مشاهدة النسخة كاملة : باب الفوات والإحصار
محمد أبو زيد
01-12-2009, 04:06 PM
بابُ الفَواتِ والإحصارِ
عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قالَ: قد أُحْصِرَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فحَلَقَ وجامَعَ نِساءَهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عامًا قَابِلًا. رواهُ البخاريُّ.
وعن عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها، قالَتْ: دَخَلَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَى ضُباعَةَ بنتِ الزُّبيرِ بنِ عبدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عنها، فقالَتْ: يَا رسولَ اللَّهِ! إِنِّي أُريدُ الْحَجَّ وأنا شَاكِيَةٌ، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((حُجِّي وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وعن عِكرمةَ، عن الْحَجَّاجِ بنِ عَمْرٍو الأَنصاريِّ رَضِيَ اللَّهُ عنه قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ)). قالَ عِكرمةُ: فسَأَلَتُ ابنَ عَبَّاسٍ وأبا هُرَيْرةَ عن ذَلِكَ، فقالَا: صَدَقَ. رواهُ الخمسةُ، وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
قالَ مُصَنِّفُهُ حافظُ الْعَصْرِ قاضي القُضاةِ أبو الفَضْلِ؛ أحمدُ بنُ عليِّ بنِ حَجَرٍ الكَنَانِيُّ العَسقلانيُّ الْمِصريُّ، أَبقاهُ اللَّهُ في خَيْرٍ:
آخِرُ الجزءِ الأَوَّلِ. وهو النِّصْفُ مِن هذا الكتابِ الْمُبارَكِ، قالَ: وكَانَ الفَراغُ منه في ثاني عَشَرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وعشرينَ وثمانِمَائةٍ، وهو آخِرُ
(العِباداتِ).
يَتلوهُ في الجزءِ الثاني
محمد أبو زيد
01-12-2009, 07:45 PM
بَابُ الْفَوَاتِ وَالإِحْصَارِ
الحَصْرُ: المَنْعُ، قَالَهُ أَكْثَرُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَالإِحْصَارُ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ بِالمَرَضِ وَالعَجْزِ وَالخَوْفِ وَنَحْوِهَا، فَإِذَا كَانَ بِالعَدُوِّ قِيلَ لَهُ: الحَصْرُ، وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
1/733 - عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَاماً قَابِلاً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَاماً قَابِلاً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ).
اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ: بِمَاذَا يَكُونُ الإِحْصَارُ؟ فَقَالَ الأَكْثَرُ: يَكُونُ مِنْ كُلِّ حَابِسٍ يَحْبِسُ الحَاجَّ مِنْ عَدُوٍّ وَمَرَضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى أَفْتَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلاً لُدِغَ بِأَنَّهُ مُحْصَرٌ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَوَائِفُ مِن العُلَمَاءِ؛ مِنْهُم: الهَادَوِيَّةُ وَالحَنَفِيَّةُ، وَقَالُوا: إنَّهُ يَكُونُ بِالمَرَضِ وَالكَسْرِ وَالخَوْفِ، وَهَذِهِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَيُقَاسُ عَلَيْهَا سَائِرُ الأَعْذَارِ المَانِعَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ عُمُومُ قَوْلِهُ تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُم} الآيَةَ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا إحْصَارَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالعَدُوِّ، فَالعَامُّ لا يُقْصَرُ عَلَى سَبَبِهِ، وَفِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ أُخَرُ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا خَاصٌّ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ لا حَصْرَ بَعْدَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ خَاصٌّ بِمِثْلِ مَا اتَّفَقَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلا يَلْحَقُ بِهِ إلاَّ مَنْ أَحَصَرَهُ عَدُوٌّ كَافِرٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الإِحْصَارَ لا يَكُونُ إلاَّ بِالعَدُوِّ، كَافِراً كَانَ أَوْ بَاغِياً. وَالقَوْلُ المُصَدَّرُ هُوَ أَقْوَى الأَقْوَالِ، وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِن الأَقْوَالِ إلاَّ آثَارٌ وَفَتَاوَى لِلصَّحَابَةِ.
هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ البُخَارِيِّ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَذَلِكَ فِي قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ. قَالُوا: وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا لا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ كَمَا عَرَفْتَ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، إنَّمَا قَصَدَ وَصْفَ مَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى تَرْتِيبٍ. وَقَوْلُهُ: وَنَحَرَ هَدْيَهُ، هُوَ إخْبَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدْيٌ نَحَرَهُ هُنَالِكَ، وَلا يَدُلُّ كَلامُهُ عَلَى إيجَابِهِ.
وَقَد اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الهَدْيِ عَلَى المُحْصَرِ، فَذَهَبَ الأَكْثَرُ إلَى وُجُوبِهِ، وَخَالَفَ مَالِكٌ فَقَالَ: لا يَجِبُ. وَالحَقُّ مَعَهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ كُلِّ المُحْصَرِينَ هَدْيٌ، وَهَذَا الهَدْيُ الَّذِي كَانَ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاقَهُ مِن المَدِينَةِ مُتَنَفِّلاً بِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَى الإِيجَابِ؛ أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}، وَحَقَّقْنَاهُ فِي مِنْحَةِ الغَفَّارِ حَاشِيَةِ ضَوْءِ النَّهَارِ.
وَقَوْلُهُ: (حَتَّى اعْتَمَرَ عَاماً قَابِلاً)، قِيلَ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ القَضَاءِ عَلَى مَنْ أُحْصِرَ، وَالمُرَادُ: مَنْ أُحْصِرَ عَن النَّفْلِ، وَأَمَّا مَنْ أُحْصِرَ عَنْ وَاجِبِهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلا كَلامَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِتْيَانُ بِالوَاجِبِ إنْ مُنِعَ مِنْ أَدَائِهِ.
وَالحَقُّ أَنَّهُ لا دَلالَةَ فِي كَلامِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى إيجَابِ القَضَاءِ؛ فَإِنَّ ظَاهِرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ عَاماً قَابِلاً، وَلا كَلامَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ فِي عَامِ القَضَاءِ، وَلَكِنَّهَا عُمْرَةٌ أُخْرَى لَيْسَتْ قَضَاءً عَنْ عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ.
أَخْرَجَ مَالِكٌ بَلاغاً، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بالحُدَيْبِيَةِ، فَنَحَرُوا الهَدْيَ، وَحَلَقُوا رُؤُوسَهُمْ، وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالبَيْتِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ الهَدْيُ. ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ يَقْضُونَ شَيْئاً، وَلا أَنْ يَعُودُوا لِشَيْءٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَحَيْثُ أُحْصِرَ ذَبَحَ وَحَلَّ، وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تعالى لَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً، ثُمَّ قَالَ: لأَنَّا عَلِمْنَا مِنْ تَوَاطُؤِ أَحَادِيثِهِمْ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَامِ الحُدَيْبِيَةِ رِجَالٌ مَعْرُوفُونَ، ثُمَّ اعْتَمَرُوا عُمْرَةَ القَضَاءِ، فَتَخَلَّفَ بَعْضُهُمْ فِي المَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي نَفْسٍ وَلا مَالٍ، وَلَوْ لَزِمَهُم القَضَاءُ لأَمَرَهُمْ بِأَنْ لا يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ.
وَقَالَ: إنَّمَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ القَضَاءِ وَالقَضِيَّةَ؛ لِلْمُقَاضَاةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، لا عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ قَضَاءُ تِلْكَ العُمْرَةِ.
وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَنَحَرَ هَدْيَهُ)، اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ هَلْ نَحَرَهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ فِي الحِلِّ أَوْ فِي الحَرَمِ؟ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} أَنَّهُمْ نَحَرُوهُ فِي الحِلِّ. وَفِي مَحِلِّ نَحْرِ الهَدْيِ لِلْمُحْصَرِ أَقْوَالٌ:
الأَوَّلُ: لِلْجُمْهُورِ، أَنَّهُ يَذْبَحُ هَدْيَهُ حَيْثُ يَحِلُّ فِي حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ.
