشيئَتِهِ، يَتَكَلَّمُ بما شاءَ متى شاءَ.
الفرعُ الرابِعُ: كلُّ صفةٍ منْ صفاتِ اللهِ فإنَّهُ يَتَوَجَّهُ عليها ثلاثةُ أسئلةٍ:
السؤالُ الأوَّلُ: هلْ هيَ حقيقيَّةٌ، ولماذا؟
السؤالُ الثاني: هلْ يَجُوزُ تَكْييفُها، ولماذا؟
السؤالُ الثالثُ: هلْ تُمَاثِلُ صفاتِ المخلوقينَ، ولماذا؟
فجوابُ السؤالِ الأوَّلِ : نَعَمْ حقيقيَّةٌ ؛ لأنَّ الأصلَ في الكلامِ الحقيقةُ، فلا يُعْدَلُ عنها إلاَّ بدليلٍ صحيحٍ يَمْنَعُ منها.
وجوابُ الثاني : لا يجوزُ تكييفُها؛ لقولِهِ تعالَى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}، ولأنَّ العقلَ لا يُمْكِنُهُ إدراكُ كيفيَّةِ صفاتِ اللهِ(17).
وجوابُ الثالثِ : لا تُمَاثِلُ صفاتِ المخلوقينَ؛ لِقولِهِ تعالَى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، ولأنَّ اللهَ مُسْتَحِقٌّ للكمالِ الذي لا غايَةَ فوقَهُ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُمَاثِلَ المخلوقَ؛ لأنَّهُ ناقِصٌ(18).
والفرْقُ بينَ التمثيلِ والتكييفِ:
أن التمثيلَ : ذِكْرُ كيفيَّةِ الصفةِ مُقَيَّدةً بمُمَاثِلٍ.
والتكييفَ : ذِكْرُ كيفيَّةِ الصفةِ غيرَ مُقَيَّدَةٍ بمُمَاثِلٍ.
مثالُ التمثيلِ : أنْ يقولَ قائِلٌ: يَدُ اللهِ كَيَدِ الإنسانِ.
ومثالُ التكييفِ : أنْ يَتَخَيَّلَ ليدِ اللهِ كيفيَّةً مُعَيَّنَةً لا مَثيلَ لها في أَيْدِي المخلوقِينَ، فلا يجوزُ هذا التَّخَيُّلُ(19).
القاعدةُ الرابعةُ:فيما نَرُدُّ بهِ على المُعَطِّلَةِ.
المُعَطِّلَةُ: هم الذينَ يُنْكِرون شَيْئًا مِنْ أسماءِ اللهِ أوْ صفاتِهِ ويُحَرِّفون النصوصَ عنْ ظاهِرِها. ويقالُ لهم: المُؤَوِّلَةُ(20).
والقاعِدةُ العامَّةُ فيما نَرُدُّ بهِ عليهم أن نقولَ: إنَّ قولَهم:
- خِلافُ ظاهِرِ النصوصِ.
- وخلافُ طريقَةِ السَّلَفِ.
- وليسَ عليهِ دليلٌ صحيح.
ورُبَّما يكونُ في بعضِ الصفاتِ وَجْهٌ رابِعٌ أوْ أكْثَرُ.
(اللُّمْعَةُ): تُطْلَقُ في اللُّغَةِ على معانٍ، مِنها:
البُلْغَةُ من العَيْشِ، وهذا المعنَى أنْسَبُ معْنًى لموضوعِ هذا الكتابِ.
فمعنى (لُمْعَةِ الاعْتِقادِ) هنا: البُلْغَةُ من الاعتقادِ الصحيحِ المطابِقِ لمذهَبِ السَّلَفِ، رِضْوانُ اللهِ عليهم.
و(الاعتقادُ): الحُكْمُ الذِّهْنِيُّ الجازِمُ، فإنْ طابَقَ الواقعَ فصَحيحٌ وإلاَّ ففاسِدٌ(21) .
-
حاشية الشيخ : صالح العصيمي على شرح ابن عثيمين :
(1)الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم:
(إنَّ الحمد لله..) كما في (صحيح مسلم) وتقديم (إنَّ) المؤكدة لا يقدح في كون الكلام مستفتحاً بالحمد؛ لأن توكيد الحمد من جملة حقيقته بل هو أبلغ؛ إذ ليس حمداً مجرداً بل حمداً مؤكداً.
(2)وزيادة : (ونتوب إليه) و(نستهديه) لا أصل لها في المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(3)عدل المصنف ـ رحمه الله ـ عن الجمع المذكور فيما تقدم (نحمده ونستعينه ونستغفره) إلى الإفراد في قوله: (وأشهد) متابعةً للسنة، ووجه ذلك كما بينه أبو العباس ابن تيمية الحفيد أنه لما كان العبد قد يستغفر له ويستعين له ولغيره حسن لفظ الجمع في ذلك، وأما الشهادة لله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة فلا يفعلها أحدٌ عن غيره، ولا تقبل الشهادة بوجه من الوجوه، ولا تتعلق شهادة الإنسان بشهادة غيره، والمتشهد لا يتشهد إلا عن نفسه.
نقله تلميذه ابن القيم في جوابه في (صيغ الحمد) وما بين الحاصرتين زيادة يستقيم بها الكلام (ص: 65).
(4)فصل المصنف ـ رحمه الله ـ في جملة الصلاة بحرف الجر
(على) اتباعاً للوارد في السنة (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)، ومنابذة للروافض الذين يمنعون الفصل به ويروون في ذلك حديثاً موضوعاً.
(5)إضافة (آل) إلى الضمير مختلفٌ في صحتها من جهة اللغة، والمعتمد تصحيحها لورودها في كلام العرب وعزاه جمع إلى السنة ولا يعرف فيها ، والله أعلم.
(6)التابعون بإحسان هم الصحابة الذين تأخر إسلامهم فلم يكونوا من السابقين كما قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم}، والأظهر أن من أسلم بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان ليس ممن سبق بل هو من التابعين بإحسان، أما ما رواه أحمد في " المسند " عن مجاشع بن مسعود رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بابن أخ له يبايعه على الهجرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا بل يبايع على الإسلام، فإنه لا هجرة بعد الفتح ويكون من التابعين بإحسان)، فهو حديث ضعيف متكلَّمٌ فيه سنداً ومتناً.
(7)هي قرية جَمَّاعيل بجبل نابلس.
(8)بضم الراء كما في قوله تعالى: {وأيَّدهم برُوح منه}، والروح هو العون والمَدَد.
(9)فإبقاؤها على ظاهرها واجب لأمرين:
الأول : عربية الخطاب في القرآن والسنة فيتبع ما دل عليه اللسان العربي.
الثاني : أن تغييرها عن ظاهرها قولٌ على الله بلا علم، وهو حرام.
(10)وقد عده اسماً لله جماعة منهم نعيم بن حماد وأبو محمد ابن حزم.
(11)هذا الحديث هو عمدة القول بعدم حصرها، وفي ثبوته نزاع، لكن قد صححه جماعة من العلماء المقتدى بهم كأبي حاتم ابن حبان فأخرجه في (الصحيح) وأبي عبد الله ابن القيم في (شفاء العليل) (ص274).
(12)فإثباتها بالشرع واجب لأمرين:
الأول: أن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله.
الثاني: أن تسمية الله بما لم يسم به نفسه
أو إنكار ما سمى به نفسه تعدٍ عليه في حقه فوجب سلوك الأدب معه في ذلك.
(13)وقد سماه جماعة منهم شيخ المصنف ابن سعدي ـ رحمه الله ـ (حكم الصفة) ، وذكرنا معنى ذلك في طرة أهم المهمات.
(14)فصفات الله عليا بدليلين:
أحدهما: دليل النقل وهو قوله تعالى: {ولله المثل الأعلى} ؛ أي: الوصف الأعلى ، -في أحسن الأقوال في تفسير الآية-.
والآخر: دليل العقل ؛ لأن الرب كامل ومن كماله كمال صفاته.
(15)فالصفة باعتبار الكمال والنقص ثلاثة أقسام:
الأول : صفة كمال ومدح ،كصفات الله عز وجل.
الثاني : صفة نقص لا كمال فيها، وهي ممتنعة في حق الله .
الثالث : صفة كمال من وجه ونقصٍ من وجه آخر،وهذه لا تكون ثابته لله ولا ممتنعة عليه على سبيل الإطلاق، بل يُفَصَّل كما ذكر المصنف ـ رحمه الله ـ مع التعويل على ورودها في النصوص.
(16)أي: كون الله لم يزل متصفاً بها أزلاً.
(17)فامتنع التكييف بدليلين:
أحدهما : دليل النقل وهو قوله تعالى: {ولا يحيطون به علماً}.
والآخر : دليل العقل لقصوره عن إدراك حقائق صفات الله، وإذا كان قاصراً عنها لم يمكن له أن يكيِّفها.
(18)وامتنع التمثيل ـ أيضاً ـ لدليلين:
أحدهما : دليل النقل، وهو قوله تعالى: {ليس كمثله شيء}.
والآخر : دليل العقل،وهو أن الله مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، فلا يمكن أن يماثل المخلوق؛ لأنه ناقص.
(19)أما المعنى الكلي المشترك المتبادر إلى الذهن عند سماع الصفة كالحياة واليد فطروؤه على الذهن لا مندوحة عنه ولا مفر منه، إذ لا بد من وروده في الأذهان السليمة ولا يتصور الشيء بدونه بل يسبق إلى الذهن مع ذكر الشيء، ومثل هذا لا يؤاخذ به العبد كما ذكره أبو العباس ابن تيمية وغيره.
أما ما زاد عن القدر المذكور مما يجري فيه معنى التمثيل أو التشبيه أو التكييف فهذا محرم لا يسترسل معه ولا يركن إليه.
(20)حقيقة التعطيل : إخلاء الله مما سمى أو وصف به نفسه، وهذا تارة يكون نفياً مجرداً كما هو مذهب خُلّص المعطلة، وتارة يكون نفياً للمعنى الحق وإثباتاً لمعنى باطل كما هو مذهب المؤولة الذين يعدلون بالأسماء والصفات عن معانيها المعروفة في لسان العرب إلى معانٍ أخرى.
(21)فصار الاعتقاد إما موصوفاً بالصحة أو موصوفاً بالفساد.
فالاعتقاد الصحيح : هو حكم الذهن الجازم المطابق للواقع.
والاعتقاد الفاسد : هو حكم الذهن الجازم المخالف للواقع.
ولتحرير المسأله مقام آخر.
عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 10:01 PM
بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
المُقَدِّمَةُ:
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ على نبيِّنَا محمدٍ وعلى آلِه وَصَحْبِهِ أجمعينَ ، وبعدُ:
لاَ شَكَّ أنَّ أمرَ العقيدةِ الإسلاميَّةِ مِنْ أَهَمِّ الأمورِ ، وأنَّ شَأْنَها عظيمٌ ، والاهتمامَ بأمرِهَا أَكِيدٌ ؛ لأجلِ ذلكَ اهتمَّ بها العلماءُ قديمًا وحديثًا ، وَأَلَّفُوا المؤلفاتِ التي ضَمَّنُوهَا المُعْتَقَدَ المأخوذَ من الكتابِ والسُّنَّةِ ، والذي دَرَجَ عليهِ سَلَفُ الأمَّةِ ، وَبَسَطوا في ذلكَ ، واخْتَصَروا ، وكَتَبُوا ، وَدَرَّسُوا ، وَقَرَّروا ، وكلُّ ذلكَ نُصْحًا منهم للأمَّةِ حتَّى تَثْبُتَ على عقيدةٍ صحيحةٍ، تَرْسَخُ هذهِ العقيدةُ في قلوبِهَا.
وفي هذهِ المُقَدِّمَةِ نُحِبُّ أنْ نَتَكَلَّمَ عنْ مبدأِ العقيدةِ ، وَتَطَوُّرَاتِهَا إلى زمانِنَا هذا ، معَ الإشارةِ إلى بعضِ ما كُتِبَ في العقيدةِ ، فنقولُ : العقيدةُ التي منها هذهِ الرسالةُ (لُمْعَةُ الاعتقادِ) ، ومنها ( العقيدةُ الواسطيَّةُ) وغيرُهَا ؛ مُشْتَقَّةٌ من العَقْدِ ، وذلكَ أن العَقْدَ هوَ رَبْطُ الشيءِ بَعْضُهُ ببعضٍ ، تَقُولُ : عَقَدْتُ الحبلَ بِبَعْضِهِ ، أيْ: وَثَقْتُهُ ورَبَطتُهُ ، وسُمِّيَتْ بِذلكَ ؛ لأنَّ القلبَ يَعْقِدُ عليها عَقْدًا مُحْكَمًا مُبْرَمًا لا سبيلَ إلى انفكاكِهِ ، وذلكَ لأنَّ أَدِلَّتَهَا جَلِيَّةٌ صَحِيحَةٌ واضِحَةٌ لا يَعْتَرِيهَا شَكٌّ ولا تَغَيُّرٌ ، وأَدِلَّتُهَا نصوصٌ قَطْعِيَّةُ الثبوتِ ، وقطعيَّةُ الدلالةِ ؛ فَلأَجْلِ ذلكَ يَعْقِدُ عليها القلبُ ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَتَزَعْزَعَ هذا الاعتقادُ من القلبِ إلاَّ إذا كانَ العقدُ غيرَ مُحْكَمٍ وغيرَ قَوِيٍّ، فإنَّهُ عُرْضَةٌ للتَّزَعْزُعِ .
