المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : باب العيوب في النكاح


محمد أبو زيد
01-17-2009, 10:11 AM
وعنْ زيدِ بنِ كعبِ بنِ عُجْرَةَ، عنْ أبيهِ قالَ: تَزَوَّجَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَالِيَةَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فلمَّا دَخَلَتْ عليهِ ووَضَعَتْ ثِيَابَها رَأَى بِكَشْحِهَا بَياضًا، فقالَ: ((الْبَسِي ثِيَابَكِ وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ))، وأَمَرَ لها بالصَّداقِ. رواهُ الحاكِمُ، وفي إسنادِهِ جميلُ بنُ زيدٍ، وهوَ مَجهولٌ، واخْتُلِفَ عليهِ في شَيْخِهِ اختلافًا كثيرًا.
وعنْ سعيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ، أنَّ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امرأةً فدَخَلَ بها فوَجَدَها بَرْصَاءَ أوْ مَجْنُونَةً أوْ مَجْذُومَةً فلها الصَّداقُ بِمَسِيسِهِ إِيَّاهَا، وهوَ لهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ منها. أَخْرَجَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ ومالِكٌ وابنُ أبي شَيبةَ، ورجالُهُ ثِقَاتٌ. وروى سعيدٌ أيضًا عنْ عَلِيٍّ نحوَهُ، وزادَ: وبها قَرْنٌ فزَوْجُها بالْخِيَارِ، فإنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِها. ومِنْ طريقِ سعيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ أيضًا قالَ: قَضَى بِهِ عُمَرُ في الْعِنِّينِ أنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً. ورجالُهُ ثِقَاتٌ.

محمد أبو زيد
01-17-2009, 05:29 PM
10/950 - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَالِيَةَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا، رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضاً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْبَسِي ثِيَابَكِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ)). رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَفِي إسْنَادَهُ جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي شَيْخِهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.
(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَالِيَةَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فَفَاءٍ خَفِيفَةٍ فَرَاءٍ بَعْدَ الأَلِفِ: قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ، (فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا، رَأَى بِكَشْحِهَا) بِفَتْحِ الْكَافِ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ: هُوَ مَا بَيْنَ الْخَاصِرَتَيْنِ إلَى الضِّلْعِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
(بَيَاضاً، فقَالَ: الْبَسِي ثِيَابَكِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَفِي إسْنَادِهِ جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي شَيْخِهِ اخْتِلافاً كَثِيراً).
اخْتُلِفَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ جَمِيلٍ؛ فَقِيلَ: عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَقِيلَ: عَن ابْنِ عُمَرَ، وَقِيلَ: عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَقِيلَ: عَنْ كَعْبِ بْنِ زَيْدٍ.
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَرَصَ مُنَفِّرٌ، وَلا يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ يُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ صَرِيحاً؛ لاحْتِمَالِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْحَقِي بِأَهْلِكِ)) أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الطَّلاقَ، إلاَّ أَنَّهُ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ كَثِيرٍ بِلَفْظِ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ رَأَى بِكَشْحِهَا وَضَحاً، فَرَدَّهَا إلَى أَهْلِهَا، وَقَالَ: ((دَلَّسْتُمْ عَلَيَّ))، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْفَسْخِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي بَابِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَقَد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ بِالْعُيُوبِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الأُمَّةِ إلَى ثُبُوتِهِ، وَإِن اخْتَلَفُوا فِي التَّفَاصِيلِ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ وابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، أَنَّهَا لا تُرَدُّ النِّسَاءُ إلاَّ مِنْ أَرْبَعٍ: مِن الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَالدَّاءِ فِي الْفَرْجِ. وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " أَرْبَعٌ لا يَجُزْنَ فِي بَيْعٍ وَلا نِكَاحٍ: الْمَجْنُونَةُ، وَالْمَجْذُومَةُ، وَالْبَرْصَاءُ، وَالْعَفْلاءُ ". وَالرَّجُلُ يُشَارِكُ الْمَرْأَةَ فِي ذَلِكَ، ويَزِيدُ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ عَلَى خِلافٍ فِي الْعُنَّةِ، وَفِي أَنْوَاعٍ مِن الْمُنَفِّرَاتِ خِلافٌ.
وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ كُلَّ عَيْبٍ يَنْفِرُ الزَّوْجُ الآخَرُ مِنْهُ، وَلا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ النِّكَاحِ مِن الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ يُوجِبُ الْخِيَارَ، وَهُوَ أَوْلَى مِن الْبَيْعِ، كَمَا أَنَّ الشُّرُوطَ الْمَشْرُوطَةَ فِي النِّكَاحِ أَوْلَى بِالْوَفَاءِ مِن الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ.
قَالَ: وَمَنْ تَدَبَّرَ مَقَاصِدَ الشَّرْعِ فِي مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ وَعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن الْمَصَالِحِ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ رُجْحَانُ هَذَا الْقَوْلِ، وَقُرْبُهُ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ.
قَالَ: وَأَمَّا الاقْتِصَارُ عَلَى عَيْبَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ دُونَ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهَا أَوْ مُسَاوِيهَا، فَلا وَجْهَ لَهُ؛ فَالْعَمَى وَالْخَرَسُ وَالطَّرَشُ، وَكَوْنُهَا مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ أَو الرِّجْلَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا، مِنْ أَعْظَمِ الْمُنَفِّرَاتِ، وَالسُّكُوتُ عَنْهُ مِنْ أَقْبَحِ التَّدْلِيسِ وَالْغِشِّ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلدِّينِ، وَالإِطْلاقُ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى السَّلامَةِ، فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ عُرْفاً.
قَالَ: وَقَدْ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَهُوَ لا يُولَدُ لَهُ: أَخْبِرْهَا أَنَّكَ عَقِيمٌ، فَمَاذَا تَقُولُ فِي الْعُيُوبِ الَّذِي هَذَا عِنْدَهَا كَمَالٌ لا نَقْصٌ؟! انْتَهَى. وَذَهَبَ دَاوُدُ وَابْنُ حَزْمٍ إلَى أَنَّهُ لا يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِعَيْبٍ الْبَتَّةَ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَثْبُت الْحَدِيثُ بِهِ، وَلا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ، لَمْ يَقُولُوا بِالْفَسْخِ.


11/951 - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونَةً، أَوْ مَجْذُومَةً، فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إِيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا.
أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمَالِكٌ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
(وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونَةً، أَوْ مَجْذُومَةً، فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمَالِكٌ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ). تَقَدَّمَ الْكَلامُ فِي الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ.
وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ)؛ أَي: الْمَهْرُ، (لَهُ)؛ أيْ: لِلزَّوْجِ، (عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا)؛ أيْ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْهَادِي وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ؛ وَذَلِكَ لأَنَّهُ غُرْمٌ لَحِقَهُ بِسَبَبِهِ، إلاَّ أَنَّهُم اشْتَرَطُوا عِلْمَهُ بِالْعَيْبِ، فَإِذَا كَانَ جَاهِلاً فَلا غُرْمَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ عُمَرَ: (عَلَى مَنْ غَرَّهُ) دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ؛ إذْ لا غَرَرَ مِنْهُ إلاَّ مَعَ الْعِلْمِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لا رُجُوعَ، إلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ بِهَذَا فِي الْجَدِيدِ.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الإِرْشَادِ: وَقَدْ حَكَى الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَغْرُورِ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَيَعْتَضِدُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)).
ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: وَإِنَّمَا تَرَكْنَا ذَلِكَ؛ لِحَدِيثِ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا)).
قَالَ: فَجُعِلَ لَهَا الصَّدَاقُ فِي النِّكَاحِ الْبَاطِلِ، وَهِيَ الَّتِي غَرَّتْهُ، فَلأَنْ يُجْعَلَ لَهَا الصَّدَاقُ بِلا رُجُوعٍ عَلَى الْغَارِّ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ الَّذِي فيهِ الزَّوْجُ مُخَيَّرٌ بِطَرِيقِ الأَوْلَى، انْتَهَى.
وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا مُطَلَّقٌ مُقَيَّدٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ.
12/952 - وَرَوَى سَعِيدٌ أَيْضاً، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَبِهَا قَرْنٌ، فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا.
(وَرَوَى سَعِيدٌ أَيْضاً)؛ يَعْنِي: ابْنَ مَنْصُورٍ، (عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَبِهَا قَرْنٌ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هُوَ: الْعَفَلَةُ؛ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَاللاَّمِ، وهوَ شيءٌ يَخْرُجُ فِي قُبُلِ النِّسَاءِ وَحَيَا النَّاقَةِ؛ كَالأُدْرَةِ فِي الرِّجَالِ، (فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا).


13/953 - وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَيْضاً قَالَ: قَضَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْعِنِّينِ أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
(وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَيْضاً)؛ أيْ: وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، (قَالَ: قَضَى عُمَرُ أَنَّ الْعِنِّينَ يُؤَجَّلُ سَنَةً. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ): بِالْمُهْمَلَةِ فَنُونٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَنُونٍ، بِزِنَةِ سِكِّينٍ، هُوَ: مَنْ لا يَأْتِي النِّسَاءَ عَجْزاً؛ لِعَدَمِ انْتِشَارِ ذَكَرِهِ، وَلا يُرِيدُهُنَّ.
وَالاسْمُ: الْعَنَانَةُ وَالتَّعْنِينُ وَالْعِنِينَةُ بِالْكَسْرِ وَيُشَدَّدُ، وَالْعُنَّةُ بِالضَّمِّ الاسْمُ أَيْضاً؛ مِنْ عُنِّنَ عَن امْرَأَتِهِ: حَكَمَ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِذَلِكَ، أَوْ مُنِعَ بِالسِّحْرِ. وَهَذَا الأَثَرُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا عَيْبٌ يُفْسَخُ بِهَا النِّكَاحُ بَعْدَ تَحَقُّقِهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، وَالْقَائِلُونَ بِالْفَسْخِ اخْتَلَفُوا أَيْضاً فِي إمْهَالِهِ لِيَحْصُلَ التَّحْقِيقُ، فَقِيلَ: يُمْهَلُ سَنَةً، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ لَمْ يُؤَجِّلْهُ.
وَعَن الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: يُؤَجَّلُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَالْهَادِي وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهُ لا فَسْخَ بذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الْفَسْخِ، وَهَذَا أَثَرٌ لا حُجَّةَ فِيهِ، وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُخَيِّر امْرَأَةَ رِفَاعَةَ، وَقَدْ شَكَتْ مِنْهُ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ التَّعْلِيمِ. وَقَدْ أَجَابَ فِي الْبَحْرِ بِقَوْلِهِ: قُلْنَا لهُ: لَعَلَّ زَوْجَهَا أَنْكَرَ، وَالظَّاهِرُ مَعَهُ.
قُلْتُ: لا يَخْفَى أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ لَمْ تَشْكُ مِنْ رِفَاعَةَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَجَاءَتْ تَشْكُو إلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَتْ: إنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ)).
وَفِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ: أَنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَمِيمَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاثاً، فَنَكَحَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَاعْتَرَضَ عَنْهَا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا، فَفَارَقَهَا، فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا، وَهُوَ زَوْجُهَا الأَوَّلُ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَتُرِيدِينَ..)) الْحَدِيثَ.
وَبِهَذَا يُعْرَفُ عَدَمُ صِحَّةِ الاسْتِدْلالِ بحديثِ رِفَاعَةَ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَطْلُب الْفَسْخَ، بَلْ فَهِمَ مِنْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ يُرَاجِعَهَا رِفَاعَةُ، فَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ؛ حَيْثُ لَمْ تَذُقْ عُسَيْلَتَهُ، وَلا ذَاقَ عُسَيْلَتَهَا، لا يُحِلُّهَا لِرِفَاعَةِ.
وَكَيْفَ يُحْمَلُ حَدِيثُهَا عَلَى طَلَبِ الْفَسْخِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا، فَطَلَّقَهَا، فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا، وَهُوَ زَوْجُهَا الأَوَّلُ، فَجَاءَتْ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَجَابَهَا بِأَنَّهَا لا تَحِلُّ لَهُ؟!
وَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي رُكَانَةَ، وَهِيَ أَنَّهُ نَكَحَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، فَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: مَا يُغْنِي عَنِّي إِلاَّ كَمَا تُغْنِي عَنِّي هَذِهِ الشَّعْرَةُ، لِشَعْرَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ رَأْسِهَا، فَفَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ.
فَأَخَذَت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمِيَّةٌ، فَدَعَا بِرُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لِجُلَسَائِهِ: ((أَتَرَوْنَ فُلاناً -يَعْنِي وَلَداً لَهُ- يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ، وَفُلاناً -لابْنِهِ الآخَرِ- يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا؟))، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ يَزِيدَ: ((طَلِّقْهَا))، فَفَعَلَ.. الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ مِن الْعُنَّةِ؛ لأَنَّهَا خِلافُ الأَصْلِ، وَلأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَرَّفَ أَوْلادَهُ بِالْقِيَافَةِ، وَسَأَلَ عَنْهَا أَصْحَابَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَلَّ على أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَنَّهُ عِنِّينٌ، فَأَمَرَهُ بِالطَّلاقِ؛ إرْشَاداً إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ فِرَاقُهَا؛ حَيْثُ طَلَبَتْ ذَلِكَ مِنْهُ، لا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ تُطَالِبُ الرَّجُلَ بِالْجِمَاعِ، فَقَالَ الأَكْثَرُ: إنْ وَطِئَهَا بَعْدَ أَنْ دَخَلَ بِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يُؤَجَّلْ أَجَلَ الْعِنِّينِ، وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إنْ تَرَكَ جِمَاعَهَا لِعِلَّةٍ أُجِّلَ لَهَا سَنَةً، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ فَلا تَأْجِيلَ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: اتَّفَقَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ حَقًّا فِي الْجِمَاعِ، فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لَهَا إذَا تَزَوَّجَت الْمَجْبُوبَ وَالْمَمْسُوحَ جَاهِلَةً بِهِمَا، وَيُضْرَبُ لِلْعِنِّينِ أَجَلُ سَنَةٍ؛ لاخْتِبَارِ زَوَالِ مَا بِهِ، انْتَهَى.
قُلْتُ: وَلَمْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى مِقْدَارِ الأَجَلِ بِالسَّنَةِ بِدَلِيلٍ نَاهِضٍ، إنَّمَا يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ لأَجْلِ أَنْ تَمُرَّ بِهِ الْفُصُولُ الأَرْبَعَةُ، فَيَتَبَيَّنُ حَالُهُ.

محمد أبو زيد
01-17-2009, 05:34 PM
بابُ العُيوبِ في النِّكاحِ
مُقَدِّمَةٌ
العُيوبُ: جَمْعُ عَيْبٍ، والقَصْدُ: بيانُ العَيْبِ الذي يَثبُتُ به الخِيارُ، والعَيْبِ الذي لا يَثْبُتُ به خِيارٌ.
والعُيوبُ من حِيْثُ هي تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ:
أحدُهما: عُيوبٌ جِنْسِيَّةٌ تَمْنَعُ الاستمتاعَ، كالجَبِّ، والعُنَّةِ، والخِصَاءِ في الرجُلِ، والرَّتَقِ، والقَرَنِ، والعَفَلِ في المَرْأَةِ.
الثاني: عُيوبٌ لا تَمْنَعُ الاستمتاعَ، ولكنَّها أمراضٌ مُنَفِّرَةٌ مِن كمالِ العِشْرَةِ، بحَيْثُ لا يُمْكِنُ معَها بقاءُ الزوجِيَّةِ إلاَّ بضَرُورةٍ، ذَلِكَ كالجُنونِ، والبَرَصِ، والزُّهَرِيِّ، والأمراضِ المُعْدِيَةِ.
أَمَّا مِن حيثُ انقسامُ العُيوبِ بينَ الزوجيْنِ، فهي تَنْقَسِمُ إلى ثلاثةِ أَقْسامٍ:
أحدُها: خَاصٌّ بالرجُلِ، الجَبُّ: وهو قَطْعُ الذَّكَرِ، حتى لا يَبْقَى منه ما يَكْفِي للجِماعِ، والعُنَّةُ، والخِصَاءُ، وهو قَطْعُ الخُصْيَتَيْنِ.
الثاني: خَاصٌّ بالمَرْأَةِ، وهو الرَّتَقُ: أنْ يَكُونَ فَرْجُها مَسْدُوداً بأصْلِ الخِلْقَةِ، والقَرَنُ، والعَفَلُ: وَرَمٌ في اللُّحْمَةِ التي بينَ مَسْلَكَيِ المرأةِ مِمَّا يُسَبِّبُ ضِيقَ فَرْجِها، فلا يَسْلُكُ فيه الذَّكَرُ.
الثالِثُ: مُشْتَرَكٌ بينَ الجِنْسَيْنِ، وهذا هو الجُنونُ، والجُذامُ، والبَرَصُ، وسيلانُ بَوْلٍ، أو غَائِطٍ، وبَاسُورٌ، ونَاسُورٌ.
وقالَ ابنُ القَيِّمِ: الصحيحُ أنَّ النِّكاحَ يُفْسَخُ بجميعِ العُيوبِ، كسائرِ العُقودِ؛ لأن الأصْلَ السلامَةُ، فكانَتْ هذه الشروطُ في العَقْدِ؛ نَقْصُ شَيْءٍ مِن الأشياءِ كالأطرافِ أو العَمَى، أو الخَرَسِ، أو الطَّرَشِ، وكلِّّ عَيْبٍ يُنَفِّرُ الزوجَ الآخَرَ منه، ولا يَحْصُلُ به مَقصودُ النكاحِ مِن المَوَدَّةِ والرحْمَةِ، فإنه يُوجِبُ الخِيارَ.
قالَ في (الإنصافِ): وما هو ببعيدٍ.
قالَ الشيخُ تَقِيُّ الدينِ: ولو بانَ الزوجُ عَقِيماً، فقياسُ قَوْلِنا: ثُبوتُ الخِيارِ للمرأةِ؛ لأنَّ لها حَقًّا في الوَلَدِ، فالصحيحُ: أنَّ كُلَّ عَيْبٍ نَفَرَ منه أحَدُ الزوجيْنِ، فلمَن لم يَرْضَ به الخيارُ في الفُرْقَةِ.
876- وعن زَيْدِ بنِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ عن أبيهِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ ـ قالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ العَالِيَةَ مِن بَنِي غِفَارٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وَوَضَعَتْ ثِيابَهَا، رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضاً، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الْبَسِي ثِيَابَكِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ)) وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ. رواهُ الحاكِمُ وفي إسنادِه جَمِيلُ بنُ زَيْدٍ، وهو مَجْهولٌ، واخْتُلِفَ عليهِ في شَيْخِه اختلافاً كثيراً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* درجةُ الحديثِ.
الحديثُ ضَعِيفٌ.
أخْرَجَه أحمدُ بسندِه إلى كَعْبِ بنِ زَيْدٍ، أو زَيْدِ بنِ كَعْبٍ، فذَكَرَ الحديثَ.
قالَ الألبانيُّ: وجُملَةُ القولِ أَنَّ الحديثَ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لأنَّ فيه جِميلَ بنَ زَيْدٍ، وقدْ تَفرَّدَ به، وقدْ أكْثَرَ العلماءُ مِن الطعْنِ في جميلِ بنِ زَيْدٍ، فقالَ البخاريُّ: لا يَصِحُّ حديثُه.
وقالَ ابنُ عَدِيٍّ: ليسَ بثِقَةٍ.
وقالَ النَّسائِيُّ: لَيْسَ بالقَوِيِّ.
وقالَ البَغَوِيُّ: ضعيفُ الحديثِ؛ ولأجْلِ اضطرابِه فقدْ قالَ الحافظُ: اضْطَرَبَ كثيرٌ على جميلِ بنِ زَيْدٍ، وقدْ صَحَّ الحديثُ بلفظٍ آخَرَ.
وهو ما جاءَ في (صحيحِ البخاريِّ): أنَّ ابْنَةَ الجونِ لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ودَنَا منها قَالَتْ: أَعُوذُ باللهِ مِنْكَ. فقَالَ لَهَا: ((لَقَدْ عُذْتِ بعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ)).
* مُفرداتُ الحديثِ:
- عُجْرَةَ، بضمِّ العَيْنِ، وسكونِ الجيمِ المُعجَمَةِ، وكَعْبُ بنُ عُجْرَةَ صَحابِيٌّ أصلُه من قبيلةِ بَلَيٍّ، فحَالَفَ الأنصارَ، فعُدَّ منهم بالحِلْفِ، وقالَ الواقديُّ: إنه مِن الأنصارِ.
- غِفَارٍ: بكسرِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ، غِفَارٌ: قَبِيلَةٌ مِن قَبائِلِ عَدْنانَ، هم بنو غِفَارِ بنِ مليلِ بنِ صَخْرَةَ بنِ مُدْرِكَةَ بنِ إلياسَ بنِ مُضَرٍ، ومنازلُهم قُرْبَ مَكَّةَ.
- كَشْحِها: بفتحِ الكَافِ، وسُكونِ الشينِ المُعجمَةِ، فحاءٍ مُهْملَةٍ، هو بينَ الخَاصِرَةِ والضُّلُوعِ.
- بَيَاضاً: المُرادُ بهِ البَرَصُ، وهو مَرَضٌ يُحْدِثُ في الجَسَدِ بياضاً.
- الْحَقِي بِأَهْلِكِ: هذهِ الصيغةُ مِن كناياتِ الطلاقِ الظاهرةِ، يَقَعُ بها الطلاقُ معَ نِيَّتِه، أو قَرينَةٍ تَدُلُّ على إرادةِ الطلاقِ.
877- وعن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ ـ قالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَدَخَلَ بِهَا، فوَجَدَهَا برْصَاءَ، أو مَجْنُونَةً، أو مَجْذُومَةً، فَلَهَا الصَّدَاقُ بمَسِيسِهِ إِيَّاهَا، وهو لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا( (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=15243#_ftn1)1). أخْرَجَهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ، ومَالِكٌ، وابنُ أبي شَيْبَةَ، ورِجَالُه ثِقَاتٌ.
ورَوَى سعيدٌ أيضاً عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ نَحْوَه، وزادَ: وبها قَرَنٌ، فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا.
ومِن طريقِ سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ أيضاً قالَ: قَضَى عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ في العِنيِّنِ، أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً. ورِجَالُهُ ثِقاتٌ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* دَرجةُ الحديثِ:
قالَ الحَافِظُ: رجالُه ثِقاتٌ، وهو مَوقوفٌ على عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وأخْرَجَه مالِكٌ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وابنُ أبي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ من طريقِ يَحْيَى بنِ سعيدٍ عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ قالَ: قالَ عُمَرُ.... فذَكَرَه، ورجالُه ثِقَاتٌ، فهم رجالُ الشيخيْنِ، لكنَّه مُنْقَطِعٌ بينَ سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ رَحِمَهُ اللهُ، وعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وروايةُ عليٍّ رجالُها ثِقاتٌ، إلاَّ أنَّ الشَّعْبِيَّ لم يَسْمَعْ مِن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ولكنْ صَحَّ عَنِ ابنِ مَسْعودٍ بلفظِ: يُؤَجَّلُ العِنِّينُ سَنَةً، فإنْ جَامَعَ وإِلاَّ فُرِّقَ بينَهما. رواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ (2/4) بسَنَدٍ صحيحٍ.
* مُفرداتُ الحديثِ:
- بَرْصَاءَ: بفتحِ الباءِ المُوحدةِ، وسكونِ الراءِ، مَمْدُودٌ، هو بياضٌ في الجَسَدِ يكونُ مِن أَثَرِ عِلَّةٍ.
- مَجْنُونَةً: الجنونُ: زوالُ العَقْلِ، أو فسادُه.
- مَجْذُومَةً: الجُذامُ بضَمِّ الجيمِ، عِلَّةٌ تَتَآكَلُ منها الأعضاءُ وتَتساقَطُ، وهو من الأمراضِ المُعْدِيَةِ.
- مَسيسِه: كنايةٌ عن الجِماعِ واستمتاعِه بها، كما جاءَ في الراويةِ الأُخْرَى: "فإنْ مَسَّهَا، فلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا".
- مَنْ غَرَّهُ بها: مَن خَدَعَه وغَشَّهُ بها.
- قَرَنٌ: بفَتْحِ القافِ، وسُكونِ الراءِ وفَتْحِها، آخِرَه نونٌ، هو وَرَمٌ مُدَوَّرٌ، يَخْرُجُ مِن رَحِمِ المرأةِ، فيَكونُ بينَ مَسْلَكَيْها يَمْنَعُ الجِماعَ أو كَمالَه.
- العِنِّينُ: العُنَّةُ عَجْزٌ يُصِيبُ الرجُلَ، فلا يَقْدِرُ على الجِماعِ؛ لعَدَمِ انتشارِ ذَكَرِه، وهو مَأخوذٌ مِن عَنَّ الشيءُ إذا اعْتَرَضَ؛ لأنَّ ذَكَرَه يَعِنُّ إذا أَرَادَ إيلاجَه.
- يُؤَجَّلُ: بالبناءِ للمفعولِ من التأجيلِ، أي يُمْهَلُ، ويُؤَخَّرُ سَنَةً؛ ليَبِينَ أَمْرُه بمُرورِ الفُصولِ الأربعةِ.
* مَا يُؤْخَذُ من الحديثيْنِ:
1- الحديثانِ يُفيدانِ صِحَّةَ عَقْدِ النكاحِ، معَ وُجودِ العَيْبِ في أحدِ الزوجيْنِ، ولو لَم يَعْلَمْ عنه الزوجُ الآخَرُ، ذلك أنَّ العَيْبَ لا يَعودُ على أصْلِ العَقْدِ، ولا علَى شَرْطٍ مِن شُروطِ صِحَّتِه.
2- ويُفيدُ أَنَّ إثْباتَ خيارِ العَيْبِ للزوجِ الذي لم يَعْلَمْ بعيبِ صَاحِبِه إلاَّ بعدَ العقدِ، ولم يَرْضَ به العَقْدَ، فيَثْبُتُ له حَقُّ فَسْخِ النكاحِ.
3- الفَسْخُ إنْ كانَ قبلَ الدخولِ فلا مَهْرَ للزوجةِ المَعِيبَةِ، ولا مُتْعَةَ لها، سَواءٌ أكانَ الفسخُ منه أو منها؛ لأنَّ الفَسْخَ إنْ كانَ منها، فَقَدْ وُجِدَتِ الفُرْقَةُ من قِبَلِها، وإنْ كانَ منه، فإنَّما فُسِخَ لعَيْبِها الذي دَلَّسَتْه عليه، وإنْ كانَ الفسخُ بعدَ الدخولِ أو الخَلوةِ فلها المَهْرُ؛ لأنه اسْتَقَرَّ بالدخولِ، ولكنه يَرْجِعُ به الزوجُ على مَن غَرَّهُ مِن زَوْجَةٍ عَاقِلَةٍ، أو وليٍّ، أو وكيلٍ.
4- الحديثانِ فيهما أنواعٌ من العُيوبِ هي: البَرَصُ، والجُذامُ، والجُنونُ.
5- جُمهورُ العلماءِ يَحْصُرونَ العُيوبَ في النكاحِ في نَوْعَيْنِ:
أحدُهما: عُيوبٌ تَمْنَعُ الوَطْءَ، ففي الرجُلِ جَبُّ ذَكَرِه، وقَطْعُ خُصْيَتِه، وعُنَّتُهُ، وفي المَرْأَةِ الرَّتَقُ والقَرَنُ والعَفَلُ.
الثاني: عُيُوبٌ مُنَفِّرَةٌ، أو مُعْدِيَةٌ، وهي الجُذامُ، والبَرَصُ، والجُنونُ، والباسُورُ، والناسُورُ، والقُرُوحُ السَّيَّالَةُ في الفَرْجِ، فجُمهورُ العلماءِ يَقْصُرُونَ عُيوبَ النكاحِ على هذيْنِ النوعيْنِ، والاختلافُ بينَهم يَسِيرٌ في اقتصارِ بعضِهم على بعضِها، أو اعتبارِها كُلِّها عُيوباً.
6- قولُه: ((أَيُّمَا رَجُلٍ)) ليسَ له مَفهومٌ، فالرجُلُ إذا وَجَدَ الزوجةَ مَعِيبَةً فله الفسخُ، والزوجةُ إذا وَجَدَتِ الرجُلَ مَعِيباً فلها الفسخُ أيضاً.
7- قالَ الشيخُ محمدُ بنُ إبراهيمَ آلُ الشيخِ: الصحيحُ أنَّ العُقْمَ عَيْبٌ، فإنَّ أهَمَّ مَقاصِدِ المَرْأَةِ مِن النكاحِ تَحْصِيلُ الوَلَدِ، والمُتبَادِرُ ألاَّ تَكُونَ الزوجةُ كالرجُلِ لفُروقٍ؛ لأنَّ له التَّزَوُّجَ بأُخْرَى، ويُبْقِيها معَه.
8- أَمَّا ابنُ القَيِّمِ فيَرَى أنَّ كُلَّ عَيْبٍ يَنْفِرُ منه الزوجُ الآخَرُ، ولا يَحْصُلُ به مَقصودُ النكاحِ من المَودَّةِ والرحمةِ والأُلفةِ، فإنه يُوجِبُ الخيارَ، وأنه أَوْلَى مِن البيعِ الذي يُجِيزُ للمُشترِي الفَسْخَ بكلِّ عَيْبٍ يَنْقُصُ قيمةَ البيعِ، فمَن تَدَبَّرَ مَقاصِدَ الشرْعِ وعَدْلَه وحِكْمَتَه. وما اشْتَمَلَ عليهِ من المصالِحِ؛ لم يَخْفَ عليه رُجحانُ هذا القولِ وقُرْبُهُ في قَواعِدِ الشريعةِ.
أَمَّا الاقتصارُ على عَيْبيْنِ، أو ثلاثةٍ، أو أربعةٍ، أو خمسةٍ، أو سِتَّةٍ، أو سَبْعَةٍ، أو ثمانيةٍ، دونَ ما هو أَوْلَى منها، أو مُساوِيها، فلا وَجْهَ له.
فالعَمَى والخَرَسُ والطَّرَشُ، وكونُها مَقْطُوعَةَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ أو إحداهما؛ من أَعْظَمِ المُنَفِّرَاتِ، والسكوتُ عن بيانِه مِن أَقْبَحِ التدليسِ والغَبْنِ، وهو مُخالِفٌ للدينِ، وهذا القولُ قالَ به الثوريُّ، وشُرَيْحٌ, وأبو ثَوْرٍ وهو والصوابُ إنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
9- أَنَّ العَيْبَ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ بهِ إلاَّ بعدَ الدخولِ أو الخَلوةِ، فإنَّ لها الصَّدَاقَ كما هو صريحُ الحديثيْنِ؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ بالدخولِ؛ لقولِهِ: ((بِمَسِيسِهِ إِيَّاهَا)) وبقولِه: ((فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا)) ولكنَّه يَرْجِعُ به على مَن غَرَّهُ بالعَيْبِ.
10- لا بُدَّ للتفريقِ بالعَيْبِ من أُمورٍ:
أولاً: طَلَبُ صَاحِبِ المصلحةِ ودعواهُ، فإنَّ الحقَّ له وحدَه، فلا يُفْسَخُ إلاَّ بطلبِهِ.
ثانياً: الفَسْخُ بالعيبِ مُختلَفٌ فيه بينَ العلماءِ، فلا يَنْظُرُ فيه ولا يَفْسَخُه إلا حاكِمٌ.
ثالثا: ثُبوتُ العَيْبِ بأحدِ وَسائِلِ الإثباتِ.
رابعاً: إذا ثَبَتَتْ عُنَّةٌ عندَ الزوجِ، أُجِّلَ سَنَةً هِلالِيَّةً؛ لتَمُرَّ عليهِ الفُصولُ الأربعةُ، فإن مَرَّتْ عليه، ولم تَزُلْ عُنَّتُه، عُلِمَ أنَّ ذلك خِلْقَةٌ، فيُفْسَخُ النكاحُ.
-
(1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=15243#_ftnref1) لعلها الصواب : " بها " كما سيأتي في الشرح .