الثَّانِي: لِلْهَادَوِيَّةِ وَالحَنَفِيَّةِ، أَنَّهُ لا يَنْحَرُهُ إلاَّ فِي الحَرَمِ.
الثَّالِثُ: لابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ، أَنَّهُ إنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ البَعْثَ بِهِ إلَى الحَرَمِ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ فِي مَحِلِّهِ، وَإِنْ كَانَ لا يَسْتَطِيعُ البَعْثَ بِهِ إلَى الحَرَمِ نَحَرَهُ فِي مَحِلِّ إحْصَارِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ نَحَرَهُ فِي طَرَفِ الحُدَيْبِيَةِ، وَهُوَ مِن الحَرَمِ. وَالأَوَّلُ أَظْهَرُ.
2/734 - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ الحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضُبَاعَةَ): بِضَمِّ الضَّادِ المُعْجَمَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مُخَفَّفَةٍ، (بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، بِنْتِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَزَوَّجَهَا المِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَرِيمَةَ، رَوَى عَنْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمَا، قَالَهُ ابْنُ الأَثِيرِ فِي الجَامِعِ الكَبِيرِ.
(فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المُحْرِمَ إذَا اشْتَرَطَ فِي إحْرَامِهِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ المَرَضُ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمِنْ أَئِمَّةِ المَذَاهِبِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ عُذْرَ الإِحْصَارِ يَدْخُلُ فِيهِ المَرَضُ، قَالَ: يَصِيرُ المَرِيضُ مُحْصَراً لَهُ حُكْمُهُ.
وَظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّهُ لا يَصِيرُ مُحْصَراً، بَلْ يَحِلُّ حَيْثُ حَصَرَهُ المَرَضُ، وَلا يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ المُحْصَرَ مِنْ هَدْيٍ وَلا غَيْرِهِ، وَقَالَ طَائِفَةٌ مِن الفُقَهَاءِ: إنَّهُ لا يَصِحُّ الاشْتِرَاطُ، وَلا حُكْمَ لَهُ، قَالُوا: وَحَدِيثُ ضُبَاعَةَ قِصَّةُ عَيْنٍ مَوْقُوفَةٍ مَرْجُوحَةٍ أَوْ مَنْسُوخَةٍ، أَوْ أَنَّ الحَدِيثَ ضَعِيفٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ؛ إذ الأَصْلُ عَدَمُ الخُصُوصِيَّةِ وَعَدَمُ النَّسْخِ.
وَالحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَسَائِرِ كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَمِدَةِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِأَسَانِيدَ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِن الصَّحَابَةِ.
وَدَلَّ مَفْهُومُ الحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي إحْرَامِهِ فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ، وَيَصِيرُ مُحْصَراً لَهُ حُكْمُ المُحْصَرِ عَلَى مَا هُوَ الصَّوَابُ، عَلَى أَنَّ الإِحْصَارَ يَكُونُ بِغَيْرِ العَدُوِّ.
3/735 - وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَن الحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرِجَ، فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ))، قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالا: صَدَقَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
(وَعَنْ عِكْرِمَةَ): هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عِكْرِمَةُ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَصْلُهُ مِن البَرْبَرِ، سَمِعَ مِن ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِمْ، وَنُسِبَ إلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى رَأْيَ الخَوَارِجِ، وَقَدْ أَطَالَ المُصَنِّفُ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي مُقَدِّمَةِ الفَتْحِ، وَأَطَالَ الذَّهَبِيُّ فِيهِ فِي المِيزَانِ، وَالأَكْثَرُونَ عَلَى إِطْرَاحِهِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ.
(عَن الحَجَّاجِ بْنِ عَمْرِو) بْنِ أَبِي غَزِيَّةَ؛ بِفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ المُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، (الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، المَازِنِيِّ؛ نِسْبَةً إلَى جَدِّهِ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ.
قَالَ البُخَارِيُّ: لَهُ صُحْبَةٌ، رَوَى عَنْهُ حَدِيثَيْنِ، هَذَا أَحَدُهُمَا، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كُسِرَ): مُغَيَّرُ الصِّيغَةِ، (أَوْ عَرِجَ): بِفَتْحِ المُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ؛ لِقَوْلِهِ: (فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ) إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ أَتَى بِالفَرِيضَةِ.
(قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالا: صَدَقَ) فِي إخْبَارِهِ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ).
وَالحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ فَأَصَابَهُ مَانِعٌ مِنْ مَرَضٍ؛ مِثْلِ مَا ذَكَرَهُ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ ذَلِكَ المَانِعِ يَصِيرُ حَلالاً، وإنْ لمْ يَشْتَرِطْ، ولا يَصِيرُ مُحْصَراً.
والمُرَادُ بقَوْلِهِ: ((فَقَدْ حَلَّ))؛ أيْ: أُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ، وَصَارَ حَلالاً. فَأَفَادَت الثَّلاثَةُ الأَحَادِيثُ أَنَّ المُحْرِمَ يَخْرُجُ عَنْ إحْرَامِهِ بِأَحَدِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: إمَّا بِالإِحْصَارِ بِأَيِّ مَانِعٍ كَانَ، أَوْ بِالاشْتِرَاطِ، أَوْ بِحُصُولِ مَا ذَكَرَ مِنْ حَادِثِ كَسْرٍ أَوْ عَرَجٍ، وَهَذَا فِيمَنْ أُحْصِرَ وَفَاتَهُ الحَجُّ.
وَأَمَّا مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ لِغَيْرِ إحْصَارٍ؛ فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي حُكْمِهِ، فَذَهَبَ الهَادَوِيَّةُ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِإِحْرَامِهِ الَّذِي أَحْرَمَهُ لِلْحَجِّ بِعُمْرَةٍ.
وَعَن الأَسْوَدِ قَالَ: "سَأَلْتُ عُمَرَ عَمَّنْ فَاتَهُ الحَجُّ وَقَدْ أَحْرَمَ بِهِ، فَقَالَ: يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. ثُمَّ لَقِيتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مِثْلَهُ". أَخْرَجَهُمَا البَيْهَقِيُّ، وَقِيلَ: يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ، وَيَسْتَأْنِفُ لَهَا إحْرَاماً آخَرَ.
وَقَالَت الهَادَوِيَّةُ: وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِفَوَاتِ الحَجِّ.
وَقَالَت الشَّافِعِيَّةُ وَالحَنَفِيَّةُ: لا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ إذْ يُشْرَعُ لَهُ التَّحَلُّلُ، وَقَدْ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ. وَالأَظْهَرُ مَا قَالُوهُ؛ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى الإِيجَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
محمد أبو زيد
01-12-2009, 07:46 PM
بَابُ الفَوَاتِ والإِحْصَارِ
657- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فحَلَقَ رَأْسَهُ، وجَامَعَ نِسَاءَهُ، ونَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَاماً قَابِلاً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
مُفْرَداتُ الحديثِ:
- أُحْصِرَ رَسُولُ اللهِ: يُقالُ: حَصَرَهُ يَحْصُِرُه حَصْراً، مِن بَابَيْ ضَرَبَ ونَصَرَ: حَبَسَهُ وضَيَّقَ عليه، والمعنَى أنَّ قُرَيْشاً مَنَعَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِن أَدَاءِ عُمْرَتِه يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، فصَالَحَهم على أَنْ يَرْجِعَ عنهم ذلك العَامَ, ويَعُودَ مِن قَابِلٍ.
-هَدْيَهُ: الهَدْيُ بفَتْحِ الهَاءِ وسُكُونِ الدَّالِ، اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلى الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ عِبَادَةً للهِ ونَفْعاً لمَساكِينِ الحَرَمِ.
قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "إِنَّهَا كَانَتْ سَبْعِينَ بَدَنَةً، كَانَ فيها جَمَلٌ لأَبِي جَهْلٍ، فِي رَأْسِهِ بُرَةٌ مِن فِضَّةٍ، أُصِيبَ معَ غَنَائِمِ بَدْرٍ، فجِيءَ بِهِ مِن الهَدْيِ ليَغِيظَ بِهِ المُشْرِكِينَ".
-قَابِلاً: القَابِلُ خِلافُ الدَّابِرِ، والمُرادُ هنا السَّنَةُ المُقْبِلَةُ، وقَدِ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ القَضَاءِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ.
ما يُؤْخَذُ مِنَ الحَدِيثِ:
1-كَانَ حَصْرُه صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ، سَنَةَ سِتٍّ مِن الهِجْرَةِ، حِينَما صَدَّهُ المُشْرِكُونَ عَن دُخولِ مَكَّةَ، فحَلَقَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رَأْسَهُ، ونَحَرَ هَدْيَهُ، ثُمَّ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ القَضَاءِ فِي السَّنَةِ التي بَعْدَها.
2-مَا بَيْنَ عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ، وعُمْرَةِ القَضَاءِ لَمْ يُمْنَعْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ؛ لأنَّه حَلَّ التَّحَلُّلَ الكَامِلَ.
3-قالَ الفُقَهَاءُ: وإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ فوَقَفُوا في الثامِنِ، أو العَاشِرِ، أجْزَأَهُم ذَلِكَ إِجْماعاً؛ لقولِهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الْحَجُّ يَوْمَ يَحُجُّ النَّاسُ)).
وإِذَا وَقَفُوا فِي الثَّامِنِ، وعَلِمُوا قَبْلَ فَوَاتِ الوَقْتِ، وَجَبَ الوُقُوفُ فِي الوَقْتِ.
4-قالَ تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ} [البقرة: 196].
قالَ الشَّافِعِيُّ: لا خِلافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الحُدَيْبِيَةِ.
وفي الصحيحِ: أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: ((قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا)). ولأنَّ الحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلى الحِلِّ؛ لِمَا فِي تَرْكِه مِن المَشَقَّةِ العَظِيمةِ وهي مُنْتفِيَةٌ شَرْعاً.
قالَ الوزيرُ: اتَّفَقوا على أنَّ الإحصارَ بالعَدُوِّ يُبِيحُ التحَلُّلَ.
5-إذا اشْتَرَطَ المُحْرِمُ في ابْتِداءِ إِحْرَامِه، فقالَ: إِنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي. فحُبِسَ، فَلَهُ التحَلُّلُ مَجَّاناً في الجَميعِ، فلا هَدْيَ ولا قَضَاءَ، سَواءٌ كانَ حُصِرَ بمَرَضٍ، أو عَدُوٍّ، أو ضَياعِ نَفَقَةٍ، أو غَيْرِ ذلك، وهو مَذْهَبُ الإِمَامَيْنِ: الشافِعِيِّ وأحمدَ رَحِمَهُما اللهُ تعالى.
6-قالَ ابْنُ القَيِّمِ: لا يَلْزَمُ المُحْصَرَ هَدْيٌ ولا قَضَاءٌ؛ لعَدَمِ أمْرِ الشَّارِعِ به، ومَعْنَى قَضِيَّةِ الصُّلْحِ الذي وَقَعَ في الحُدَيْبِيَةِ، وقَدْ أُحْصِرُوا عامَ الحُدَيْبِيَةِ، ولَمْ يَعْتَمِرْ منهم معَه في عُمْرَةِ القَضَاءِ إلاَّ البَعْضُ، فعُلِمَ أنَّها لَمْ تَكُنْ قَضَاءً، ولَمْ يُنْقَلْ أنَّه أمَرَ البَاقِينَ بالقَضَاءِ، وفَارَقَ الفَوَاتَ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ، بخِلافِ المُحْصَرِ.
7- قالَ في الشَّرْحِ الكَبِيرِ: في وُجوبِ القَضَاءِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُما: تَجِبُ، سَوَاءٌ كَانَ الفَائِتُ وَاجِباً، أو تَطَوُّعاً، وهي المَذْهَبُ، وهو قَوْلُ الأَئِمَّةِ الثلاثةِ عَدَا مَالِكٍ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ من حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَتَحَلَّلْ بِعُمْرَةٍ، وعَلَيْهِ القَضَاءُ)). فهو بعُمومِهِ شَامِلٌ للفَرْضِ والنَّفْلِ.
الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لا قَضَاءَ عليهِ إِنْ كَانَ نَفْلاً، وأَمَّا الفَرْضُ فهو عليهِ بالوُجوبِ الأَوَّلِ، وهو مَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ.
8- هل يَلْزَمُ مَن فَاتَهُ الحَجُّ دَمٌ، أَمْ لا؟ المَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الإمامِ أحمدَ يَلْزَمُه, صَحَّحَهُ في المُغْنِي والشَّرْحِ الكَبِيرِ.
قالَ في الإِنْصَافِ: وهو المَذْهَبُ. والرِّوَايَةُ الأُخْرَى: لا يَلْزَمُهُ، ورَجَّحَها جَمَاعَةٌ من المُحَقِّقِينَ.
خِلافُ العُلماءِ:
اخْتَلَفَ العُلماءُ بماذا يَكُونُ الحَصْرُ؟ والصَّحِيحُ أنَّ كُلَّ مَانِعٍ مِن إِكْمالِ النُّسُكِ وكُلَّ حَصْرٍ وُجِدَ، مِن عَدُوٍّ، أَوْ مَرَضٍ، أو ضَيَاعِ نَفَقَةٍ، أو غَيْرِ ذلك، فهو حَصْرٌ؛ لعُمومِ قولِهِ تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ} [البقرة: 196].
واخْتَلَفَ العُلماءُ في وُجوبِ الهَدْيِ على المُحْصِرِ، فذَهَبَ جُمهورُ العُلماءِ إلى وُجوبِهِ، فإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ، بنِيَّةِ التحَلُّلِ، والصَّحيحُ عَدَمُ وُجوبِهِ, وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ، وإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أَحْمَدَ، فإنَّه لَمْ يَكُنْ معَ كُلِّ المُحْصِرِينَ الَّذِينَ كَانُوا معَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ هَدْيٌ، ولَمْ يَأْمُرْهُم، ولَمْ يُوجِبْهُ عليهم, بَلْ أمَرَهم بالتحَلُّلِ مُطْلقاً.
واخْتَلَفَ العُلماءُ في وُجوبِ القَضَاءِ وعَدَمِه، والراجِحُ عَدَمُ وُجوبِه؛ ذلكَ أنَّ الذين كانوا معَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في عُمْرَةِ القَضَاءِ، أقَلُّ مِن الذينَ كانوا معَه في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ، فهو لَمْ يَأْمُرْهُم بالقَضَاءِ.
658- وعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهَا قَالَتْ: دَخَلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُرِيدُ الحَجَّ، وأَنَا شَاكِيَةٌ. فقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((حُجِّي، وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مُفْرَداتُ الحديثِ:
-ضُبَاعَةَ: بضَمِّ الضادِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الباءِ المُوحَّدَةِ التَّحْتِيَّةِ، ابِنْةِ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فهي بِنْتُ الزُّبَيْرِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، تَزَوَّجَها المِقْدَادُ بنُ الأَسْوَدِ، فوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللهِ وكَرِيمَةَ.
-شَاكِيَةٌ: شَكَا العِلَّةَ يَشْكُو شِكَايَةً وشُكْياً: ذَكَرَها وأَخْبَرَ بها، فهو شَاكٍ، وهي شَاكِيَةٌ.
-اشْتَرِطِي: يُقالُ: شَرَطَ يَشُِرطُ شَرْطاً من بَابَيْ ضَرَبَ ونَصَرَ، والشَّرْطُ: الإِلْزَامُ بشَيْءٍ، فالاشْتِرَاطُ هو أنَّ مَن أَرَادَ الإِحْرَامَ اشْتَرَطَ على رَبِّه، مَتَى صَدَّهُ عَدُوٌّ عن البَيْتِ، أو حَبَسَهُ حَابِسٌ مِن مَرَضٍ، أو ضَيَاعِ أو ذَهَابِ نَفَقَةٍ؛ فإنَّه يَحِلُّ من إِحْرَامِهِ بِلاَ هَدْيٍ، ولا صِيَامٍ، ولا قَضَاءٍ، وإنَّ لَهُ على رَبِّه ما اشْتَرَطَ.
-مَحِلِّي: بفتحِ المِيمِ وكَسْرِ الحَاءِ، مَأْخُوذٌ مِن حَلَّ، إِذَا خَرَجَ مِن الإِحْرَامِ، أي: مَحِلُّ خُرُوجِي مِن الإِحْرَامِ بالحَجِّ أو العُمْرَةِ في زَمَانِهِ، أو مَكَانِهِ.
-حَيْثُ حَبَسْتَنِي: أي: في المَكانِ والزَّمَانِ الذي يَحْصُلُ لي فيه الحَبْسُ، هو مَكانُ وزَمَانُ حِلِّي من إِحْرَامِي.
خِلافُ العُلماءِ:
اخْتَلَفَ العُلماءُ في مَشْروعِيَّةِ الاشتراطِ عندَ الإِحْرَامِ.
فذَهَبَ إلى اسْتِحْبَابِهِ طَائِفَةٌ مِن الصَّحابةِ والتابِعِينَ، وهو مَذْهَبُ الإِمَامَيْنِ: الشَّافِعِيِّ وأَحْمَدَ، كَمَا نَصَرَهُ ابنُ حَزْمٍ في المُحَلَّى.
ودَلِيلُهم هذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ.
وذَهَبَ الإِمَامانِ: أبو حَنِيفَةَ ومَالِكٌ إلى عَدَمِ مَشْروعِيَّةِ الاشتراطِ، وعَدَمِ فَائِدَتِهِ، فلو اشْتَرَطَ وحَصَلَ له عُذْرٌ فلَيْسَ له أَنْ يَتَحَلَّلَ مِن إحْرَامِهِ، فقَدْ كَانَ ابنُ عُمَرَ يُنْكِرُ الاشْتِرَاطَ في الحَجِّ، ويَقولُ: "ألَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ"؟!
ذلكَ أَنَّ الاشتراطَ لَمْ يَكُنْ مَعْروفاً عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ولا عن صَحَابَتِهِ، عَدَا قَضِيَّةِ ضُبَاعَةَ.
ولذا ذهَبَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ إلى مَشْرُوعِيَّةِ الاشتراطِ للخَائِفِ خَاصَّةً، كحَالِ ضُبَاعَةَ، جَمْعاً بينَ الأَدِلَّةِ. وهذا هو اخْتِيارُ عبدِ الرحْمَنِ بنِ سِعْدِيٍّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
فائِدَةٌ:
الاشتراطُ يُفِيدُ صَاحِبَهُ أمرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّه إذا مَنَعَه عَدُوٌّ، أو مَرَضٌ، أو ذَهَابُ نَفَقَةٍ، ونَحْوُ ذلك فلَهُ التحَلُّلُ.
الثاني: أنَّه مَتَى حَلَّ لعُذْرٍ، فلا يَجِبُ عليهِ البَقَاءُ في إحْرامِه، ولا يَلْزَمُه قَضَاءٌ ولا فِداءٌ.
فإنَّ اشْتراطَهُ على رَبِّه بقولِه: "فَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسَنِي". إِفَادَةُ الحُرِّيَّةِ المُطْلقَةِ عندَ العُذْرِ.
659- وعن عِكْرِمَةَ عن الحَجَّاجِ بنِ عَمْرٍو الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ)). قالَ عِكْرِمَةُ: فسَأَلْتُ ابنَ عَبَّاسٍ وأبا هُرَيْرَةَ عن ذلك، فقالاَ: "صَدَقَ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
درجةُ الحديثِ:
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ.
ورَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عن الحَجَّاجِ بنِ الصَّوَّافِ، وهو ثِقَةٌ حَافِظٌ عندَ أهْلِ الحَديثِ، وقَدْ رَوَاهُ الإمامُ أَحْمدُ وأهْلُ السُّنَنِ، وقالَ ابْنُ عبدِ الهادي في المَحَرَّرِ: وقَدْ رُوِيَ هذا الحديثُ عن عِكْرِمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ رَافِعٍ, عن الحَجَّاجِ، وهو أصَحُّ. قالَهُ الْبُخَارِيُّ.
مُفْرَداتُ الحديثِ:
-كُسِرَ: بالبِنَاءِ للمَجْهولِ، يُقالُ: كَسَرَ العَظْمَ يَكْسِرُه كَسْراً من بابَ ضَرَبَ؛ فصَلَهُ مِن غَيْرِ نُفوذِ جِسْمٍ فيه، فالكَسْرُ: فَصْلُ الجِسْمِ الصُّلْبِ من غَيْرِ نُفوذِ جِسْمٍ فِيهِ.
-عَرَجَ: بفتحِ العَيْنِ والرَّاءِ، أصَابَهُ شَيْءٌ في رِجْلِه، هذا ضَبْطُه إِذَا لَمْ يَكُنْ خِلْقَةً، فإِنْ كَانَ عَرَجُه خِلْقَةً فهو بكَسْرِ الرَّاءِ.
ما يُؤْخَذُ مِنَ الحَدِيثِ:
1-يَدُلُّ الحديثُ على أنَّ المُحْرِمَ بحَجٍّ أو عُمْرَةٍ إِذَا أصَابَهُ عُذْرٌ مَنَعَهُ مِن إِكْمَالِ نُسُكِهِ؛ مِن كَسْرٍ، أو مَرَضٍ، أو حَادِثٍ؛ فإنَّه يَحِلُّ مِن إِحْرَامِهِ بحُصولِ ذلك المَانِعِ.
2-قالَ ابْنُ القَيِّمِ: لَوْ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بحِلِّ المُحْصِرِ بالمَرَضِ لَكَانَ القِيَاسُ على المُحْصِرِ بالعَدُوِّ يُفِيدُه، فكَيْفَ وظَاهِرُ القرآنِ والسُّنَّةِ والقِيَاسُ يَدُلُّ عليهِ.
3-عليهِ القَضَاءُ من قَابِلٍ؛ لقولِهِ: ((وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى)).
4-أمَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَن فَاتَهُ الحَجُّ بفَوَاتِ الوُقوفِ بعَرَفَةَ أَنْ يَتَحَلَّلَ بالعُمْرَةِ، ثُمَّ يَحُجَّ مِن قَابِلٍ.
لكنْ إِنْ كَانَ فَرْضاً فهو مَوضِعُ إِجْماعٍ بينَ العُلماءِ، وإنْ كَانَ نَفْلاً فهو مَذْهَبُ الجُمهورِ.
5-هل يَجِبُ عليهِ الهَدْيُ؟ ذَهَبَ الجُمهورُ إِلَى أنَّ على مَن فَاتَهُ الحَجُّ الهَدْيَ، والرِّوَايَةُ الأُخْرَى عن أحْمَدَ: لا يَجِبُ عليهِ الهَدْيُ؛ لأنَّه لو كَانَ الفَوَاتُ سَبَباً لوُجوبِ الهَدْيِ لَزِمَ الحَصْرَ هَدْيَانِ؛ هَدْيٌ للفَوَاتِ، وهَدْيٌ للإِحْصَارِ.
انْتَهَى كِتَابُ الحَجِّ
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir