المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : باب المساقاة والإجارة (3/8) [النهي عن المزارعة وإباحة المؤاجرة]


محمد أبو زيد
01-14-2009, 11:25 AM
وعنْ ثابتِ بنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ. رواهُ مسلمٌ أيضًا.

محمد أبو زيد
01-14-2009, 05:19 PM
3/857 - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَن الْمُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضاً.
(وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَن الْمُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضاً، أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ، حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ الأَنْصَارِيَّ كَانَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: يَا ابْنَ خَدِيجٍ، مَاذَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِرَاءِ الأَرْضِ؟
فَقَالَ رَافِعٌ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ عَمَّيَّ، وَكَانَا شَهِدا بَدْراً يُحَدِّثَانِ أَهْلَ الدَّارِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى. ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ.
وَفِي النَّهْيِ عَن الْمُزَارَعَةِ أَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ، وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى جَوَازِهَا بِوُجُوهٍ؛ أَحْسَنُهَا أَنَّ النَّهْيَ كَانَ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ لِحَاجَةِ النَّاسِ، وَكَوْنِ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَتْ لَهُمْ أَرْضٌ، فَأَمَرَ الأَنْصَارَ بِالتَّكَرُّمِ بِالْمُوَاسَاةِ.
وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ لِرِجَالٍ مِن الأَنْصَارِ فُضُولُ أَرْضٍ، وَكَانُوا يُكْرُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْهَا)).
وَهَذَا كَمَا نُهُوا عَن ادِّخَارِ لُحُومِ الأُضْحِيَّةِ؛ لِيَتَصَدَّقُوا بِذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَ تَوَسُّعِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ زَالَ الاحْتِيَاجُ، فَأُبِيحَ لَهُم الْمُزَارَعَةُ، وَتَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ إجَارَةٍ وَغَيْرِهَا. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ مِن الْمُزَارَعَةِ فِي عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَهْدِ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِهِ، وَمِن الْبَعِيدِ غَفْلَتُهُمْ عَن النَّهْيِ، وَتَرْكِ إشَاعَةِ رَافِعٍ لَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَذِكْرُهُ فِي آخِرِ خِلافَةِ مُعَاوِيَةَ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ عَقَلَ الْمَعْنَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَحْرِيمَ الْمُزَارَعَةِ بِشَطْرِ مَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ يَتَمَانَحُوا، وَأَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، انْتَهَى.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعٍ، أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ، إِنَّمَا أَتَاهُ رَجُلانِ مِن الأَنْصَارِ قَد اخْتَلَفَا، فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ فَلا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ))، كَأَنَّ زَيْداً يَقُولُ: إنَّ رَافِعاً اقْتَطَعَ الْحَدِيثَ، فَرَوَى النَّهْيَ غَيْرَ رَاوٍ أَوَّلَهُ، فَأَخَلَّ بِالْمَقْصُودِ. وَأَمَّا الاعْتِذَارُ عَنْ جَهَالَةِ الأُجْرَةِ فَقَدْ صَحَّ فِي الْمُرْضِعَةِ بِالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ مَعَ الْجَهَالَةِ قَدْراً، وَلأَنَّهُ كَالْمَعْلُومِ جُمْلَةً؛ لأَنَّ الْغَالِبَ تَقَارُبُ حَالِ الْحَاصِلِ، وَقَدْ حُدَّ بِجِهَةِ الْكَمِّيَّةِ؛ أَعْنِي النِّصْفَ وَالثُّلُثَ، وَجَاءَ النَّصُّ فَقَطَعَ التَّكَلُّفَاتِ.

محمد أبو زيد
01-14-2009, 05:20 PM
781- وعَنْ ثَابِتِ بنِ الضحَّاكِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ ـ أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ نَهَى عَنِ المُزَارَعَةِ، وأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ. رواهُ مُسلمٌ أيضاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
مُفْرداتُ الحَديثِ:
بالمُؤاجَرَةِ: أي يَسْتَأْجِرُ الأَرْضَ فيَحْرُثُها ويَسْتَغِلُّها، ويَدْفَعُ لصاحبِها أُجْرَةً وكِرَاءً مِن النُّقودِ لا جُزْءاً ممَّا يَخرُجُ منها.
ما يُؤْخَذُ من الحديثِ:
1- المُزَارَعَةُ: هي إعطاءُ الأَرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ لمَن يَزْرَعُها، بجُزءِ مَشاعٍ معلومٍ ممَّا يَخْرُجُ مِنْها يُشْتَرَطُ لصَاحِبِ الأرضِ أو للعامِلِ.
2- الحديثُ نَهْيٌ عن المُزارَعَةِ، والنهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، كما يَقْتَضِي فَسَادَ العَقْدِ.
3- ويدُلُّ الحديثُ على جَوازِ إعطاءِ الأرضِ للزِّراعةِ بأُجْرةٍ مَعْلومةٍ، وعُمومُه يُفيدُ الجوازَ بأيِّ أُجْرَةٍ كانتْ، ولو مِمَّا يَخْرُجُ منها، وهو مَذْهَبُ الأئمَّةِ الثلاثةِ: أبي حَنِيفَةَ وأَحْمَدَ والشافعِيِّ.
4- يُحْمَلُ هذا النهْيُ على المُزارَعَةِ الفاسدةِ التي يَدْخُلُها كَثِيرٌ من الجَهالَةِ والغَرَرِ والظُّلْمِ لأحَدِ الطرفيْنِ؛ كما جاءَ في حديثِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، مِن أَنَّهُم كَانُوا في الجاهِلِيَّةِ وصَدْرِ الإسلامِ "يُؤَاجِرُونَ عَلَى المَاذِيَانَاتِ وأَقْبَالِ الجَداوِلِ وأشياءَ من الزَّرْعِ، فيَهْلِكُ هَذَا، ويَسْلَمُ هذا، ولم يَكُنْ للناسِ كِراءٌ إلاَّ هذا؛ فلذلك زَجَرَ عنه.
5- أما المُزارَعَةُ المَعْلُومَةُ فلَمْ يُنْهَ عنها؛ ولذا جاءَ في حديثِ رَافِعٍ أنَّها جائِزةٌ، وذلك بقولِه: "فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلاَ بَأْسَ بِهِ".
هذا هو التَّوْجِيهُ الحَسَنُ المُسْتقِيمُ لبيانِ المُزارَعَةِ الجائزةِ مِن المُزارَعَةِ المَمْنوعَةِ، وهذا هو الجَمْعُ الصحيحُ بينَ الأحاديثِ المُتعارِضَةِ في ظاهِرِها بينَ جَوازِها ومَنْعِها، واللَّهُ أعْلَمُ.


خِلافُ العُلماءِ.
اخْتَلَفَ العُلماءُ في حُكْمِ المُزارَعَةِ:
فذَهَبَ الأئِمَّةُ الثلاثةُ إلى عَدَمِ جَوازِها.
ودَلِيلُهم على ذلك أحاديثُ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ منها:
1- "كُنَّا نُخَابِرُ علَى عَهْدِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ، فنَهَى رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ عن أمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعاً، وطَواعِيَةُ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ أَنْفَعُ".
2- حَديثُ حَنْظَلَةَ بنِ قَيْسٍ، وهو حَديثُ البابِ السابِقِ.
3- ما في البُخارِيِّ (2343) ومسلمٍ (1547) عَنِ ابنِِ عُمَرَ: "ما كُنَّا نَرَى بالمُزَارَعَةِ بَأْساً، حَتَّى سَمِعْنَا رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ عنها".
4- ما جَاءَ في صَحيحِ البُخارِيِّ (2340) ومسلمٍ (1566) عن جابِرٍ, أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ قالَ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا إِنْ لَمْ يُزْرِعْهَا أَخَاهُ)).
فهذهِ الأحاديثُ حُجَّةُ الذينَ يَذْهَبُونَ إلى عَدَمِ جَوازِ المُزارَعَةِ، ويَرَوْنَ أنَّها مُحَرَّمَةٌ باطِلَةٌ، وللأئمَّةِ على التحريمِ دَلِيلٌ آخَرُ، هو أنَّهم يَعْتَبِرُونَ المُزارَعَةَ إِجَارَةً، والإجارةُ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ الأُجْرَةُ فيها مَعْلومةً، وهنا العِوَضُ مَجْهولٌ مَعْدومٌ، فتَحْرُمُ ولا تَصِحُّ.
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ وأَتْبَاعُه إلى جَوازِها، وأنها عَقْدٌ صَحيحٌ ثابِتٌ، كما ذهَبَ إلى جَوازِها طَوَائِفُ من الصحابةِ والتابِعِينَ وأَئِمَّةِ الحديثِ؛ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأَخِّرِينَ، وكثيرٌ مِن الفُقهاءِ.
فمِمَّن يَرَى جَوازَها: عليُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وسَعْدُ بنُ مَالِكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعودٍ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، والقَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ، وعُرْوةُ بنُ الزُّبَيْرِ، وسَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، وطَاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بنُ أبي لَيْلَى، وابنُ سِيرِينَ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ، وإسحاقُ بنُ رَاهُويَهْ، وابنُ أَبِي شَيْبَةَ، والثَّوْرِيُّ، والبُخارِيُّ، وأبو دَاوُدَ، وابنُ خُزَيْمَةَ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ سُرَيْجٍ، والخَطَّابِيُّ، والظَّاهِرِيَّةُ.
قالَ النَّووِيُّ: هو الراجِحُ المُخْتارُ، والمسلمون في جميعِ الأمصارِ والأعصارِ جَارُونَ على العَمَلِ بالمُزارعةِ.
أَدِلَّةُ المُجَوِّزِينَ:
1- الأصلُ في العُقودِ الجَوازُ والصِّحَّةُ.
فلا يُمْنَعُ منها إلاَّ ما وُجِدَ فيه مَحْذورٌ شَرْعِيٌّ مِن جَهالةٍ، أو غَرَرٍ أو مُخَاطَرَةٍ، أو ظُلْمٍ لأحَدِ الجَانِبَيْنِ، أمَّا العُقودُ الوَاضِحَةُ السَّالِمَةُ مِن تلك المَحاذِيرِ، فإنَّ الشرْعَ يُجيزُها، ولا يَمْنَعُ منها شيئاً.
2- مُعامَلَةُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ ليَهودِ خَيْبَرَ منذُ أن اسْتَوْلَى عليها حتى تُوُفِّيَ، ثم مِن بعدِه أَقَرَّهم أبو بَكْرٍ، وصَدْراً مِن خلافةِ عُمَرَ، حتى أجلاهم منها، بمَشْهَدٍ مِن عُمومِ الصَّحابَةِ، وهذا دَلِيلٌ على جَوازِها، وأنها لم تُنْسَخْ.
ومن تلك الأحاديثِ ما في الصحيحيْنِ عَنِ ابنِِ عُمَرَ: "أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ عامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ بشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، وقالَ: ((نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا)). فقَرُّوا بها حَتَّى أَجْلاَهُم عُمَرُ".
3- أجابوا عن أحاديثِ رافِعِ بنِ خَدِيجٍ بأنها مُضْطَرِبَةُ السَّنَدِ؛ فإنه تَارَةً يَرْوِي عَن عُمُومَتِه، وتارةً أُخْرَى رَوَى عن رَافِعِ بنِ ظهيرٍ، وثالثةً يُحَدِّثُ عن سَماعِه هو، وهي أيضاً مُضْطَرِبَةُ المَتْنِ؛ فإنه تارَةً يَرْوِي النهْيَ عن كِراءِ الأرضِ، وتَارَةً يَنْهَى عن الجُعْلِ وثالثةً من الثُّلُثِ والرُّبُعِ والطَّعَامِ المُسَمَّى.
وبهذا حَصَلَ الاضْطِرَابُ في المَتْنِ والسَّنَدِ، وحَصَلَ فيها الشَّكُّ، حتى قالَ الإمامُ أحمدُ: حديثُ رَافِعٍ ألوانٌ وضُروبٌ، وقدْ أنْكَرَه الصحابةُ، ولم يَعْلَمْ به عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ إلاَّ في خِلافَةِ مُعاوِيَةَ, فكيفَ مِثْلُ هذا الحُكْمِ يَخْفَى عليهم، وهم يَتَعاطَوْنَها؟!
وسيأتي قَرِيباً معنًى آخَرُ لهذا الاضطرابِ.
وعلى فَرْضِ صِحَّةِ أحاديثِ رَافِعٍ، فقدْ أجابَ العُلماءُ عنها وعن حديثِ جَابِرٍ بأجْوِبَةٍ مُقْنِعَةٍ.
وأحْسَنُ تلك الأَجْوِبَةِ الجَمْعُ بينَ أحادِيثِ رَافِعٍ وأحاديثِ خَيْبَرَ، وذلك بحَمْلِ النهْيِ عن المُزارَعَةِ في أحاديثِ رَافِعٍ على المُزارَعَةِ الفاسِدَةِ التي دخَلَها شَيْءٌ مِن الغَرَرِ والجَهالَةِ، وصَارَ فيها شَبَهٌ مِن المَيْسِرِ والقِمَارِ، والمُغالَباتِ المُحَرَّمَةِ.
وهو حَمْلٌ وَجِيهٌ، بل قدْ صَرَّحَ رَافِعٌ بذلك في بعضِ طُرُقِ أَحادِيثِه.
قالَ اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ: الذي نهَى عنه رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ، أمْرٌ إذا نَظَرَ إليهِ ذُو البَصيرَةِ بالحلالِ والحَرامِ, عَلِمَ أنه لا يَجُوزُ؛ لما فيه مِن المُخاطَرَةِ.
وقالَ ابنُ المُنْذِرِ: قدْ جاءَتْ أَخْبارُ رَافِعٍ بعِلَلٍ تَدُلُّ على أنَّ النهْيَ لتلك العِلَلِ.
وقالَ الخَطَّابِيُّ: قدْ أعْلَمَكَ رافِعٌ أنَّ المَنْهِيَّ عنه هو المَجْهولُ، دونَ المعلومِ، وأنه كانَ مِن عَادَتِهم أنْ يَشْتَرِطوا شُروطاً فاسِدَةً، وأنْ يَسْتَثْنُوا من الزرْعِ ما على السَّواقي والجَداولِ، فيكونَ خَاصًّا لربِّ المالِ، وقدْ يَسْلَمُ ما على السَّواقِي، ويَهْلِكُ سَائِرُ الزَّرْعِ، فيَبْقَى المُزارِعُ لا شَيْءَ له، وهذا غَرَرٌ وخَطَرٌ، والمُزارَعَةُ شَرِكَةٌ، وحِصَّةُ الشَّرِيكِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَجْهولةً.
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ: المقصودُ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ نَهَى عن المُشارَكَةِ التي هي كِرَاءُ الأرضِ بالمعنى العامِّ، إذا اشْتُرِطَ لربِّ الأرضِ منها زَرْعُ مَكانٍ بعَيْنِه، والأمرُ في ذلك كما قالَ اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، فقَدْ بَيَّنَ أنَّ الذي نَهَى عنه النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ شَيْءٌ إذا نَظَرَ فيهِ ذُو البَصِيرَةِ بالحَلالِ والحَرامِ عَلِمَ أنه حَرَامٌ.
وقالَ ابنُ القَيِّمِ: إنَّ مَن تَأَمَّلَ حَدِيثَ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ وجَمَعَ طُرُقَه، واعْتَبَرَ بعضَها ببعْضٍ، وحَمَلَ مُجْمَلَها على مُفَسَّرِها, ومُطْلَقَها ومُقَيَّدَها، عَلِمَ أنَّ الذي نَهَى عنه النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ من ذلك أمْرٌ بَيِّنُ الفَسادِ، وهو المُزارَعَةُ الظَّالِمَةُ الجائِرَةُ، فإنَّه قالَ: "كُنَّا نُكْرِي الأرضَ على أنَّ لنا هذهِ, ولهم هذه، فرُبَّما أَخْرَجَتْ هذهِ, ولَمْ تُخْرِجْ هذه".
وفي لَفْظٍ لَهُ: "كَانَ النَّاسُ يُؤاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ بما عَلَى المَاذِيَانَاتِ وأَقْبَالِ الجَدَاوِلِ وأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فيَهْلِكُ هَذَا ويَسْلَمُ هذا، ويَسْلَمُ هَذَا ويَهلِكُ هذا، ولَمْ يَكُنْ للنَّاسِ كِرَاءٌ إلاَّ هذا؛ فلذلك زَجَرَ عنه، فأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلاَ بَأْسَ بِهِ".
وهذا مِن أَبْيَنِ مَا في حَديثِ رَافِعٍ وأَوْضَحِه، وما فيها مِن مُجْمَلٍ أو مُطْلَقٍ أو مُخْتَصَرٍ فيُحْمَلُ على هذا المُفَسَّرِ المُبَيَّنِ المُتَّفَقِ عليهِ لَفْظاً وحُكْماً. اهـ كلامُه رَحِمَهُ اللَّهُ.
قال الطِّيبِيُّ في (شَرْحِ المِشْكَاةِ): أحاديثُ النهْيِ عن المُزارَعَةِ في ظَاهِرِها تَبَايُنٌ واختلافٌ، وجُملَةُ القولِ في الجَمْعِ بينَها: إنَّ رافِعَ بنَ خَدِيجٍ سَمِعَ أحاديثَ في النَّهْيِ عن المُزارَعَةِ مُتَنَوِّعَةً، فنَظَمَها فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ؛ ولهذا تَارَةً يَقولُ: سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ.
وتارَةً يقولُ: حَدَّثَنِي عُمومَتِي.
وتارةً يَقولُ: أخْبَرَنِي عَمَّايَ.
والعِلَّةُ في بعضِ الأحاديثِ أنَّهم يَشْتَرِطُونَ شُروطاً فاسِدَةً،
وفي بعضِها: أنهم كانوا يَتنازَعُونَ في الكِراءِ،
وفي بعضِها: أنه كَرِهَ لهم الافْتِتَانَ بالحِراثَةِ، فيَقْعُدوا عن الجِهادِ.
وعلى هذا المعنى يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ الاضْطِرابُ المرويُّ عن الإمامِ أحمدَ، لا على الاضطرابِ المُصْطَلَحِ عليهِ عندَ أَهْلِ الحديثِ؛ فإنه نَوْعٌ من أنواعِ الضَّعْفِ، وحاشا لصاحِبَيِ الصحيحِ؛ البخاريِّ ومُسْلِمٍ, أنْ يُورِدَا شَيْئاً من هذا النوعِ.