مشاهدة النسخة كاملة : الرضا والمحبة
عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 12:07 AM
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [المائدة: 119]
وَقَوْلُهُ: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]
(5) الصفةُ الخامسةُ: الرِّضَا.
الرِّضَا منْ صفاتِ اللهِ الثابتةِ لهُ بالكتابِ والسنَّةِ وإجماعِ السلَفِ .
قالَ اللهُ تعالَى : {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة:119] ، وقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا )) رواهُ مسلمٌ.
وأجمَعَ السلَفُ على إثباتِ الرِّضَا للهِ تعالَى ، فيجِبُ إثباتُهُ لهُ منْ غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ ، ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ ، وهو رِضًا حقيقيٌّ يَلِيقُ باللهِ تعالَى.
وقدْ فسَّرَهُ أهلُ التعطيلِ بالثوابِ ، ونَرُدُّ عليهم بما سَبَقَ في القاعدةِ الرابعة .
(6) الصفةُ السادسةُ: المحبَّةُ.
المحبَّةُ مِنْ صفاتِ اللهِ الثابتةِ لهُ بالكتابِ والسنَّةِ وإجماعِ السلَفِ .
قال اللهُ تعالَى : {فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54] ، وقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومَ خَيْبَرَ: ((لأَُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسولُهُ )) مُتَّفَقٌ عليهِ.
وأجمَعَ السلَفُ على ثُبُوتِ المحبَّةِ للهِ ، يُحِبُّ وَيُحَبُّ ، فيَجِبُ إثباتُ ذلكَ حقيقةً منْ غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ ، ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ ، وهيَ محبَّةٌ حقيقيَّةٌ تَلِيقُ باللهِ تعالَى .
وقدْ فسَّرَها أهلُ التعطيلِ بالثوابِ ، والردُّ عليهم بما سَبَقَ في القاعِدَةِ الرابعَةِ .
(3) ذَكَرْنَا أنَّ صفاتِ اللهِ تَعَالَى :
- صِفَاتٌ ذاتيَّةٌ
- وصفاتٌ فِعْلِيَّةٌ
وهذهِ الآياتُ اشْتَمَلَتْ على الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ ؛ وهيَ الَّتي يَتَّصِفُ بها إذا شاءَ ، ولا تَكُونُ مُلاَزِمَةً للذَّاتِ دَائِمًا ، بلْ يَتَّصِفُ بها إذا شاءَ ، وَيَتَّصِفُ بِضِدِّهَا أوْ بِغَيْرِهَا ؛ لأنَّهُمَا ضِدَّانِ ، فَعِنْدَنَا في هذهِ الآياتِ الرِّضَا والغَضَبُ ، وفي آياتٍ كثيرةٍ .
مثالُ الرِّضَا: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} في عِدَّةِ سُوَرٍ، وكذا قولُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح:18] .
ودائمًا عِنْدَمَا نَذْكُرُ الصَّحابةَ نقولُ : رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ؛ عَمَلاً بقولِهِ تَعَالَى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التَّوبة:100].
فَرِضَا اللهِ تَعَالَى صِفَةٌ منْ صِفَاتِهِ ، ولكنَّهَا صِفَةُ فِعْلٍ ؛ يَرْضَى إذا شَاءَ وَيَغْضَبُ إذا شَاءَ .
القارئ:
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}[المائدة:119].
وَقَوْلُهُ: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}[المائدة:54].
وَقَوْلُهُ في الكُفَّارِ: {وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} [الفتح:6].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ} [محمد:28].
وَقَوْلُهُ: {كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ} [التوبة:46].
الشيخ:
هذه كلُّها من الصِّفاتِ الفعليَّةِ ؛ لأنَّه أضافَ المعانيَ ، يعني مثلَ : الغضبِ ، الرِّضى، الكرهِ ، السَّخطِ ، هذه معاني أضَافها إلى نفسِهِ ، والإضافةُ هذهِ تقتضي إضافةَ صفةٍ إلى موصوفٍ .
المؤوّلةُ يتَأولونَ مثلَ هذه النُّصوصِ ، فيقولون في مثلِ الرِّضى ، يقولون : (هو إرادةُ الإنعامِ) ، والغضبُ: يَقولونَ : (إرادةُ الانتقامِ) .
طيب ، إذا سألتَهُم قلت: لِمَ أوَّلْتُم الغضبَ مثلاً بإرادةِ الانتقامِ ؟
قالوا: لأنَّ حقيقةَ الغضبِ هو ثورانُ أو غليانُ دمِ القلبِ ، هذا حقيقةُ الغضبِ ، غليان دم القلب ، وهذا يجبُ تنزيهُ اللهِ - جلَّ وعلا - عنه .
نقول : لا شكَّ ، يجبُ تنزيهُ اللهِ عن مثلِ هذا ، ولكنْ هل هذا هو الغضبُ ؟
وتلاحظ: أنَّك في فَهْمِكَ للآياتِ أو في فَهمكَ لنصوصِ الصِّفاتِ ، وفي فهمكَ لشُبهِ المؤولةِ لابدَّ أنْ تغوصَ إلى أصلِ كلامِهِم وشبهتهِم حتَّى تستطيعَ الرَّدَّ ؛ لأنَّهُ أحياناً يمكنُ أن يُزخرفَ القولُ ، لكنْ إذا رجعت إلى أصلِ الكلامِ وجدْتَ أنَّهُ باطلٌ .
فمثلُ هذا، الأشاعرةُ والماتريديَّةُ والكلابيَّةُ قبلهم ، ومن نحى نحوَهُم يقولون : الغضبُ هو إرادةُ الانتقامِ ، لماذا ؟ قالوا : ( لأنَّ حقيقةَ الغضبِ هو غليانُ دمِ القلبِ ) .
فنقولُ: الصَّوابُ : أنَّ الغضبَ صفةٌ ينشأُ عنها في ابنِ آدمَ غليانُ دمِ القلبِ ؛ لأنَّ ابنَ آدمَ أوَّلاً يغضبُ ، ثمَّ بعد غضبِهِ ينتجُ عنه غليانُ دمِ القلبِ ، ويظهرُ ذلك باحمرارِ الوجهِ والانتفاخِ … إلخ.
نقولُ : هذا أمرٌ ينشأ عن الغضبِ ، وليس هو الغضبُ نفسه ، أليسَ كذلكَ ؟
فإذاً ؛ هم يؤوِّلُونَ لأجلِ أنَّهُم بَنَوا على مقدِّماتٍ باطلةٍ ، وأصلُ هذا التَّأويلِ من نفي الصِّفاتِ هذه من الرِّضى والغضبِ ونحوِ ذلك ، أصلُهُ من جرّاءِ القولِ بنفي الصِّفاتِ الاختياريَّةِ ، وأنَّ اللهَ - جلّ وعلا - لا يتَّصفُ بصفةٍ في وقتٍ دونَ وقتٍ ، بل إمَّا أن يتَّصفَ بها مطلقا ، وإمَّا أن لا يتَّصفَ بها مطلقا ، فلهذا يؤوّلونَهُ ، لم يؤوِّلُونه إلى الإرادةِ ؟ ذلك أنَّ الإرادةَ من الصِّفاتِ العقليَّةِ السَّبعِ الَّتي يُثبتونَهَا ، فيؤوِّلونَ الصِّفاتِ غيرَ السَّبعِ بإحدى الصِّفاتِ السَّبعِ الَّتي يثبتونها.
فهم يثبتون - يعني: الأشاعرةُ ، والماتريديَّةُ ، ونحوهم - يثبتون سبعَ صفاتٍ ، فهم يؤوِّلون هذه الآياتِ بإحدى الصِّفاتِ السَّبعِ .
أمَّا المعتزلةُ والجَهْميَّةُ : فتارةً يجعلون الاسمَ أو الصِّفةَ يُرادُ به مخلوقاً منفصلاً، يعني يقولون: {رضيَ اللهُ عنهم} الرِّضا: بمعنى المرضيّ عنه، {وهُوَ الغفورُ الرَّحيمُ} الغفورُ: هو ما حصل للمغفورُ له ، ليس هو صفةً للهِ ، لكنْ ما حصَلَ للْعبدِ فالمخلوقُ هو الَّذي يُقالُ : هو الغفورُ الرَّحيمُ ونحوُ ذلك .
هذا عملُ الجَهْميَّةِ والمعتزلةِ وتجِدونَ هذا في بعضِ التَّفاسيرِ .