ولأجلِ ذلكَ كانَ العلماءُ والمسلمونَ عمومًا يُرَبُّونَ أولادَهم على العقيدةِ منذُ الطفولةِ ، وَيُلَقِّنُونَهُم كيفَ عَرَفُوا رَبَّهُم ، وبأيِّ شيءٍ عَرَفُوهُ، ولأيِّ شيءٍ خُلِقُوا ، وبأيِّ شيءٍ أُمِرُوا ، وأوَّلَ ما فُرِضَ عليهم، وأهمَّ الفرائضِ ، وما إلى ذلكَ ؛ حتَّى إذا تَلَقَّاهَا الطفلُ في صِغَرِهِ ، وَتَرَبَّى عليها نَبَتَ لَحْمُهُ وَعَظْمُهُ ، وعَصَبُهُ وَعَقْلُه على هذهِ العقيدةِ ، فَأَصْبَحَتْ رَاسِخَةً لا تَتَزَعْزَعُ ، بحيثُ لوْ عُرِضَتْ عليهِ بعدَ ذلكَ شُبُهَاتٌ ، أوْ أُتِيَ بما يُزَعْزِعُ وبما يَفْتِنُ ، بلْ لوْ فُتِنَ وحُبِسَ وضُرِبَ وَأُوذِيَ فَلَنْ يَتَغَيَّرَ اعْتِقَادُه ، وذلكَ للأسبابِ التاليةِ:
أولاً: أنَّهُ تَرَبَّى عليها منذُ صِغَرِه،وَتَلَقَّاهَا وهو طفلٌ.
ثانيًا: أنَّهُ أَلْفَى عليها أَبَوَيْهِ ، وأبواهُ أَنْصَحُ الخلقِ لهُ، وهما يُحِبَّانِ لهُ أنْ يَتَرَبَّى على الخيرِ.
ثالثًا: أنَّ الأدلَّةَ التي تُؤَيِّدُ هذا الاعتقادَ أَدِلَّةٌ جليَّةٌ واضحةٌ في ظهورِ معناها،صحيحةٌ قَطْعِيَّةُ الثبوتِ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَرِيَها شكٌّ، أوْ تَغَيُّرٌ.
فهذا وَنَحْوُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَهَمِّيَّةَ هذهِ العقيدةِ.
بعدَ ذلكَ نَقُولُ في تَطَوُّرِ أمرِ هذهِ العقيدةِ قبلَ أنْ نَبْدَأَ في شيءٍ منْ تَفَاصِيلِهَا:
مَعْرُوفٌ أنَّ الرُّسُلَ كُلَّهُم بَدَأُوا رِسَالَتَهُم بأمرِ العقيدةِ التي هيَ عبادةُ اللهِ، بِقَوْلِهِ تعالى: {اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ} تَقْرِيرًا للإلهيَّةِ بأنَّ اللهَ تعالى هوَ الإلهُ ، بحيثُ يَعْتَرِفُونَ أنَّ لهم رَبًّا ، وأنَّ ربَّهُم هوَ اللهُ ، وأنَّهُ الذي لهُ الإلهيَّةُ وحدَهُ ، ولا تَصْلُحُ الإلهيَّةُ إلاَّ لهُ سبحانَهُ وتعالَى .
وهذا مبدأُ العقيدةِ وَأَسَاسُهَا كما سَيَأْتِي ، فالرسلُ بَدَأُوا بِأَمْرِ العقيدةِ ، ومنهم نَبِيُّنَا محمدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِأَمْرِ العقيدةِ ، فَبَقِيَ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ بعدَ أنْ أُوحِيَ إليهِ ، لم يَدْعُ إلاَّ إلى العقيدةِ ، وهيَ مَعْرِفَةُ اللهِ وعِبَادَتُهُ وَأَدَاءُ حَقِّهِ ، وتَرْكُ عِبَادةِ ما سِوَاهُ ، وإقامةُ الأدلَّةِ التي تُثْبِتُ للهِ وحدَهُ العبوديَّةَ وَتَنْفِي عنْ ما سِوَاهُ أنْ يَكُونَ معبودًا أوْ إِلَهًا .
وتَطُولُ الأدلَّةُ والبراهينُ على ذلكَ ، فَفي كثيرٍ من السُّوَرِ المَكِّيَّةِ يَذْكُرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا يَدُلُّ على أنَّهُ سُبْحَانَهُ هوَ الربُّ ، وهوَ الإلَهُ ، وهو المعبودُ وَحْدَهُ ، وَيُقِيمُ على ذلكَ الأدلَّةَ الواضحَةَ التي يَرَاهَا الإنسانُ عِيَانًا ، وَيَذْكُرُهَا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَجْحَدَهَا أوْ يُنْكِرَهَا.
فَنَجِدُ مَثَلاً في سورةِ الإنسانِ قَوْلَهُ تَعَالَى : {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ}.
أليسَ هذا تقريرًا للإلهيَّةِ ، وأنَّ الذي خَلَقَ الإنسانَ بعدَ أنْ كانَ مَعْدُومًا هوَ الخالقُ المُنْفَرِدُ بالخلقِ تقريرًا؛ لأنَّهُ هوَ الخالقُ وحدَهُ ، وأنَّهُ هوَ الذي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ ، ولا يَجْحَدُه إلاَّ مُعَانِدٌ .
ثُمَّ السُّورَةُ الَّتي بَعْدَهَا فِيها أَيْضًا تَقْريرُ ذلكَ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى : {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْواتًا (26)} إلى آخِرِ الآياتِ ؛ يَذْكُرُ اللهُ آياتٍ وَدَلالاتٍ عَلى أَنَّهُ هُوَ المُنْفَرِدُ بِالإلهيَّةِ ، وَأَنَّهُ هُوَ المُتَصَرِّفُ بِالرُّبوبيَّةِ وَحْدَهُ ؛ لأنَّ هذا تَصَرُّفُهُ هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ، فَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَكُونَ مَعْبودًا وَحْدَهُ دونَ ما سِوَاهُ .
كَذلكَ السُّورَةُ الَّتِي بَعْدَها:{أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)} إلى آخِرِ الآياتِ تَقْريرٌ للألوهيَّةِ ، وَعَرْضُ المُعْجِزاتِ وَالبَراهينِ الّتِي مَنْ تَأَمَّلَها وَتَعَقَّلَها رَسَخَتِ العَقِيدةُ في قَلْبِهِ ؛ بِحَيْثُ يُعْرَفُ أَنَّ الَّذِي أَوْجَدَ هَذِهِ الكائِناتِ عَلى هذا الإِحْكامِ ؛ غَايَةَ الإحكامِ، أَنَّهُ أَهْلٌ أَنْ يُعَظَّمَ ، وَأَهْلٌ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ ، وَأَنْ يُشْكَرَ وَيُذْكَرَ، وَأَنْ تَكونَ الطَّاعَةُ لَهُ دونَ ما سِواهُ ، وَأَهْلٌ أَنْ يُطَاعَ رُسُلُهُ الّذين أَرْسَلَهُمْ وَحَمَّلَهُم رِسَالَتَهُ .
وَفِي السُّورَةِ الّتي بَعْدَها يَقُولُ تَعالى: { أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28)} إلى آخِرِ الآياتِ ، يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِهذا الخَلْقِ المُحْكَمِ العَظيمِ الَّذِي لا يَسْتَطيعُ أَيُّ مَخْلوقٍ أَنْ يُغَيِّرَهُ عَنْ وَضْعِهِ.
فَالَّذِي أَوْجَدَ هَذهِ المَخْلوقَاتِ هُو الإلهُ ، وَهُوَ الرَّبُّ ، وَهُوَ المَعْبودُ وَحْدَهُ.
وَفِي السُّورَةِ الّتي بَعْدَها يَقولُ تَعَالى:{فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا (26)} إلى آخِرِ الآياتِ ، وَفِي هَذا يُذَكِّرُ الإنْسانَ بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَ هَذا هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، وَلا يَسْتَطِيعُ مَخْلوقٌ مَهْما كَانَتْ قُدْرَتُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ هَذا الأَمْرِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ اللهُ سُبْحَانَهُ .
إِذاً: فَهذا يُبَيِّنُ أَنَّ العَقيدَةَ هِيَ أَوَّلُ مَا بَدَأَ بِهِ نَبِيُّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَعْوَتِهِ، ولَمَّا بَيَّنَهُ للصَّحابَةِ اعْتَقَدُوا مَا اعْتَقَدُوهُ فِي أَمْرِ الإلهِ وَحْدَهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى؛ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمِنْ بَراهينِهِ وَآياتِهِ، وَمِنْ نِعَمِهِ وَآلائِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ أَهْلٌ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ، وَأَنْ يُشْكَرَ، وَأَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ .
اعْتَقَدُوا ذلكَ وَلَمْ يُنْكِرُوا شَيْئًا مِنْ أَمْرِ هذا الاعْتِقادِ ، اعْتَقَدُوا أَنَّ اللهَ رَبُّهُمْ وَخَالِقُهُمْ وَمُدَبِّرُهُمْ، اعْتَقَدُوا أَنَّ اللهَ سُبْحانَهُ وَتَعَالى فَوْقَ عِبَادِهِ، وَأَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ مُسْتَوٍ عَلَيْهِ كَمَا يَشَاءُ ، اعْتَقَدُوا أَنَّ لَهُ الأَسْماءَ الحُسْنَى، وَالصِّفَاتِ العُلَى إِلى آخِرِ أَمْرِ العَقيدَةِ .
وَلَمْ يَظْهَرْ فِيمَا بَيْنَ الصَّحابَةِ مَنْ يُنْكِرُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الاعْتِقادِ ، وَلا ظَهَرَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَنْ يَرُدُّ شَيْئًا مِنْ دَلالةِ النُّصوصِ، وَهذا مِنْ تَزْكِيَةِ اللهِ تَعَالى لِصَحابَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ إِذْ لَمَّا زَكَّاهُم اللهُ تَعَالى وَفَضَّلَهُمْ عَلى غَيْرِهِمْ ظَهَرَ أَثَرُ ذَلكَ ، فَلَم يَظْهَرْ فِيهِم وَالحَمْدُ للهِ مُبْتَدِعٌ، وَلا خَارِجيٌّ ، وَلا قَدَرِيٌّ ، وَلا رَافِضِيٌّ ، وَلا مُعْتَزليٌّ ، وَلا أَشْعَرِيٌّ ، وَلا جَبْريٌّ ، وَلا مُرْجِئٌ ، وَلا صُوفِيٌّ ؛ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِمْ شَيءٌ مِنْ هَذِهِ البِدَعِ ، بَلْ كُلُّهُمْ عَلَى عَقِيدَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، هَذا هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم .
وَبَعْدَما دَخَلَ فِي الإِسْلامِ بَعْضُ المُنافِقينَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ بَدَأَ ظُهُورُ البِدَعِ ، ولَمَّا ظَهَرَت اهْتَمَّ الصَّحابَةُ بِإِظْهَارِ السُّنَنِ ، وَأَوْضَحُوهَا بِالأدِلَّةِ القاطِعَةِ .
فَأَوَّلُ البِدَعِ : بِدْعَةُ الخَوارِجِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَن الطَّاعَةِ ، وَكَفَّرُوا الصَّحابَةَ، وَكَفَّرُوا المُسْلِمينَ، وَقَتَلُوا الأَبْرِياءَ.
وَقَدْ كَثُرَت الأَحَاديثُ الَّتِي تُبَيِّنُ شَأْنَهُمْ وَمَبْدَأَ أَمْرِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ، وَهِيَ أَحَاديثُ صَحِيحَةٌ مُخَرَّجَةٌ فِي (الصَّحيحَيْنِ) وَفِي غَيْرِهِما.
لَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِم الصَّحابَةُ ، وَبَيَّنُوا خَطَأَ طَريقَتِهِمْ ، وَلَمَّا كَتَبَ المُؤَلِّفونَ فِيما بَعْدُ كَتَبُوا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِم ما يُبَيِّنُ خَطَأَهُمْ، وَضَمَّنُوا ذلكَ كُتُبَ العَقِيدَةِ.
وَبَعْدَ ذلكَ: خَرَجَت القَدَرِيَّةُ فِي آخِرِ عَهْدِ الصَّحابَةِ ، وَقَدْ أَدْرَكَهُم بَعْضُ الصَّحابَةِ كَعَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما ، وَغَيْرِهِ مِنَ الّذين تَأَخَّرَ مَوْتُهُمْ.
وَمِنْ رُؤوسِ القَدَرِيَّةِ غَيْلانُ القَدَريُّ وَمَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ ؛ خَرَجُوا فِي آخِرِ عَهْدِ الصَّحابَةِ ، وَأَنْكَرُوا عِلْمَ اللهِ السَّابِقَ لِلأشْياءِ قَبْلَ وُجُودِهَا ، وَقَالُوا: إِنَّمَا يَعْلَمُ الأَشْياءَ عِنْدَما تَحْدُثُ.
وَهذا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: (إِنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ) فَشَنَّعَ عَلَيْهم الصَّحابَةُ ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهم بِالأدِلَّةِ وَبِالآياتِ وَالأَحادِيثِ ، وَحَذَّرُوا مِنْ طُرُقِهِم وَمِنْ شَأْنِهِمْ ، وَقَدْ كَانُوا قِلَّةً مَغْمُورِينَ لا يُتَفَطَّنُ لَهُمْ وَلا يُؤْبَهُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا الغَلَبَةُ لأهْلِ السُّنَّةِ، وَالظُّهورُ لَهُمْ، وَالكَثْرَةُ لَهُمْ وَالحَمْدُ للهِ، بَيْنَما هُمْ أَفْرادٌ لا يَسْمَعُ لَهُمْ إِلاَّ مَنْ هُوَ ضَعيفُ الإِدْرَاكِ، وَضَعيفُ العَقْلِ .
ثُمَّ ظَهَرَت المُعْتَزِلةُ فِي أَوَّلِ القَرْنِ الثَّاني ، اعْتَزَلُوا مَجْلِسَ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ، وَكَانَ رَئِيسُهُم الَّذِي يُقَالُ لَهُ : وَاصِلُ بنُ عَطَاءٍ ، يَجْلِسُ يُقَرِّرُ مَذْهَبَهُ ، وَأَخَذَ يُشِيرُ إليْهِم الحَسَنُ وَيَقولُ : هَؤلاءِ المُعْتَزِلَةُ ، اعْتَزَلُوا مَعَ وَاصلٍ ، فَمِنْ ثَمَّ اشْتَهَرَ هَذا المَذْهَبُ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ الاعْتِزَالِ بهذا الاسْمِ .
وَلَعَلَّهُ تَأْتِي بَعْضُ الإشاراتِ إِلَيْهِ فِيما بَعْدُ ، وَمَع ذَلكَ فَإِنَّ أَهْلَهُ قِلَّةٌ ، وَمِنْهُمْ عَمْرُو بنُ عُبَيْدٍ الَّذِي وُجِدَ فِي وَسَطِ القَرْنِ الثَّاني ، وَكَانَ يُظْهِرُ التَّنَسُّكَ ، وَلكِنَّهُ مُبْتَدِعٌ مُنْحَرِفٌ فِي بَعْضِ الاعْتِقادِ.
ثُمَّ ظَهَرَتْ أَيْضًا بِدْعَةُ التَّعْطِيلِ ، وَما أَدْرَاكَ مَا هَذِهِ البِدْعَةُ الشَّنِيعَةُ العَظيمَةُ المُنْكَرةُ ؛ إِنَّها بِدْعَةُ الجَهْمِيَّةِ الّذين أَنْكَرُوا صِفاتِ اللهِ تَعَالى ، وَتَأَوَّلُوا نُصُوصَها، وَبَالَغُوا فِي إِنْكَارِها، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَنْكَرَ بَعْضَهَا الجَعْدُ بنُ دِرْهَمٍ ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ خَالِدٌ القَسْرِيُّ فِي يَوْمِ عِيدِ الأضْحَى ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورةٌ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَلَقَّاهَا عَنْهُ - أَيْ: بِدْعَةَ التَّعْطيلِ - الجَهْمُ بنُ صَفْوَانَ السَّمَرْقَنْدِيُّ ، وَهُوَ الَّذِي نَشَرَهَا وَنُسِبَتْ إِلَيْهِ ، وَكَثُرَ الّذين تَلَقَّوْهَا عَنْهُ ، وَإِنْ كَانوا قِلَّةً فِي ذلكَ الزَّمانِ ، وَلَكنْ ظَهَرَ لَهُمْ بَعْدَ ذلكَ أَنْصارٌ وَأَعْوانٌ ، فَمِنْهُمْ بِشْرٌ المَرِيسِيُّ الَّذِي أَعْلَنَ هَذِهِ البِدْعَةَ ؛ بِدْعَةَ إِنْكَارِ الصِّفَاتِ ، ومِنْها صِفَةُ العُلُوِّ للهِ تَعَالى ، وَإِنْكَارُ أَنَّ اللهَ مُتَكَلِّمٌ ، وَأَنَّ القُرآنَ لَيْسَ كَلامَهُ ، وَنَحْوُ ذَلكَ مِنَ التَّعْطيلِ .
وَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ القَرْنِ الثَّاني وَأَوَّلِ القَرْنِ الثَّالثِ ، كَانَ وُزَرَاءُ المُلوكِ أَغْلَبُهُمْ مِنَ اليُونَانِ ، وَمِنَ التُّرْكِ ، وَكَانوا غَالِبًا مِنَ المَجُوسِ فِي عَقِيدَتِهِمْ ، وَمِنَ النَّصارَى ، وَعِنْدَهُمْ مِنْ كُتُبِ النَّصارَى وَكُتُبِ الفَلاسِفةِ بَقَايَا ، فَزَيَّنُوا لِلخُلَفاءِ أَنْ يُتَرْجِمُوها إِلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ ، فَتَرْجَمُوا كُتُبًا كَثيرةً مِنْ كُتُبِ الفَلاسِفَةِ وَالمَلاَحِدَةِ ، وَمِنْ كُتُبِ اليونانِ مِن نَصارَى وَمَجُوسٍ ونحوِهِم.
وَلَمَّا انْتَشَرَتْ تِلكَ الكُتُبُ كَانَ فِي طَيَّاتِهَا التَّشْكِيكُ فِي الخَالِقِ ، وَفِي مَبْدَأِ الخَلْقِ وَفِي مُنْتَهَاهُ ، مِمَّا كَانَ سَبَبًا فِي كَثْرَةِ الزَّنْدَقَةِ ، فَظَهَرَ فِي ذَلكَ الوَقْتِ مَذْهَبُ الزَّنْدَقَةِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى بِمَبْدَأِ الشُّيُوعِيَّةِ، فَتَمَكَّنَت الشُّيوعِيَّةُ وَظَهَرَتْ .
وَلَكن فَطِنَ لهَمُ الخَليفةُ المَهْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثيرًا ، فَكُلُّ مَن اتُّهِمَ بِأَنَّهُ زِنْديقٌ مُنْكِرٌ للخَلْقِ وَالخالِقِ ، أَوْ يَذْهَبُ مَذاهِبَ الفَلاسِفَةِ فِي إِنْكَارِ بَدْءِ الخَلْقِ وَإِعَادَتِهِ ، وَيَدَّعِي أَنَّ الأمْرَ مُسْنَدٌ إِلى الطَّبائِعِ وَنَحْوِ ذلكَ ؛ أَخَذَهُ وَقَتَلَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ يَسْتَتِيبُهُمْ لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ يَقُولونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَأَنَّهُم أَظْهَرُوا الإسْلامَ وَقَصَدوا مِنْ إِظْهَارِهِ إِفْسَادَ العَقَائِدِ ، حتَّى يَثِقَ النَّاسُ بِهِم وَيَأْخُذُوا مِنْهُم ، فَإِذا أَخَذُوا مِنْهُم أَعْطَوْهُم مَا يُرِيدُونَ مِنَ التَّشْكِيكِ ، وَمِنَ الارْتِبَاكِ فِي أَمْرِ العَقِيدَةِ ، حتَّى يُزَعْزِعُوا عَقِيدةَ الكَثيرِ مِنَ النَّاسِ ، هَذا هُوَ السَّبَبُ فِي فُشُوِّ هَذا المَذْهَبِ الشُّيوعيِّ.
ذَكَرَ المُتَرْجِمُونَ لِلمَهْدِيِّ : أَنَّهُ أَحْضَرَ أَحَدَهُمْ لَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ زِنْديقٌ وَحَكَمَ بِقَتْلِهِ ، فَقَالَ ذَلكَ الزِّنديقُ : كَيْفَ تَفْعَلُ بِأَرْبَعَةِ آلافِ حَديثٍ كَذَبْتُهَا وَبَثَثْتُهَا فِي المُسْلِمِينَ؟
فَقَالَ المَهْدِيُّ: تَعِيشُ لَها نُقَّادُهَا، أَيْ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ قَيَّضَ لَها عُلَماءَ يُنَقِّحُونَ الأحَاديثَ وَيُبَيِّنُونَ زَيْفَهَا، وَيُظْهِرُونَ مَا هُوَ مَكْذُوبٌ وَدَخِيلٌ عَلَى السُّنَّةِ ، يَعْنِي أَمْثَالَ الأئِمَّةِ الّذينَ كَتَبُوا فِي الأحاديثِ ، وَبَيَّنُوا عِلَلَها ، وَبَيَّنُوا المَكْذُوبَ مِنْها وَالمَوْضوعَ وَالصَّحيحَ وَالضَّعيفَ.
وَبِكُلِّ حَالٍ فَهذا الوَقْتُ انْتَشَرَ فِيهِ هَذا المَذْهَبُ الشُّيوعيُّ الخَبِيثُ ، بِسَبَبِ تَعْريبِ هَذِهِ الكُتُبِ ، وَمِنْ أَثَرِ انْتِشارِهَا كَثْرَةُ الخَوْضِ فِي عُلومٍ جَديدةٍ سَمَّاهَا السَّلَفُ رَحِمَهُم اللهُ (عِلْمَ الكَلامِ) ، هَكَذا أَطْلَقُوا عَلَيْهِ ، وَقَصَدُوا بِهِ العِلْمَ الَّذِي يَخُوضُ فِي غَيْرِ دَليلٍ ، يَخُوضُ فِي الأُمُورِ الخَفِيَّةِ ؛ فِي الجَوَاهِرِ وَالأعْرَاضِ وَالأبْعَاضِ ، وَالافْتراضاتِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلكَ.
وَهَذا الكَلامُ هُوَ الَّذِي شَغَلَ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ القُرُونِ المُتَأَخِّرَةِ ، بِحَيْثُ إِنَّهُم كَرَّسُوا جُهُودَهُمْ فِي هَذا الكَلامِ ، وَأَخَذُوا يَفْتَرِضُونَ افْتِرَاضَاتٍ ؛ إِنْ كَانَ كَذا فَمَاذا يَكُونُ كَذا ؟ وَمَا هُوَ جَوَابُهُ ؟ حتَّى مَلأُوا صُدورَ النَّاسِ بِمَا لا فَائِدَةَ فِيه ، وَمَلأُوا الكُتُبَ بِما لا أَهَمِّيَّةَ لَهُ ، فَكَانَ ذَلكَ مِمَّا حَمَلَ العُلمَاءَ عَلَى التَّحذيرِ مِنْ عِلْمِ الكَلامِ ، كَقَوْلِ الشَّافِعيِّ رَحِمَهُ اللهُ : (حُكْمِي فِي أَهْلِ الكَلامِ أَنْ يُضْرَبوا بَالجَرِيدِ، وَيُطَافَ بِهِمْ فِي العَشَائِرِ، وَيُقَالَ: هَذا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ القُرآنَ، وَأَقْبَلَ عَلَى الكَلامِ) ، وَغَيْرُهُ كَثيرٌ مِنَ الّذينَ حَذَّرُوا مِنْ عِلْمِ الكَلامِ.
وَمَعَ الأسَفِ فَقد انْتَشَرَ عِلْمُ الكَلامِ هَذا فِي كُتُبِ الأَشاعِرَةِ ، وفي كُتُبِ المُعْتَزِلَةِ ؛ فَحَشَدُوا الكَثيرَ مِنْهُ فِي كُتُبِ التَّفْسيرِ ، وَفِي كُتُبِ العَقائِدِ ، وَفِي كُتُبِ الأُصُولِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، وَافْتَرَضُوا افْتِراضَاتٍ لا دَليلَ عَلَيْها.
فَإِذاً: لا شَكَّ أَنَّ هَذا مِمَّا حَمَلَ السَّلفَ رَحِمَهُم اللهُ عَلى أَنْ يُنَقِّحُوا العَقيدةَ ، لَمَّا رَأَوْا فِي القَرْنِ الثَّاني وَفِي القَرْنِ الثَّالثِ وَمَا بَعْدَهُ تَغَيُّرَ النَّاسِ فِي بَابِ الاعْتِقادِ ، ولَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكْتُبُوا فِي ذَلكَ ، وَيُقَرِّرُوا ، وَيُبْدِئُوا وَيُعِيدُوا ، وَيُظْهِرُوا المَذْهَبَ الصَّحيحَ وَالعَقيدةَ السَّلَفيَّةَ السَّليمَةَ وَيُبَيِّنُوهَا عَلَنًا، حتَّى لا يَقَعَ فِي خِلافِهَا مَنْ قَصْدُهُ الحقُّ.
فَكُتُبُ السَّلَفِ فِي العَقيدَةِ كَثيرةٌ وَشَهيرةٌ:
مِنْها: مَا سُمِّيَ بِكتَابِ الإِيمانِ ، مُتَقَدِّمًا وَمُتَأَخِّرًا وَمُخْتَصَرًا وَمَبْسُوطًا، مِثْلَ (كِتَابِ الإِيمانِ) لابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، و(كِتَابِ الإيمانِ)لأبِي عُبَيْدٍ القَاسِمِ بنِ سَلاَّمٍ ، و (كِتَابِ الإيمانِ) لابنِ مَنْدَهْ فِي ثَلاثَةِ أَجْزَاءٍ، وَكُلُّهَا مَطْبُوعَةٌ.
وَمِنْها: مَا سَمَّوْهُ بِكُتُبِ السُّنَّةِ؛(كالسُّنَّةِ) للإمَامِ أَحْمَدَ، والسُّنَّةِ لابنِهِ عَبْدِ اللهِ، و(َالسُّنَّةِ)لِلْخَلاَّلِ، وَ(السُّنَّةِ)لابنِ أَبِي عَاصِمٍ، وغيرِهَا.
وَمِنْها: مَا سَمَّوْهُ بِالتَّوحيدِ، (كَكِتَابِ التَّوْحيدِ)لابنِ خُزَيْمَةَ، و(التَّوْحيدِ) لابنِ مَنْدَهْ.
وَمِنْها: مَا سُمِّيَ بِأَسْماءٍ أُخْرَى، (كَالرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالزَّنادِقَةِ فِيمَا شَكُّوا فيهِ مِن مُتَشابِهِ القُرآنِ) للإمامِ أَحْمَدَ ، (وَالرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ)لِعُثْمَانَ بنِ سَعيدٍ الدَّارِمِيِّ، (وَالرَّدِّ عَلَى بِشْرٍ المَرِيسِيِّ) لِلدَّارِمِيِّ أيضًا.
وَمِنْها: مَا لَهُ أَسْمَاءٌ خَاصَّةٌ، (كالشَّريعَةِ)لِلآجُرِّيِّ، (وَالإِبَانَةِ)لابنِ بَطَّةَ (الإبَانَةِ الصُّغْرَى، والإبَانَةِ الكُبْرَى)، (وَشَرْحِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ) الَّذِي هُوَ مِنْ أَوْسَعِهَا لِلاَّلَكَائِيِّ.
هَذِهِ كُتُبٌ ضَمَّنَهَا مُؤَلِّفُوهَا العَقِيدةَ ، وَأَرَادُوا بِذلكَ أَنْ يُخْلِصُوا أَمْرَ المُعْتَقَدِ حتَّى لا تَضْمَحِلَّ عَقيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَمَعَ كثْرَةِ هَذِهِ الكُتُبِ مِمَّا ذَكَرْنَا - وَغَيرُهَا كَثِيرٌ - فإنَّهُ لَمَّا انْقَضَى القَرْنُ الثَّالِثُ آخِرُ القُرونِ المُفَضَّلَةِ أُمِيتَتْ هَذِهِ الكُتُبُ مَعَ الأَسَفِ ، وَأَصْبَحَتْ مَخْزُونَةً لا يُعْتَرَفُ بِها وَلا تُقْرَأُ ، وَلا تُدَرَّسُ إلاَّ نَادِرًا وَبِصِفَةٍ خَفِيَّةٍ ، وَتَمَكَّنَ مَذْهَبُ الأَشَاعِرَةِ وَمَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أيَّمَا تَمَكُّنٍ ، وَانْتَشَرَ الإِكْبَابُ عَلَيْهِ ، وَكَثُرَت الدُّروسُ وَالكُتُبُ الّتي تُؤَلَّفُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ العَقَائِدِ ؛ عَقيدةِ الأَشْعَرِيَّةِ وَعَقيدةِ المُعْتَزِلَةِ ، وَكَادَت السُّنَّةُ وَكُتُبُها أَنْ لا يَكونَ لَها ذِكْرٌ ، بَلْ كَادَ مَذْهَبُ الإمامِ أَحْمَدَ أَنْ يَضْمَحِلَّ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ عَلَيْهِ إلاَّ قِلَّةٌ .
وَفِي آخِرِ القَرْنِ الرَّابِعِ وَأَوَّلِ القَرْنِ الخَامِسِ بَدَأَ يَظْهَرُ مَذْهَبُ الإمامِ أَحْمَدَ بِسَبَبِ القَاضي أَبِي يَعْلَى رَحِمَهُ اللهُ ، فَإِنَّهُ لَمَّا اعْتَنَقَ هَذا المَذْهَبَ وَتَولَّى القَضَاءَ ، وَكَانَ عَالِمًا جَلِيلاً ، وَكَانَ مِنْ أَبْرَزِ أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ لِلقَضاءِ مَنْ يَتَوَلاَّهُ مِثْلُهُ أَظْهَرَ هَذا المَذْهَبَ .
وَمَعَ ذَلكَ فَإِنَّهُ هو وَأَسَاتِذَتَهُ الّذينَ قُرِئَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ عِلْمِ الكَلامِ قَدْ تَأَثَّرُوا بِشُبَهِ المُتَكَلِّمينَ ، وَلَكنْ لَمَّا كَانَ عَلَى مَذْهَبِ الإمامِ أَحْمَدَ لَمْ يَرُدَّ ما رُوِيَ عَنْهُ ، فَأَلَّفَ رِسالةً فِيما يَتَعَلَّقُ بِصِفَةِ العُلُوِّ وَأَمْلاَهَا عَلَى تَلامِذَتِهِ ، ولَمَّا كَتَبَهَا وَأَمْلاَهَا قَامَت الدُّنيا، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَهْلُ زَمَانِهِ ، وَقَالوا: القاضي أَبو يَعْلَى مُمَثِّلٌ ، القاضي مُشَبِّهٌ وَكَادُوا يَسْعَوْنَ فِي إِبْعَادِهِ وَعَزْلِهِ ، فَاعْتَذَرَ أَنَّهُ إِنَّما نَقَلَ كَلامَ غَيْرِهِ ، وَالرَّدُّ لا يَكونُ عَلَيْهِ بَلْ يَكونُ عَلَى غَيْرِهِ ، عَلى الّذين نَقَلَ عَنْهُمْ ؛ وَأَمَّا هُوَ فَإِنَّهُ ناقِلٌ .
وَلا شَكَّ أَنَّ هَذا دَليلٌ عَلَى غُرْبَةِ السُّنَّةِ فِي تِلْكَ القُرونِ ؛ القَرْنِ الرَّابِعِ وَالقَرْنِ الخَامِسِ وَمَا بَعْدَهُما ، وَبِالتَّتَبُّعِ لِهَذِهِ القُرونِ ؛ الرَّابِعِ وَالخَامِسِ وَالسَّادِسِ وَأَغْلَبِ السَّابِعِ ، لا تَجِدُ فِيها مَنْ هُوَ عَلَى مَذْهَبِ السُّنَّةِ إلاَّ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ، وَلَوْ كَانَ حَنْبَلِيًّا، وَمَا ذاكَ إلاَّ أَنَّهُم قَرَأُوا عَلَى مَشايِخَ لَهُمْ، وَأُولَئِكَ المَشَايِخُ قَرَأُوا عِلْمَ الكَلامِ عَلَى عُلَمائِهِمْ، وَلَمَّا قَرَأُوهُ تَمَكَّنَ مِنْ نُفُوسِهِمْ ، وَتَمَكَّنَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ الّتي هِيَ إِنْكارُ صِفَةِ العُلُوِّ ، وَإِنْكارُ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ ، وَإِنْكارُ الكثيرِ مِنَ الصِّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ ، فَتَمَكَّنَتْ مِن النُّفوسِ ، فَصارَ ذَلكَ سَبَبًا فِي انْحِرافِهِمْ عَنْ عَقيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَهُم السَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ الأَرْبَعةُ الَّذينَ يُقْتَدَى بِهِمْ فِي الفُروعِ ، فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ وَالحَمْدُ للهِ عَلَى مُعْتَقَدٍ وَاحدٍ فِي الأُصولِ .
وَمَعَ ذَلكَ يَفْتَخِرُ كَثيرٌ مِنْهُمْ بِانْتِمَائِهِمْ إِلَيْهِمْ وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي أَصْلِ الأُصولِ الَّذِي هُوَ بَابُ العقيدةِ ، فَتَجِدُهُمْ يَقولونَ : نَحْنُ عَلى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَلَكنْ فِي بَابِ العَقيدةِ عَلَى مَذْهَبِ الأشْعَريِّ ، وَلا يَتَمَسَّكونَ بِمَذْهَبِ الأَشْعريِّ الصحيحِ ، وَلا بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ ، وَإِنَّما بِالمَذاهِبِ الّتي تَلَقَّوْهَا عَنْ مَشايِخِهِم المُتَأَخِّرِينَ ، الّذين تَلَقَّوْا هَذِهِ العُلومَ مِن المُتَكَلِّمينَ .
وَلا شَكَّ أَنَّ أُولَئِكَ لَمَّا كَثُرَ الخَوْضُ مِنْهُمْ فِي عِلْمِ الكَلامِ ، وَفِي التَّدْقِيقِ فِي تِلْكَ المَسائِلِ الخَفِيَّةِ كَانَتْ لَها نَتيجَةٌ سَيِّئةٌ ، وَهِيَ أَنَّها أَوْقَعَتْ كَثيرًا مِنْهُمْ فِي الحَيْرَةِ ، تَحَيَّرُوا مَاذا يَعْتَقِدُونَ ؟ وَما هِيَ العَقيدةُ الّتي تُنْجِيهِمْ؟!
ذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ فِي أَوَّلِ الحَمَوِيَّةِ ، وَابنُ أَبِي العِزِّ فِي (شَرْحِ الطَّحَاوِيَّةِ) قِصَصًا لِبَعْضِ أُولَئِكَ الحَيَارَى المُتَهَوِّكِينَ ؛ مِنْها قِصَّةُ الرَّازِيِّ مِنْ عُلَماءِ المُتَكَلِّمينَ وَهُوَ أَبو عَبْدِ اللهِ ، وَيُقَالُ لَهُ : ابنُ الخَطيبِ ، صَاحِبُ (التَّفسيرِ الكَبيرِ) وَصَاحِبُ (تَأْسيسِ التَّقْدِيسِ) الَّذِي ردَّ عَلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ بِكِتَابِهِ (نَقْضِ التَّأْسِيسِ) ذَكَرَ أَنَّهُ إِمَّا أَنْشَأَ أَبْيَاتًا، وَإِمَّا اسْتَشْهَدَ بِها ، وَهِيَ الّتي يَقولُ فِيها:
نــِهــايــَةُإِقــْدَامِ الـعـُقـــولِ عـِقـــالُ = وَأَكْثـَرُ سـَعـْيِ الـعــَالــمـِيـنَ ضَلالُ
وَأَرْواحُنا في وَحْشَةٍ مِنْ جسُومِنا = وَغـــَايـــَةُدُنــْيـــــَانــــَا أَذًى وَوَبَالُ
وَلـَمْنَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا = سـِوَى أَنْ جـَمـَعـْنـَا فِيه قِيلَ وَقَالُوا
ثُمَّ يَقولُ: (لَقَدْ تَأَمَّلْتُ الطُّرُقَ الكَلامِيَّةَ ، وَالمَنَاهِجَ الفَلْسَفِيَّةَ، فَما رَأَيْتُهَا تَشْفِي عَلِيلاً ، وَلا تَرْوِي غَلِيلاً ، وَرَأَيْتُ أَقْرَبَ الطُّرُقِ طَريقَةَ القُرْآنِ ؛ اقْرَأْ فِي الإِثْباتِ قَولَهُ تَعَالى : {الرَّحْمَـنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} .
وَاقْرَأْ فِي النَّفْيِ قَوْلَهُ تَعَالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} ، وَمَنْ جَرَّبَ مِثْلَ تَجْرِبَتي عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتي ) اهـ.
فَنَحْنُ نَقولُ: لَيْتَهُ بَقِيَ عَلَى هَذا ، وَلَيْتَهُ كَتَبَ فِي هَذا ، وَلَكِنَّهُ أَضَلَّ بِكَثيرٍ مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ مَعَ سَعَةِ مَا فُتِحَ عَلَيْهِ مِنَ العُلومِ.
وَمِنْهُم الجُوَيْنِيُّ الَّذِي يُقالُ لَهُ : إِمامُ الحَرَمَيْنِ ، لَهُ كِتَابٌ مَطْبوعٌ مَشْهورٌ فِي عِلْمِ الكَلامِ اسْمُهُ (الإِرْشَادُ) وَلَهُ كُتُبٌ غَيْرُهُ ؛ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ تَأَسَّفَ عَلَى حَيَاتِهِ ، وَقَالَ: (لَقَدْ خُضْتُ البَحْرَ الخِضَمَّ، وَتَرَكْتُ أَهْلَ الإسْلامِ وَعُلومَهُمْ، وَخُضْتُ فِي الَّذِي نَهَوْنِي عَنْهُ، وَالآنَ إِنْ لَمْ تُدْرِكْنِي رَحْمَةُ رَبِّي فَالوَيْلُ لابنِ الجُوَيْنِيِّ، وَهَا أَنَا أَموتُ عَلَى عَقيدَةِ عَجَائِزِ نَيْسابُورَ ).
تَمَنَّى فِي آخِرِ حَياتِهِ أَنَّهُ ما خَاضَ فِي هَذِهِ العُلومِ أَصْلاً ، وَكَذَلكَ الشَّهْرَسْتَانِيُّ صَاحِبُ (المِلَلِ وَالنِّحَلِ) ذَكَرُوا عَنْهُ أَنَّهُ يَقولُ : (أَكْثَرُ النَّاسِ شَكًّا عِنْدَ المَوْتِ أَهْلُ الكَلامِ ).
وَغَيْرُهُم كَثيرٌ؛ هَذِهِ نِهايَةُ أَولَئِكَ المُتَكَلِّمينَ، وَنِهايَةُ مَعْلُومَاتِهِمْ.
وَمَعَ ذَلكَ وَلِلأَسَفِ فَالبَعْضُ مُتَمَسِّكونَ بِهَذِهِ العَقائِدِ ، وَيُؤَلِّفُونَ فِيها المُؤَلَّفَاتِ ، وَيُسَمُّونَها بِمُؤَلَّفَاتِ التَّوحيدِ نَظْمًا وَنَثْرًا ، مِثْلَ (العَقائِدِ النَّسَفِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ الأشاعِرَةِ) وَمِثْلَ (نَظْمِ الجَوْهَرَةِ ، وَمَنْظومَةِ الشَّيْبَانِيِّ) - وَإِنْ كَانَتْ أَخَفَّ وَلَكنْ فِيها بَعْضُ الانْحِرافِ القَليلِ - وَمِثْلَ (بَدْءِ الأَمَالِي)… إلخ.
وَهَذِهِ العَقائِدُ - مِنْ عَقائِدِ الأشاعِرَةِ - مَطْبوعَةٌ فِي مَجْموعِ المُتونِ ، وَلَها شُروحٌ مَشهورَةٌ ، هَذِهِ العَقائِدُ اعْتَقَدُوهَا ، وَأَلَّفُوا فِيها ، وَاشْتَهَرَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ تَلامِذَتِهِم ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الحَديثِ أَلَّفَ فِي العَقيدَةِ ، وَلَكنْ لا يَجْرُؤُ أَنْ يُصَرِّحَ بِمَذْهَبِ السَّلَفِ ، وَيُفْصِحَ بِمَا عَلَيْهِ الأَئِمَّةُ، وَمِنْ أَقْرَبِهِمْ وَأَحْسَنِهِم الطَّحَاوِيُّ صَاحِبُ العَقيدَةِ المَشْهورَةِ، وَكَانَ شَافِعِيًّا ثُمَّ تَحَوَّلَ حَنَفِيًّا وَتَعَصَّبَ لِلْمَذْهَبِ الحَنَفِيِّ ، وَأَلَّفَ (العَقيدَةَ الطَّحاوِيَّةَ) وَذَكَرَ فِيها بَعْضَ العِبَاراتِ المُنْكَرَةِ الّتي اشْتَهَرَتْ فِي زَمَانِهِ عَن المُتَكَلِّمِينَ ، مِثْلَ قَوْلِهِ: (إِنَّ اللهَ مُنَـزَّهٌ عَنِ الحُدودِ وَالغَايَاتِ، وَالأَبْعَاضِ وَالأَغْرَاضِ، لا تَحْوِيهِ الجِهاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ المُبْتَدَعَاتِ) .
وَالشَّارِحُ رَحِمَهُ اللهُ الَّذِي شَرَحَها ابنُ أَبِي العِزِّ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَلَكنْ شَرَحَهَا كَثيرٌ مِنَ الأَشَاعِرَةِ وَسَلَكُوا فِيها مَسْلَكَ المُعْتَزِلَةِ أَوْ مَسْلَكَ الأَشاعِرَةِ ، وَحَمَّلُوهَا ما لا تُطِيقُ ، وَصَرَفُوا مَدْلُولاَتِهَا.
وَهَكذا الرِّسَالَةُ الّتِي كُتِبَتْ عَن الإمامِ أَبي حَنِيفَةَ، يُمْكِنُ أَنَّهُ أَمْلَى بَعْضَهَا، وَأَخَذَهَا بَعْضُ تَلامِذَتِهِ ، وَتُسَمَّى: (الفِقْهَ الأَكْبَرَ) ، نَقَلَ مِنْها شَيْخُ الإسْلامِ بَعْضَ النُّقُولِ فِي (الحَمَوِيَّةِ) وَكَذلكَ ابنُ أَبي العِزِّ فِي (شَرْحِ الطَّحَاوِيَّةِ).
وَلَكِنْ يَظْهَرُ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَها التَّغْيِيرُ مِنْ بَعْضِ المُتَأَخِّرينَ الَّذِينَ انْحَرَفُوا فِي بَعْضِ الاعْتِقَادِ ؛ فَأَدْخَلُوا فِيها كَثيرًا مِنَ التَّأْويلاتِ ، وَشَرَحَهَا كَثيرٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَى مَذْهَبِ الأشاعِرَةِ ، أَوْ مَذْهَبِ مُنْكِرِي الصِّفاتِ ، وَأَنْكَرُوا مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ رَحِمَهُم اللهُ ، وَلا شَكَّ أَنَّ سَبَبَ ذَلكَ كَثْرَةُ مَا تَلَقَّوْهُ عَنْ مَشَايخِهِم الّذين كَانُوا عَلَى هَذا المَذْهَبِ الَّذِي هُوَ تَأْوِيلُ وَتَحْرِيفُ الصِّفاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا .
وَهَكَذا بَقِيَّةُ هَذِهِ العُصورِ وَهَذِهِ القُرونِ ، كَانَ السَّائِدُ فِيها وَالمُنْتَشِرُ هُوَ هَذا المَذْهَبَ الأَشْعريَّ ، وَمَعْروفٌ أَنَّ الأشْعَرِيَّ هُوَ أَبُو الحَسَنِ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبي مُوسَى ؛ عَالِمٌ مَشهورٌ ظَهَرَ فِي القَرْنِ الثَّالِثِ ، كَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ مُعْتَزِلِيًّا عَلَى طَرِيقَةِ أَبي هَاشِمٍ الجُبَّائِيِّ وَأَبي الهُذَيْلِ العَلاَّفِ ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ المُعْتَزِلَةِ ، ثمَّ نَزَلَ عَنْ هَذِهِ العَقِيدَةِ لَمَّا ظَهَرَ لَهُ تَفَاهَتُهَا ، وَانْتَحَلَ مَذْهَبَ الكُلاَّبِيَّةِ أَتْبَاعِ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعِيدِ بنِ كُلاَّبٍ ، وَكَانَ ابنُ كُلاَّبٍ هَذا عَالِمًا جَدَلِيًّا ؛ سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّهُ إِذا احْتَجَّ كَانَتْ حُجَّتُهُ قَوِيَّةً بِمَنْـزِلَةِ كُلاَّبِ الصُّنَّاعِ الحَدَّادِينَ الّتي تُمْسِكُ الحَديدَ، أَيْ إِنَّهُ فِي قُوَّةِ جَدَلِهِ وَاحْتِجَاجِهِ بِمَنْـزِلَةِ هَذا الكُلاَّبِ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ تَأَوَّلَ كَثيرًا مِنَ الصِّفاتِ وَلَمْ يُثْبِتْ إِلاَّ بَعْضَهَا ، فَانْتَحَلَ أَبو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ عَقيدَتَهُ فِي الإِقْرارِ بسَبْعِ صِفاتٍ ، وإِنْكَارِ ما سِوَاهَا ، وَأَلَّفَ كُتُبًا كَثيرةً عَلَى هَذا المَذْهَبِ ، وَقَضَى عَلَيْها أَكْثَرَ عُمْرِهِ ، أَيْ نَحْوَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَهُوَ يُؤَلِّفُ عَلَى هَذا المَذْهَبِ ، حَتَّى اشْتَهَرَتْ كُتُبُهُ وَتَلَقَّاهَا الجَمُّ الكَثيرُ وَالجَمْعُ الغَفيرُ.
وَفِي آخِرِ حَيَاةِ أَبِي الحَسَنِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِ ، وَقَرَأَ بَعْضَ كُتُبِ السَّلَفِ ، فَرَجَعَ عَمَّا كَانَ يَعْتَقِدُهُ إِلى مَذْهَبِ السَّلَفِ ، وَأَلَّفَ رِسَالَتَهُ المَطْبُوعَةَ الّتي سَمَّاهَا (الإِبَانَةَ فِي أُصولِ الدِّيَانَةِ) رِسَالَةً مُخْتَصَرَةً أَلَّفَهَا عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ ، وَأَلَّفَ أَيْضًا كِتَابَهُ (مَقالاتِ الإسْلامِيِّينَ) الَّذِي جَعَلَهُ فِي الفِرَقِ.
وَلَمَّا أَتَى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ ذَكَرَهُ صَريحًا ، وَذَكَرَ عَقِيدَتَهُم الّتي يُمْكِنُ القَوْلُ: إنَّهُ نَقَلَهَا عَنْ كُتُبِ الإمامِ أَحْمَدَ أَوْ غَيْرِهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ انْتَحَلَ عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَخيرًا ، فَمَقالَتُهُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْهُمْ ، لِدَرَجَةِ أَنَّهُ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ وَبِمَا قَالَهُ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ : وَجُمْلَةُ مَقَالِنَا أَنَّا نَقُولُ كَذا وَكَذا ، وَقَدْ نَقَلَهُ أَيْضًا ابنُ القَيِّمِ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ (حَادِي الأَرْوَاحِ) وَفِي بَعْضِ كُتُبِهِ.
وبِكُلِّ حَالٍ ؛ هَذا المَذْهَبُ الَّذِي عَلَيْهِ الآنَ الأشاعِرَةُ لَيْسَ هُوَ حَقًّا مَذْهَبَ الأشْعَرِيِّ؛ لأنَّ الأشْعريَّ قَدْ رَجَعَ عَنْهُ، إِنَّما هُوَ مَذْهَبُ الكُلاَّبِيَّةِ.
هَذا بَعْضُ مَا كَانَ عَلَيْهِ هَذا المُعْتَقَدُ فِي هَذِهِ الأَزْمِنَةِ ، وَالحَنَابِلَةُ طَوالَ هَذِهِ الأَزْمِنَةِ الغَالِبُ أَنَّهُمْ يَتَتَلْمَذونَ عَلَى أَشاعِرَةٍ ، وَمِنْهُم الإمامُ ابنُ قُدَامَةَ حَيْثُ نَجِدُ أَنَّ تَلامِذَتَهُ وَمَشايِخَهُ وَزُمَلاءَهُ فِي العَقيدَةِ مِنْ شَافِعيَّةٍ وَمِنْ حَنَفيَّةٍ وَمِنْ مَالِكِيَّةٍ عَلَى المَذْهَبِ الأشْعَريِّ.
وَلَكِنْ لا بُدَّ أَنَّهُ وَصَلَتْ إِلَيْهِ كُتُبُ الإمامِ أَحْمَدَ ، وَكَذَلِكَ كُتُبُ السَّلَفِ ، فَلَمْ يُوافِقْ أَهْلَ زَمَانِهِ بَلْ وَافَقَ شَيْخَهُ ، وَوَافَقَ مَذْهَبَهُ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ الإمامِ أَحْمَدَ ، فَأَلَّفَ كُتُبًا كَثيرةً فِيما يَتَعَلَّقُ بِالعَقيدَةِ ، مِنْها رِسَالَتُهُ الّتي فِي إِثْبَاتِ صِفَةِ العُلُوِّ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ يَرَى إِثْبَاتَ هَذِهِ الصِّفَةِ للهِ تَعَالى ، وَلَوْ أَنْكَرَهَا مَنْ أَنْكَرَهَا.
وَمِنْها رِسالَةٌ فِي ذَمِّ التَّأْويلِ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ زُمَلاؤُهُ وَأَساتِذَتُهُ مِنَ الأشاعِرَةِ وَنَحْوِهِمْ .
وَمِنْها هَذِهِ الرِّسالَةُ الّتي نَحْنُ بصَدَدِهَا: (لُمْعَةُ الاعْتِقَادِ الهَادِي إِلى سَبِيلِ الرَّشَادِ)، سَمَّاهَا لُمْعَةً ؛ لأَنَّها ذَاتُ أَدِلَّةٍ صَحيحةٍ صَريحةٍ مُضيئَةٍ تَلْمَعُ لَمَعانًا كَلَمَعَانِ السُّرُجِ القَوِيَّةِ ، وَكَلَمَعانِ النُّجومِ فِي الليْلَةِ المُظْلِمَةِ، يَعْنِي: أَنَّها ذَاتُ أَدِلَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَذَاتُ دَلالَةٍ لا خَفَاءَ فِيها فِي الاعْتِقَادِ.
(لُمْعَةُ الاعْتِقَادِ)أَيْ: أَدِلَّةُ الاعْتِقَادِ الّتي هِيَ صَحيحةٌ ذَاتُ لَمَعانٍ وَضِيَاءٍ لا يَحْتَمِلُ الخَفَاءَ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى أَوْ تَخْفَى دَلالَتُهُ إِلاَّ عَلَى عُمْيِ البَصائِرِ.
فَهَذا هُوَ قَصْدُهُ ، وَلَكِنْ إِذا قَرَأْتَها تَجِدُ أَنَّهُ رَحِمَهُ اللهُ لَمْ يَجْرُؤْ أَنْ يُفْصِحَ فيها بِمُوجِبِ الأَدِلَّةِ وَبِدَلالَتِها، بَلْ هُوَ يَذْكُرُ الأَدِلَّةَ، وَيُورِدُ بَعْضَ المَعانِي، حَيْثُ إِنَّ أَهْلَ زَمانِهِ لا يَحْتَمِلونَ الإِفْصاحَ ، وَإِلاَّ فَهُوَ قَدْ أَفْصَحَ فِي كِتَابِهِ (العُلُوِّ) بِإِثْباتِ صِفَةِ العُلُوِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ يَخْشَى أَنْ يُشَنِّعَ عَلَيْهِ أَهْلُ زَمانِهِ بِأَنَّهُ مُشَبِّهٌ ، وَبِأَنَّهُ مُمَثِّلٌ ، فَأَلَّفَهَا وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الأَدِلَّةِ ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ ذَكَرَ أَدِلَّةً صَريحةً وَاضِحَةَ الدَّلالَةِ لا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلاً ، وَقَدْ أَبْطَلَ التَّأْويلَ فِي رِسالَتِهِ الأُخْرَى.
وَكَذلِكَ أَيْضًا تَتَبَّعَ عَقيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الصِّفاتِ ، وَالإيمانِ ، وَالقَدَرِ، وَالصَّحابَةِ ، وَفِي إِثْباتِ الرُّؤْيَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ أَصْلِ العَقيدَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَحِمَهُ اللهُ اسْتَوْفَى عَقِيدةَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَقَدْ شُرِحَتْ هَذِهِ العَقيدَةُ مِنْ بَعْضِ المَشايخِ المُتَأَخِّرينَ ، وَقَدْ كَتَبْتُ عَلَيْها شَرْحًا مُخْتَصَرًا ، وَهُوَ التَّعْلِيقَاتُ الّتي كَتَبْنَاهَا عَلَيْها، وَكُنْتُ أَمْلَيْتُهَا فِي سَنَةِ ثَلاثٍ وَتِسْعِينَ وِثَلاثِمائَةٍ وَأَلْفٍ عَلَى طُلاَّبِ مَعْهَدِ إِمامِ الدَّعْوَةِ لَمَّا قُمْتُ بِتَدْرِيسِهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ ، وِفِي السَّنَةِ الّتي قَبْلَها ، وَكَانوا مِنْ طُلاَّبِ المُتَوَسِّطَةِ ، وَالغَالِبُ أَنَّهُم لا يَتَحَمَّلُونَ الإِطَالَةَ ، فَأَمْلَيْتُهَا عَلَيْهِم كَمَرْجِعٍ لَهُمْ ، لِيَكُونَ مُوَضِّحًا لِدَلالَتِها وَنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ لِي أَنْ أُرَاجِعَهَا طَوَالَ هَذِهِ السِّنينَ ، وَأَخَذَها بَعْضُ الإخْوَةِ وَطَبَعَها وَوَقَعَ فِيها بَعْضُ الأَخْطَاءِ ، وَبَعْضُ ما يَحْتَاجُ إِلى تَنْبِيهٍ.
وَقَدْ صَحَّحْنَا بَعْضَ المَسائِلِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَعَلَى الّذينَ أَخَذُوهَا مِنَ المَكْتَباتِ أَنْ يُصَحِّحُوا النَّقْصَ الَّذِي فِيها ، أَمَّا بَقِيَّةُ العُلَماءِ ، فَمَا أَذْكُرُ أَنَّها شُرِحَتْ إِلاَّ شَرْحَ الشَّيْخِ ابنِ عُثَيْمِينَ مُتَأَخِّرًا ، وَمَا أَذْكُرُ أَنَّ أَحَدًا اعْتَنَى بِها ولا شَرَحَها ، وَلَعَلَّ السَّبَبَ في ذلكَ أَنَّ عُلَماءَ الحَنَابِلَةِ رَحِمَهُم اللهُ كَانَ جُلُّ عَمَلِهِمْ وَاشْتِغَالِهِمْ بِالمَسائِلِ الفِقْهِيَّةِ ، وَمَا اشْتَغَلَ بِالعَقائِدِ إِلاَّ القِلَّةُ مِنْهُمْ.
ثُمَّ فِي عَهْدِ شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ ، لَمَّا أَنَّ اللهَ وَهَبَهُ عِلْمًا وَقُوَّةً وَجَرَاءَةً وَحِفْظًا وَذَكاءً وَقُوَّةَ أُسْلوبٍ ، وَوَهَبَهُ أَيْضًا شُهْرَةً بَيْنَ النَّاسِ ، وَمَحَبَّةً اشْتَهَرَ بِها فِي القَاصِي وَالدَّانِي بِما مَعَهُ مِنَ المَعْلوماتِ لَمْ يُبَالِ بِأَهْلِ زَمَانِهِ وَلا بِمَنْ خَالَفَهُ بَلْ أَفْصَحَ بِما يَعْتَقِدُهُ ، وَجَدَّدَ عَقِيدَةَ السَّلَفِ ، وَكَتَبَ فِيها المُؤَلَّفاتِ الّتي لا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُعَارِضَهُ فِيها ، وَبَيَّنَ فِيها مَا هُوَ أَجْلَى مِنَ الشَّمْسِ ، كَما هُوَ مَبْسُوطٌ أَوْ مُخْتَصَرٌ فِي مُؤَلَّفاتِهِ الكَبيرةِ المَبْسوطَةِ مِثْلَ: (مِنْهاجِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ) فَإِنَّ نَحْوَ ثُلُثِهِ الأَوَّلِ مُناقَشَةٌ فِي العَقيدَةِ ، وَفِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ؛ لأنَّ الرَّافِضِيَّ الَّذِي رَدَّ عَلَيْه بَدَأَهَا بِالرَّدِّ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُم مُجَسِّمَةٌ، وَأَنَّهُمْ مُشَبِّهَةٌ.
كَذَلِكَ كِتَابُهُ (العَقْلُ وَالنَّقْلُ) الَّذِي طُبِعَ فِي نَحْوِ أَحَدَ عَشَرَ مُجَلَّدًا، وَهُوَ أَوْضَحُهَا وَأَدَلُّهَا.
كَذَلِكَ (نَقْضُ التَّأْسِيسِ) وَالّذي طُبِعَ بَعْضُهُ وَلَعَلَّهُ أَنْ تُطْبَعَ بَقِيَّتُهُ.
كَذَلِكَ رَسائِلُهُ الكَثيرةُ فِي المَجْموعِ ، نَحْوَ أَرْبَعَةِ مُجَلَّداتٍ ، كُلُّها فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ، مِنَ الثَّالِثِ إِلى السَّادِسِ ، وَهَكَذا غَيْرُها ، لا شَكَّ أَنَّهُ مَا أَفْصَحَ بِذَلِكَ إِلاَّ لأَنَّ اللهَ تَعَالى وَهَبَهُ عِلْمًا وَقُدْرَةً عَلَى البَيَانِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَهْلُ زَمَانِهِ أَنْ يُقَاوِمُوهُ، فَهُوَ الَّذِي جَدَّدَ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَرَحِمَهُ اللهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 10:08 PM
بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمِينَ، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على عَبْدِهِ، ورسولِهِ نَبِيِّنَا محمدٍ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعينَ، أمَّا بَعْدُ: ـ
فهذه العقيدةُ، المُسَمَّاةُ بـ (لُمْعَةِ الاعْتِقَادِ الهادِي إلى سَبيلِ الرَّشَادِ)، ومُؤَلِّفُها هو الإمامُ: أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ قُدَامَةَ الحَنْبَلِيُّ. مِن كبارِ شيوخِ المَذْهَبِ الحَنْبَلِيِّ، وله مُؤَلَّفاتٌ في الفِقْهِ، والأصولِ، وغيرِهما، له مِن المؤلَّفاتِ في الفِقْهِ: عُمْدَةُ الفِقْهِ مُخْتَصَرٌ، ثُمَّ المُقْنِعُ وهو أكْبَرُ مِن العُمْدَةِ وأَبْسَطُ، ثم الكافِي، وهو أوْسَعُ مِن المُقْنِعِ، ثم المُغْنِي وهو الكتابُ المشهورُ، والموسوعةُ العظيمةُ في الفِقْهِ، اشْتَمَلَ على كَثِيرٍ مِن فِقْهِ السَّلَفِ، والمذاهِبِ الأربَعَةِ بأدِلَّتِها، ثم يُرَجِّحُ القوْلَ الراجِحَ في الغالِبِ، في هذا الكتابِ الذي صارَ مَرْجِعاً مِن مراجِعِ الفِقْهِ الإسلامِيِّ.
وله في الأصولِ: رَوْضَةُ الناظِرِ وجَنَّةُ المَنَاظِرِ، وله غيرُ ذلك مِن المؤلفاتِ في الوَعْظِ، وفي سائِرِ الفنونِ العلمِيَّةِ، فهو إمامٌ جليلٌ، ومِن مؤلفاتِه في العَقيدةِ: هذه الرسالة ُالمسماة: " لُمْعَةُ الاعتقادِ الهادِي إلى سبيلِ الرَّشادِ ".
فقد اهْتَمَّ العلماءُ رَحِمَهُمُ اللهُ لتَوْضِيحِ العقيدةِ الصحيحةِ، ونَفْيِ ما عَلِقَ بها من الشُّبَهِ والتشْكِيكَاتِ؛ لِحَاجةِ الناسِ إلى ذلك، خصوصاً بعدَمَا ظَهَرَتِ الفِرَقُ الضالَّةُ بعقائِدِها وشُبُهاتِهَا.
احْتَاجَ العلماءُ إلى أن يُبَيِّنُوا العقيدةَ الصحيحةَ، وأن يَرُدُّوا على ما خَالَفَها من البدع والأهواء، وهذا مِن قديمِ الزمانِ, والعلماءُ مُهْتَمُّونَ بأمْرِ العقيدةِ؛ فألَّفوا فيها المؤلفاتِ الكثيرةَ مِن المُتَقَدِّمِينَ ومِن المتأخِّرِين، تحتَ أسماءٍَ مُخْتَلِفَةٍ، مِنهم مَن يُسَمِّي كُتُبَ العقيدةِ " كُتُبَ السُّنَّةِ " مثلَ: كتابِ السنَّةِ لعبدِ اللهِ بنِ الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، وكتابِ السنَّةِ للخَلاَّلِ، كتابِ السنَّةِ لابنِ أبي عاصِمٍ، كتابِ الشَّرِيعَةِ للآجُرِّيِّ، وكتابِ شرح أصولِ اعتقادِ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ لِلآلَكَائِيِّ، إلى غيرِ ذلك.
ومِنها ما يُسَمَّى "بالتوحيدِ" مثلَ كتابِ التوحيدِ لابنِ خُزَيْمَةَ، كتابِ التوحيدِ لابنِ مَنْدَه، وكتابِ التوحيدِ لشيخِ الإسلامِ المُجَدِّدِ: الشيخِ محمدِ بنِ عبدِ الوَهَّابِ، وتَجْرِيدِ التوحيدِ للإمامِ العلاَّمَةِ المُؤَرِّخِ: القَزْوِينِيِّ.
ومِنها ما يُسَمَّى بكُتُبِ "العقيدةِ" أو الاعْتِقَادِ مِثْلَ كتابِ العقيدةِ للطَّحَاوِيِّ المُسَمَّاةِ بالعقيدةِ الطحَاوِيَّةِ، ومثلَ العقيدةِ الواسِطِيَّةِ لشيخِ الإسلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ، ومثلَ هذا الكتابِ " لُمْعَةُ الاعْتِقَادِ ".
واللُّمْعَةُ معناهَا: مِن اللَّمَعانِ، وهو الشيءُ الذي له نُورٌ وبريق، وله لَمَعَانٌ، فهي لُمْعَةٌ بمعنى أنها تَلْمَعُ وتُنِيرُ، بخلافِ الظُّلْمَةِ.
ومناسبةُ تَسْمِيَتِها باللمعةِ مِن أجلِ الفَرْقِ بينَها وبينَ الكُتُبِ المُظْلِمَةِ التي تُشَكِّكُ الناسَ في عقائِدِهم.
والاعْتِقادُ: مصدرُ اعْتَقَدَ، وهو اليقينُ الجازِمُ الذي يَعْتَقِدُه القَلْبُ، ويُسمَّى بالإيمانِ، فالاعتقادُ والإيمانُ بمعنًى واحِدٍ، ولهذا يقولُ جبريلُ عليه السلامُ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: (أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيْمَانِ). قال: ((الإِيْمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ؛ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)).
فهذه أصولُ الاعتقادِ، وتُسَمَّى بأركانِ الإيمانِ، فلُمْعَةُ الاعتقادِ معناها: بيانُ الاعتقادِ الصحيحِ الذي يَجِبُ على المسلم الالتزامُ به وتَرْكُ ما سِوَاه.
(الهادي إلى سَبِيلِ الرَّشَادِ): أي: الاعْتِقَادُ. الهادِي, أي: المُرْشِدُ. إلى سبيلِ الرشادِ، الرشادُ: ضدُّ الغَيِّ والضلالِ. فهذا الاعتقادُ يَهْدِي إلى الطريقِ الصحيحِ المُوصِلِ إلى اللهِ سبحانَه وتَعالَى، بخلافِ عقائِدِ أهلِ الضلالِ؛ فإنها تَهْدِي إلى الهلاكِ وإلى الغَوَايَةِ.
عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 10:10 PM
مقدمة الشارح
إن الحمد لله نحمده وستعينه ونستغفره , ونعوذ با لله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل لـه , ومن يضلل فلا هادي لـه , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد
فهذا شرح متوسط على رسالة من رسائل السلف – رحمهم الله تعالى – في
العقيدة , وهو كتاب (( لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد )) للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى , وقبل أن أبدأ الشرح أحب أن أقدم لـه بمقدمتين :
إحداهما : أتقدم بالشكر للإخوة الذين كانوا ممن اقترح هذا الموضوع (1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=updatepost&postid=1344#_ftn1) ,
لحرصهم على مثل هذه الشروح العلمية في العقيدة , ومن ثم فإنني أقول للإخوة الذين كانوا – بعد الله – سبباً في ظهور مثل هذا الشرح :
جزاكم الله خيراً , ووفقكم , وسدد خطاكم , وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم ممن أخلص في أعماله لربه , وممن وفق فيها , حتى نصبح في جميع أمورناعلى منهاج نبينا محمد r .
المقدمة الثانية :حول مؤلف هذه الرسالة , فإن مؤلفها هو الإمام الفقيه أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي الصالحي , وهذا الإمام اشتهر لدى العلماء بأنه صاحب المغني ؛ لأن كتابه المغني في الفقه يعتبر أوسع موسوعة في مذاهب العلماء وأقاويلهم في
مسائل الشريعة الإسلامية , فإنه جمع – رحمه الله تعالى – في هذا الكتاب العظيم الفريد في بابه علماً جماً , من ذكره لأقاويل الصحابة , وأقاويل كبار التابعين وتابعيهم وذكره لأقوال الأئمة الأربعة : الشافعي , وأبي حنيفة , ومالك , وأحمد , بل وكبار أصحابهم رحمهم الله تعالى , واستقصى الروايات داخل مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى , ثم إنه اعتمد مع ذكر الأقوال ذكر الأدلة والتعليلات التي ذكرها الفقهاء , ثم لم يترك الخلاف هكذا دون أن يذكر الراجح لديه من مسائل الخلاف حيث كان يرجح ما يراه راجحاً , فصار كتابه الذي طبع في مجلدات عديدة بحق موسوعة من أهم موسوعات الفقه الإسلامي , ومرجعاً من أهم المراجع لدى العلماء من بعده وإلى عصرنا الحاضر , ومن ثم اشتهر رحمه الله تعالى بأنه صاحب المغني , فكأن شهرة كتابه (( المغني )) غطت على اسمه رحمه الله تعالى , فإذا قيل صاحب المغني انتقل هذا التعريف إلى هذا الإمام الجليل الذي سبق أن ذكرنا نسبه باختصار .
ولد هذا الإمام الجليل في شهر شعبان سنة 541 هجرية بفلسطين ببلدة تسمى (( جماعيل )) قرب نابلس وتوفي رحمه الله تعالى سنة 620 من الهجرة
النبوية .
وقد تميز هذا العالم الجليل – فوق تميزه العلمي بكتابه (( المغني )) – بمختصراته الأخرى في الفقه , ككتابه (( المقنع )) الذي يعتبر للمتوسطين من طلاب العلم , و (( الكافي )) وهو فوق ذلك , وكذلك (( العمدة )) وهو للمبتدئين , إضافة إلى كتابه (( روضة الناظر )) في أصول الفقه , وهو كتاب مشهور , وغير ذلك من رسائله وكتبه ، ومنها هذا الكتاب الذي سنبدأ في شرحه المشتمل على أصول العقيدة الإسلامية الصحيحة .
أقول : إن هذا العالم الجليل فوق كونه عالماً بارعاً مصنفاً , قد تميز أيضاً بكونه إماماً مجاهداً , فقد اشتهر رحمه الله تعالى بمشاركاته في الجهاد في سبيل الله مع صلاح الدين الأيوبي – هو وجماعته المقادسة من إخوانه وأبناء عمومته رحمهم الله تعالى , فإن هذه الأسرة كانت مع صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى في جهاده , وشارك في المعارك التي دارت سنة 583 للهجرة ؛ مع الصليبيين وتحرير بيت المقدس منهم , وكان ابن قدامة رحمه الله تعالى وأفراد أسرته ممن لهم دور كبير جداً في جهاد الصليبيين .
إذن إمامنا إمام علم وإمام عمل وجهاد , وهؤلاء هم سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى , كانت صفاتهم تميزهم بهذا التميز , علمٌ مؤصّل معتمد على نصوص الكتاب والسنة , يصحبه عمل ودعوة وجهاد في سبيل الله .
بعد هاتين المقدمتين المختصرتين ننتقل إلى الكتاب الذي معنا والذي سماه المؤلف رحمه الله تعالى (( لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد )) ومعنى اللمعة : ما خالف بقية اللون , كأن يكون مثلاً اللون أسود , وتكون في بقعة بيضاء , فتسمى هذه البقعة البيضاء لمعة ، ولذا اشتهرت هذه الكلمة بأنها تطلق على لمعة الفرس التي تكون غالباً في الخيل ونحوه ، وتكون هذه اللمعة لمعة بيضاء ، وبقية الجسم إما أدهم أو قريباً من ذلك , المهم أنه اشتهر إطلاق هذا اللفظ على لمعة الفرس . أو أن اللمعة بمعنى البُلْغة من العيش .
وعلى هذا أو هذا فالشيخ رحمه الله تعالى قصد بكتابه حين سماه بلمعة الاعتقاد , أنه يحتوي على بلغة من الاعتقاد الصالح الصحيح أو أنه لمعة بيضاء
منيرة لصفائها وصحة دليلها لأنها عقيدة مستمدة من الكتاب والسنة , ومن ثم قال رحمه الله تعالى : (( الهادي إلى سبيل الرشاد )) .
ولاشك أن الاعتقاد الصحيح المبني على الأدلة الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله r , هادٍ لمن سلكه وسار عليه إلى سبيل الرشاد ؛ سبيل الرشاد في الدنيا , بأن يكون من اعتصم بهما ممن هدى ورشد واستقام في طريقه وابتعد عن سبل الضلال وأهل الأهواء والبدع .
وهو أيضاً سبيل إلى الرشاد في الآخرة , حين يُهدي من مات على هذا التوحيد الصحيح إلى جنات النعيم , والفوز برضوان الله تعالى يوم القيامة .
أسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً من أهل الجنة , وممن وفق وهدي إلى سبيل الرشاد.
وعلى هذا فإن الشيخ رحمه الله تعالى لم يرد من رسالته هذه أن تكون كتاباً مفصلاً في الاعتقاد , وإنما أرادها لمعة تضيء الطريق , أو أرادها بلغة للسالك , بحيث إذا قرأها المسلم واستوعبها وفهمها , استقامت لديه معرفة العقيدة من جوانبها المتعددة , وهو رحمه الله تعالى حرص على ربْط عقيدته بالأدلة من كتاب الله ومن سنة رسول الله r , حتى تكون عقيدة صافية خالصة بعيدة عن شوائب عقائد أهل الأهواء والبدع من المتكلمين والفلاسفة وأصحاب الفرق الضالة .
(1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=updatepost&postid=1344#_ftnref1) ألقيت هذه الدروس في مسجد الطلبة في جامعة الملك سعود بالرياض .
http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/115_1231623188.rm
شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ: يوسف بن محمد الغفيص
لمعة الاعتقاد للإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله من الرسائل المهمة في تحقيق عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد بدأها المصنف بمقدمة قرر فيها مسألة الربوبية، ثم ذكر عقيدة أهل السنة في صفات الله تعالى، مستدلاًعلى ذلك بجملة من الآيات والأحاديث الدالة على إثبات الصفات، وقد ذكر هذه المسألة لكثرة المخالفين لأهل السنة فيها، من جهمية، ومعتزلة، وأشعرية، وماتريدية، ونحوهم من الفرق الضالة. ثم ذكر رحمه الله عقيدة أهل السنة في مسائل الاعتقاد الأخرى؛ كالقضاء والقدر، والإيمان، واليوم الآخر، وأشراط الساعة، وغيرها من المسائل.
?مقدمة شرح لمعة الاعتقاد
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً. ثم أما بعد: فهذا البحث في تقرير مسائل على كتاب الموفق في مسائل أصول الدين، وبين يدي هذه الرسالة ذكرٌ شيء من شأن مصنفها، ونبذة عن أتباع المذاهب الأربعة في تقرير مسائل أصول الدين. ......
التعريف بالمؤلف
هو الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي ، المعروف بـ( الموفق )، وبابن قدامة ، وهذا نسب اشتهر به جملة من أهل العلم من هذا البيت وجلهم من الحنابلة، وهذا الإمام يعد من كبار أصحاب الأئمة الأربعة، وهو حنبلي المذهب، وإذا ذُكر من جاء بعد عصر الأئمة، فإن من كبار أعيان علماء المسلمين هو هذا الإمام، فهو إمام واسع من جهة: مسائل أصول الدين، وأصول الشريعة، ومسائل الفروع. وإذا نظرت في كتابه الذي وضعه في الفقه المقارن -وهو الكتاب المعروف بـ(المغني)، والذي شرح فيه الموفق "مختصر الخرقي" في الفقه الحنبلي- إذا نظرت في هذا الكتاب، عرفت ما لهذا الإمام من عظيم الشأن، وكذلك ما كتبه في مسائل أصول الفقه في الروضة، مما اختصره من كتاب المستصفى لأبي حامد الغزالي . فهذا الإمام على سعة من العلم بالفقه والسنن والآثار، فضلاً عما له من التحقيق في مسائل أصول الدين.
تفاوت أتباع الأئمة الأربعة في تقرير مسائل الأصول
إن المنتسبين إلى الأئمة الأربعة، الذين استقرت مذاهبهم في جمهور أمصار المسلمين -وهم: أبو حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد - المتمذهبين بمذاهبهم في فقه الشريعة؛ هم في مسائل أصول الدين على طبقات: فهم المحققون لطريقة المتقدمين من الأئمة، وهم الذين وافقوا الأئمة في مسائل أصول الدين، وحققوا طريقتهم، كأبي عمر ابن عبد البر في المالكية، أو كابن كثير في الشافعية، ومن هؤلاء في الحنابلة الموفق بن قدامة رحمه الله ، فإنه -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما ذكر أصحاب الأئمة-: من المنتحلين لطريقة الأئمة على التحقيق في مسائل الأصول. وطبقة أخرى من أتباع الأئمة الأربعة -ممن ينتسب إلى الشافعي أو مالك أو أبي حنيفة أو أحمد - مائلة إلى علم الكلام أو منتحلة لشيء من طرقه؛ فهناك طائفة من فقهاء الحنفية معتزلة، وأكثر فقهاء الحنفية على مذهب أبي منصور الماتريدي ، وإنما كان ذلك؛ لأن أبا منصور الماتريدي نفسه كان حنفي المذهب، وطائفة من الحنفية أشاعرة محضة على طريقة المتكلمين من الأشاعرة، وكذلك الشافعية، فإن كثيراً من متأخريهم أشاعرة؛ لأن أبا الحسن رحمه الله إمام الأشعرية كان شافعي المذهب، وكذلك المالكية أكثرهم أشاعرة. أما الحنابلة فهم من أبعد الطوائف الفقهية الأربع عن علم الكلام، ومع ذلك فإن طائفة من علمائهم المتأخرين تأثروا بعلم الكلام؛ كأبي الوفاء ابن عقيل ؛ فإنه درس في مطلع أمره على بعض شيوخ المعتزلة؛ كأبي علي بن الوليد ، وأبي القاسم بن التبان المعتزليين، وكانا من أصحاب أبي الحسين البصري الحنفي، وإن كان ابن عقيل رحمه الله رجع عن طريقته هذه، وكتب: الانتصار لأهل الحديث. فالمقصود: أن أصحاب الأئمة الأربعة ليسوا شأناً واحداً، فمنهم المتمسك بآثار السابقين الموافق لطريقة الأئمة والسلف، ومنهم من تأثر بشيء من علم الكلام، أو انتحل شيئاً من طرقه المذمومة، ومنهم من هو بين ذلك، كما هي طريقة جماعة من شراح الحديث، الذين شرحوا الصحيحين والسنن وغيرها، فترى أن طائفة من هؤلاء عندهم مادة من التحقيق على طريقة السلف، وعندهم مادة من التأثر ببعض أصحابهم، فلا يلزم أن الواحد من الفقهاء لابد أن يضاف إلى مذهب معين. وإذا أردت الإجمال فإنه يصح أن يقال: إن الجمهور من أتباع الأئمة الأربعة منتسبون للسنة والجماعة، معظمون لطريقة السلف، وإن كانوا في تحقيقها على درجات، وأما من انفك عن طريقة السلف انفكاكاً مطلقاً، فإنهم قلة ممن انتسب لمذهب المعتزلة من فقهاء الأحناف، وإنما يقال ذلك؛ لأن سائر الأشاعرة ينتسبون لأهل السنة والجماعة، وكذلك سائر الماتريدية ينتسبون لأهل السنة والجماعة، وإن كان الانتساب وحده لا يكون كافياً، فإن الاعتبار في ذلك إنما هو بتحقيق المسائل؛ لا بمجرد الانتساب إلى مذهب من هذه المذاهب. فالمتحصل من هذا: أن أتباع الأئمة الأربعة من الفقهاء ليسوا على طريقة واحدة في مسائل أصول الدين، فمنهم المحقق، ومنهم دون ذلك، ومنهم المنتحل لمذهب تظهر في كثير من مسائله وأصوله المخالفة لطريقة السلف.
التعريف بالرسالة وأما هذه الرسالة -وهي اللمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد- فهي رسالة فاضلة، جامعة لجملة من مسائل أصول الدين التي تنازع فيها أهل القبلة، وإذا ذكر أهل القبلة فالمراد بهم: سواد المسلمين من أهل السنة وغيرهم. وقد ذكر فيها المؤلف رحمه الله في رسالته هذه جملة من مسائل أصول الدين على طريقة مقاربة لطريقة الأئمة السالفين، حيث ذكر جملاً من أقوال السلف والأئمة، فضلاً عما يذكره من الدلائل الشرعية من كلام الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. والرسالة الواسطية المعروفة لشيخ الإسلام ابن تيمية قد وضعها الإمام ابن تيمية ، على محاكاة هذه الرسالة للموفق ، وإن كان شيخ الإسلام قد استظهر فيها أكثر في باب الاستدلال بالنصوص، وزاد عليها جملاً وأصولاً، كمسألة العلو والقدر فإنه أطال فيهما وفصل أكثر من الموفق رحمه الله. وقد وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله معظماً لأبي محمد الموفق ، حتى أنه قال: (لم يدخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من أبي محمد ). فالمحصل: أن الفرق بين الرسالتين: (الواسطية واللمعة) ربما يتحقق في أن كلام الإمام ابن تيمية أكثر تفصيلاً، بخلاف الموفق فإن في كلامه إجمالاً، وإن كان إجمالاً لا ينقطع عن التفصيل والبيان في موضع آخر.
مكانة هذه الرسالة
تعد هذه الرسالة من الرسائل المهمة في تحقيق عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، وإن كان بعض المعاصرين ممن تكلم على هذه الرسالة، قد بالغوا في التثريب على صاحبها في بعض المسائل، وذكروا أنه ليس محققاً لمذهب السلف أو طريقتهم، ونظروا في شيء من كلامه في مسألة التفويض وبعض الأحرف الأخرى. والتحقيق أن هذه الرسالة ليس فيها غلط صريح، وإنما يوجد في بعض المواضع قدر من الإجمال والتردد، وإذا قارنا بين هذه الرسالة وبين رسالة أبي جعفر الطحاوي -المعروفة بالعقيدة الطحاوية- فإن رسالة الموفق أشرف منها، وأبعد عن الغلط في بعض المسائل، أما الطحاوي رحمه الله فقد غلط في بعض مسائل الإيمان غلطاً صريحاً؛ لأنه حاكى مذهب أبي حنيفة في مسألة الإيمان محاكاة تامة، ونقل عن بعض أصحابه من الأشاعرة بعض الجمل المجملة في مسألة العلو، وإن كان لم يلتزم بنتائجها، إلى غير ذلك. مع أن رسالة أبي جعفر الطحاوي من الرسائل الفاضلة في مذهب أهل السنة والجماعة، لكن رسالة الموفق أقرب إلى طريقة أهل الحديث منها. والمقصود من هذا: أن اللمعة للموفق ليس فيها غلط محض، وإنما فيها بعض المواضع المجملة المحتملة.
أهمية الرسالة من خلال منهج مؤلفها
إذا ابتدأت بقراءة هذه الرسالة فإنك تجد أن مؤلفها ذكر في مطلعها جملاً عامة في تقرير مقام الربوبية، ولهذا يصح أن نقول: إن من فضائل هذه الرسالة أن فيها تقريراً للمعتقد على التحقيق، فإنها ليست مادة من الأحرف التي تقرر جملة من النظر أو التصورات فحسب، بل فيها ذكر لشيء من الحقائق الإيمانية، التي يترتب على قراءتها -فضلاً عن التأمل فيها- التحقيق للإيمان ظاهراً وباطناً، ولهذا ذكر فيها جملاً من التعظيم لمقام الربوبية، ومقام الألوهية، ومقام النبوة والرسالة، مما يتحقق به قدر من التأصيل للتلازم بين الظاهر والباطن في مسألة الإيمان. والذي درج عليه أكثر المتأخرين أنهم إذا صنفوا في مسائل الاعتقاد يذكرون الجمل التي كثر النزاع فيها بين أهل القبلة فقط، دون ربط هذه الجمل بشيء من الحقائق الإيمانية. وبعد هذه المقدمة الوجيزة نشرع في تقرير مسائل هذه الرسالة تقريراً موضوعياً.
العناصر
- أهمية علم العقيدة .
- معنى العقيدة وسبب تسميتها بذلك .
- الرسل كلهم بدأوا رسالتهم بأمر العقيدة .
- من أسباب رسوخ العقيدة في القلوب .
- بيان ما كان عليه السلف من تربية أولادهم على العقيدة الصحيحة .
- أول البدع بدعة الخوارج .
- بدعة القدرية الأولى .
- موقف الصحابة من ظهور البدع .
- جهود الخليفة العباسي "المهدي" في محاربة الزنادقة .
- بدعة المعطلة .
- بدعة المعتزلة .
- تطور أمر المعتزلة .
- انتشار علم الكلام .
- جهود السلف في التصدي لانتشار علم الكلام .
- تأثر كثير من أتباع المذاهب الأربعة بعلم الكلام .
- خطورة علم الكلام وآثاره السيئة .
- غربة أهل السنة في القرن الرابع والخامس والسادس الهجري .
- أثر انتشار المذهب الأشعري على بعض أهل الحديث .
- ترجمة أبي الحسن الأشعري .
- ذكر بعض متون الأشاعرة في العقيدة .
- موقف الإمام ابن قدامة من المذهب الأشعري .
- جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في نشر مذهب السلف والرد على مخالفيهم .
- بيان أن أسماء الله تعالى كلها حسنى .
- بيان أن صفات الله تعالى كلها عليا .
- أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين .
- أسماء الله تعالى لا تثبت بالعقل وإنما تثبت بالشرع .
- بيان أنواع دلالات أسماء الله الحسنى .
- بيان الواجب نحو نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته .
- الصفات الثبوتية والسلبية .
- الصفات الذاتية والفعلية .
- صفات الله تعالى حقيقية .
- لا يجوز تكييف صفات الله تعالى .
- الفرق بين التمثيل والتكييف .
- صفات الله تعالى لا تماثل صفات المخلوقين .
- معنى المعطلة .
- كيف نرد على المعطلة .
- معنى اللمعة .
- معنى الاعتقاد .
- معنى "لمعة الاعتقاد" .
- ترجمة الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي .
- سبب قلة العناية بهذا المتن .
الأسئلة
س1: تكلم عن أهمية علم العقيدة.
س2: بين معنى (العقيدة) وسبب تسمية علم العقيدة بهذا الاسم.
س3: تحدث عن حال السلف في تربية أولادهم على العقيدة الصحيحة.
س4: اذكر بعض أسباب رسوخ العقيدة.
س5: لماذا بدأ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم رسالتهم بأمر العقيدة.
س6: ما معنى (لمعة الاعتقاد)؟
س7: ما الواجب نحو نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته؟
س8: اذكر تفسيراً مختصراً لقول الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}؟
س9: هل (الدهر) من أسماء الله؟ ولماذا؟ وضح إجابتك مع الدليل.
س10: هل أسماء الله تعالى محصورة بعدد معين؟ دلل على ما تقول.
س11: ما معنى كون أسماء الله تعالى (توقيفية)؟
س12: (صفات الله تعالى كلها عليا) اشرح هذه القاعدة، مع ذكر ما تتضمنه من المسائل.
س13: بين المراد بالصفات الثبوتية والسلبية، مع التمثيل لكل نوع بمثال.
س14: بين الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية.
س15: هل صفات الله تعالى حقيقية أم مجازية؟ ولماذا؟
س16: ما معنى تكييف الصفات؟ وهل يجوز؟ ولماذا؟
س17: اذكر تفسيراً مختصراً لقول الله تعالى: {ليس كمثله شيء} مع بيان ما تفيده هذه الآية في باب الأسماء والصفات.
س18: بين الفرق بين التمثيل والتكييف.
س19: من هم المعطلة؟ اذكر القاعدة العامة في الرد عليهم.
س20: من الفضائل العامة للصحابة رضي الله عنهم (كونهم على منهج واحد في العقيدة) بين فائدة ذلك في دراسة علم العقيدة.
س21: بين موقف الصحابة - رضي الله عنهم - من ظهور البدع.
س22: ما هي أول البدع ظهوراً؟
س23: اذكر تعريفاً مختصراً لما يأتي:
أ) بدعة الخوارج.
ب) بدعة القدرية الأولى.
ج) بدعة المعتزلة.
د) بدعة المعطلة.
س24: تحدث باختصار عن تطور أمر المعتزلة.
س25: ما موقف الخليفة العباسي (المهدي) من الزنادقة؟
س26: متى نشأ علم الكلام؟ وكيف انتشر؟
س27: ما موقف السلف من علم الكلام؟
س28: تحدث باختصار عن غربة أهل السنة في القرن الرابع والخامس والسادس الهجري. وما سبب ذلك؟
س29: اذكر أبرز جهود شيخ الإسلام في نشر مذهب السلف والرد على مخالفيهم.
س30: تحدث باختصار عن خطورة علم الكلام وآثاره السيئة.
س31: اذكر ترجمة موجزة لأبي الحسن الأشعري، وتحدث عن أسباب انتشار مذهبه.
س32: اذكر بعض متون الأشاعرة في العقيدة.
س33: اذكر ترجمة موجزة للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي.
س34: ما موقف الإمام ابن قدامة من انتشار مذهب الأشعري؟