المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصداق في النكاح وجواز أن يكون منفعة


محمد أبو زيد
01-17-2009, 09:17 AM
وعنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ الساعديِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: جَاءَت امرأةٌ إلى رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَتْ: يا رسولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لكَ نَفْسِي، فنَظَرَ إليها رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَعَّدَ النظَرَ فيها وصَوَّبَهُ، ثمَّ طَأْطَأَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ. فلَمَّا رَأَت المرأةُ أنَّهُ لمْ يَقْضِ فيها شيئًا جَلَسَتْ، فقامَ رجُلٌ مِنْ أصحابِهِ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنْ لمْ يَكُنْ لكَ بها حَاجةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، قالَ: ((فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟)) فقالَ: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، فقالَ: ((اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟)) فذهَبَ، ثمَّ رَجَعَ فقالَ: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ ما وَجَدْتُ شيئًا. فقالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ)). فذَهَبَ ثمَّ رَجَعَ فقالَ: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، ولا خَاتَمٌ مِنْ حديدٍ، ولَكِنْ هذا إِزَارِي -قالَ سَهْلٌ: ما لَهُ رِداءٌ– فلَها نِصْفُهُ. فقالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ)). فجَلَسَ الرجُلُ، حتَّى إذا طَالَ مَجْلِسُهُ قامَ، فَرَآهُ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا، فأَمَرَ بهِ فدُعِيَ لهُ، فلَمَّا جاءَ قالَ: ((مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟)) قالَ: مَعِي سُورةُ كذا وسُورةُ كذا عَدَّدَها، فقالَ: ((تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟)) قالَ: نعمْ، قالَ: ((اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ)). مُتَّفَقٌ عليهِ، واللفظُ لمُسْلِمٍ. وفي روايَةٍ لهُ: ((انْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكُمَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ)). وفي روايَةٍ للبخاريِّ: ((أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ)).
ولأبي داودَ: عنْ أبي هُريرةَ قالَ: ((مَا تَحْفَظُ؟)) قالَ: سورةَ البقرةِ والَّتِي تَلِيهَا، قالَ: ((قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً)).

محمد أبو زيد
01-17-2009, 04:29 PM
9/920 - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَت امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَت الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئاً جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، قَالَ: ((فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟)) فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئاً؟)) فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((انْظُرْ، وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ)).
فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلا خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إزَارِي - قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ)). فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّياً، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: ((مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟)) قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا؛ عَدَّدَهَا، فَقَالَ: ((تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((اذْهَبْ؛ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ لَهُ: ((انْطَلِقْ؛ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ)).
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ((أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ)).
وَلأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((مَا تَحْفَظُ؟)) قَالَ: سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: ((قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً)).
(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَت امْرَأَةٌ)، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا، (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي)؛ أيْ: أَمْرَ نَفْسِي؛ لأَنَّ الْحُرَّ لا تُمْلَكُ رَقَبَتُهُ، (فَنَظَرَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ).
فِي النِّهَايَةِ: وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: فَصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ؛ أيْ: نَظَرَ أَعْلايَ وَأَسْفَلِي وَتَأَمَّلَنِي، وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ جَوَازِ النَّظَرِ إلَى مَنْ يُرِيدُ زَوَاجَهَا.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّهُ تَحَرَّرَ عِنْدَهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَى الْمُؤْمِنَاتِ الأَجْنَبِيَّاتِ، بِخِلافِ غَيْرِهِ، (ثُمَّ طَأْطَأَ رسولُ اللَّهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَت الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئاً جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أصحابِهِ)، قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئاً؟ فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْظُرْ، وَلَوْ خَاتَماً)؛ أيْ: وَلَوْ نَظَرْتَ خَاتَماً.
(مِنْ حَدِيدٍ. فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلا خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ)؛ أيْ: مَوْجُودٌ، فَخَاتَمٌ+: مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ، (وَلَكِنْ هَذَا إزَارِي -قَالَ) سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ الرَّاوِي: (مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ)؛ أيْ: كُلَّهُ.
(لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ)؛ أيْ: كُلَّهُ، (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ)، وَلَعَلَّهُ بِهَذَا الْجَوَابِ بَيَّنَ لَهُ أَنَّ قِسْمَةَ الإِزَارِ لا تَنْفَعُهُ، وَلا تَنْتَفِعُ بهِ الْمَرْأَةُ، (فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّياً، فَدَعَا بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا؛ عَدَّدَهَا، فَقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ؛ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ لهُ قَالَ: انْطَلِقْ؛ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِن الْقُرْآنِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ. وَلأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ)؛ أيْ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (مَا تَحْفَظُ؟ قَالَ: سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً).
دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ، وَقَدْ تَتَبَّعَهَا ابْنُ التِّينِ وَقَالَ: هَذِهِ إحْدَى وَعِشْرُونَ فَائِدَةً، بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ عَلَى أَكْثَرِهَا.
قُلْتُ: وَلْنَأْتِ بِأَنْفَسِهَا وَأَوْضَحِهَا:
الأُولَى: جَوَازُ عَرْضِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الصَّلاحِ، وَجَوَازُ النَّظَرِ مِن الرَّجُلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَاطِباً لإِرَادَةِ التَّزَوُّجِ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ جَوَازُ النَّظَرِ خَاصًّا لِلْخَاطِبِ، بَلْ يَجُوزُ لِمَنْ تَخْطُبُهُ الْمَرْأَةُ؛ فَإِنَّ نَظَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهَا دَلِيلٌ أَنَّهُ أَرَادَ زَوَاجَهَا بَعْدَ عَرْضِهَا عَلَيْهِ نَفْسَهَا، وَكَأَنَّهُ لَمْ تُعْجِبْهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا.
وَالثَّانِيَةُ: وِلايَةُ الإِمَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي لا قَرِيبَ لَهَا إذَا أَذِنَتْ، إلاَّ أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا فَوَّضَتْ أَمْرَهَا إلَيْهِ، وَذَلِكَ تَوْكِيلٌ، وَأَنَّهُ يُعْقَدُ لِلْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ عَنْ وَلِيِّهَا: هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ أَوْ لا، حَاضِرٌ أَوْ لا؟ وَلا سُؤَالِهَا: هَلْ هِيَ فِي عِصْمَةِ رَجُلٍ أَوْ عَدَمِهِ؟
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ؛ حَمْلاً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّهَا تَحْلِفُ الْغَرِيبَةُ احْتِيَاطاً.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْهِبَةَ لا تَثْبُتُ إلاَّ بِالْقَبُولِ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لا بُدَّ مِن الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ شَيْئاً يَسِيراً؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ((وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ)) مُبَالَغَةٌ فِي تَقْلِيلِهِ، فَيَصِحُّ بِكُلِّ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ، أَوْ مَنْ إلَيْهِ وِلايَةُ الْعَقْدِ مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قِيمَةً وَثَمَناً لِشَيْءٍ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْراً.
وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا لا قِيمَةَ لَهُ، وَلا يَحِلُّ بِهِ النِّكَاحُ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَصِحُّ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى شَيْئاً، وَلَوْ حَبَّةً مِنْ شَعِيرٍ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((هَلْ تَجِدُ شَيْئاً؟)).
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ)) مُبَالَغَةٌ فِي التَّقْلِيلِ وَلَهُ قِيمَةٌ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ... وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ)) دَلَّ عَلَى أَنَّهُ شَيْءٌ لا يَسْتَطِيعُهُ كُلُّ أحدٍ، وَحَبَّةُ الشَّعِيرِ مُسْتَطَاعَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً}، وقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} دَالٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ فِي الصَّدَاقِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: أَقَلُّهُ خَمْسُونَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ التَّقَادِيرُ لا دَلِيلَ عَلَى اعْتِبَارِهَا بِخُصُوصِهَا.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَصِحُّ بِمَا يَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ، وَإِنْ تَحَقَّرَتْ، وَالأَحَادِيثُ وَالآيَاتُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَأَنَّهُ لا يَقَعُ الرِّضَا مِن الزَّوْجَةِ إلاَّ بِكَوْنِهِ مَالاً لَهُ صُورَةٌ، وَلا يُطِيقُ كُلُّ أَحَدٍ تَحْصِيلَهُ.
الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي ذِكْرُ الصَّدَاقِ فِي الْعَقْدِ؛ لأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ، وَأَنْفَعُ لِلْمَرْأَةِ، فَلَوْ عُقِدَ بِغَيْرِ ذِكْرِ صَدَاقٍ صَحَّ الْعَقْدُ، وَوَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْمَهْرِ.
السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْحَلِفُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْحَلِفُ عَلَى مَا يَظُنُّهُ الحالِفُ؛ لأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ: ((اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئاً؟)) فَدَلَّ أَنَّ يَمِينَهُ كَانَتْ عَلَى ظَنِّهِ، وَلَوْ كَانَتْ لا تَكُونُ إلاَّ عَلَى عِلْمٍ لَمْ يَكُنْ لِلأَمْرِ بِذَهَابِهِ إلَى أَهْلِهِ فَائِدَةٌ.
السَّابِعَةُ: أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مِلْكِهِ مَا لا بُدَّ لَهُ مِنْهُ؛ كَالَّذِي يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ أَوْ يَسُدُّ خَلَّتَهُ مِن الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ لأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ مَنْعَهُ عَنْ قِسْمَةِ ثَوْبِهِ بِقَوْلِهِ: ((إِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ)).
الثَّامِنَةُ: اخْتِبَارُ مُدَّعِي الإِعْسَارِ؛ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي أَوَّلِ دَعْوَاهُ الإِعْسَارَ، حَتَّى ظَهَرَ لَهُ قَرَائِنُ صِدْقِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لا تُسْمَعُ الْيَمِينُ مِنْ مُدَّعِي الإِعْسَارِ حَتَّى تَظْهَرَ قَرَائِنُ إعْسَارِهِ.
التَّاسِعَةُ: أَنَّهَا لا تَجِبُ الْخُطْبَةُ لِلْعَقْدِ؛ لأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الظَّاهِرِيَّةَ تَقُولُ بِوُجُوبِهَا، وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَهُمْ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ مَنْفَعَةً: كَالتَّعْلِيمِ؛ فَإِنَّهُ مَنْفَعَةٌ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ مُوسَى مَعَ شُعَيْبٍ. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ كَوْنِهِ مَنْفَعَةً الْهَادَوِيَّةُ، وَخَالَفَت الْحَنَفِيَّةُ، وَتَكَلَّفُوا لِتَأْوِيلِ الْحَدِيثِ وَادِّعاءِ أَنَّ التَّزَوُّجَ بِغَيْرِ مَهْرٍ مِنْ خَوَاصِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ خِلافُ الأَصْلِ.
الْعَاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ((بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ)) يَحْتَمِلُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَجْهَيْنِ؛ أَظْهَرُهُمَا: أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا مَعَهُ مِن الْقُرْآنِ، أَوْ قَدْراً مُعَيَّناً مِنْهُ، وَيَكُونَ ذَلِكَ صَدَاقاً، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ: ((فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ))، وَفِي بَعْضِهَا تَعْيِينُ عِشْرِينَ آيَةً.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّعْلِيلِ، وَأَنَّهُ زَوَّجَهُ بِهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ؛ إكْرَاماً لَهُ؛ لِكَوْنِهِ حَافِظاً لِبَعْضٍ مِن الْقُرْآنِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الاحْتِمَالَ قِصَّةُ أُمِّ سُلَيْمٍ مَعَ أَبِي سُلَيْمٍ، وَذَلِكَ "أَنَّهُ خَطَبَهَا، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مِثْلُكَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ كَافِرٌ، وَأَنَا مُسْلِمَةٌ، وَلا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَلِكَ مَهْرُكَ، وَلا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا ".
أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ: " بَابُ التَّزْوِيجِ عَلَى الإِسْلامِ "، وَتَرْجَمَ عَلَى حَدِيثِ سَهْلٍ هَذَا بِقَوْلِهِ: بَابُ التَّزْوِيجِ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَهَذَا تَرْجِيحٌ مِنْهُ لِلاحْتِمَالِ الثَّانِي. وَالاحْتِمَالُ الأَوَّلُ أَظْهَرُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِثُبُوتِ رِوَايَةِ: ((فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ)).
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ. وَلا يَخْفَى أَنَّه قَد اخْتَلَفَت الأَلْفَاظُ فِي الْحَدِيثِ، فَرُوِيَ بِالتَّمْلِيكِ، وَبِالتَّزْوِيجِ، وَبِالإِمْكَانِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، اخْتَلَفَتْ مَعَ اتِّحَادِ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاقِعَ مِن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظٌ وَاحِدٌ، فَالْمَرْجِعُ فِي هَذَا إلَى التَّرْجِيحِ.
وَقَدْ نُقِلَ عَن الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى: ((قَدْ زَوَّجْتُكَهَا))، وَأَنَّهُمْ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ، وَأَطَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْفَتْحِ الْكَلامَ عَلَى هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأَلْفَاظِ، ثُمَّ قَالَ: فَرِوَايَةُ التَّزْوِيجِ وَالإِنْكَاحِ أَرْجَحُ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ التِّينِ: إنَّهُ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ رِوَايَةُ: ((زَوَّجْتُكَهَا))، وَأَنَّ رِوَايَةَ: ((مَلَّكْتُكَهَا)) وَهْمٌ فِيهِ، فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّ ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ مِنْهُ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ عَلَى وَفْقِ قَوْلِ الْخَاطِبِ: زَوِّجْنِيهَا؛ إذْ هُوَ الْغَالِبُ فِي لَفْظِ الْعُقُودِ؛ إذْ قَلَّمَا يَخْتَلِفُ فِيهِ لَفْظُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. وَقَدْ ذَهَبَت الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ، وهوَ الْمَشْهُورُ عَن الْمَالِكِيَّةِ، إلَى جَوَازِ الْعَقْدِ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَعْنَاهُ إذَا قُرِنَ بِهِ الصَّدَاقُ، أَوْ قُصِدَ بِهِ النِّكَاحُ؛ كَالتَّمْلِيكِ وَنَحْوِهِ، وَلا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْعَارِيَّةِ وَالإِجَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ.

محمد أبو زيد
01-17-2009, 04:30 PM
845- وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ الساعِدِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما ـ قالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي. فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ أنَّه لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئاً جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. قالَ: ((فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟)).
فقالَ: لا واللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. فقالَ: ((اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئاً؟)). فذَهَبَ ثم رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئاً. فقالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((انْظُرْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ)). فذَهَبَ ثم رَجَعَ فقالَ: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ, ولا خَاتَماً مِن حَدِيدٍ، ولَكِنْ هَذَا إزاري ـ قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ ـ فَلَها نِصْفُه، فقالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ)). فجَلَسَ الرجُلُ، حَتَّى إذا طَالَ مَجْلِسُه قَامَ فرَآهُ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُوَلِّياً، فأمَرَ به، فدُعِيَ له فَلَمَّا جاءَ قالَ: ((مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟)). قالَ: معي سُورةُ كذا، وسُورةُ كذا. عَدَّدَها، فقالَ: ((تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟)). قالَ: نَعَمْ.
قال: ((اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). مُتَّفَقٌ عليهِ, واللفظُ لمسلمٍ. وفي روايةٍ له: انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ القُرْآنِ)).
وفي روايةِ البُخاريِّ: ((أَمْلَكْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)).
ولأبي دَاوُدَ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: ((مَا تَحْفَظُ؟)). قالَ: سُورَةَ البَقَرَةِ، والتي تَلِيهَا. قال: ((قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً)).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* دَرَجَةُ الحديثِ:
روايةُ أبي دَاوُدَ ذكَرَها الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ في (الفتحِ) في زِياداتِ البابِ، فهي صَحِيحَةٌ أو حَسَنَةٌ على قَاعِدَتِه.
أمَّا الألبانِيُّ فقالَ: هذهِ الزيادةُ مُنْكَرَةٌ؛ لمُنافَاتِها للراويةِ الصحيحةِ، ولتَفَرُّدِ عِسْلِ بنِ سُفْيَانَ بها، وهو ضَعِيفٌ.
* مُفرداتُ الحَديثِ:
- امْرَأَةٌ: قالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِها، وقالَ العَيْنِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّها خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، أو أُمُّ شَرِيكٍ الأَزْدِيَّةُ.
- أَهَبُ لَكَ نَفْسِي: أي: مَلَّكْتُكَ المُتْعَةَ بنَفْسِي، وكانَ هذا من خَصائصِه صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، كما قالَ تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنَّبِيِّ} [الأحزاب: 50] أي: قَدْ أَحْلَلْنَاهَا لَكَ.
- صَعَّدَ النظَرَ: بفتحِ الصادِ، وتشديدِ العينِ المُهمَلةِ: رَفَعَ بَصَرَه، أي: نَظَرَ إلى أعلاها، وتَأَمَّلَها.
- صَوَّبَ النظَرَ: بفتحِ الصادِ، وتشديدِ الواوِ، أي: خَفَضَ رَأْسَه، ضِدُّ صَعَّدَه، فنَظَرَ إلى أسفلِها، وتَأَمَّلَها.
- طَأْطَأَ رَأْسَهُ: خَفَضَ رَأْسَهُ، وصَاغَرَه، وطَامَنَهُ.
- رَجُلٌ: قالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ: لَمْ أَقِفْ علَى اسمِه.
- خَاتَماً: يُقالُ: خَتَمَ عليهِ يَخْتِمُ خَتْماً أي طَبَعَ عليه، والخاتَمُ: حَلْقَةٌ ذَاتُ فِصٍّ، تُلْبَسُ في الأُصْبَعِ، وقدْ يُحْفَرُ عليهِ اسمُ اللاَّبِسِ، جَمْعُه: خَوَاتِمُ.
- حَدِيدٍ: عُنْصُرٌ فِلِزِّيٌّ يَجْذِبُهُ المغْنَاطِيسُ، يَصْدَأُ، هو مَادَّةٌ صُلْبَةٌ يُضْرَبُ به المَثَلُ في الصَّلابةِ، سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه مَنِيعٌ، ومِن أنواعِه الحديدُ الزَّهْرُ والمُطاوِعُ والصُّلْبُ، جَمْعُه حَدَائِدُ.
- إِزَارِي: المِلْحَفَةُ، وكلُّ مَا سَتَرَ أَسْفَلَ البَدَنِ، يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ, فيُقالُ: هو إِزَارٌ وهي إِزَارٌ، ورُبَّما أُنِّثَ بالهاءِ، إِزَارَةٌ، وهو كِسَاءٌ صَغِيرٌ جَمْعُه أُزْرٌ وأُزُرٌ.
- رِدَاءٌ: بكَسْرِ الراءِ وفتحِ الدالِ المُهْمَلَةِ، وجَمْعُه أَرْدِيَةٌ، ما يُلْبَسُ فَوْقَ الثيابِ كالجُبَّةِ والعَباءَةِ، وقيلَ: هو المِلْحَفَةُ تُغَطِّي أعْلَى البَدَنِ، ولعلَّه المرادُ هنا.
- عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ: يُقالُ: قَرَأَ القرآنَ عن ظَهْرِ قَلْبِه، أي: مِن حِفْظِه، لا كِتابَةً.
- مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ: اخْتَلَفَتِ الرواياتُ في هذه اللفظةِ، قالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الصَّوَابُ رِوايَةُ: ((زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)) فهي أكثرُ وأحفظُ، قالَ النَّوَوِيُّ: ويَحْتَمِلُ صِحَّةَ اللَّفْظَيْنِ، ويكونُ جَرَى لفظُ التَّزويجِ أولاً فمَلَّكَها، ثم قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتَها بالتَّزويجِ السابِقِ.
- بِمَا مَعَكَ: قالَ بعضُهم: إنَّ الباءَ للبَدَلِ والمُقابَلَةِ والمعاوَضَةِ، وبعضُهم قالَ: إنَّ الباءَ للسَّبَبِيَّةِ، وسيأتي ذلك إنْ شَاءَ اللهُ تعالى.


* ما يُؤْخَذُ مِن الحديثِ:
1- جَوازُ عَرْضِ المَرْأَةِ نَفْسَها على رَجُلٍ مِن أَهْلِ الصلاحِ والخيرِ لزَواجِه بها.
2- جَوازُ نَظَرِ الرجُلِ إلى المرأةِ لإرادةِ الخِطْبَةِ وإنْ لم يَخْطُبْ، بل قَدِ اسْتَحَبَّهُ بَعْضُهم هنا قَبْلَ أنْ يُقْدِمَ على الخِطْبَةِ، حتى لا يَخْطُبَ إلاَّ بعدَ وُجودِ الرَّغْبَةِ.
3- وِلايةُ الإمامِ على المرأةِ التي لا وَلِيَّ لها إذا أَذِنَتْ ورَغِبَتْ في الزواجِ.
4- أنَّه لا بُدَّ من الصَّدَاقِ في النِّكاحِ، وأنه يَصِحُّ أنْ يَكُونَ شَيْئاً يَسِيراً جِدًّا، فيَصِحُّ بكلِّ ما تَرَاضَى عليهِ الزوجانِ، أو مَن إليهِ وِلايةُ العَقْدِ.
قالَ عِياضٌ: أَجْمَعَ العلماءُ على أنه لا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا لا قِيمَةَ له، وأنَّه لا يَحِلُّ بهِ النِّكاحُ.
5- أنَّه يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ الصَّدَاقِ في العَقْدِ؛ لأنَّه أَقْطَعُ للنِّزَاعِ وأَنْفَعُ للمَرْأَةِ, فلو عَقَدَ بغَيْرِ صَدَاقٍ صَحَّ العَقْدُ، ووَجَبَ لها مَهْرُ المِثْلِ بالدُّخُولِ.
6- أنَّه يَجُوزُ الحَلِفُ، وإنْ لَمْ يُطْلَبْ منه، ولم يَتَوَجَّهْ عليه.
7- أنه لا يَجوزُ للإنسانِ أَنْ يُخْرِجَ مِن مِلْكِه ما هو مِن ضَرُورِيَّاتِه، كالذي يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، أو يَسُدُّ خَلَّتَهُ، مِن الطعامِ والشرابِ.
8- التحقيقُ معَ مُدَّعِي الإعسارِ؛ فإنَّه صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لم يُصَدِّقْهُ في أولِ دَعْوَاهُ الإعسارَ، حتى ظَهَرَتْ له قَرَائِنُ صِدْقِه.
9- أنَّ خِطْبَةَ العَقْدِ لا تَجِبُ؛ لأنَّها لم تُذْكَرْ في شيءٍ مِن طُرقِ الحديثِ.
10- أنَّه يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ مَنْفَعَةً، كالتعليمِ والخِدْمَةِ، كقِصَّةِ موسى معَ صاحبِ مَدْيَنَ، فقولُه صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((فَعَلِّمْهَا مِنَ القُرْآنِ)). أي: قَدْراً مُعَيَّناً منه، وذلك صَدَاقُها.
11- أنَّ النِّكاحَ يَنْعَقِدُ بلَفْظِ التَّمْلِيكِ؛ لقولِهِ في بعضِ الرواياتِ: ((مُلِّكْتَهَا)).
قالَ شيخُ الإسلامِ: الذي عليهِ أكثرُ أهلِ العلمِ أنَّ النِّكاحَ يَنْعَقِدُ بغيرِ لَفْظِ الإنكاحِ والتزويجِ.
وقالَ ابنُ القَيِّمِ: أصَحُّ قَولَيِ العلماءِ أنَّ النِّكاحَ يَنْعَقِدُ بكلِّ لفظٍ يَدُلُّ عليه، ولا يَخْتَصُّ بلفظِ الإنْكَاحِ والتَّزْوِيجِ، وهذا مَذْهَبُ جُمهورِ العُلماءِ كأبي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ، وأحَدُ القوليْنِ في مذهبِ أحمدَ, بل نُصوصُه لا تَدُلُّ إلاَّ على هذا الوَجْهِ.
12- فيهِ جَوازُ زَواجِ المُعْسِرِ المُعْدِمِ، إذا رَضِيَتِ المرأةُ بعُسْرَتِه وعُدْمِه.
13- فيهِ أنَّه يُسْتَحَبُّ لمَن طُلِبَ منه حَاجَةٌ، ألاَّ يُسارِعَ في رَدِّ طَلَبِها، بل يَسْكُتُ، لعلَّ السائِلَ يَفْهَمُ هذا من سُكوتِه، فيُعْرِضُ بدُونِ خَجَلٍ.
14- فيهِ أنَّه تَجُوزُ الخِطْبَةُ إذا ظَنَّ الخَاطِبُ الثاني بالقرينةِ أنه لم يَحْصُلِ اتِّفَاقٌ معَ الخاطِبِ الأولِ.
15- جَوازُ هِبَةِ المرأةِ نَفْسَها للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهي خَاصَّةٌ لَهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، قالَ تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50].
16- أنَّه لا يَتِمُّ العَقْدُ بعدَ الإيجابِ إلاَّ بالقَبولِ، ذلك أنَّ المرأةَ وَهَبَتْ، ولكنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سَكَتَ ولمْ يَقْبَلْ، ثم زَوَّجَها من الرجُلِ الآخَرِ، مِمَّا يَدُلُّ على أنَّ سُكوتَه خُلُقٌ كَرِيمٌ منه وليسَ قَبُولاً، وقدْ فَهِمَ الحاضِرُونَ ذلك؛ ولذا قالَ الخَاطِبُ: "إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا".
17- فيهِ حُسْنُ خِطَابِ هذا الخَاطِبِ، وجَمِيلُ طَلَبِه، فإنَّه عَلَّقَ خِطْبَتَه ورَغْبَتَهُ فيها على عَدَمِ رَغْبَةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المَرْأَةِ.
18- فيهِ جَوازُ لُبْسِ الخاتَمِ من الحَديدِ للحاجَةِ، فهو مَكْرُوهٌ أَزَالَتْ كَرَاهِيَتَهُ الحاجَةُ، والدَّلِيلُ على كَرَاهَتِه ما جاءَ في السُّننِ أنه حِلْيَةُ أهْلِ النارِ.
19- فيهِ شَفَقَةُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بأُمَّتِه، فإنه لَمَّا رَأَى عُدْمَ هذا الرجُلِ وفَقْرَه وحَاجَتَه إلى الزَّواجِ، زَوَّجَه بما لَمْ تَجْرِ العادَةُ اتِّخاذَهُ عِوَضاً وأُجْرَةً.