وأمَّا الماتريديَّةُ ، والأَشاعرةُ ، والكلابيَّةُ ، فهم يفسِّرونَهَا بإحدى الصِّفاتِ السَّبعِ ، تارةً يفسِّرونَهَا بالإرادةِ في بعضِ الصِّفاتِ ، وتارةً يفسِّرونَهَا مثلاً بالقدرةِ ونحوِ ذلك ، مثلُ التَّوفيقِ والخذلانِ يفسِّرونَهُ بالقدرةِ ؛ لأنَّهم يثبتون القدرةَ فيفسِّرونَ توفيقِ اللهِ - جلَّ وعلا- لعبدِهِ ، وخذلانَهُ - جلَّ وعلا - لعبده بالقدرةِ .
المقصودُ من هذا: أنَّنَا نثبت هذه الصِّفاتِ ، سواءٌ كانت صفاتٍ ذاتيَّةً أو صفاتٍ فعليَّةً اختياريَّةً أو غيرَ اختياريَّةٍ ، نثبتها جميعاً للهِ -جلَّ وعلا - جميعاً دونَ تفريقٍ ؛ كما جاءَ في نصوصِ الكتابِ والسّنَّةِ ، وهذا أصلٌ من الأصولِ .
ونقولُ: إنَّ هذا الاتّصافَ للهِ - جلَّ وعلا - بهذه الصِّفاتِ على أساسِ قولِهِ تعالى: {ليسَ كمثلِهِ شيءٌ وهو السَّميعُ البصيُر} فهنا قالَ: {ليسَ كمثلِهِ شيءٌ} والكافُ هنا في قولِهِ: {ليسَ كمثلِهِ شيءٌ} الكافُ هنا من أهلِ العلمِ مَنْ يقولُ هي صلةٌ ، يعني : زائدةٌ ، ومعنى كونِهَا زائدةً يعني : للتَّأكيدِ .
فقولُهُ: {ليسَ كمثلِهِ شيءٌ} في تقديرِ قولِكَ ( ليسَ مثلَهُ شيءٌ، ليسَ مثلَهُ شيءٌ) لأنَّ العربَ تزيدُ حرفا أو كلمةً وتريد بالزِّيادةِ تكريرَ الجملةِ وتأكيدَ الجملةِ، فقولُهُ تعالى: {ليسَ كمثلِهِ شيءٌ} على هذا القولِ ، وهو أنَّ الكافَ هنا صلةٌ، فيكونُ المعنى: (ليسَ مثلَهُ شيءٌ ليسَ مثلَهُ شيءٌ) فهو تأكيدٌ للجملةِ بتكرارِهَا ، وهذا من مثلِ قولِهِ: {لا أُقسِمُ بهذَا البَلَدِ} {لا أقسمُ بيومِ القيامةِ} هل هو تركٌ للقسَمِ أو إثباتٌ للقسَمِ ؟
من أهلِ العلمِ : وهو القولُ الظَّاهرُ أنَّهُ قسمٌ {لا أقسمُ بيومِ القيامةِ} معناه : أقسمُ ، لكنْ (لا) هنا صلةٌ لتأكيدِ القسمِ، فيكون المعنى بوجودِ (لا) معناه: أقسمُ بيومِ القيامةِ أقسمُ بيومِ القيامةِ ، وهذا من أسرارِ اللسانِ العربيِّ الشَّريفِ.
القولُ الآخرُ: أنَّ الكافَ هنا بمعنى المثلِ ، فهي اسمٌ ، هي حرفٌ ولكنَّها اسمٌ بمعنى مثلَ ، فقولُهُ: {ليسَ كمثلِهِ شيءٌ} يعني: ليسَ مثلَ مثلِهِ شيءٌ ، وهذا يقتضي المبالغةَ في نفي المثيلِ ، وورودُ الكافِ بمعنى (مثل) معروفٌ في اللغةِ من مثلِ قولِهِ تعالى في سورةِ البقرةِ: {ثمَّ قسَتْ قلوبُكُم من بعدِ ذلك فهيَ كالحجارةِ أو أشدُّ قسوةً} ومن مثلِ قولِ الشَّاعرِ:
لـو كانَ في قلـبي كقدرِ قلامةٍ = حبّاً لغيرِكِ ما أتتْكِ رسائلي
يعني: لو كانَ في قلبي مثلُ قدرِ القلامةِ لغيرِكِ كذا وكذا .
فإذاً ؛ هنا الكافُ إمَّا أن تكونَ بمعنى هذا أو هذا ، فقولُهُ -جلَّ وعلا- هنا: {ليسَ كَمِثلِهِ شيءٌ} هذا فيه أبلغُ النَّفيِ لوجودِ المثيلِ للهِ جلَّ وعلا ، ثمَّ لمَّا نفى أثبتَ ، وهذا على القاعدةِ المعروفةِ أنَّ النَّفيَ يكون مجمَلاً ، والإثباتُ يكونُ مفصَّلاً ، فنفى مجمَلاً فقال: {ليسَ كمثلِهِ شيءٌ} ثمَّ فصّل فقالَ: {وهو السَّميعُ البصيرُ}.
لِمَ خصَّ السَّمعَ والبصرَ هنا؟
وصفَ اللهُ -جلَّ وعلا- في هذه الآيةِ نفسَهُ بالسَّمعِ والبصرِ ، قالَ بعضُ أهلِ العلمِ : لأنَّ السَّمعَ والبصرَ من أكثرِ الصِّفاتِ اشتراكاً بين ذواتِ الأرواحِ ، فالسَّمعُ يوجدُ في الذُّبابِ ، يوجدُ في النَّملِ، وكذلك البصرُ ، ويوجدُ في البعوضِ ، ويوجدُ في الإنسانِ ، ويوجدُ في الهرِّ ، يعني : جميعُ المخلوقاتِ تدرج بها ، فيها سمعٌ وبصرٌ ، فينبِّهُكَ على أنَّه هل سمعُ البعوضِ وبصرُهُ مثل سمعِ ابنِ آدمَ وبصرهُ؟
الجوابُ: لا، يشتركُ ابنُ آدمَ مع البعوضِ أو معَ الذباب في بعضِ معنى السَّمعِ والبصرِ ؛ لأنَّ السَّمعَ: هو ما تُدرَكُ به المسموعاتُ، والبصرُ : ما تُدرَكُ به المرئيَّاتُ.
فالبعوضُ له سمعٌ وبصرٌ يناسب ذاتَهُ ، ابنُ آدمَ له سمعٌ وبصرٌ يناسب ذاتَهُ، ولا يقارَنُ به سمعُ وبصرُ البعوضِ.
فنبّه اللهُ -جلَّ وعلا- بهاتين الصِّفتينِ السَّمعِ والبصرِ-لأجلِ اشتراكِهَا في كثيرٍ من ذواتِ الأرواحِ- من أنَّهُ كما أنَّهَا لا تتماثلُ ذواتُ الأرواحِ في الاتصاف بهاتين الصِّفتينِ ، فكذلك فإنَّ اللهَ -جلَّ وعلا- له سمعٌ ولهُ بصرٌ وهوَ السَّميعُ البصيرُ ، مع قطعِ المماثلةِ وقطعِ طَمعِ إدراكِ الكيفيَّةِ لصفاتِ اللهِ جلَّ وعلا ، فله -جلَّ وعلا- سمعٌ وبصرٌ يناسب ذاتَهُ العظيمةَ الجليلةَ -جلَّ وعلا- وتقدَّسَ وتعالَى.
المتن:
(وقول الله تعالى:{ رضي الله عنهم ورضوا عنه })
الشرح:
قال رحمه الله في سياق ذكر بعض الصفات التي وردت في القرآن الكريم , وفي السنة النبوية , ومما ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا عنه }، فوصف نفسه بالرضى , وأنه يرضى عن عباده المؤمنين، فالرضى صفة من صفاته سبحانه الفعلية , وقد جاء ذلك في عدة آيات، في آخر سورة المائدة: { رضي الله عنهم ورضوا عنه } وكذلك في سورة التوبة , وفي سورة البينة , وغير ذلك.
ففيه إثبات صفة الرضى لله جل وعلا كما يليق بجلاله , ولا يشبه ذلك رضى المخلوقين , فإن الله وصف نفسه بالرضى , ووصف المخلوقين بالرضى، { ورضوا عنه } , { رضي الله عنهم } هذا في إثبات الرضى لله، { ورضوا عنه } هذا فيه إثبات الرضى للمخلوقين , وأنهم يرضون , ولكن لا تشابه بين الرضائين، رضى الله جل وعلا يختص به، ورضى المخلوق يختص به , وبحسبه.
المتن:
(وقوله تعالى: { يحبهم ويحبونه })
الشرح:
كذلك من صفاته سبحانه المحبة، أنه يحب عباده بمقتضى أعمال يعملونها , قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } بهذه الصفات استحقوا محبة الله لهم على هذه الأعمال، موالاتهم للمؤمنين ومعاداتهم للكفار , { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } فهم في جانب المؤمنين أذلة , يذلون لهم , ويلينون لهم , ويرحمونهم , ويتواضعون لهم، { أعزة على الكافرين }، أقوياء على الكافرين , لا تلين لهم شوكة مع الكفار؛ لأنهم أعداء الله عز وجل.
{ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله } هذه من أعظم صفاتهم: الجهاد في سبيل الله عز وجل لإعلاء كلمة الله، { ولا يخافون لومة لائم } هذه أيضاً من صفاتهم، أنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } فبهذه الصفات استحقوا هذه المنقبة العظيمة، أن الله أحبهم سبحانه وتعالى.
كذلك في قوله: { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } , يحب المتقين , يحب المحسنين... إلى غير ذلك , فالله يحب أهل الأعمال الصالحة والأفعال الطيبة، وإذا أحبهم الله عز وجل سعدوا في الدنيا والآخرة , ونالوا كرامة الله جل وعلا , كذلك في هذه الآية إثبات صفة المحبة لله وإثبات المحبة للمخلوقين: { يحبهم ويحبونه } فدل على أنه لا تشابه بين الصفتين: صفة المخلوق وصفة الخالق، لأن الله جل وعلا { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }، وإن وجدت الصفة في المخلوقين لكنها توجد على ما يليق بهم , ولا تكون مثل صفة الرب سبحانه وتعالى، هذه قاعدة في جميع الأسماء والصفات.
ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( وقوله تعالى : (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه) , وقوله تعالى : (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) وقوله في الكفار : (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم) )).
صفة الرضا من الصفات التي يثبتها أهل السنة والجماعة لله سبحانه وتعالى , وقد دلت عليها آيات كثيرة جداً .
وأيضاً ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم - أنه قال : (( إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها , ويشرب الشربة فيحمده عليها )) (1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=updatepost&postid=6841#_ftn1) . فالشاهد قوله : إن الله يرضى, ومثله الحديث ((إن الله يرضى لكم ثلاثاُ)) (2) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=updatepost&postid=6841#_ftn2) .
وأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الرضا كما يليق بجلال الله وعظمته, وهي من صفات الأفعال, أي أن الله سبحانه تعالى يرضى عن عبده إذا شاء , وأخبر أنه يرضى عن عبده إذا فعل الطاعة.
وهذه الصفة, ومثلها صفة المحبة وغيرها, يثبتها أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى دون أن يتأولوها, ومن تاولها بأن المقصود بالرضا إرادة الإنعام, أو بالمحبة إرادة الإنعام ونحو ذلك, فهذا تأويل باطل لم يدل عليه دليل .
وأولئك تأولوا مثل هذه الصفة خوفاً من التشبيه , لأن الرضا أو المحبة صفة في المخلوق تدل على نوع من ميل القلب وانكساره فهي صفة ضعف ونقص وهذا الميل والانكسار إنما يليق بالمخلوق, والله تعالى منزه عن ذلك , ثم نفوا هذه الصفة وتأولوها بالإرادة ونهوها .
فيقال لهم :نحن نثبت هذه الصفة وننزه الله سبحانه وتعالى عن مشابهة صفات المخلوقين , و لكن ماذا تقول أنت إذاً في صفة ((الرضا)) و((المحبة ))؟
فسيقول : إن الرضا يعني إرادة الثواب , والمحبة تعني إرادة الإنعام ونحو ذلك . فنقول لـه : لقد فررت من شيء فوقت في مثله تماماً ؛ لأنك قلت : إرادة الإنعام إرادة الثواب , فأنت أثبت لله سبحانه ((الإرادة )) ولا نعرف من الإرادة إلا ما هو من صفات المخلوقين, فهي ميل القلب إلى المراد, إذا قيل : فلان يريد هذا هذا الشيء , أي أن قلبه يميل إليه , وهذا من صفات المخلوقين فيلزمك فيما فررت إليه نظير ما لزمك فيما فررت منه .
فأنت فررت من إثبات الرضا والمحبة, فيلزمك في الإرادة ما لزمك في المحبة, فإن قلت : أنا اثبت الصفات السبع , ومنها صفة الإرادة , وقولي : إرادة الإنعام أثبتها لله كما يليق بجلاله وعظمته , ولا يلزم منها مشابهة المخلوفين .
نقول : ونحن نقول لك أيضاً في صفة الرضا وصفة المحبة , نحن نثبتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته, ولا يلزم منها مشابهة المخلوقين , وهكذا كل من تأول صفة من صفات الله تعالى , فإنه يلزمه فيما فرّ إليه نظير ما لزمه فيما فرّ منه , ولا يمكن أن ينفك عنه أي متأول أبداً , حتى المعتزلة الذين نفوا عن الله سبحانه وتعالى جميع الصفات خوفاً من تعدد القدماء .
فإذا قالوا : ننفي عن الله الصفات حتى نوحد الله , وحتى لا تقع فيما قاله النصارى من تعدد الآلهة : الأب , الابن , روح القدس إلى آخره نقول للمعتزلة : أنتم تنفون عن الله جميع الصفات وتسمّون نفيكم هذا توحيداً ,وتنزيهاً لله عن مشابهة المخلوقين , فماذا تقولون في الله : هل الله موجود أم غير موجود ؟ فإن قالوا : الله غير موجود . ظهر كفرهم وانتهى الكلام معهم- لأنهم على ذلك ينكرون وجود الله سبحانه وتعالى .
وإن قالوا : الله موجود- وهم يقولون به - فإننا نقول لهم : والمخلوق أيضاً موجود , فإذا كنتم تفرون من تشبيه الله بخلقه, وتولون إننا ننفي عن الله الصفات حتى لا نجعل مع الله غيره ,فأنتم ملزمون بذلك أيضاً في صفة الوجود لله سبحانه وتعالى, فإن قالوا : نحن نقول : إن الله موجود, لكن وجود الله ليس كوجود المخلوق الذي هو حادث ممكن الوجود, قابل للعدم, والله سبحانه وتعالى موجود وجوداً يليق به, فهو وجودٌ واجب أزلي, لا يبقل العدم .
فنقول لهم : لله وجود يخصه لا يشبه وجود المخلوقين , فكذلك قولوا في بقية الأسماء والصفات , لله إرادة لا تشبه إرادة المخلوقين , وله علم لا يشبه علم المخلوقين , وله سمع لا يشبه سمع المخلوقين وهكذا . وكُلُّ من سلك باباً من أبواب التأويل, فلا بد أن يتناقض قوله .
قال الشيخ هنا : (( وقوله : (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (المائدة: من الآية54) )) ,
صفة المحبة وردت في أكثر من آية من كتاب الله سبحانه وتعالى , ووردت في أحاديث كثيرة , منها حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع علي بن ابي طالب رضي الله عنه , لما قال في خيبر (( لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله )) (3) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=updatepost&postid=6841#_ftn3) .
وبقية القصة معروفة ؛ حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه . والشاهد منها قوله :(( ويحبُّه الله ورسوله )) فيه دليل على إثبات صفة المحبة لله تعالى على ما يليق به, وتأويلها بالإرادة ونحوها باطل كما سبق .
__________________________
(1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=updatepost&postid=6841#_ftnref1) أخرجه مسلم رقم(2734) كتاب الذكر .
(2) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=updatepost&postid=6841#_ftnref2) جزء من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله r : (( إن الله يرضى لكم ثلاثاُ ويكره لكم ثلاثاُ : فيرضى لكم أن تعبدوه ولاتشركوا به شيءاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم : قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال )) أخرجه مسلم رقم (1715) كتاب الأقضية .
(3) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=updatepost&postid=6841#_ftnref3) أخرجه البخاري رقم (3009) كتاب الجهاد والسير ومسلم رقم (2404) (32) ورقم (2405) كتاب فضائل الصحابة
---------------------------
العناصر
- إثبات صفة (الرضا) لله تعالى .
- دلائل إثبات صفة (الرضى) لله تعالى .
- منهج أهل السنة في إثبات صفة (الرضى) لله تعالى .
- تأويل المبتدعة لصفة (الرضى) .
- الرد على من أنكر صفة (الرضى) .
- إثبات صفة (المحبة) لله تعالى .
- دلائل إثبات صفة (المحبة) لله تعالى .
- منهج أهل السنة في إثبات صفة (المحبة) لله تعالى .
- تأويل المبتدعة لصفة (المحبة) .
- الرد على من أنكر صفة (المحبة) .
الأسئلة
س1: اذكر أدلة إثبات صفة الرضى، مع ذكر موقف المؤولة منها والرد عليهم .
س2: اذكر أدلة إثبات صفة المحبة لله تعالى .
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir