مشاهدة النسخة كاملة : باب الاعتكاف وقيام رمضان (10/10) [النهي عن شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة]
محمد أبو زيد
01-11-2009, 04:41 PM
وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
محمد أبو زيد
01-11-2009, 06:19 PM
11/644 - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلاَّ إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تُشَدُّ) بِضَمِّ الدَّالِ المُهْمَلَةِ عَلَى أَنَّهُ نَفْيٌ وَيُرْوَى بِسُكُونِهَا عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ (الرِّحَالُ) جَمْعُ رَحْلٍ وَهُوَ لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ وَشَدُّهُ هُنَا كِنَايَةٌ عَن السَّفَرِ؛ لأَنَّهُ لازَمَهُ غَالِباً (إلاَّ إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ) أَي: المُحَرَّمُ (وَمَسْجِدِي هَذَا وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
اعْلَمْ أَنَّ إدْخَالَ هَذَا الحَدِيثِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ؛ لأَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّه لا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إلاَّ فِي الثَّلاثَةِ المَسَاجِدِ, ثُمَّ المُرَادُ بِالنَّفْيِ النَّهْيُ مَجَازاً كَأَنَّهُ قَالَ: لا يَسْتَقِيمُ شَرْعاً أَنْ يُقْصَدَ بِالزِّيَارَةِ إلاَّ هَذِهِ البِقَاعُ, لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا اخْتُصَّتْ بِهِ مِن المَزِيَّةِ الَّتِي شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهَا.
وَالمُرَادُ مِن المَسْجِدِ الحَرَامِ هُوَ الحَرَمُ كُلُّهُ, لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذَا الفَضْلُ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحْدَهُ أَمْ فِي الحَرَمِ؟ قَالَ: بَلْ فِي الحَرَمِ كُلِّهِ. وَلأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّعْيِينَ لِلْمَسْجِدِ قَالَ: ((مَسْجِدِي هَذَا)).
وَالمَسْجِدُ الأَقْصَى بَيْتُ المَقْدِسِ؛ سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ مَسْجِدٌ, كَمَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَالحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ المَسَاجِدِ هَذِهِ وَدَلَّ بِمَفْهُومِ الحَصْرِ أَنَّهُ يَحْرُمُ شَدُّ الرِّحَالِ لِقَصْدِ غَيْرِ الثَّلاثَةِ, كَزِيَارَةِ الصَّالِحِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً لِقَصْدِ التَّقَرُّبِ, وَقَصْدِ المَوَاضِعِ الفَاضِلَةِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَالصَّلاةِ فِيهَا, وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ وَبِهِ قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ وَطَائِفَةٌ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ إنْكَارِ أَبِي بَصْرَةَ الغِفَارِيِّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ خُرُوجَهُ إلَى الطُّورِ وَقَالَ: لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مَا خَرَجْتَ. وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الحَدِيثِ وَوَافَقَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.
وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا لا يَنْهَضُ, وَتَأَوَّلُوا حديثَ البَابِ بِتَآوِيلَ بَعِيدَةٍ وَلا يَنْبَغِي التَّأْوِيلُ إلاَّ بَعْدَ أَنْ يَنْهَضَ عَلَى خِلافِ مَا أَوَّلُوهُ الدَّلِيلُ.
وَقَدْ دَلَّ الحَدِيثُ عَلَى فَضْلِ المَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ وَأَنَّ أَفْضَلَهَا المَسْجِدُ الحَرَامُ؛ لأَنَّ التَّقْدِيمَ ذِكْراً يَدُلُّ عَلَى مَزِيَّةِ المُقَدَّمِ, ثُمَّ مَسْجِدُ المَدِينَةِ, ثُمَّ المَسْجِدُ الأَقْصَى.
وَقَدْ دَلَّ لِهَذَا أَيْضاً مَا أَخْرَجَهُ البَزَّارُ وَحَسَّنَه مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعاً: ((الصَّلاةُ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ، وَالصَّلاةُ فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلاةٍ, وَالصَّلاةُ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلاةٍ)). وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ أُخَرُ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ هَل الصَّلاةُ فِي هذه المَسَاجِدِ تَعُمُّ الفَرْضَ وَالنَّفْلَ أَوْ تَخُصُّ الأَوَّلَ؟ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ: تُخَصُّ بِالفُرُوضِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَفْضَلُ الصَّلاةِ صَلاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلاَّ المَكْتُوبَةَ)).
وَلا يَخْفَى أَنَّ لَفْظَ الصَّلاةِ المَعْرُوفَ بلامِ الجِنْسِ عَامٌّ, فَيَشْمَلُ النَّافِلَةَ إلاَّ أَنْ يُقَالَ: لَفْظُ الصَّلاةِ إذَا أُطْلِقَ لا يَتَبَادَرُ مِنْهُ إلاَّ الفَرِيضَةُ. فَلا يَشْمَلُهَا.
محمد أبو زيد
01-11-2009, 06:20 PM
591- وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: ((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
*مُفرداتُ الحديثِ:
-لاَ تُشَدُّ الرِّحالُ إلاَّ إلى ثلاثةِ مَساجِدَ: "تُشَدُّ" بضَمِّ الدالِ المهمَلَةِ على أنَّ "لا" نافِيَةٌ، ويُرْوَى بسكونِها على أنها ناهِيَةٌ، وهو مَبْنِيٌّ للمجهولِ، جاءَ بلفْظِ النفيِ بمعنى النَّهْيِ؛ بمعنى: لا تَشُدُّوا الرِّحالَ، ونُكتةُ العُدولِ عن النهيِ إلى النَّفْيِ حَمْلُ السامِعِ على تَرْكِ الفعْلِ، فيكونُ أبْلَغَ بأَلْطَفِ وَجْهٍ.
قالَ الطَّبَرِيُّ: النفيُ أبْلَغُ مِن صريحِ النهيِ، كأنه لا يَستقيمُ أنْ يُقْصَدَ بالزيارةِ إلاَّ هذه البِقاعُ، لاختصاصِها بما اخْتُصَّتْ به.
-الرِّحالُ: جَمْعُ "رَحْلٍ"، وهو للبعيرِ كالسَّرْجِ للفرَسِ، وشَدُّه كِنايةٌ عن السفَرِ؛ لأنه يُلاَزِمُه غالباً، وهذا مِن بابِ الحصْرِ عندَ عُلماءِ البلاغةِ، ومِن أدواتِه عندَهم النفيُ والاستثناءُ كهذا الحديثِ، فإنه أفادَ تَخصيصَ جوازِ السفَرِ إلى المساجِدِ الثلاثةِ دونَ غيرِها مِن البِقاعِ.
-المسجِدِ الحرامِ: أيِ: الْمُحَرَّمِ، وفي إعرابِ المسجِدِ الحرامِ وجهانِ:
الأوَّلُ: الجَرُّ على أنه بَدَلٌ مِن الثلاثةِ.
الثاني: الرفْعُ على الاستئنافِ.
-ومَسجِدِي هذا: اسمُ الإشارةِ للتعظيمِ، ومِن أجْلِ الإشارةِ خَصَّ النَّوويُّ مُضاعفةَ الثوابِ في المسجِدِ الذي على عَهْدِه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-, والذين يُغَلِّبُونَ الاسمَ عَمَّمُوا المضاعَفَةَ لكلِّ الزياداتِ التي أُلْحِقَتْ به.
-المسْجِدِ الأَقْصَى: بإضافةِ الموصوفِ إلى الصفةِ، وهو جائزٌ عندَ الكُوفِيِّينَ، وقولٌ عندَ البَصْرِيِّينَ بإضمارِ المكانِ، وسُمِّيَ "الأقصى" لبُعْدِه عن المسجِدِ الحرامِ في المسافَةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ: أَقْصَى؛ لأنه لم يكنْ حينئذٍ وراءَه مَسْجِدٌ، وقيلَ غيرُ ذلك.
*ما يُؤْخَذُ مِن الحديثِ:
1- ساقَ المؤلِّفُ -رَحِمَه اللهُ تعالى- هذا الحديثَ ليُبَيِّنَ للقارئِ أنه لا يَصِحُّ أنْ يُقْصَدَ بالزيارةِ، وشَدِّ الرحالِ، والسفَرِ إلاَّ هذه المساجِدُ الثلاثةُ، فهذه المساجِدُ الثلاثةُ لها مَزايا وخصائصُ، ليستْ لغيرِها مِن البِقاعِ:
أوَّلاً: مُضاعَفَةُ ثوابِ الأعمالِ فيها؛ فقد روى الطَّبرانيُّ في (الأَوْسَطِ) (7008) عن أنَسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: ((الصَّلاَةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ، وَالصَّلاَةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلاَةٍ))، وقالَ ابنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إسنادُه حَسَنٌ، كما روى مسلِمٌ مِن حديثِ أبي هُريرةَ: أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- قالَ: ((صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)).
ثانياً: أنَّ هذه المساجِدَ الثلاثةَ بَناهَا أنبياءُ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم أَجمعينَ، فالكعبةُ المشَرَّفَةُ بَناها إبراهيمُ وإسماعيلُ، والمسجِدُ الأَقْصَى بَناها يَعقوبُ، ومَسجِدُ المدينةِ بناه النبيُّ محمَّدٌ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وهذه الْمَزِيَّةُ لا يَلْحَقُها غيرُها مِن الْمَساجِدِ والبِقاعِ، فالْمَكِّيُّ قِبْلَةُ الناسِ، وإليه حَجُّهم، والْمَدَنِيُّ أُسِّسَ على التقوى، والأقصى قِبلةُ الأنبياءِ السابقينَ، وأُولَى قِبْلَتَيِ المسلمينَ.
2- بَيَّنَ هذا الحديثُ الشريفُ أنَّ السفَرَ لا يَنشأُ لأَيَّةِ بُقعةٍ مِن بِقاعِ الأرْضِ، إلاَّ لهذه المساجِدِ الثلاثةِ، كما في حديث البابِ؛ لِمَا لَهَا مِن الْمَزِيَّةِ على غَيْرِها، ولوُرودِ شَرْعِ اللهِ تعالى بالإِذْنِ بِشَدِّ الرحالِ إليها.
3- مفهومُ الحديثِ أنَّ غَيْرَها منِ البِقاعِ لا يَجوزُ شَدُّ الرَّحْلِ إليه للعِبادةِ، والسفَرِ إليه؛ لأنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- قَصَرَ ذلك على هذه الْمَساجِدِ، وأعظَمُ ما يكونُ، وأَشَدُّه فِتْنَةً هو شَدُّ الرِّحالِ والسفر إلى القُبورِ، سواءٌ كانتْ قُبورَ الأنبياءِ، أو صالحينَ، أو غيرِها، فإنَّ شَدَّ الرَّحْلِ إليها غُلُوٌّ في أصحابِها، ووسيلةٌ قَريبةٌ إلى الفِتنةِ التي قد تَصِلُ إلى عِبادةِ أهْلِها ودُعَائِهم مِن دُونِ اللهِ.
4- ما زِيدَ في هذه المساجِدِ الثلاثةِ، فهو تابِعٌ لها بالمضاعَفَةِ، وحصولِ الثوابِ الأَصْلِيِّ منها.
5- قالَ في (الفروعِ): ظاهِرُ كلامِ أصحابِ الإمامِ أحمدَ، في المسجِدِ الحرامِ أنه نَفْسُ المسجِدِ، ومع هذا فالحرَمُ أفْضَلُ مِن الْحِلِّ، فالصلاةُ فيه أفْضَلُ، وذَكَرَ القاضي وغيرُه: مُرادُهم في التَّسميةِ لا في الأحكامِ، وقد يَتَوَجَّهُ مِن هذا حُصولُ المضاعَفَةِ في الْحَرَمِ كنَفْسِ الْمَسْجِدِ، وجَزَمَ به صاحِبُ (الْهَدْيِ) مِن أصحابِنا.
وقالَ الشيخُ عبدُ العزيزِ بنُ بازٍ: إنَّ المضاعَفَةَ والثوابَ تَعُمُّ الْحَرَمَ كُلَّه، وهو ما أُدْخِلَتْ الأميالُ.
وذَكَرَ ابنُ الْجَوْزِيِّ: أنَّ الإسراءَ كانَ مِن بيتِ أُمِّ هانِئٍ عندَ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، فعلى هذا المعنَى فالمرادُ بالْمَسْجِدِ: الْحَرَمُ كُلُّه.
* * *
انتهى الجزء الثالث
ويليه الجزء الرابع
وأوله كتاب الحج
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir