عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 12:07 AM
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22] ، وَقَوْلُهُ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ} [البقرة: 210]
(4) الصفةُ الرابعةُ: المجيءُ.
مجيءُ اللهِ للفَصْلِ بينَ عبادِهِ يومَ القيامَةِ ثابِتٌ بالكتابِ والسنَّةِ وإجماعِ السلَفِ .
قالَ اللهُ تعالَى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفَجْر:22] {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ} [البقرة:210] ، وقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلاَّ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ أَتَاهُم رَبُّ العَالَمِينَ)) مُتَّفَقٌ عليهِ ، في حديثٍ طويلٍ .
وأجْمَعَ السلَفُ على ثبوتِ المجيءِ للهِ تعالَى ، فيَجِبُ إثباتُهُ لهُ منْ غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ ، ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ ، وهو مجيءٌ حقيقيٌّ يَلِيقُ باللهِ تعالَى .
وقدْ فسَّرَهُ أهلُ التعطيلِ بمَجِيءِ أمرِهِ ، ونَرُدُّ عليهم بما سبَقَ في القاعدةِ الرابعةِ .
أمَّا الآيَةُ الَّتي بَعْدَهَا: إِثْبَاتُ صِفَةِ المَجِيءِ: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر:22] .
وكذلكَ قولُهُ تَعَالَى : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ في ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ} [البقرة:210] .
وَمِثْلُهَا قولُهُ تَعَالَى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام:158].
هذهِ الآياتُ مِمَّا حَصَلَ فيها اختلافٌ كثيرٌ وإنكارٌ كبيرٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ من المُتَكَلِّمِينَ ، وَبَالَغُوا في تَأْوِيلِهَا وَصَرْفِهَا عنْ ظاهرِهَا ، وتَجِدُهُم يُنْكِرُونَ صِفَتَي المَجِيءِ والإتيانِ وَنَحْوَ ذلكَ .
بلْ قَرَأْتُ في تفسيرِ بعضِ المعتزلةِ أو الأشاعرةِ لَمَّا أَتَى على الآيَةِ منْ سورةِ البقرةِ : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ} ، قالَ : وَأَمَّا إِتْيَانُ اللهِ، فَقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على أنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عن المَجِيءِ والذَّهابِ ؛ لأنَّ هذا منْ شأنِ المُحْدَثَاتِ والمُرَكَّبَاتِ .
هكذا عَلَّلَ : مُنَزَّهٌ عن المَجِيءِ والذَّهَابِ .
وَسَمِعْتُ مَنْ حَكَى مُنَاظَرَةً جَرَتْ بَيْنَ سُنِّيٍّ وبينَ مُبْتَدِعٍ
فقالَ المُبْتَدِعُ : أَنَا أَكْفُرُ بِرَبٍّ يَزُولُ عنْ مَكَانِهِ .
فقالَ السُّنِّيُّ: أَنَا أُؤْمِنُ بِرَبٍّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ .
فَجَعَلُوا المَجِيءَ والذهابَ منْ صفاتِ المُحْدَثَاتِ والمُرَكَّبَاتِ كما يَقُولُونَ ، وَنَزَّهُوا الرَّبَّ عنْ أمثالِ هذا ، وَجَعَلُوا النُّزولَ وَالْمَجِيءَ والإتيانَ الَّذي ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى ، أنَّهُ زَوَالٌ عنْ مكانِهِ وحركةٌ ، وَجَعَلُوا هذا تَشْبِيهًا لِمَجِيءِ المخلوقِ وانْتِقَالِهِ وما أَشْبَهَ ذلكَ .
وَلَكِنْ لا إِنْكَارَ في شيءٍ منْ ذلكَ ؛ فالأحاديثُ والآياتُ صَرِيحَةٌ وواضحةٌ ، وليسَ لنا أنْ نَتَدَخَّلَ في تَأْوِيلِهَا ، وَنَسْعَى في تَحْرِيفِهَا .
ثمَّ إنَّ المتأخِّرينَ من المُتَكَلِّمِينَ يَقُولُونَ في آياتِ المَجِيءِ والإتيانِ: إنَّ فيها قَوْلَيْنِ:
القولُ الأوَّلُ: يَنْسِبُونَهُ للسَّلفِ ؛ وهوَ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ السَّلفَ يَسْكُتُونَ ولا يَعْتَقِدُونَ فيها مَجِيئًا حَقِيقِيًّا ، بلْ يَسْكُتُونَ عنها، وَيَتْرُكُونَ الكلامَ فيها ، وَيُمِرُّونَهَا دونَ أنْ يَتَكَلَّموا فيها أوْ يُفَسِّرُوها بأيِّ نوعٍ منْ أنواعِ التَّفسيرِ ، وإنَّما يَسْكُتُونَ عنها دُونَ الخَوْضِ فيها ، ويقولونَ : لا تَأْوِيلَ لها ، ولا تَفْسِيرَ لها ، ولا نَخُوضُ فيها ، ولا نَتَكَلَّمُ فيها ، ولا نَدْرِي ما مَعْنَاهَا ، ولا نَبْحَثُ في دلالتِهَا.
هكذا يَزْعُمُونَ أنَّ السَّلفَ على هذهِ الطَّريقةِ.
والقولُ الثَّاني: تَأْوِيلُهُم لها بِأَنْوَاعٍ من التَّأويلاتِ المُتَكَلَّفَةِ ، وأكثرُهُم على أنَّ فيها مُقَدَّرًا ، تَقْدِيرُهُ : جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ، أوْ يَأْتِيهُم اللهُ ، أيْ: أَمْرُ اللهِ ، {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام: 158] ، أيْ : أَمْرُ رَبِّكَ.
وكانَ منْ جُمْلَتِهِم زَاهِدٌ الْكَوْثَرِيُّ ؛ الَّذي حَقَّقَ كَثِيرًا من الكُتُبِ وَأَفْسَدَهَا ، فمِنْ جُمْلَةِ ما حَقَّقَهُ كتابُ : (الأسماءُ والصِّفاتُ) لِلْبَيْهَقِيِّ ؛ فإنَّهُ أَفْسَدَهُ بِتَعْلِيقَاتِهِ عليهِ، وَلَمَّا أَتَى على هذهِ الآيَةِ قالَ: إنَّ اللهَ يَقُولُ في سورةِ النَّحْلِ : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل:33].
قالَ: ما دامَ في سورةِ النَّحلِ : {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} ، فإنَّا نَقُولُ كذلكَ في سورةِ البقرةِ: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ} [البقرةُ:210]، أيْ: أَمْرُ اللهِ.
وكذلكَ آيَةُ الأنعامِ {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} ، أيْ: أَمْرُهُ.
وكذلكَ في سورةِ الفجرِ: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر:22] ، أيْ: جَاءَ أَمْرُهُ.
فَجَعَلَ هذا مَحْمُولاً على الآيَةِ الَّتي في سورةِ النحلِ ، وقالَ: إنَّ القرآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
ونحنُ نقولُ: لا يَلْزَمُ منْ إِتْيَانِ أَمْرِ اللهِ في آيَةِ سورةِ النَّحلِ عَدَمُ إتيانِهِ تَعَالَى في آيَةٍ أُخْرَى .
وإذا أَثْبَتْنَا للهِ الإتيانَ قُلْنَا يَجِيءُ كما يَشَاءُ ، والأحاديثُ الَّتي في الشَّفاعةِ فيها أنَّ بَنِي آدَمَ يَطْلُبُونَ الشَّفاعةَ لِيَأْتِيَ اللهُ لِفَصْلِ القضاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ.
وقدْ أَخْبَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنَّهُ إذا طُلِبَتْ منهُ الشَّفاعةُ جَاءَ ، فإذا رَأَى رَبَّهُ سَجَدَ وَأَطَالَ السُّجودَ ، فيقولُ اللهُ تَعَالَى لهُ: ((ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ …)) الحديثَ.
وذلكَ دليلٌ على أنَّ اللهَ تَعَالَى يَجِيءُ لِفَصْلِ القضاءِ مَجِيئًا يَلِيقُ بجلالِهِ ، ولا يَلْزَمُ منْ ذلكَ تَشْبِيهُهُ بالمُحْدَثَاتِ والمُرَكَّبَاتِ .
فَنَعْتَقِدُ هذهِ الصِّفةَ ولا نَقِيسُهَا على إتيانِ مخلوقاتِهِ ، بلْ يَأْتِي اللهُ تَعَالَى ويَجِيءُ كَمَا يَشَاءُ، وَيَفْصِلُ بينَ عِبَادِهِ ، ولا يُنَافِي ذلكَ عَظَمَتَهُ وجلالَهُ وَكِبْرِيَاءَهُ وَصِغَرَ المخلوقاتِ بالنِّسبةِ إليهِ ، وَمَا ذاكَ إلاَّ أنَّا لا نُحِيطُ بهِ عِلْمًا ، ولا نُكَيِّفُهُ ، ولا نُكَيِّفُ أيَّةَ صِفَةٍ هوَ عليها ، هذا هوَ القولُ الحقُّ .
وأمَّا الآياتُ الَّتي فيها إتيانُ أَمْرِ اللهِ، كقولِهِ تَعَالَى: {فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر:2] ، فَالمُرَادُ أَتَاهُم اللهُ بِعَذَابِهِ ؛ وذلكَ لأنَّهُ مَعْرُوفٌ أنَّ اللهَ أَرْسَلَ إليهم عَذَابًا ؛ وهوَ الرُّعبُ الَّذي قَذَفَهُ في قُلُوبِهِم، قالَ تَعَالَى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ} [الحشر:2].
القارئ:
( وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر:22].
وَقَوْلُهُ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ} [البقرة:210].
الشيخ:
هذه صفاتُ الأَفعالِ ، القسمُ الثَّاني : ذكرَ المجيءَ والإتيانَ ، هذه صفاتُ الفعلِ، صفاتٌ فعليَّةٌ ، والصِّفاتُ الفعليَّةُ هي الَّتي يتَّصفُ اللهُ -جلَّ وعلا- بها بمشيئتِهِ واختيارِهِ ، يعني: يتَّصفُ بها في وقتٍ دونَ وقتٍ ، وهو -جلّ وعلا- ليس دائماً ينزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا، وليسَ دائما يجيء ، وإنَّما يجيءُ إذا شاءَ في وقتٍ دونَ وقتٍ ، فهذه تُسمَّى الصِّفاتِ الفعليَّةَ الاختياريَّةَ.
المتن:
(وقوله سبحانه: { وجاء ربك })
الشرح:
هذا من صفات الأفعال , فالوجه واليدان والنفس هذه من صفات الذات، وأما قوله تعالى: { وجاء ربك } هذا من صفات الأفعال، هذه الآية في سياق ذكر أهوال يوم القيامة في سورة الفجر، قال تعالى: { كلا } كلا كلمة ردع وزجر , { إذا دكت الأرض دكا دكا } رجفت الأرض واندك ما عليها من الجبال والمباني , فصارت قاعاً صفصفا , لا ترى فيها عوجا ولا أمتا { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً، فيذرها قاعاً صفصفا } , { دكت الأرض } ودك ما عليها من المرتفعات والجبال والمباني , حتى صارت قاعاً متساويا , { دكا دكا } تأكيد , أو أنها ترجف عدة مرات , { وجاء ربك } , جاء لفصل القضاء بين عباده سبحانه وتعالى , { جاء } ففيه إثبات صفة المجيء لله , وكذلك في سورة البقرة: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر } يعني: تأتي الملائكة معه سبحانه وتعالى , تحيط بالخلائق , ملائكة تحيط بالخلائق صفوفا , تكون صفوفاً من وراء الخلق , { صفا صفا } ملائكة السماوات، ففيه إثبات المجيء لله , وإثبات الإتيان لله جل وعلا , وهي صفة فعل , ليس كإتيان المخلوق , ولا كمجيء المخلوق , لا نعلم كيفيته , مثل حديث النزول: { ينزل ربنا } هذا من صفات الأفعال أيضاً، { استوى على العرش } هذا من صفات الأفعال، كلها صفات أفعال ليست كأفعال المخلوقين، يجيء كما يليق به , يأتي كما يليق به , استوى على العرش كما يليق به سبحانه وتعالى , ينزل إلى سماء الدنيا كما يليق به سبحانه وتعالى , فنحن نثبت لله ما أثبته لنفسه من المجيء والإتيان والاستواء والنزول , على ما يليق بجلاله، لا نتعرض لكيفيته، كيف ينزل؟ كيف يجيء؟ كيف استوى على العرش؟ هذا سؤال عن الكيفية، نحن لا نعلم الكيفية.
المتن:
وقوله تعالى:( { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله })
الشرح:
{ هل ينظرون } , أي ما ينتظر الكفار، ينظرون معناه ينتظرون { إلا أن يأتيهم الله } يعني: لفصل القضاء، { في ظلل من الغمام } , جمع ظله، وهي السحابة , { والملائكة } تأتي مع مجيئه سبحانه وتعالى , { وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور } , { وقضي الأمر } يأتي لفصل القضاء بين عباده سبحانه وتعالى , وذلك أن الناس يقفون موقفاً طويلاً قدر خمسين ألف سنة , شاخصة أبصارهم , تدنو منهم الشمس , بعضهم يلجمه العرق , وبعضهم دون الإلجام , حسب أعمالهم , فإذا طال عليهم الفصل طلبوا من يشفع لهم إلى ربهم ليفصل بينهم , فيتدافع الأنبياء الشفاعة إلى أن تأتي إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيخر ساجداً بين يدي ربه , ويسأل الله أن يفصل بين عباده , وأن يريحهم من الموقف، فيأتي سبحانه وتعالى: جاء ربك، { إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام }.
ثم إن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر صفة أخرى فقال : (( وقوله سبحانه وتعالى :(وَجَاءَ رَبُّك), وقوله تبارك وتعالى : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ) )) .
وهاتان الآيتان دالتان على صفة المجيء والإتيان لله سبحانه وتعالى , وهما من الصفات الفعلية التي يتصف بها ربنا سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته . وأهل السنة والجماعة يثبتون هاتين الصفتين , صفة المجيء, وصفة الإتيان؛ لأن النصوص دلت عليهما من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم . قال الله تعالى : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ) , وفي آية أخرى : (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا) (الأنعام: من الآية158) .
فقوله : (يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) دليل على بطلان من تأول الإتيان والمجيء بمجيء أمره أو ملك ونحو ذلك؛ لأنه ميز بين إتيان الرب وإتيان الآيات, ولو كان إتيان الرب هو إتيان الآيات أو بعض عباد الله أو نحو ذلك كما يقول المتأولة , لما ذكره هنا وميزه , وهذا واضح الدلالة .
والمخالفون لمنهج أهل السنة والجماعة يقولون : (وَجَاءَ رَبُّك) أي : وجاء أمر ربك , (يَأْتِيَ رَبُّكَ) أي ياتي أمر ربك , أو يأتي ملك من الملائكة أو غير ذلك, وهذا كله من باب التأويل الباطل, فإن هذه النصوص ومنها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم, قد دلت على أن الذي يأتي هو الله سبحانه وتعالى , وأن مجيئه وإتيانه كما يليق بجلاله وعظمته, لا يلزم منه لوازم النقص التي نعلمها عن المخلوقين .
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحديث الطويل المتعلق بيوم القيامة : (( حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله أتاهم رب العالمين )) (1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=updatepost&postid=6839#_ftn1) . وهو نص صريح في أن الذي أتاهم هو رب العالمين سبحانه وتعالى, أما تأويلهم بأنه أمر ربك أو نحو ذلك فهو مخالف لهذه النصوص الصريحة , الدالة على أن الذي يتصف بها هو الله تبارك وتعالى .
بعض المتكلمين تأول مثل هذه الصفات الفعلية , وقال : لا يجوز إثباتها لله سبحانه وتعالى محتجاً بأن الصفات الفعلية التي هي المجيء , والإتيان, والاستواء, والنزول, والغضب, والرضا ونحوها, يلزم منها حلول الحوادث بذات الله تعالى .
ومقصودهم بحلول الحوادث؛ أن كل جسم حلّت فيه الحوادث والتغيرات, سواء كانت هذه الحوادث , سقماً أو مرضاً أو نقصاً أ و نحو ذلك أو كانت أفعالاً , مثل حركة ومجيء ونزول وغير ذلك يكون حادثاُ .
فكل جسم حلَّت فيه هذه الأشياء فهو دليل على حدوثها , واستدلوا بذلك على حدوث العالم, فقالوا : دليلنا على أن العالم حادث غير أزلي , وأن كلام الفلاسفة بأن العالم قديم باطل, هو أن هذا العالم فيه متغيرات , شمس , وقمر , وكوكب, وأرض وإنسان وحيوان ونبات وأنها تتحرك وتتغير, فتغيرها وحلول الحوادث فيها يدل على أنها حادثة مخلوقة لله تعالى وليست أزلية .
وبعد أن قرروا هذه القاعدة واحتجوا بهذا الدليل وردوا به على الفلاسفة, وظنوا أنهم قصموا به ظهور الفلاسفة القائلين بقدم العالم, انتكس عليهم هذا الدليل لأنه دليل ضعيف .
فقيل لهم : إذا قلتم : إن هذا الدليل صحيح, فقد دلت النصوص على أن الله سبحانه وتعالى أيضاً متصف بهذه الصفات, التي تسمونها أنتم حوادث , فالله لم يكن مستوياً على العرش, فخلق العرش ثم استوى عليه, وهو ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا, ويجيء يوم القيامة وهو تعالى يحب ويغضب ويرضى, وهذه يلزم منها التغيرات وحلول الحوادث, وهي من صفات الأجسام .
فلما اعترض عليهم بهذا الاعتراض قالوا : ننفي عن الله الصفات الفعلية ,فنفوها وردوا النصوص الكثيرة المتواترة , حتى يسلم لهم دليل حدوث الأجسام إثبات حدوث العالم والرد على القائلين بقدمه , مع العلم أن هذه القضية نشأت منذ زمن قديم قبل الأشاعرة والماتريدية؛ أي أنها نشأت منذ عهد ابن كلاب الذي كان سابقاً للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله . فإن ابن كلاب لما جاء كان الناس في عصره على طريقتين :
طريقة أهل السنة والجماعة : يثبتون جميع الصفات دون أن يفرقوا فيها بين صفات الذات وصفات الفعل , الخبرية وغير الخبرية, صفات المعاني , وصفات الذات , لا يفرقون بينها بل يثبتون الجميع ؛ لأن منهجهم واحد, ولا فرق عندهم بين الصفات .
والقسم الثاني : هم الجهمية المعتزلة الذين ينفون عن الله جميع الصفات , لا يفرقون بين العلم والإرادة, والقدرة , والسمع, والبصر, والوجه, والاستواء , والنزول, واليدين , وغير ذلك . فينفون عن الله سبحانه وتعالى جميع الصفات .
ونظراً لأن ابن كلاب دخل في باب من أبواب علم الكلام, وهو الذي أشرنا إليه قبل قليل , وهو مسألة دليل حدوث العالم واقتناعه بذلك الدليل الباطل, فقد أتى بمذهب جديد , جمع فيه بين مذهب السلف ومذهب المعتزلة , فأثبت لله الصفات , لكن نفى عن الله ما يتعلق بمشيئته وإرادته, وسيأتينا - إن شاء الله تعالى - توضيح لذلك في إثبات صفة الكلام لله تبارك وتعالى, لكن المهم هنا أن أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى , يثبتون لله المجيء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته ويقولون : إنها صفات أفعال, فمجيئه إنما هو بمشيئته وإراته .
لأن الصفات لله سبحانه وتعالى على اقسام ثلاثة :
النوع الأول : صفات ذاتية : يتصف الله بها أزلاً وأبداً, مثل صفات الحياة والعلم ونحوهما.
النوع الثاني: صفات فعلية : ليست أزلية وإنما هي متعلقة بإرادته ومشيئته , مثل استوائه على العرش, ومثل مجيئه يوم القيامة, ومثل نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر .
النوع الثالث : ما هو ذاتي وفعلي : مثل صفة الكلام لله سبحانه وتعالى , فالله متصف بصفة الكلام أزلاً , وهو أيضاً سبحانه وتعالى يتكلم إذا شاء متى شاء , فهو سبحانه وتعالى متصف بهذه الصفة منذ الأزل, وهو سبحانه وتعالى كلم موسى في ذلك الوقت ؛ أي بعد خلق موسى ووجوده , في ذلك المكان الذي ذكره الله سبحانه وتعالى بجانب الطور. وقبل ذلك لم يكلمه سبحانه وتعالى .
هذه الصفا ت التي ذكرناها قبل قليل ؛ صفة المجيء والإتيان, والصفات التي تليها, هي من صفات الفعل التي نثبتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته , ونقول : هي متعلقة بمشيئته وإرادته .
_________________
(1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=updatepost&postid=6839#_ftnref1) أخرجه البخاري رقم ( 7439 كتاب التوحيد زمسلم رقم (183) كتاب الإيمان من حديث أبي سعيد الخدري واللفظ لمسلم .
-----------------------------
العناصر
- إثبات صفة (المجيء) لله تعالى .
- دلائل إثبات صفة (المجيء) لله تعالى .
- منهج أهل السنة في إثبات صفة (المجيء) لله تعالى .
- (المجيء) صفة فعلية .
- تأويل المبتدعة لصفة (المجيء) .
- الرد على من أنكر صفة (المجيء) .
الأسئلة
س1: اذكر أدلة إثبات صفة المجيء لله تعالى، مع بيان أوجه الرد على من أنكرها .