عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 12:10 AM
فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا صَحَّ سَنَدُهُ، وَعُدِّلَتْ رُوَاتُهُ، نُؤْمِنُ بِهِ وَلاَ نَرُدُّهُ، وَلاَ نَجْحَدُهُ، وَلاَ نَتَأوَّلُهُ بِتَأوِيلٍ يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ، وَلاَ نُشَبِّهُهُ بِصِفَاتِ المَخْلُوقِينَ، وَلاَ بِسِمَاتِ المُحْدَثِينَ، وَنَعْلَمُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لاَ شَبِيهَ لَهُ ولاَ نَظِيرَ: {لَيْسَ كـَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] وَكُلُّ مَا تُخيِّلَ في الذِّهْنِ أَوْ خَطَرَ بِالبَالِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى بِخِلافِهِ.
لا يوجد شرح للشيخ على هذا الموضوع
(4) لَمَّا ذَكَرَ الأحاديثَ الَّتي في الصِّفاتِ والآياتِ ، أَخْبَرَ بأنَّ هذا وَنَحْوَهُ دَلَّتْ عليهِ النُّصوصُ الَّتي هيَ ثابتةٌ يَقِينًا من الأحاديثِ الصَّحيحةِ ، كحديثِ النُّزولِ ونحوِهِ ، ومن الآياتِ.
فهذهِ النُّصوصُ نُؤْمِنُ بها وَنَتَقَبَّلُهَا ، وَنَشْهَدُ بِصِحَّتِهَا ، وَنُثْبِتُهَا صفاتٍ للهِ تَعَالَى يَقِينِيَّةً حقيقيَّةً .
ولكنْ لا نُكَيِّفُهَا ، ولا نُمَثِّلُهَا بصفاتِ المَخْلُوقِينَ ، بلْ نُنَزِّهُ الرَّبَّ تَعَالَى عنْ سِمَاتِ المَخْلُوقِينَ ، وعنْ صفاتِ المُحْدَثِينَ .
والصِّفَاتُ والسِّمَاتُ مُتَقَارِبَةٌ ، فالصِّفةُ هيَ : ما يُمْكِنُ أنْ يُنْعَتَ بهِ المنعوتُ ؛ ولذلكَ يَقُولُونَ في النَّعتِ : إنَّهُ صِفَةٌ .
وأمَّا السِّمةُ : فهيَ العلامةُ ؛ اشْتِقَاقًا من الوَسْمِ في الدَّابَّةِ ، وَيُقَالُ: وَسَمْتُ الدَّابَّةَ سِمَةً .
فالسِّماتُ هيَ العلاماتُ ، فاللهُ تَعَالَى يُنَزَّهُ عنْ صفاتِ المخلوقِينَ وعنْ سماتِ المُحْدَثِينَ .
ومعلومٌ أنَّ المَخْلُوقِينَ مُحْدَثُونَ ؛ فالمخلوقُ حادِثٌ بعدَ أنْ كانَ مَعْدُومًا ، وَيَأْتِي عليهِ العَدَمُ كما كانَ مَعْدُومًا ثمَّ وُجِدَ ، ثمَّ يَمُوتُ ثمَّ يُوجَدُ ، قالَ تَعَالَى : {وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] .
فإذا أَتَى عليهِ العَدَمُ دَلَّ على نَقْصِهِ، فلا يُشَبَّهُ بهِ الخالقُ الَّذي لا يَأْتِي عليهِ العَدَمُ، قالَ تَعَالَى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ} [الفرقان: 58] ، فهذهِ الصِّفَاتُ نَتَقَبَّلُهَا ، ولا نُنْكِرُ شَيْئًا منها ولا نَرُدُّهُ ، وَنَتَوَقَّفُ عِنْدَهَا ، ولا نَقُولُ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِنَا شَيْئًا ، وإذا أَثْبَتْنَاهَا لمْ نُشَبِّهْهَا بِصِفَاتِ المخلوقِ ، فَنَسْتَحْضِرُ هذهِ الآيَةَ : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشُّورَى: 11] ، وقدْ تَكَرَّرَتْ هذهِ الآيَةُ في الشَّرحِ ؛ لأنَّ فيها رَدًّا على النُّفَاةِ ، وَرَدًّا على المُشَبِّهَةِ .
(5) ثمَّ ذَكَرَ أنَّ كُلَّ ما خَطَرَ بِالْبَالِ ، وكلَّ ما دَارَ في الخيالِ ، فإنَّ الرَّبَّ بِخِلاَفِهِ .
كُلُّ ما تَصَوَّرَهُ المُتَصَوِّرُ ، أوْ تَخَيَّلَهُ في ذِهْنِهِ ، أوْ خَطَرَ بِبَالِهِ من الهَيْئَاتِ والكَيْفِيَّاتِ أو الصِّفاتِ ، فإنَّ اللهَ تَعَالَى بخلافِ ذلكَ .
وَلَعَلَّ الدَّليلَ على ذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ، فإذا كانوا لا يُحِيطُونَ بهِ عِلْمًا ، فإنَّهم لوْ فَكَّرُوا ، وَقَدَّرُوا ، وَنَظَرُوا ، وَظَنُّوا ، وَحَدَسُوا ، وَتَخَيَّلُوا أنَّ اللهَ تَعَالَى على هذهِ الهيئةِ ، أوْ على هذهِ الصِّفةِ ؛ فإنَّ كلَّ ذلكَ ليسَ بصوابٍ ، واللهُ بخلافِ ذلكَ ، ولا يُحِيطُونَ بهِ عِلْمًا .
القارئ:
(وَقَوْلُهُ: (( يَضْحَكُ الله إلى رَجُلَيْنِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا الآخَر ثُمَّ يَدْخُلاَنِ الجَنَّة )).
فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا صَحَّ سَنَدُهُ ، وَعُدِّلَتْ رُوَاتُهُ ، نُؤْمِنُ بِهِ وَلاَ نَرُدُّهُ ، وَلاَ نَجْحَدُهُ ، وَلاَ نَتَأوَّلُهُ بِتَأوِيلٍ يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ ، وَلاَ نُشَبِّهُهُ بِصِفَاتِ المَخْلُوقِينَ ، وَلاَ بِسِمَاتِ المُحْدَثِينَ ، وَنَعْلَمُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لاَ شَبِيهَ لَهُ ولاَ نَظِيرَ : { لَيْسَ كـَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] وَكُلُّ مَا تُخيِّلَ في الذِّهْنِ أَوْ خَطَرَ بِالبَالِ ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى بِخِلافِهِ.
وَمِنْ ذَلِك قَوْلُ الله تَعَالَى: {الرَّحمَنُ عَلَى الْعَرشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ).
الشيخ:
قال المؤلِّفُ _ رحمَهُ اللهُ تعالى _ كلمةً عظيمةً مهمَّةً ، قال : ( وما خطرَ ببالِكَ فإنَّ اللهَ -جلَّ وعلا- بخلافِهِ ) إذا خطرَ في بالِ المرءِ أنَّ اللهَ - جلَّ وعلا - في اتِّصافِهِ بالصِّفةِ يكون على النَّحوِ الَّذي خطرَ ببالِهِ ، أو تخيَّلَ صورةً ، فليجزِمْ بأنَّ اللهَ - جلَّ وعلا - بخلافِ ما تخيّلَ ، وذلك لأنَّ المرءَ لا يمكنُ أن يتخيَّلَ شيئاً أو أن يتصوَّرَ شيئاً إلا إذا كان:
- قد رآه.
- الثاني: أن يكون قد رأى مثلَهُ.
- الثالث: أنه قد رأى جنسَهُ.
- الرابع: أنه وُصفَ له وصف كيفيّةٍ.
وهذه الأربعُ لا تنطبقُ على صفاتِ اللهِ جلَّ وعلا ، فإنَّ اللهَ - جلَّ وعلا - لم يُرَ حتَّى تتخيَّلَه القلوبُ بالتَّصويرِ ، ولم يُرَ مثلُهُ ، ولم يُرَ جنسُهُ ، وكذلك لم يُوصَفْ وصفَ كيفيَّةٍ ، فلهذا كلُّ ما خطرَ بعقلِكَ ، أو تصوَّرَهُ قلبُكَ ، فلتجزمْ بأنَّهُ - جلَّ وعلا - بخلافِ ذلك.
وهذه قاعدةٌ عظيمةٌ ، وإبليس يأتي للمؤمنِ فيجعلُهُ يتصوَّرُ ، ويصوِّرُ له ربَّهُ -جلَّ وعلا- على نحوٍ من الصُّورِ ، وهذا لأجلِ أن يُشغلَ العبدَ عن تنزيهِ اللهِ -جلَّ وعلا- ، وعن إثباتِ الصِّفاتِ للهِ -جلَّ وعلا- على ما يجبُ له سبحانَهُ وتعالى ، وليدخلَهُ في نوعٍ من الضَّلالاتِ ؛ من التَّجسيمِ ، والتَّشبيهِ ، والتَّمثيلِ ، ونحوِ ذلك ، فذكر المؤلِّفُ القاعدةَ العظيمةَ في هذا ، وهو أنَّهُ ما خطرَ ببالِكَ ؛ أو تصوَّرَهُ قلبُكَ ؛ فاعلمْ بأنَّ اللهَ -جلَّ وعلا- بخلافِهِ.
المتن:
(فهذا وما أشبهه مِمَّا صح سنده)
الشرح:
فهذا الذي ذُكر في هذه الأحاديث من هذه الصفات وما أشبهه من الأحاديث الأخرى , التي فيها صفات الرب جل وعلا , مما صح سنده , فلا بد أن يكون السند صحيحاً , والصحيح : ما رواه عدل تام الضبط من بداية السند إلى نهايته , مع السلامة من الشذوذ والسلامة من العلل، هذا هو الصحيح ما توفر فيه الخمسة هذه الشروط، فإذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وفيه صفة من صفات الله جل وعلا , أو خبر عن الله جل وعلا؛ فإنه يجب الإيمان به واعتقاده , سواء كان متواترا أو كان آحاداً؛ لأنه يفيد العلم واليقين , لا كما يقوله أهل الضلال: إن خبر الآحاد ولو صح إنما يفيد الظن عندهم.
وهذا لتلوث أفكارهم بعلم الكلام , وعلم المنطق , ولو صحت أفهامهم وقوي إيمانهم لما قالوا هذه المقالة في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
المتن:
(فهذا وما أشبهه مما صح سنده)
الشرح:
أما ما لم يصح سنده فإنه ضعيف لا يعمل به، واعلم أن المتقدمين من أهل الحديث يقسمون الحديث إلى قسمين: صحيح و ضعيف.
والحسن داخل عندهم في قسم الصحيح، وإنما قسم الحديث إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف في عهد المتأخرين من أهل الحديث , ويقولون: أول من ذكر هذا الإمام الترمذي رحمه الله، وإلا فالأقدمون عندهم أن الحديث ينقسم إلى صحيح ويدخل فيه الحسن وإلى ضعيف، فالضعيف لا يدخل في باب العقائد إلا إذا كان يستند إلى أدلة أخرى.
قد يقول البعض: إن هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف فيها شيء , بعضها ضعيف , فنقول: هذه ما ذكرها المؤلف إلا لأنها تعتضد بأدلة صحيحة , تدخل تحت أصل، لأن الضعيف إذا كان يدخل تحت أصل صحيح يستأنس به، أما
إذا لم يستند إلى أصل صحيح فإنه لا يستدل به في باب العقائد.
المتن:
(فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته)
الشرح:
(صح سنده وعدلت رواته) عدلت رواته هذا داخل فيما صح سنده؛ لأنه لا يكون صحيحاً إلا إذا عدلت رواته، فهذا من باب التأكيد والترادف.
المتن:
(نؤمن به ولا نرده)
الشرح:
نؤمن به: أي نعتقده , ولا نرده , بخلاف أهل الضلال الذين يردون ما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم , ويقولون: إنه لا يفيد العلم؛ بناء على قواعدهم المنطقية الكلامية التي ابتدعوها، فنحن لا نعمل عملهم، بل نبرأ منهم ومن عملهم، نؤمن بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ونعتقد ما دل عليه.
المتن:
(نؤمن به ولا نرده)
الشرح:
ولا نرده كما يرده هؤلاء.
المتن:
(ولا نجحده)
الشرح:
(ولا نجحده) نجحد , أي ننفي ما دل عليه من الأسماء والصفات , لا ننفي هذا , بل نثبت ما دل عليه، فما أثبته الله ورسوله هذا واجب المسلم الإيمان والتسليم والانقياد لما صح عن الله ورسوله , ولا يتدخل بعقله وفكره واعتراضاته وتشكيكاته , أو يقبل كلام المضللين وشبهات المشبهين , لا يلتفت إلى هذه الأمور، { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا } , فالمدار على الثبوت والصحة , فما ثبت وجب الإيمان به وقبوله وإثباته والعمل به , دون تردد أو توقف أو التفات إلى ما يقوله أهل الضلال.
المتن:
(ولانتأوله بتأويل يخالف ظاهره)
الشرح:
لأن عمل المخالفين إما الرد وعدم القبول، وإما الإثبات مع التأويل، إذا عجزوا عن رد النصوص، فإنهم يلجئون إلى التأويل.
والتأويل هو: صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى معنى آخر محتمل، فيصرفون النصوص عن ظواهرها إلى معان أخرى، مثلاً قالوا: اليد معناها القدرة , والوجه قالوا معناه الذات , والاستواء قالوا معناه الاستيلاء على العرش , لأنهم لا يقدرون على رد هذه النصوص؛ لأنها ثابتة بالقرآن والسنة , فيلجئون إلى التأويل، فهم يردونها، إما أن يردوا لفظها وإما أن يردوا معناها , هذا دأبهم وهذا شأنهم، أما أهل الحق فإنهم يقبلونها على لفظها ومعناها ويؤمنون بها، هذا مذهب أهل الحق.
المتن:
(ولا نشبهه بصفات المخلوقين)
الشرح:
لا نرده ولا نؤوله ولا نشبهه، الطائفة الثانية من أهل الضلال , يثبتون هذه الأدلة , ولا يتكلمون في ثبوتها , ولا يتكلمون في معانيها، لكن يشبهونها بصفات المخلوقين، هؤلاء يقال لهم: المشبهة , والممثلة , وهو مذهب باطل , مثل التعطيل تماماً، والمذهب الحق هو إثباتها بلفظها ومعانيها , من غير تشبيه ومن غير تأويل , ومن غير تشبيه , هذا مذهب أهل الحق.
قوله تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } فنفى عن نفسه المثلية , وأنه لا يشبهه شيء من خلقه، وفي الآية الأخرى: { فلا تضربوا لله الأمثال } , يعني: الأشباه والنظراء , وفي الآية الأخرى: { ولم يكن له كفُوا أحد } أي: مكافئاً ومساوياً , في الآية الأخرى: { هل تعلم له سَمِياً } أي: لا تعلم أحداً يستحق اسمه على الحقيقة ويماثله، { فلا تجعلوا لله أنداداً } , والأنداد هم الأشباه والنظراء , لا في عبادته ولا في أسمائه وصفاته , ولا في أفعاله، سبحانه وتعالى , ليس له شبيه بوجه من الوجوه.
فهؤلاء يثبتون الأدلة ولا يؤولونها , ولكنهم زادوا في الإثبات , حتى شبهوا الله جل وعلا بخلقه، فهذا مذهب باطل , وهو عديل لمذهب المعطلة , وقول على الله بلا علم , وكلا الطائفتين ضال، يرد على المشبهة قوله تعالى: { ليس كمثله شيء } ويرد على المعطلة قوله تعالى: { وهو السميع البصير }.
المتن:
(ولا بسمات المحدثين).
الشرح:
(ولا بسمات المحدثين) والسمات هي الصفات والخصائص ,والمحدثون هم المخلوقون؛لأن كل مخلوق فهو محدث بعد أن لم يكن، فيسمى محدث؛لأنه كائن بعد أن لم يكن ,فنحن لا نشبه الله بصفات المخلوقين ,ولا بسمات المحدثين ,المعنى واحد ,لكن هذا من باب التأكيد.
المتن:
(ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير)
الشرح:
هذا هو اعتقاد أهل الحق ,أن الله جل وعلا لا شبيه له ولا نظير، يعني: لا أحد يشبهه سبحانه وتعالى ,والنظير: هو المساوي للشيء ,فلا أحد يساوي الله جل وعلا , تقول: هذا نظير هذا، أي: هذا معادل لهذا ,ومساو له، والله جل وعلا ليس له شبيه في أسمائه وصفاته ,ولا نظير له, لاأحد يشاركه سبحانه فيما يستحقه من العبادة وصفات الكمال ونعوت الجلال، لا أحد يشارك الله جل وعلا في شيء من ذلك.
وهذا فيه رد على المشبهة ,الذين غلوا في إثبات الأسماء والصفات ,حتى شبهوها بصفات المخلوقين , والأولون غلوا في التنزيه حتى عطلوا الله جل وعلا من أسمائه وصفاته، فطائفة غلت في التنزيه وهم المعطلة، وطائفة غلت في الإثبات وهم المشبهة، أما أهل السنة والجماعة فإنهم وسط ,لم يعطلوا أسماء الله، يعني: نزهوا الله جل وعلا، نزهوا الله عن النقائص تنزيهاً بلا تعطيل ,وأثبتوا له الأسماء والصفات إثباتاً بلا تشبيه ولا تمثيل ,فتجنبوا غلو الطائفتين: غلو المنزهة وغلو الممثلة والمشبهة ,كلا الطائفتين غالٍ في مذهبه.
أهل السنة- والحمد لله- معتدلون على مقتضى الكتاب والسنة ,وهكذا الحق دائماً ,الحق دائماً هو الوسط، دائماً الحق هو الوسط بين الضلالتين.
المتن:
(ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له، ولا نظير: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } )
الشرح:
هذه الآية ميزان لأهل الحق ,ترد على المعطلة ,وترد على المشبهة ,وتثبت لله الأسماء والصفات من غير تعطيل ومن غير تشبيه , { ليس كمثله شيء } هذا رد على المشبهة الذين غلوا في الإثبات ,{ وهو السميع البصير } هذا رد على المعطلة الذين غلوا في التنزيه ,حتى نفوا أسماء الله وصفاته ؛ فراراً من التشبيه عندهم ,فوقعوا في تشبيه أشر مما فروا منه ,وهو أنهم شبهوا الله بالمعدومات والممتنعات ومذهب أهل السنة: إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل.
المتن:
(وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه)
الشرح:
الله جل وعلا لا يتصور في الذهن ,ولا في التفكير؛لأنه أعظم من كل شيء ,فلا يجوز لأحد أن يتخيل ذاته سبحانه أو صفاته ,قال تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } ,لا يحيطون بالله جل وعلا علما , فلا يعلم ذاته سبحانه وتعالى إلا هو سبحانه ,فهو يحيط بالمخلوقين ,والمخلوقون لا يحيطون به، { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } , الله لا يحاط به ولا يتخيل ,ولا يتصور سبحانه وتعالى؛لأنه أعظم من كل شيء ,فكل ما خطر ببالك أو دار في خيالك عن الله جل وعلا ,وعن ذاته فإن الله بخلاف ذلك.
ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى : (( فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعُدِّلَتْ رواتـه )),
هذا قيدٌ مهم جداً؛ أي أننا لا نثبت الصفات من هذه الأحاديث , إلا إذا كانت
هذه الأحاديث ثابتة بطرق صحيحة, رواتها عدول ثقات, ليس فيها انقطاع , وليس فها شذوذ , ولا علل, وإنما هي روايات صحيحة ثابتة .
ثم قال : (( نؤمن به )) وهذا منهج السلف الصالح , (( ولا نرده , ولا نجحده , ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره )) لا نرده كما رده بعض الذين يردون أخبار الآحاد ويقولون : لا نقبلها في باب العقيدة. وكذلك أيضاً لا نجحده , أي لا ننكر وننفي ما ورد منها ما ثبت بطرق صحيحة كما فعله بعض أهل التعطيل والكلام , بل نثبت ما ورد ونقول به ونرويه .
وكذلك أيضاً قال : (( ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره )) رد على من يقبل السنة لكنه يتأولها ؛ لأن بعض أهل الكلام وبعض المؤولة يقبل السنة ويقول : لا نرد هذا الحديث بل نثبته ؛ لأنه وارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لكنه يتأوله ويصرفه عن معناه إلى معانٍ أخر تخالف ظاهره .
فإذا جاء الحديث دالاًعلى صفة من صفات الله سبحانه تعالى , فهو لا يرده رداً كاملاً , وإنما يرده رداً معيناً بمعنى أنه يتأوله ذلك التأويل الذي يؤدي إلى نقض ما دلّ عليه من معنى , وتحريف ما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أخرنا بهذا الحديث وأمثاله .
ثم قال بعد أن رد على أهل التأويل : (( ولا نشبهه بصفات المخلوقين )) وهذا من أصول منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى يثبتون الصفة, ولا يشبهون الله سبحانه وتعالى بصفات المخلوقين , (( ولا بسمات المحدثين )) ألأي علامات المحدثين .
والمحدثون : هم المخلوقون سواء كانوا بشراً, أو ملائكة, أ و نجوماً , أو حجارة, أو غير ذلك .
فأهل السنة والجماعة لا يشبهون الله سبحانه وتعالى بشء مـن ذلـك قـال : (( ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير )) فلا شبيه لـه سبحانه وتعالى ولا نظير لـه, ولا مثيل ولا ند, قال سبحانه وتعالى - كما استشهد هنا- (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية11) فنفى عن الله سبحانه وتعالى المثل, وأثبت لله الصفات التي تليق به مستشهداً باسميه سبحانه وتعالى : السميع البصير , وهما دالان على صفة السمع وصفتة البصر لله سبحانه وتعالى.
وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى . وقد سبق بيان ذلك .
ثم إن الشيخ رحمه الله تعالى قال : ((وكلُّ ما تُخُيِّل في الذهنِ أو خطر بالبالِ فإن الله تعالى بخلافِه)) وهذا لنفي التكييف, أي أن البشر لا يستطيعون أن يكيفوا ذاته ولا صفاته , وكل ما خطر بالبال أو توهمه الإنسان في صفة من صفات الله سبحانه وتعالى , فإن الله تبارك وتعالى لا شك هو بخلاف ذلك؛ لأن الله تعالى لا يعلم ذاته إلا هو , ولا يعلم صفاته أي حقيقة صفاته إلا هو سبحانه وتعالى .
فأهل السنة والجماعة لا يكيفون, ومهما بلغت خيالات الإنسان ليثبت لله سبحانه تعالى ويكيف صفة من صفاته , فإن الإنسان لا يستطيع ذلك , بل الله سبحانه وتعالى أعظم وأجل مما خطر بالبال, وهذا منهج أهل السنة والجماعة .
ذكر بعض أحاديث الصفات
قال الموفق رحمه الله: [ومن السنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا))، وقوله: ((يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة))، وقوله: ((يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة))، فهذا وما أشبهه مما صح سنده، وعُدَّلت رواته، نؤمن به، ولا نرده، ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره] .
قوله: [ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره] دليل على أن المصنف بريء من مذهب التفويض، وإن كان يشتبه في بعض جمله الأولى ما هو من ذلك. لكن ذكره لصفات الأفعال كالنزول والضحك وأمثالها، وإبانته رحمه الله لكونها على ظاهرها، ولا ترد بتأويل يخالف الظاهر؛ دليل على أنه يقر بمعناها، وأن مذهبه رحمه الله على مذهب الأئمة في هذا الباب. ......
التعطيل والتمثيل هما أساس الابتداع في الصفات
قال الموفق رحمه الله: [ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدَثين] :
المذاهب المعارضة لمنهج السلف في الصفات هي في الجملة مذهبان:
مذهب التعطيل: وهو مذهب المؤولة، الذين عطلوا أسماء الرب سبحانه وتعالى وصفاته. مذهب المشبهة: الذين شبهوا صفات الله بصفات خلقه. أما المعطلة من المتكلمين؛ كالجهمية والمعتزلة، ومن يشاركهم في شيء من هذا كالأشعرية والماتريدية، وإن كان ثمة فرق بين الأشعرية والماتريدية وبين أئمة الجهمية والمعتزلة،
فإن الأشاعرة يثبتون جملة من الصفات، ويتأولون جملة أخرى،
وكذلك الماتريدية يثبتون جملة من الصفات ويتأولون جملة أخرى،
والأشاعرة طبقات، وليسوا على درجة واحدة، وبعضهم أقرب إلى السنة من بعض.
وفي الجملة: الأشاعرة أقرب إلى السنة والجماعة من الماتريدية، والأشعري رحمه الله أقرب من أصحابه إلى السنة والجماعة، والقاضي أبو بكر الباقلاني أقرب من جملة أصحاب الأشعري ، وهَلُمَّ جَرَّاً. فهم درجات في الجملة. ومما شاع عن مذهب الأشاعرة أنهم لا يثبتون إلا سبعاً من الصفات،
والحقيقة: أن هذا هو مذهب لمتأخريهم، وأول من قرره وشرحه أبو المعالي الجويني ، وإن كان أصل هذا المذهب قد ذكره البغدادي في كتبه، ثم درج عليه مَن بعد الجويني مِن الأشاعرة. وأما المتقدمون من الأشعرية كأبي الحسن إمام المذهب، والقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني ، وابن فورك وأمثال هؤلاء فإنهم يثبتون هذه الصفات السبع ويثبتون جملة من الصفات الخبرية: كالوجه، واليدين، وأمثال هذه الصفات.
فالمقصود: أن الأشاعرة ليسوا على وجه درجة واحدة، والاقتصار على إثبات سبع صفات هو مذهب غلاتهم كأبي المعالي الجويني ومَن بعده. وأما مذهب التشبيه، فأصله عن قوم من أئمة الرافضة، ثم دخل على جملة من الأحناف، أتباع محمد بن كرام السجستاني ، ويقال: مذهب المعطلة هو مذهب المشبهة؛ لأن المعطل لم يقل بالتعطيل إلا بعدما شبَّه، أي: أنه قال بالتعطيل هروباً من التشبيه الذي ظنه لازماً من إثبات الصفات.
تنبيه: لم يذهب أحد من المسلمين إلى تعطيل الرب سبحانه وتعالى عن مطلق الكمال، وإنما أثبتوا ما هو من أحكام الصفات، مع نفيهم لقيامها بالذات، فهذا هو مراد السلف بقولهم: إن هؤلاء معطلة. وكذلك المشبهة لم يذهب أحد من المسلمين إلى أن شبه الله بخلقه على التمام، فإن هذا هو الشرك في الربوبية، ولا يقع من مسلم، أو ينتسب إلى دين الإسلام، ولكن عندهم قدر من التشبيه، فمن هنا سموا مشبهة، وإن وقع فهو على سبيل النادر، وهذا النادر حكم عليه أهل العلم بالكفر. ......
تنزيه الله تعالى عن المثيل والنظير
قال الموفق رحمه الله: [ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]] :
هذه الآية من أشرف قواعد الصفات، وهي جامعةٌ لباب الصفات، فقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) تنزيه له سبحانه وتعالى عن التشبيه، (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) إثبات أسمائه وصفاته، فإن هذين الاسمين تضمنا جملة من الصفات؛ لأن السميع تضمن صفة السمع، وكذلك صفة الحياة؛ لأن السميع لابد أن يكون حياً، إلى نحو ذلك من التراتيب.
صفات الله خلاف كل ما يتصور في الذهن
قال الموفق رحمه الله: [وكل ما تُخُيِّل في الذهن، أو خطر بالبال، فإن الله تعالى بخلافه] . وهذا صحيح؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يحاط به علماً، وعليه يقال في قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) سواء كان هذا الشيء موجوداً أو متصوراً أو مفروضاً في الذهن، ومهما عارض أو تخيل المرء في ذهنه من الفروضات لكل صفة من صفاته، فإن الله ينزه عن هذه الكيفية؛ لأن العقل يمتنع أن يتصور أو يتخيل إلا كنهاً وكيفاً ناقصاً، وعليه سمات المحدثات.
العناصر
- شرح قول المؤلف: ( ولا نشبهه بصفات المخلوقين ، ولا بسمات المحدثين) .
- الفرق بين الصفة والسمة .
- شرح قول المؤلف رحمه الله تعالى : ( وكل ما تُخيِّل بالذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه) .
- شرح قول المؤلف: ( وما خطر ببالك فإن الله عز وجل بخلافه) .
الأسئلة
س1: اشرح قول المؤلف رحمه الله تعالى: ( ولا نشبهه بصفات المخلوقين ، ولا بسمات المحدثين) .
س2: اشرح قول المؤلف رحمه الله تعالى : ( وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله عز وجل بخلافه ).