مشاهدة النسخة كاملة : باب الاعتكاف وقيام رمضان (3/10) [استحباب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان]
محمد أبو زيد
01-11-2009, 04:28 PM
وعنها: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِن رَمضانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أزواجُهُ مِن بَعْدِه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
محمد أبو زيد
01-11-2009, 06:09 PM
3/656 - وَعَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَعَنْهَا) أَيْ: عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ سُنَّةٌ وَاظَبَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَنْ أَحْمَدَ: لا أَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِن العُلَمَاءِ خِلافاً أَنَّ الِاعْتِكَافَ مَسْنُونٌ. وَأَمَّا المَقْصُودُ مِنْهُ فَهُوَ جَمْعُ القَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالخَلْوَةِ مَعَ خُلُوِّ المَعِدَةِ، وَالإِقْبَالُ عَلَيْهِ تَعَالَى وَالتَّنَعُّمُ بِذِكْرِهِ وَالإِعْرَاضُ عَمَّا عَدَاهُ.
محمد أبو زيد
01-11-2009, 06:10 PM
بابُ الاعتكافِ
مُقَدِّمَةٌ
الاعتكافُ لغةً: لُزومُ الشيءِ، وحَبْسُ النفْسِ عليه، ومنه قولُه تعالى: {وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا} [طه: 97]. أيْ: الذي أقَمْتَ ودُمْتَ عَلَى عِبادتِه.
وشَرْعاً: الْمَقامُ في الْمَسْجِدِ مِن شَخْصٍ مخصوصٍ، على صِفةٍ مخصوصةٍ، لطاعةِ اللهِ تعالى.
والاعتكافُ سُنَّةٌ وقُربةٌ: بالكتابِ، والسنَّةِ، والإجماعِ.
أمَّا الكتابُ: فقولُه تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، وقالَ تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]، واستفاضَت السنَّةُ النبويَّةُ في فِعْلِه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- والترغيبِ فيه، وإقرارِه.
وأَجْمَعَ العُلماءُ على مَشروعيَّتِه، وأَجْمَعوا على أنه مُسْتَحَبٌّ وليس بواجِبٍ.
قالَ الإمامُ أحمدُ: لا أَعْلَمُ عن أَحَدٍ مِن أهلِ العلْمِ خِلافاً أنه مَسنونٌ، وقد اتَّفَقَ العلماءُ على أنه مسنونٌ كلَّ وقتٍ، ولكنه في رمضانَ، وفي عَشْرِه الأخيرةِ آكَدُ.
*حِكمتُه:
قالَ ابنُ الْقَيِّمِ: لَمَّا كانَ صلاحُ القلْبِ، واستقامتُه على طريقِ سَيْرِه إلى اللهِ تعالى، مُتَوَقِّفاً على جَمعيَّتِه، بإقبالِه بالكُلِّيَّةِ على اللهِ تعالى، فإنَّ شَعْثَ القلْبَ لا يَلُمُّه إلا الإقبالُ على اللهِ تعالى، وكان فُضولُ الطعامِ والشرابِ، وفُضولُ مُخالَطَةِ الأنامِ، وفُضولُ الكلامِ، وفُضولُ الْمَنامِ، مما يَزيدُه شَعْثاً، ويُشَتِّتُه في كلِّ وادٍ، ويَقْطَعُه عن سَيْرِه إلى اللهِ تعالى، أو يُضْعِفُه، ويَعُوقُه، ويُوقِفُه، اقْتَضَتْ رحمةُ العزيزِ الرحيمِ بعِبادِه أنْ شَرَعَ لهم مِن الصوْمِ ما يُذْهِبُ فُضولَ الطعامِ والشرابِ، واستفراغَ القلْبِ مِن أخلاطِ الشهواتِ الْمُعَوِّقَةِ له عن سَيْرِه إلى اللهِ تعالى، وشَرعيَّتُه بقدْرِ الْمَصلحةِ؛ بحيثُ يَنتفِعُ به العبدُ في دنياه وأُخراهُ، ولا يَقطعُه عن مَصالِحِه العاجِلةِ والآجِلَةِ، وشَرَعَ لهم الاعتكافَ الذي مَقصودُه ورُوحُه عُكوفُ القلْبِ على اللهِ تعالى وجمعيَّتُه عليه، والْخَلوةُ والانقطاعُ والانشغالُ به وَحْدَه سُبحانَه وتعالى، ويَصيرُ ذِكْرُه وحُبُّه والإقبالُ عليه في مَحَلِّ عُمومِ القلْبِ، وخَطراتِه، فيَستولِي عليه بَدَلَها، ويَصيرُ الْهَمُّ به كُلِّه، والْخَطراتُ كُلُّها بذكْرِه، والفِكرةُ في تحصيلِ مَرَاضِيهِ منه، فيصيرُ أُنْسُه باللهِ، بَدَلاً مِن أُنْسِه بالْخَلْق، وبُعْدَه بذلك، لأُنْسِه به يومَ الوَحْشَةِ في القُبورِ، حينَ لا أَنيسَ له سِواه، فهذا مقصودُ الاعتكافِ الأعظمُ.
وذَكَرَ الاعتكافَ بعدَ الصيامِ لْمُناسَبَتَيْنِ:
الأولى: أنَّ جُملةَ الكلامِ على الصيامِ يَتناولُ صِيامَ شَهْرِ رمضانَ، وهو الشهْرُ الذي يَتأكَّدُ استحبابُ الاعتكافِ فيه؛ لِمَا يُرْجَى فيه مِن ليلةِ القَدْرِ.
الثانيةُ: اتِّفاقُ العلماءِ على مَشروعيَّةِ الصيامِ مع الاعتكافِ؛ لأنَّ تَمامَ قَطْعِ العَلائقِ عن الدنيا يكونُ بالصيامِ، والبُعْدِ عن الشهواتِ والعاداتِ.
واشتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ والمالِكِيَّةُ لصِحَّةِ الاعتكافِ الصيامَ، ولكنْ رأى غيرُهم مِن العُلماءِ أنه لا دَليلَ لهم، إلاَّ أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- لم يَعتَكِفْ إلاَّ صَائماً، والفعْلُ الْمُجَرَّدُ لا يكونُ دالاًّ على الشرطيَّةِ. وقد اعْتَكَفَ في شَوَّالٍ ولم يُنْقَلْ أنه صامَ أيَّامَ اعتكافِه.
وجاءَ في البخاريِّ (6203) ومسلمٍ (3128) أنَّ عُمرَ بنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عنه- قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إني نَذَرْتُ في الجاهليَّةِ أنْ أَعْتَكِفَ ليلةً في المسجِدِ الحرامِ، قالَ: ((أَوْفِ بِنَذْرِكَ))، والليلُ ليس وَقتاً للصيامِ، واللهُ أَعْلَمُ.
* * *
583- وعن عائشة -رضي الله عنها-: أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِن رَمضانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ثم اعْتَكَفَ أزواجُه مِن بَعْدِه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
*مُفرداتُ الحديثِ:-يَعْتَكِفُ: الاعتكافُ هو: حَبْسُ النفْسِ في المسجِدِ للهِ تعالى، وعَكَفَ على الشيءِ يَعْكُفُ عُكُوفاً: إذا واظَبَ عليه ولازَمَه، ومنه قولُه تعالى: {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ} [الأعراف: 138] أيْ: يُقيمونَ عليها فيُلاَزِمُونَها.
*ما يُؤْخَذُ مِن الحديثِ:
1- كان النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يَعتكِفُ العشْرَ الأواخرَ مِن رمضانَ؛ طَلَباً لليلةِ القدْرِ، لَمَّا قَوِيَ ظَنُّه أنها في تلكَ العشْرِ الْمُبَارَكَاتِ، واستمَرَّ يَعْتَكِفُهُنَّ كلَّ سنةٍ حتى تَوَفَّاهُ اللهُ تعالى ثم اعتَكَفَ أزواجُه مِن بَعْدِه.
فيُشْرَعُ الاعتكافُ لأنه سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَعَلَها النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وأقَرَّ بها.
2- فائدةُ الاعتكافِ وثَمَرَتُه هي قَطْعُ المعتَكِفِ عَلائقَه عن الدنيا وما فيها، والْخَلْوَةُ برَبِّه، والتلَذُّذُ بِمُنَاجَاتِه، وجَمْعِيَّةُ نفْسِه وخَواطِرَه وأفكارَه عليه، وعلى عِبادتِه.
3- الاعتكافُ سُنَّةٌ باقيةٌ لم تُنْسَخْ؛ إذ اعتَكَفَ أزواجُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بَعْدَهُ.
4- كانَ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يَعتكفُ شَهْرَ رمضانَ كُلَّه، فكانَ آخرُ الأَمْرِ منه أنْ اقْتَصَرَ على العشْرِ الأواخرِ مِن رمضانَ؛ لِمَا يُرْجَى فيهن مِن ليلةِ القَدْرِ.
5- إنَّ شَرْطَ الاعتكافِ أنْ يكونَ في مَسجِدٍ تُقامُ فيه الجماعةُ؛ لقولِه تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، ولئلاَّ يُفْضِي اعتكافُه إلى تَرْكِ الجماعةِ، أو إلى تَكرارِ الخروجِ مِن مُعْتَكَفِه إليها كثيراً، وهذا مُنافٍ للاعتكافِ.
6- أفعالُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- تُقَسَّمُ إلى أنواعٍ خمسةٍ:
الأوَّلُ: ما فَعَلَه على مُقْتَضَى الطبيعةِ البشريَّةِ؛ كالنومِ والأكْلِ والشرْبِ، فهذا لا حُكْمَ له، وإنما يَدْخُلُه العُنصرُ الدينِيُّ إذا قَصَدَ به الفاعلُ التَّقَوِّي على طاعةِ اللهِ تعالى، أو فَعَلَه على هيئةٍ مَشروعةٍ، كالنومِ على الجنْبِ الأيْمَنِ، والأكْلِ باليمينِ؛ احتساباًَ للأجْرِ عندَ اللهِ.
الثاني: ما فَعَلَه عادةً لا عِبادةً؛ كلُبْسِ العِمامةِ والإزارِ والرداءِ، وكنوعٍ مِن الأكْلِ ونحوَ ذلك، فهذا الاتِّباعُ فيه أنْ يَلْبَسَ الإنسانُ ما يَلْبَسُ أبناءُ جِنْسِه وأهلُ بَلَدِه، وليس مِن الاقتداءِ أنْ يَلْبَسَ الإنسانُ ما كان يَلْبَسُه النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- فالقُدوةُ هنا عَدَمُ المخالَفَةِ، لا ذلك النوعَ الخاصَّ.
الثالثُ: ما فَعَلَه على سبيلِ التَّعَبُّدِ، فإذا ظَهَرَ لنا فيه قَصْدُ العِبادةِ، فيُسْتَحَبُّ لنا اتِّباعُه؛ لأنَّ أفعالَ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- المجرَّدَةَ لا تَدُلُّ على الوُجوبِ، على الراجِحِ.
الرابعُ: ما كان مُتَرَدِّداً بينَ العِبادةِ والعادةِ، كالتحصيبِ بعدَ ليالِي مِنًى، وصِفَةِ دُخولِ مَكَّةَ، ودخولِ المسجِدِ، فبَعْضُ العُلماءِ يَرَى أنه فَعَلَ ذلك على وجهِ العِبادةِ, وبعضُهم يَرَى أنها جاءتْ على سبيلِ العَادةِ؛ لأنها أَسْمَحُ لطريقِه.
الخامِسُ: ما فَعَلَه النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بَياناً لحكْمٍ مُجْمَلٍ؛ كقولِه تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ}، فكانَ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يقولُ: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)) رواه البخاريُّ.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir