مشاهدة النسخة كاملة : الغضب والسخط والكراهة
عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 12:08 AM
وَقَوْلُهُ في الكُفَّارِ: {وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 6]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ} [محمد: 28]
وَقَوْلُهُ: {كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ} [التوبة: 46]
(8) الصفةُ الثامنةُ : السَّخَطُ .
السخطُ مِنْ صفاتِ اللهِ الثابِتَةِ بالكتابِ والسنَّةِ وإجماعِ السَّلَفِ .
قالَ اللهُ تعالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ} [محمد:28] ، وكانَ مِنْ دعاءِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ...)) الحديثَ ، رواهُ مسلمٌ .
وأجْمَعَ السلفُ على ثبوتِ السَّخَطِ للهِ ، فيَجِبُ إثباتُهُ لهُ منْ غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ ، ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ ، وهو سَخَطٌ حقيقيٌّ يَلِيقُ باللهِ .
وفسَّرَهُ أهلُ التعطيلِ بالانْتِقَامِ ، ونَرُدُّ عليهم بما سَبَقَ في القاعِدَةِ الرابعةِ.
(9) الصفةُ التاسعةُ: الكَرَاهَةُ.
الكراهةُ مِن اللهِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّها ثابِتَةٌ بالكتابِ والسنَّةِ وإجماعِ السلَفِ.
قالَ اللهُ تعالَى: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ} [التوبة:46] ، وقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ)) رواهُ البخاريُّ .
وأجْمَعَ السَّلَفُ على ثُبُوتِ ذلكَ للهِ ، فيجِبُ إثباتُهُ مِنْ غيرِ تَحْريفٍ ولا تَعطيلٍ، ولا تَكييفٍ ولا تَمثيلٍ، وهيَ كراهَةٌ حقيقيَّةٌ من اللهِ تَلِيقُ بِهِ.
وفَسَّرَ أهلُ التعطيلِ الكراهةَ بالإِبعادِ ، ونَرُدُّ عليهم بما سَبَقَ فى القاعدةِ الرابعةِ .
-
حاشية الشيخ صالح العصيمي :
(3) التحقيق: أن الأسف هو شدة الغضب فهو غضب وزيادة ، كالرضا محبةٌ وزيادة ، لكن الاستدلال بهذه الآية صحيحٌ ؛ لأنه إذ فُرَّق بين أشد الغضب والانتقام فمنافاة أصل الغضب له أولى .
وقد أشرت إلى معنى (آسفوا) في الآية بقولي :
تفسير آسفوا بشدة الغضبْ = مقـدمٌ ويـجـتـلـيــه ذو الأربْ
إذثـابـتٌ لـلـه نعت الـغضبِ = والـزيد في معناه ينحو العربي
وقدْ ذَكَرَ اللهُ الغَضَبَ في عِدَّةِ آياتٍ ، كقولِهِ تَعَالَى: {والْخَامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا} [النُّور:9].
وكقولِهِ تَعَالَى: {وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النِّساء:93].
وكقولِهِ تَعَالَى: {وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح:6].
وفي حديثِ الشفاعةِ: ((إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ)) .
فَأَثْبَتَ أنَّ هذا غَضَبٌ مُتَجَدِّدٌ ، وأنَّهُ لا يَكُونُ بعدَ هذا اليومِ مِثْلُهُ ، وَدَلَّ على أنَّ الغضبَ صِفَةُ فِعْلٍ ؛ يَغْضَبُ على مَنْ يَشَاءُ ، وَيَرْضَى عمَّنْ يَشَاءُ .
فَعَلَى هذا، فالصِّفَتَانِ مُتَضَادَّتَانِ ، لا يُمْكِنُ أنْ يَرْضَى وَيَغْضَبَ في حالةٍ واحدةٍ على شَخْصٍ واحدٍ .
ولا يُقَالُ : هذا رَضِيَ اللهُ عنهُ وَغَضِبَ عليهِ في حالةٍ واحدةٍ ، بلْ رَضِيَ عنْ هذا ، وَغَضِبَ على هذا .
فالرِّضا والغضبُ صِفَتَا فِعْلٍ ، وهذهِ الصِّفاتُ الَّتي ذُكِرَتْ في هذهِ الآياتِ كُلُّها منْ صفاتِ الفعلِ ، كقولِهِ تَعَالَى: {كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ} [التَّوبة:46] ، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ} [محمَّد:28] ؛ حَيْثُ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ صِفَةَ السُّخْطِ وصفةَ الكراهةِ، وكقولِهِ تَعَالَى: {بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللهِ} [آل عمران:162] .
والآياتُ الَّتي فِيهَا صفاتُ الفعلِ كثيرةٌ، مثلَ قولِهِ تَعَالَى : {يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهَمْ} [النِّساء:142] ، فيها صفةُ المُخَادَعَةِ.
قالَ اللهُ تَعَالَى: {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة:15] ، فيها صِفَةُ الاستهزاءِ.
قالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا آسَفُونَا} [الزُّخرف:55] ، فيها صفةُ الأَسَفِ.
قالَ تَعَالَى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ} [آل عمران:54] ، {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطَّارق:15،16] ، صِفَتَا المَكْرِ والكيدِ ، وَأَشْبَاهُهما.
كلُّ هذهِ صفاتُ فِعْلٍ نُثْبِتُهَا للهِ كما يَشَاءُ ، وَنَقُولُ : إنَّهُ يَسْخَطُ على مَنْ يَشَاءُ، وَيَرْضَى عَمَّنْ يَشَاءُ.
وَمِثْلُهَا أَيْضًا صِفَاتُ المَحَبَّةِ ، قالَ تَعَالَى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54].
وَصِفَاتُ الرَّحمةِ في آياتٍ كثيرةٍ ، ومنها اشْتُقَّ اسمُ الرَّحمنِ ، وَوَصَفَ نفسَهُ بالرَّحمةِ ، قالَ تَعَالَى: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر:7] ، {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف:156] ، {إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56].
فَطَرِيقَةُ أهلِ السُّنَّةِ في هذهِ الصِّفاتِ إِثْبَاتُهَا وَنَفْيُ النَّقصِ عنها ؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ أَخْبَرَ بها ، واللهُ لا يُخْبِرُ إلاَّ بِمَا هوَ حقٌّ ، ولوْ كانتْ قدْ تُسْتَنْكَرُ أوْ تُذَمُّ في حقِّ الآدَمِيِّ ، كما في الحديثِ الَّذي في الصَّحيحِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ : إنَّ رَجُلاً قالَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قالَ: ((لاَ تَغْضَبْ)) ، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قالَ: ((لاَ تَغْضَبْ)) ، نَهَاهُ عن الغضبِ ، واللهُ تَعَالَى يَغْضَبُ ، ولكنَّهُ يَغْضَبُ على مَنْ يَسْتَحِقُّ الغضبَ .
وكذلكَ مِثْلُهُ السُّخْطُ والكراهيَةُ مَذْمُومَةٌ ، ولكنْ إذا كَانَتْ على مَنْ يَسْتَحِقُّ ذلكَ فهيَ صِفَةُ حَقٍّ ، وهيَ صفةٌ ثُبُوتِيَّةٌ أَثْبَتَهَا اللهُ لِنَفْسِهِ .
وقدْ كَثُرَت التَّأويلاتُ من المُبْتَدِعَةِ لهذهِ الصِّفاتِ ، فيقولُ بَعْضُهُم : كيفَ يَسْتَهْزِئُ اللهُ معَ أنَّ الاستهزاءَ جَهْلٌ ؟ وَاسْتَدَلُّوا بقولِهِ تَعَالَى عنْ مُوسَى : {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة:67].
فَإِذَا كانَ مُوسَى يقولُ: إنَّ الاستهزاءَ، أو الهُزُؤَ أو الهُزْءَ ، جهلٌ ، فكيفَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى : {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة:15]؟
وكذلكَ المَكْرُ ، والكَيْدُ ، والمُخَادَعَةُ ، والمَقْتُ ، والأَسَفُ وما أَشْبَهَهَا ، هذهِ مذمومةٌ للإنسانِ إذا صَدَرَتْ منهُ ؛ فإنَّ اللهَ تَعَالَى نَهَانَا بقولِهِ تَعَالَى: {لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} [الحديد:23] ، فَكَيْفَ يَتَّصِفُ اللهُ تَعَالَى بها ؟ وَلَمَّا قالَ عنْهُم: {يَكِيدُونَ كَيْدًا} [الطَّارق:15]، قالَ: {وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطَّارق:16] ، وَلَمَّا قالَ: {وَمَكَرُوا مَكْرًا} [النمل:50]، قالَ {وَمَكَرْنَا مَكْرًا} [النَّمل:50] ؟
فالجوابُ: أنَّ هذا مِنْ بابِ المقابلةِ لِفِعْلِهِم بِمِثْلِهِ ، ولكنْ لا يكونُ فِعْلُ اللهِ مُسَاوِيًا لفعلِ العبدِ ، بلْ صفاتُ اللهِ المذكورةُ صِفَاتٌ أَثْبَتَهَا لِنَفْسِهِ ، وهيَ لا تَكُونُ إلاَّ على مَنْ هوَ أَهْلٌ لها، ولها آثَارُهَا.
فإذا قُلْتَ: ما هوَ أَثَرُ الغضبِ؟
الجوابُ: أنَّهُ إذا غَضِبَ فإنَّهُ يُعَذِّبُ مَنْ يَغْضَبُ عليهِ ، وقدْ وَرَدَ أَثَرُ الرِّضَا ، في أنَّ اللهَ إذا رَضِيَ فإنَّهُ يُنْعِمُ على مَنْ رَضِيَ عنهُ وَيُثِيبُهُ ، في حديثٍ قُدُسِيٍّ وإنْ كانَ ضَعِيفًا ، لكنَّهُ يَكْثُرُ الاستشهادُ بهِ للاسْتِئْنَاسِ بِلَفْظِهِ : (( إِذَا أُطِعْتُ رَضِيتُ ، وَإِذَا رَضِيتُ بَارَكْتُ ، وَلَيْسَ لِبَرَكَتِي نِهَايَةٌ ، وإِذَا عُصِيتُ غَضِبْتُ ، وَإِذَا غَضِبْتُ لَعَنْتُ ، وَلَعْنَتِي تَبْلُغُ السَّابِعَ مِنَ الْوَلَدِ )).
على تقديرِ أنَّ هذا يُسْتَشْهَدُ بهِ ، فيهِ إثباتُ أَثَرِ الغضبِ وأثرِ الرِّضَا ، ولوْ لمْ يَأْتِ في هذا الحديثِ ، ولكنَّ ذلكَ منْ مُقْتَضَيَاتِهِ ، فأَنْتَ تَقُولُ للإنسانِ الَّذي تَنْصَحُهُ : لا تَفْعَلْ ما يُغْضِبُ اللهَ ، هذا الفعلُ يُغْضِبُ اللهَ ، فهوَ يَعْرِفُ أنَّ اللهَ إذا غَضِبَ يُعَاقِبُ .
اتَّبِعْ ما يُرْضِي اللهَ عليكَ ، أوْ بِمَا يَرْضَى بهِ عَنْكَ رَبُّكَ ، فهوَ يَعْرِفُ أنَّهُ إذا رَضِيَ اللهُ عنهُ أَثَابَهُ ، فهوَ يَحْرِصُ على الفعلِ الَّذي بهِ يكونُ رَبُّهُ رَاضِيًا عنهُ ، وَيَبْتَعِدُ عن الفعلِ الَّذي يَكُونُ بهِ الرَّبُّ عليهِ غَضْبَانَ ؛ لأِنَّهُ يَعْرِفُ أنَّ في هذا الغضبِ عَذَابًا ، وفي الرِّضَا ثَوَابًا.
إذاً : فَلَهُمَا آثارٌ في الدُّنيا وفي الآخرةِ.
وَيُقَالُ كذلكَ أَيْضًا في الصِّفاتِ الأُخْرَى ؛ كصفةِ السُّخْطِ ، وصفةِ الكراهيَةِ ، وصفةِ المَقْتِ ، وصفةِ الأسفِ ، وصفةِ الكيدِ .
ويُقَالُ: إنَّ اللهَ يَمْكُرُ بهؤلاءِ ، يَعْنِي: يُعْطِيهِم ثمَّ يُعْطِيهِم ، ثمَّ يَأْخُذُهُم على حينِ غَفْلَةٍ ، فكأنَّهُ مَكَرَ بِهِم.
وَرَدَ في بعضِ الآثارِ ، لَمَّا ذُكِرَ تَمَادِي بعضِ الكُفَّارِ والعُصَاةِ ، قالَ: (مُكِرَ بِالْقَوْمِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) . يَعْنِي: خُدِعُوا بما وَسَّعَ عليهم ، وما تَوَسَّعُوا فيهِ ، مِمَّا أَوْقَعَهُم في الذُّنُوبِ ، إلى أنْ حَصَلَ لهم ما حَصَلَ منْ نُزُولِ العذابِ بهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ .
فَنَسْتَفِيدُ أنَّ هذهِ الآياتِ دَالَّةٌ على صفاتٍ فِعْلِيَّةٍ ، وأنَّها غيرُ مُكَيَّفَةٍ ، وأنَّ الَّذينَ أَنْكَرُوهَا وَبَالَغُوا في إِنْكَارِهَا ليسَ معهم إلاَّ أَدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ أَجَابَ عنها شَيْخُ الإسلامِ ؛ كما في أوَّلِ (التَّدْمُرِيَّةِ) لَمَّا قالَ لهم : (أَنْتُمْ تَعْتَرِفُونَ بالإرادةِ، والإرادةُ هيَ مَيْلُ النَّفسِ إلى المُرَادِ ، وَتُنْكِرُونَ الغَضَبَ وَتَقُولُونَ : الغضبُ غَلَيَانُ دَمِ القلبِ لطلبِ الانتقامِ، فَلِمَاذَا فَرَّقْتُم بَيْنَهُمَا ؟ قالوا: لا نُفَسِّرُ الإرادةَ بأنَّهَا ميلُ القلبِ إلى المرادِ ؛ فإنَّ هذهِ إرادةُ المخلوقِ.
قالَ : فَكْيَفَ تُفَسِّرُونَ الغَضَبَ بأنَّهُ غَلَيَانُ دَمِ القلبِ لِطَلَبِ الانتقامِ ؛ فإنَّ هذا غَضَبُ المخلوقِ، فَقَدْ فَرَّقْتُمْ بينَ مُتَمَاثِلَيْنِ ؛ أَثْبَتُّم الإرادةَ ونَفَيْتُم الغضبَ ، وَكِلاَهُمَا يُفَسَّرُ عندَكُم بهذا التَّفسيرِ الَّذي هوَ منْ خصائصِ المخلوقِينَ ) ، فَانْقَطَعَتْ بذلكَ حُجَّتُهُم.
القارئ:
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [المائدة:119].
وَقَوْلُهُ: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54].
وَقَوْلُهُ في الكُفَّارِ: {وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} [الفتح:6].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ} [محمد:28].
وَقَوْلُهُ: {كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ} [التوبة:46].
الشيخ:
هذه كلُّها من الصِّفاتِ الفعليَّةِ ؛ لأنَّه أضافَ المعانيَ ، يعني مثلَ : الغضبِ ، الرِّضى ، الكرهِ ، السَّخطِ ، هذه معاني أضَافها إلى نفسِهِ ، والإضافةُ هذهِ تقتضي إضافةَ صفةٍ إلى موصوفٍ .
المؤوّلةُ يتَأولونَ مثلَ هذه النُّصوصِ ، فيقولون في مثلِ الرِّضى ، يقولون : ( هو إرادةُ الإنعامِ ) والغضبُ : يَقولونَ : ( إرادةُ الانتقامِ).
طيب، إذا سألتَهُم قلت: لِمَ أوَّلْتُم الغضبَ مثلاً بإرادةِ الانتقامِ؟
قالوا: لأنَّ حقيقةَ الغضبِ هو ثورانُ أو غليانُ دمِ القلبِ ، هذا حقيقةُ الغضبِ ، غليان دم القلب ، وهذا يجبُ تنزيهُ اللهِ - جلَّ وعلا - عنه .
نقول : لا شكَّ ، يجبُ تنزيهُ اللهِ عن مثلِ هذا ، ولكنْ هل هذا هو الغضبُ ؟
وتلاحظ: أنَّك في فَهْمِكَ للآياتِ أو في فَهمكَ لنصوصِ الصِّفاتِ ، وفي فهمكَ لشُبهِ المؤولةِ لابدَّ أنْ تغوصَ إلى أصلِ كلامِهِم وشبهتهِم حتَّى تستطيعَ الرَّدَّ ؛ لأنَّهُ أحياناً يمكنُ أن يُزخرفَ القولُ ، لكنْ إذا رجعت إلى أصلِ الكلامِ وجدْتَ أنَّهُ باطلٌ .
فمثلُ هذا ، الأشاعرةُ والماتريديَّةُ والكلابيَّةُ قبلهم ، ومن نحى نحوَهُم يقولون : الغضبُ هو إرادةُ الانتقامِ، لماذا ؟ قالوا : ( لأنَّ حقيقةَ الغضبِ هو غليانُ دمِ القلبِ ) .
فنقولُ : الصَّوابُ : أنَّ الغضبَ صفةٌ ينشأُ عنها في ابنِ آدمَ غليانُ دمِ القلبِ ؛ لأنَّ ابنَ آدمَ أوَّلاً يغضبُ ، ثمَّ بعد غضبِهِ ينتجُ عنه غليانُ دمِ القلبِ ، ويظهرُ ذلك باحمرارِ الوجهِ والانتفاخِ … إلخ.
نقولُ : هذا أمرٌ ينشأ عن الغضبِ ، وليس هو الغضبُ نفسه ، أليسَ كذلكَ ؟
فإذاً ؛ هم يؤوِّلُونَ لأجلِ أنَّهُم بَنَوا على مقدِّماتٍ باطلةٍ ، وأصلُ هذا التَّأويلِ من نفي الصِّفاتِ هذه من الرِّضى والغضبِ ونحوِ ذلك ، أصلُهُ من جرّاءِ القولِ بنفي الصِّفاتِ الاختياريَّةِ ، وأنَّ اللهَ - جلّ وعلا - لا يتَّصفُ بصفةٍ في وقتٍ دونَ وقتٍ ، بل إمَّا أن يتَّصفَ بها مطلقا ، وإمَّا أن لا يتَّصفَ بها مطلقا ، فلهذا يؤوّلونَهُ ، لم يؤوِّلُونه إلى الإرادةِ ؟ ذلك أنَّ الإرادةَ من الصِّفاتِ العقليَّةِ السَّبعِ الَّتي يُثبتونَهَا ، فيؤوِّلونَ الصِّفاتِ غيرَ السَّبعِ بإحدى الصِّفاتِ السَّبعِ الَّتي يثبتونها.
فهم يثبتون -يعني: الأشاعرةُ ، والماتريديَّةُ ، ونحوهم- يثبتون سبعَ صفاتٍ ، فهم يؤوِّلون هذه الآياتِ بإحدى الصِّفاتِ السَّبعِ .
أمَّا المعتزلةُ والجَهْميَّةُ: فتارةً يجعلون الاسمَ أو الصِّفةَ يُرادُ به مخلوقاً منفصلاً، يعني يقولون: {رضيَ اللهُ عنهم} الرِّضا: بمعنى المرضيّ عنه، {وهُوَ الغفورُ الرَّحيمُ} الغفورُ: هو ما حصل للمغفورُ له ، ليس هو صفةً للهِ ، لكنْ ما حصَلَ للْعبدِ فالمخلوقُ هو الَّذي يُقالُ : هو الغفورُ الرَّحيمُ ونحوُ ذلك .
هذا عملُ الجَهْميَّةِ والمعتزلةِ وتجِدونَ هذا في بعضِ التَّفاسيرِ .
وأمَّا الماتريديَّةُ ، والأَشاعرةُ ، والكلابيَّةُ ، فهم يفسِّرونَهَا بإحدى الصِّفاتِ السَّبعِ ، تارةً يفسِّرونَهَا بالإرادةِ في بعضِ الصِّفاتِ ، وتارةً يفسِّرونَهَا مثلاً بالقدرةِ ونحوِ ذلك ، مثلُ التَّوفيقِ والخذلانِ يفسِّرونَهُ بالقدرةِ ؛ لأنَّهم يثبتون القدرةَ فيفسِّرونَ توفيقِ اللهِ - جلَّ وعلا - لعبدِهِ ، وخذلانَهُ - جلَّ وعلا - لعبده بالقدرةِ .
المقصودُ من هذا : أنَّنَا نثبت هذه الصِّفاتِ ، سواءٌ كانت صفاتٍ ذاتيَّةً أو صفاتٍ فعليَّةً اختياريَّةً أو غيرَ اختياريَّةٍ ، نثبتها جميعاً للهِ -جلَّ وعلا - جميعاً دونَ تفريقٍ ؛ كما جاءَ في نصوصِ الكتابِ والسّنَّةِ ، وهذا أصلٌ من الأصولِ .
ونقولُ : إنَّ هذا الاتّصافَ للهِ - جلَّ وعلا - بهذه الصِّفاتِ على أساسِ قولِهِ تعالى: { ليسَ كمثلِهِ شيءٌ وهو السَّميعُ البصيُر} فهنا قالَ: {ليسَ كمثلِهِ شيءٌ} والكافُ هنا في قولِهِ: {ليسَ كمثلِهِ شيءٌ} الكافُ هنا من أهلِ العلمِ مَنْ يقولُ هي صلةٌ ، يعني : زائدةٌ ، ومعنى كونِهَا زائدةً يعني : للتَّأكيدِ.
فقولُهُ: {ليسَ كمثلِهِ شيءٌ} في تقديرِ قولِكَ ( ليسَ مثلَهُ شيءٌ، ليسَ مثلَهُ شيءٌ) لأنَّ العربَ تزيدُ حرفا أو كلمةً وتريد بالزِّيادةِ تكريرَ الجملةِ وتأكيدَ الجملةِ، فقولُهُ تعالى: { ليسَ كمثلِهِ شيءٌ} على هذا القولِ، وهو أنَّ الكافَ هنا صلةٌ، فيكونُ المعنى: (ليسَ مثلَهُ شيءٌ ليسَ مثلَهُ شيءٌ) فهو تأكيدٌ للجملةِ بتكرارِهَا، وهذا من مثلِ قولِهِ: {لا أُقسِمُ بهذَا البَلَدِ}{لا أقسمُ بيومِ القيامةِ} هل هو تركٌ للقسَمِ أو إثباتٌ للقسَمِ؟
من أهلِ العلمِ : وهو القولُ الظَّاهرُ أنَّهُ قسمٌ {لا أقسمُ بيومِ القيامةِ} معناه: أقسمُ، لكنْ ( لا ) هنا صلةٌ لتأكيدِ القسمِ، فيكون المعنى بوجودِ (لا) معناه: أقسمُ بيومِ القيامةِ أقسمُ بيومِ القيامةِ، وهذا من أسرارِ اللسانِ العربيِّ الشَّريفِ.
القولُ الآخرُ: أنَّ الكافَ هنا بمعنى المثلِ ، فهي اسمٌ ، هي حرفٌ ولكنَّها اسمٌ بمعنى مثلَ ، فقولُهُ: {ليسَ كمثلِهِ شيءٌ} يعني: ليسَ مثلَ مثلِهِ شيءٌ ، وهذا يقتضي المبالغةَ في نفي المثيلِ، وورودُ الكافِ بمعنى (مثل) معروفٌ في اللغةِ من مثلِ قولِهِ تعالى في سورةِ البقرةِ : {ثمَّ قسَتْ قلوبُكُم من بعدِ ذلك فهيَ كالحجارةِ أو أشدُّ قسوةً} ومن مثلِ قولِ الشَّاعرِ:
لـوكانَ في قلـبي كقدرِ قلامةٍ = حبّاً لغيرِكِ ما أتتْكِ رسائلي
يعني: لو كانَ في قلبي مثلُ قدرِ القلامةِ لغيرِكِ كذا وكذا.
فإذاً؛ هنا الكافُ إمَّا أن تكونَ بمعنى هذا أو هذا، فقولُهُ - جلَّ وعلا - هنا: {ليسَ كَمِثلِهِ شيءٌ} هذا فيه أبلغُ النَّفيِ لوجودِ المثيلِ للهِ جلَّ وعلا ، ثمَّ لمَّا نفى أثبتَ ، وهذا على القاعدةِ المعروفةِ أنَّ النَّفيَ يكون مجمَلاً ، والإثباتُ يكونُ مفصَّلاً ، فنفى مجمَلاً فقال: {ليسَ كمثلِهِ شيءٌ} ثمَّ فصّل فقالَ: {وهو السَّميعُ البصيرُ}.
لِمَ خصَّ السَّمعَ والبصرَ هنا؟
وصفَ اللهُ - جلَّ وعلا - في هذه الآيةِ نفسَهُ بالسَّمعِ والبصرِ ، قالَ بعضُ أهلِ العلمِ : لأنَّ السَّمعَ والبصرَ من أكثرِ الصِّفاتِ اشتراكاً بين ذواتِ الأرواحِ ، فالسَّمعُ يوجدُ في الذُّبابِ ، يوجدُ في النَّملِ ، وكذلك البصرُ ، ويوجدُ في البعوضِ ، ويوجدُ في الإنسانِ ، ويوجدُ في الهرِّ ، يعني : جميعُ المخلوقاتِ تدرج بها ، فيها سمعٌ وبصرٌ ، فينبِّهُكَ على أنَّه هل سمعُ البعوضِ وبصرُهُ مثل سمعِ ابنِ آدمَ وبصرهُ؟
الجوابُ: لا، يشتركُ ابنُ آدمَ مع البعوضِ أو معَ الذباب في بعضِ معنى السَّمعِ والبصرِ ؛ لأنَّ السَّمعَ : هو ما تُدرَكُ به المسموعاتُ ، والبصرُ : ما تُدرَكُ به المرئيَّاتُ.
فالبعوضُ له سمعٌ وبصرٌ يناسب ذاتَهُ ، ابنُ آدمَ له سمعٌ وبصرٌ يناسب ذاتَهُ ، ولا يقارَنُ به سمعُ وبصرُ البعوضِ .
فنبّه اللهُ - جلَّ وعلا - بهاتين الصِّفتينِ السَّمعِ والبصرِ- لأجلِ اشتراكِهَا في كثيرٍ من ذواتِ الأرواحِ - من أنَّهُ كما أنَّهَا لا تتماثلُ ذواتُ الأرواحِ في الاتصاف بهاتين الصِّفتينِ ، فكذلك فإنَّ اللهَ -جلَّ وعلا- له سمعٌ ولهُ بصرٌ وهوَ السَّميعُ البصيرُ ، مع قطعِ المماثلةِ وقطعِ طَمعِ إدراكِ الكيفيَّةِ لصفاتِ اللهِ جلَّ وعلا ، فله -جلَّ وعلا- سمعٌ وبصرٌ يناسب ذاتَهُ العظيمةَ الجليلةَ -جلَّ وعلا- وتقدَّسَ وتعالَى .
المتن:
(وقوله تعالى في الكفار: { وغضب الله عليهم } )
الشرح:
من صفات الله جل وعلا الفعلية الغضب , أنه يغضب سبحانه , يغضب على الكفار , { غير المغضوب عليهم } فالله جل وعلا يغضب على الكفار , ويغضب على بعض أهل الكبائر؛ لأنه سبحانه يغار على حرماته.
إذا انتهكت حرماته سبحانه فإنه يغضب , { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه } , غضب الله عليه بسبب جريمة القتل للمؤمن عمداً وعدوانا، فالغضب من صفات الله جل وعلا , فالله يغضب , والمخلوق يغضب , ولكن ليس غضب الله جل وعلا كغضب المخلوق؛ لما بين الخالق والمخلوق من الفرق العظيم، فلا تشابه بين غضب الله وغضب المخلوق , وإن اشتركت في اللفظ والمعنى لكنها لا تشترك في الكيفية والحقيقة، كسائر الصفات.
المتن:
(وقوله تعالى: { اتبعوا ما أسخط الله } )
الشرح: كذلك في هذه الآية وصْف الله بأنه يسخط، السخط نوع من الغضب , { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } والذي يسخط الله جل وعلا هي المعاصي، الكفر والشرك , فالله يوصف بأنه يسخط على أعدائه والمخالفين لأوامره المرتكبين لما نهى عنه، يسخط عليهم , { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون } , { سخط الله عليهم } والمخلوق يسخط أيضاً، ولكن لا تشابه بين سخط الخالق وسخط المخلوق , وإن اشتركت في اللفظ واشتركت في المعنى، لكن الكيفية مختلفة تماماً بين الخالق والمخلوق، هذه قاعدة في كل الصفات.
المتن: (وقوله تعالى: { كره الله انبعاثهم } )
الشرح: كذلك فيه وصف الله بالكراهة، أنه يكره: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين , ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} , هذا في المنافقين في غزوة تبوك , لما تخلف المنافقون بيَّن الله للمؤمنين أن الله هو الذي خلفهم وأخرهم؛ لأنهم لو خرجوا لحصل على المؤمنين منهم ضرر، { ولو أرادوا الخروج } يعني: للغزو مع الرسول صلى الله عليه وسلم , { لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم } أي: خروجهم , { فثبطهم } ثبطهم عن الخروج , كسلهم , { وقيل اقعدوا مع القاعدين } ثم بين المفاسد في خروجهم , { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سما عون لهم والله عليم بالظالمين }.
بين سبحانه المفاسد التي تترتب على خروجهم مع المسلمين للغزو، أنهم يوقعون الشقاق بين المسلمين , وأنهم يريدون إيقاع الفتنة بين الغازين وتفريق الكلمة، وأن من المسلمين من يستمع لهم , ويتأثر بكلامهم , ويصدقهم , فالله جل وعلا منعهم من الخروج؛ حكمة منه سبحانه وتعالى.
الشاهد من الآية: { كره الله انبعاثهم } ففيها أن الله يكره بعض الأعمال , ويكره بعض الأشخاص , والمخلوق يكره أيضاً , ولكن مع الفرق بين كراهة المخلوق وكراهة الخالق سبحانه وتعالى، كسائر الصفات.
المتن:
(ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم)
الشرح:
لما فرغ من ذكر بعض الآيات الدالة على صفات الله جل وعلا , وأنها لا تشابه بينها وبين صفات المخلوقين , أراد أن يذكر بعضاً مما دلت عليه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما جاءت به سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يجب قبوله , والعمل به , واعتقاد ما يدل عليه , كالقرآن تماماً؛ لأن السنة وحي من الله جل وعلا: { وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى } , { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } , وأنه يستدل بالسنة في باب العقائد , كما يستدل بها في باب الأحكام , سواء بسواء , ويجب اعتقاد ما دلت عليه السنة إذا صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كانت متواترة أو آحادا.
يعني: سواء كانت روايتها متواترة، والمتواتر: ما رواه جماعة عن مثلهم , من بداية السند إلى نهاية السند , يستحيل تواطؤهم على الكذب، هذا هو المتواتر، والآحاد ما رواه عدل تام الضبط من بداية السند إلى نهايته مع السلامة من الشذوذ والعلل، هذا هو الصحيح من خبر الآحاد، فما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , سواء كان متواترا أو كان آحاداً فإنه يجب قبوله في العقيدة , وقبوله في العمل , لا كما يقوله المبتدعة من أن الأحاديث الآحاد لا تقبل في باب العقائد؛ لأنها عندهم لا تفيد العلم , والعقائد إنما تبنى على ما يفيد العلم، أما الآحاد عندهم فلا يفيد إلا الظن.
هذا مذهبهم، وأما مذهب أهل السنة والجماعة، فكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يفيد العلم، ويجب القطع به , والإيمان به , سواء في العقائد أو في الأحكام العملية، لا فرق؛ لأن الكل شرع من الله جل وعلا , فكله نازل من عند الله وحياً منه سبحانه , يجب قبوله والعمل به، الله جل وعلا يقول: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } , { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } , ويقول جل وعلا: { وإن تطيعوه } يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم { تهتدوا } فلا فرق بين ما صح في السنة , وما ثبت بالقرآن؛ لأن كلاً منهما يحب اعتقاده والعمل به , ومن ذلك الأحاديث التي جاءت بذكر أسماء الله وصفاته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , يجب قبولها واعتقادها والعمل بها إذا كانت صحيحة، هذا مذهب أهل السنة والجماعة.
ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى قول الله تعالى في الكفار : (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم) وهذا يدل على إثبات صفة الغضب لله سبحانه وتعالى , وأهل السنة والجماعة يثبتونه كما يليق بجلاله وعظمته , والأدلة عليه من كتاب الله ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة معروفة .
كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( إن الله كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبي )) (1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&postid=6842#_ftn1) .
وفي بعض الروايات : (( سبقت غضبي ))(2) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&postid=6842#_ftn2), وهذا في الصحيحين وغيرهما, فهذه النصوص دالة على إثبات صفة الغضب لله كما يليق بجلاله وعظمته, وأهل السنة لا يفرقون بين الغضب وغيره من الصفات .
لكن بعض أ هل الكلام قال : كيف نثبت لله صفة الغضب ونحن لا نعرف إلا غضب المخلوق , وهو غضب ناتج عن ضعف, حيث يغلي دم قلبه , ثم يتأثر ويحمر وجهه ويحتقن , ويبدأ يتفوه بكلمات تدل على غضبه , هذا هو غضب المخلوق, فكيف نثبت لله سبحانه وتعالى هذه الصفة ونحن لا نعقل ولا نفهم إلا صفة المخلوق ؟
والجواب على ذلك كالجواب عما سبق .
نقول لهم : نحن نثبت لله صفة الغضب كما يليق بجلاله وعظمته, ولا نقول : إن غضبه يشبه غضب أحدٍ من المخلوقين , كيف والمخلوقون أنفسهم يتفاوتون في غضبهم , فغضب مالك خازن النار ليس كغضب الواحد من الناس, فنحن نثبت لله الصفة كما يليق بجلاله وعظمته, ولا يلزم منها أن يكون غضبه مشابهاً لغضب المخلوقين .
فإذا قال المتأول لهذه الصفة : غضبه : إرادة الأنتقام. نقول لـه كما قلنا في صفة المحبة : نحن لا نعلم من الإرادة إلا إرادة المخلوق التي هي ميله إلى الانتقام , فهذا الميل القلبي هل تثبته لله سبحانه وتعالى كما هو موجود في المخلوقين ؟
فسيقول : لا, ولكني أثبت لله إرادة تليق بجلاله وعظمته, ولا يلزم إذا كان المخلوق لـه هذه الصفة أن تكون مشابهة لصفة الله سبحانه وتعالى. فنقول : ونحن نقول في صفة كما يليق بجلاله وعظمته ولا يلزم منه أن يكون مثل غضب المخلوقين فيلزمك فيما فررت إليه نظير ما لزمك فيما فررت منه .
ومثله أيضاً الصفة التي ذكرها الشيخ في قوله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ ) (محمد: من الآية28) حيث استشهد بجزء من هذه الآية وهو قوله : ( اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ) حيث دلت على صفة السخط التي نثبتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته, ونقول فيها :إن الله سبحانه وتعالى يسخط على أهل المعاصي , ونقول هذه المعاصي هي مما يسخط الله سبحانه وتعالى.
ولهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه قال في الدعاء المشهور (( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك )) (3) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&postid=6842#_ftn3) . فهذا يدل على أن الله متصف بهذه الصفة كما يليق بجلاله وعظمته ولا نتأولها .
ومثله أيضاً قوله رحمه الله : وقوله تعالى : (كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُم) (التوبة: من الآية46) صفة من صفات الله تعالى تدل على أن الله سبحانه وتعالى يكره الأمور التي تغضبه كالمعاصي , كما أن الله كره انبعاث هؤلاء المنافقين وخروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد في سبيل الله؛ نظراً لما يترتب على خروجهم من الفساد والفتنة.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الصفة قوله عليه الصلاة والسلام : (( إن الله كره لكم ثلاث : قيل وقال , وكثرة السؤال , وإضاعة المال)) (4) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&postid=6842#_ftn4) . وهذا في صحيح البخاري .
فقوله : كره لكم يدل على إثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى كما يليق
____________________
(1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&postid=6842#_ftnref1) أخرجه البخاري رقم (7404) كتاب التوحيد ومسلم رقم (2751) (14) كتاب التوبة
(2) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&postid=6842#_ftnref2) أخرجه البخاري رقم (7422) كتاب التوحيد ومسلم رقم (2751) ( 15)كتاب التوبة
(3) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&postid=6842#_ftnref3) أخرجه مسلم رقم (486) كتاب الصلاة
(4) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&postid=6842#_ftnref4) أخرجه البخاري رقم (1477) كتاب الزكاة ومسلم رقم (593) كتاب الأقضية
------------------------------
العناصر
- إثبات صفة (الغضب) لله تعالى .
- دلائل إثبات صفة (الغضب) لله تعالى .
- منهج أهل السنة في إثبات صفة (الغضب) لله تعالى .
- تأويل المبتدعة لصفة (الغضب) .
- الرد على من أنكر صفة (الغضب) لله تعالى .
- إثبات صفة (السخط) لله تعالى .
- دلائل إثبات صفة (السخط) لله تعالى .
- منهج أهل السنة في إثبات صفة (السخط) لله تعالى .
- تأويل المبتدعة لصفة (السخط) .
- الرد على من أنكر صفة (السخط) .
- إثبات صفة (الكراهة) لله تعالى .
- دلائل إثبات صفة (الكراهة) لله تعالى .
- منهج أهل السنة في إثبات صفة (الكراهة) لله تعالى .
- تأويل المبتدعة لصفة (الكراهة) .
- الرد على من أنكر صفة (الكراهة) .
- الغضب والرضا والكره والسخط من الصفات الفعلية .
- عقيدة المؤولة في مثل صفة الغضب والرضا، والرد عليهم .
- قاعدة عامة في الرد على من أنكر الصفات الفعلية .
- تفسير قوله تعالى:{ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ؟
- ذكر صفات المقابلة .
الأسئلة
س1: اذكر أدلة إثبات صفة الغضب لله تعالى، مع بيان من أنكرها والرد عليه .
س2:لِمَ لم ْ يذكر المؤلف صفة السمع والبصر والعلم والحياة والقدرة في هذا الموضع ؟
س3: اذكر أدلة إثبات صفة الكراهية والسخط لله تعالى .
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir