مشاهدة النسخة كاملة : باب الوليمة (2/5) [وجوب إجابة الدعوة للوليمة]
محمد أبو زيد
01-17-2009, 12:04 PM
وعن ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا)). مُتَّفَقٌ عليهِ.
ولمُسْلِمٍ: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ)).
وعنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا. وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ)). أَخْرَجَهُ مسلِمٌ.
وعنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ؛ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ)). أَخْرَجَهُ مسلمٌ أيضًا.
ولهُ مِنْ حديثِ جابرٍ نَحْوُهُ، وقالَ: ((فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ)).
وعن ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((طَعَامُ أَوَّلِ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ)). رواهُ التِّرمذيُّ واسْتَغْرَبَهُ، ورِجالُهُ رِجالُ الصحيحِ.
ولهُ شاهِدٌ عنْ أَنَسٍ عندَ ابنِ مَاجَهْ.
محمد أبو زيد
01-17-2009, 06:53 PM
2/980 - وَعَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: ((إِذَا دَعَا أَحَدَكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ، عُرْساً كَانَ أَوْ نَحْوَهُ)).
(وَعَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ)؛ أَيْ: عَن ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعاً: (إِذَا دَعَا أَحَدَكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ، عُرْساً كَانَ أَوْ نَحْوَهُ).
الْحَدِيثُ الأَوَّلُ دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ الإِجَابَةِ إلَى الْوَلِيمَةِ، وَالثَّانِي دَالٌّ عَلَى وُجُوبِهَا إلَى كُلِّ دَعْوَةٍ، وَلا تَعَارُضَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَا عَنْ رَاوٍ وَاحِدٍ؛ لأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ تارَةً اقْتَصَرَ على بعضِ الحديثِ، وتارَةً اسْتَوْفَاهُ، أوْ أنَّ ذلكَ مِنْ أحدِ رُوَاتِهِ. وَقَدْ أَخَذَت الظَّاهِرِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِظَاهِرِهِ، فَقَالُوا: تَجِبُ الإِجَابَةُ إلَى الدَّعْوَةِ مُطْلَقاً، وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَغَيْرِهَا، فَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ الاتِّفَاقَ عَلَى وُجُوبِ إجَابَةِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَصَرَّحَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَعَن الْبَعْضِ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
وَفِي كَلامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الإِجَابَةِ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَعَدَمِ الرُّخْصَةِ فِي غَيْرِهَا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إتْيَانُ دَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ حَقٌّ، وَالْوَلِيمَةُ الَّتِي تُعْرَفُ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ، وَكُلُّ دَعْوَةٍ دُعِيَ إلَيْهَا رَجُلٌ وَلِيمَةٌ، ولا أُرَخِّصُ لأَحَدٍ فِي تَرْكِهَا، وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ عَاصٍ، كَمَا تَبَيَّنَ لِي فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ.
وَفِي الْبَحْرِ لِلْمَهْدِيِّ حِكَايَةُ إجْمَاعِ الْعِتْرَةِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الإِجَابَةِ فِي الْوَلائِمِ كُلِّهَا.
هَذَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الإِلْمَامِ: وَقَدْ يَسُوغُ تَرْكُ الإِجَابَةِ لأَعْذَارٍ؛ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ فِي الطَّعَامِ شُبْهَةٌ، أَوْ يُخَصَّ بِهَا الأَغْنِيَاءُ، أَوْ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَتَأَذَّى بِحُضُورِهِ مَعَهُ، أَوْ لا يَلِيقُ لِمُجَالَسَتِهِ، أَوْ يَدْعُوهُ لِخَوْفِ شَرِّهِ، أَوْ لِطَمَعٍ فِي جَاهِهِ، أَوْ لِيُعَاوِنَهُ عَلَى بَاطِلٍ، أَوْ يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ مِنْ خَمْرٍ أَوْ لَهْوٍ أَوْ فِرَاشِ حَرِيرٍ أَوْ سِتْرٍ لِجِدَارِ الْبَيْتِ أَوْ صُورَةٍ فِي الْبَيْتِ، أَوْ يَتَعَذَّرُ إلَى الدَّاعِي فَيَتْرُكُهُ، أَوْ كَانَتْ فِي الثَّالِثِ كَمَا يَأْتِي، فَهَذِهِ الأَعْذَارُ وَنَحْوُهَا فِي تَرْكِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالنَّدْبِ بِالأَوْلَى.
وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِمَّا عُلِمَ مِن الشَّرِيعَةِ، وَمِنْ قَضَايَا وَقَعَتْ لِلصَّحَابَةِ، كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ دَعَاهُ ابْنُ عُمَرَ، فَرَأَى فِي الْبَيْتِ سِتْراً عَلَى الْجِدَارِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: غَلَبَنَا عَلَيْهِ النِّسَاءُ، فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ أَخْشَى عَلَيْهِ فَلَمْ أَكُنْ أَخْشَى عَلَيْكَ، وَاللَّهِ لا أَطْعَمُ لَكَ طَعَاماً، فَرَجَعَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقاً، وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ وَمُسَدَّدٌ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أعْرَسْتُ فِي عَهْدِ أَبِي، فَأَذِنَّا النَّاسَ، فَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ فِيمَنْ أَذِنَّا، وَقَدْ سَتَرُوا بَيْتِي بِبِجَادٍ أَخْضَرَ، فَأَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتَسْتُرُونَ الْجُدُرَ؟ فَقَالَ أَبِي وَاسْتَحَى: غَلَبَنَا عَلَيْهِ النِّسَاءُ يَا أَبَا أَيُّوبَ، فَقَالَ: مَنْ خَشِيتَ أَنْ يَغْلِبَهُ النِّسَاءُ، فَذَكَرَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، حَتَّى أَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ. وَفِيهِ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتَرْجِعَنَّ، فَقَالَ: وَأَنَا أَعْزِمُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لا أَدْخُلَ يَوْمِي هَذَا، ثُمَّ انْصَرَفَ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ، أَنَّ رَجُلاً دَعَا ابْنُ عُمَرَ إلَى عُرْسٍ، فَإِذَا بَيْتُهُ قَدْ سُتِرَ بِالْكُرُورِ، فَقَالَ: يَا فُلانُ، مَتَى تَحَوَّلَت الْكَعْبَةُ فِي بَيْتِكَ؟ ثُمَّ قَالَ لِنَفَرٍ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِيَهْتِكْ كُلُّ رَجُلٍ مَا يَلِيهِ.
وَالْحَدِيثُ وَمَا قَبْلَهُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ سَتْرِ الْجُدْرَانِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعاً: ((لا تَسْتُرُوا الْجُدُرَ بِالثِّيَابِ))، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ مَوْقُوفاً، أَنَّهُ أَنْكَرَ سَتْرَ الْبَيْتِ، فَقَالَ: مَحْمُومٌ بَيْتُكُمْ، أَوْ تَحَوَّلَت الْكَعْبَةُ؟ ثُمَّ قَالَ: لا أَدْخُلُهُ حَتَّى يُهْتَكَ.
وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلافٌ، جَزَمَ جَمَاعَةٌ بِالتَّحْرِيمِ لِسَتْرِ الْجُدرانِ، وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ، أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ))، وَجَذَبَ السِّتْرَ حَتَّى هَتَكَهُ فِي قِصَّةٍ مَعْرُوفَةٍ، وَقَدْ كُنَّا كَتَبْنَا رِسَالَةً فِي هَذَا جَوَابَ سُؤَالٍ فِي مُدَّةٍ قَدِيمَةٍ.
وأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إجَابَةِ طَعَامِ الْفَاسِقِينَ.
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعاً: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ)). وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ. وَبِالْجُمْلَةِ الدَّعْوَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِلإِجَابَةِ، وَحُصُولُ الْمُنْكَرِ مَانِعٌ عَنْهَا، فَتَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضَى، وَالْحُكْمُ لِلْمَانِعِ.
3/981 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ)). وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا): وَهُم الْفُقَرَاءُ، كَمَا يَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: ((بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ؛ يُدْعَى إلَيْهَا الشَّبْعَانُ، وَيُمْنَعُ عَنْهُ الْجِيعَانُ)). اهـ.
فَلَوْ شَمِلَت الدَّعْوَةُ الْفَرِيقَيْنِ زَالَت الشَّرِّيَّةُ عَنْهَا، (وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا)؛ يَعْنِي: الأَغْنِيَاءُ، (وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ): بفتحِ الدالِ المهملةِ على المشهورِ، وضَمَّهَا قُطْرُبٌ في مُثَلَّثَتِهِ، وغَلِطَ، (فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).
الْمُرَادُ مِن الْوَلِيمَةِ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ قَرِيباً مِنْ أَنَّهَا إذَا أُطْلِقَتْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ انْصَرَفَتْ إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَشَرِّيَّةُ طَعَامِهَا قَدْ بَيَّنَ وَجْهَهُ قَوْلُهُ: ((يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا))؛ فَإِنَّهَا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيَانٌ لِوَجْهِ شَرِّيَّةِ الطَّعَامِ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ يُدْعَى الإِجَابَةُ، وَإِنْ كَانَتْ إِلَى شَرِّ طَعَامٍ، وَأَنَّهُ يَعْصِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ مَنْ لَمْ يُجِبْ، وَتَقَدَّمَ الْكَلامُ عَلَى ذَلِكَ.
4/982 - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ)).
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضاً.
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُهُ، وَقَالَ: ((فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ)).
(وَعَنْهُ)؛ أيْ: أَبِي هُرَيْرَةَ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ صَائِماً أَنْ لا يَعْتَذِرَ بِالصَّوْمِ، ثُمَّ إنَّهُ قَد اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِن الصَّلاةِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْمُرَادُ فَلْيَدْعُ لأَهْلِ الطَّعَامِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْبَرَكَةِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالصَّلاةِ الْمَعْرُوفَةِ؛ أيْ: يَشْتَغِلُ بِالصَّلاةِ لِيُحَصِّلَ فَضْلَهَا وَيَنَالَ بَرَكَتَهَا أَهْلُ الطَّعَامِ وَالْحَاضِرُونَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ الإِفْطَارُ لِيُجِيبَ، فَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ فَرْضاً فَلا خِلافَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الإِفْطَارُ، وَإِنْ كَانَ نَفْلاً جَازَ لَهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَلْيَطْعَمْ، وُجُوبُ الأَكْلِ.
وَقَد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، وَالأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لا يَجِبُ الأَكْلُ فِي طَعَامِ الْوَلِيمَةِ وَلا غَيْرِهَا، وَقِيلَ: يَجِبُ؛ لِظَاهِرِ الأَمْرِ، وَأَقَلُّهُ لُقْمَةٌ، وَلا تَجِبُ الزِّيَادَةُ، وَقَالَ مَنْ لَمْ يُوجِب الأَكْلَ: الأَمْرُ لِلنَّدَبِ، وَالْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَلَهُ)؛ أي: لِمُسْلِمٍ، (مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوُهُ، وَقَالَ: إِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ)؛ فَإِنَّهُ خَيَّرَهُ، وَالتَّخْيِيرُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لِلأَكْلِ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَقِيبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
5/983 - وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ.
(وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ)؛ أيْ: وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ، (وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ)، وَقَالَ: لا نَعْرِفُهُ إلاَّ مِنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيِّ، وَهُوَ كَثِيرُ الْغَرَائِبِ وَالْمَنَاكِيرِ، قَالَ الْمُصَنَّفُ كَالرَّادِّ عَلَى التِّرْمِذِيِّ مَا لَفْظُهُ: (وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ): إلاَّ أَنَّهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّ زِيَاداً مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَشَيْخُهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ اخْتَلَطَ، وَسَمَاعُهُ مِنْهُ بَعْدَ اخْتِلاطِهِ، انْتَهَى.
قُلْتُ: وَحِينَئِذٍ فَلا يَصِحُّ قَوْلُهُ: إنَّ رِجَالَهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، ثُمَّ قَالَ: (وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ)، وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُسَيْنٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ لا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الضِّيَافَةِ فِي الْوَلِيمَةِ يَوْمَيْنِ، فَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ وَاجِبَةٌ كَمَا يُفِيدُهُ لَفْظُ: ((حَقٍّ))؛ لأَنَّهُ الثَّابِتُ اللاَّزِمُ، وَتَقَدَّمَ الْكَلامُ فِي ذَلِكَ. وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ؛ أيْ: طَرِيقَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ يَعْتَادُ النَّاسُ فِعْلَهَا، لا يَدْخُلُ صَاحِبَهَا الرِّيَاءُ وَالتَّسْمِيعُ. وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ، فَيَكُونُ فِعْلُهَا حَرَاماً، وَالإِجَابَةُ إلَيْهَا كَذَلِكَ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: إذَا أَوْلَمَ ثَلاثاً، فَالإِجَابَةُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مَكْرُوهَةٌ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي لا تَجِبُ مُطْلَقاً، وَلا يَكُونُ اسْتِحْبَابُهَا فِيهِ كَاسْتِحْبَابِهَا فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهَا لا تُكْرَهُ فِي الثَّالِثِ لِغَيْرِ الْمَدْعُوِّ فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ وَالثَّانِي؛ لأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَدْعُوُّونَ كَثِيرِينَ، وَيَشُقُّ جَمْعُهُمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَدَعَا فِي كُلِّ يَوْمٍ فَرِيقاً، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ رِيَاءٌ وَلا سُمْعَةٌ، وَهَذَا قَرِيبٌ.
وَجَنَحَ الْبُخَارِيِّ إلَى أَنَّهُ لا بَأْسَ بِالضِّيَافَةِ، وَلَوْ إلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ؛ حَيْثُ قَالَ: بَابُ حَقِّ إجَابَةِ الْوَلِيمَةِ وَالدَّعْوَةِ، وَمَنْ أَوْلَمَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهُ، وَلَمْ يُوَقِّت النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْماً وَلا يَوْمَيْنِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ: لَمَّا تَزَوَّجَ أَبِي دَعَا الصَّحَابَةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ: أَوْ نَحْوَهُ.
وَفِي قَوْلِهِ: وَلَمْ يُوَقِّتْ، مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ حَدِيثِ الْبَابِ عِنْدَهُ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا لأَهْلِ السَّعَةِ كَوْنَهَا أُسْبُوعاً، فَأَخَذَت الْمَالِكِيَّةُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُ الْبُخَارِيِّ.
محمد أبو زيد
01-17-2009, 06:56 PM
904- وعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ، فَلْيَأْتِهَا)). مُتَّفَقٌ عليهِ.
ولمُسْلِمٍ: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ، عُرْساً كَانَ أَوْ نَحْوَهُ)).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* مُفْرداتُ الحديثِ:
- دُعِيَ أَحَدُكُمْ: مَبْنِيٌّ للمجهولِ، يعني إلى طعامِ الوليمةِ، فالدَّعوةُ إليه، تُنْطَقُ بفتحِ الدالِ، وأمَّا بضمِّ الدالِ "الدُّعْوَةُ", فاسْمُ النداءِ إلى الحَرْبِ، وأمَّا بكَسْرِ الدالِ "الدِّعْوَةُ", فاسْمٌ لدِعْوَةِ النَّسَبِ.
905- وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ)). أخْرَجَهُ مسلمٌ.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* مُفْرداتُ الحديثِ:
- شَرُّ: الشَّرُّ: السُّوءُ والظُّلْمُ، والجمعُ: شُرورٌ.
وشَرُّ هنا: مِن صِيَغِ أَفْعَلِ التَّفْضيلِ التي تُصاغُ على وَزْنِ أَفْعَلَ، فكانَ حَقُّه أَنْ يُقالَ: أَشَرُّ الطَّعَامِ، إلاَّ أَنَّها حُذِفَتْ هنا الهَمْزَةُ؛ لكثرةِ استعمالِها، ودَورانِها على الأَلْسِنَةِ، قالوا: ويَجوزُ إثباتُها على الأصلِ، ولكنَّه قليلٌ، ومثلُ شَرٍّ (خَيْرٌ) في هذا التصريفِ.
- يُمْنَعُهَا: مبنيٌّ للمجهولِ، أي: يُكَفُّ عنها.
906- وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ)). أَخْرَجَهُ مسلمٌ أيضاً.
وله مِن حديثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ نحوُه، وقالَ: ((إِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ)).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* مُفْرداتُ الحديثِ:
- فَلْيُجِبْ: فَلْيَأْتِ إلى مكانِ الدَّعوةِ.
- فَلْيُصَلِّ: الصلاةُ: أصلُها وَاوِيُّ اللامِ، وهي لغةً: الدُّعاءُ، والمُرادُ هنا: فَلْيَدْعُ.
907- وعَنِ ابنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ)). رواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَه، ورجالُه رِجالُ الصحيحِ، وله شَاهِدٌ عن أَنَسٍ عندَ ابنِ مَاجَهْ.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
دَرجَةُ الحَديثِ:
الحديثُ ضعيفٌ.
رواهُ التِّرْمِذِيُّ واسْتَغْرَبَهُ.
وله شَوَاهِدُ منها: ما أَخْرَجَهُ أحمدُ، وأبو دَاوُدَ، والطحاوِيُّ، والبَيْهَقِيُّ عن رَجُلٍ من ثَقِيفٍ.
قالَ البخاريُّ: لم يَصِحَّ إسنادُه. وضَعَّفَ الحديثَ المناوِيُّ في (فيضِ القديرِ)، مُتَعقِّباً السيوطيَّ حَيْثُ صَحَّحَهُ.
وقالَ التِّرْمِذِيُّ: لا يُعْرَفُ هذا الحديثُ مرفوعاً إلاَّ مِن حديثِ زِيادِ بنِ عبدِ اللهِ، وهو كَثِيرُ الغَرائِبِ والمَناكِيرِ. وضَعَّفَهُ البَيْهَقِيُّ، والدَّارَقُطْنِيُّ.
وأمَّا حديثُ أَنَسٍ فقالَ الحَافِظُ: فيهِ بَكْرُ بنُ خُنَيْسٍ، وهو ضَعِيفٌ.
وللحديثِ طُرُقٌ وشَوَاهِدُ، قالَ عنها الشيخُ الألبانيُّ: وجُمْلَةُ القولِ في هذا الحديثِ أَنَّ أكثرَ طُرُقِه وشواهِدِه شديدةُ الضعفِ، لا يَخْلُو طريقٌ منها من مُتَّهَمٍ خاصَّةً أو متروكٍ؛ فلذلك يَبْقَى على هذا الضَّعْفِ.
* مُفْرداتُ الحديثِ:
- الوَلِيمَةُ: أصْلُ الوليمةِ، تَمامُ الشَّيْءِ واجتماعُه، يُقالُ: أَوْلَمَ الرجُلُ: عَمِلَ الوَلِيمَةَ، فَقَدْ نُقِلَ اسمُها لطعامِ العُرْسِ خَاصَّةً؛ لاجتماعِ الرجُلِ والمرأةِ، ولا يَقَعُ على غَيْرِها من الدَّعَواتِ.
- حَقٌّ: مَصْدَرٌ، جَمْعُه: حُقوقٌ وحِقاقٌ، والمرادُ به هنا الوَاجِبُ.
- سُنَّةٌ: بضمِّ السينِ: جَمْعُها: سُنَنٌ، وهي في اللُّغةِ: الطريقةُ، سواءٌ أكانَتْ مَرْضِيَّةً، أمْ غَيْرَ مَرْضِيَّةٍ، وفي الشرْعِ: هي الطريقةُ المسلوكةُ في الدِّينِ من غَيْرِ وُجوبٍ، فهي فَضِيلَةٌ.
- سُمْعَةٌ: بضمِّ السينِ وسكونِ الميمِ، بمعنى الصِّيتِ، يُقالُ: فَعَلَ ذلك رِيَاءً وسُمْعَةً؛ ليَرَاهُ الناسُ ويَسْمَعُوهُ.
- سَمَّعَ اللهُ بهِ: بتشديدِ الميمِ، أي: شَهَّرَه، وفَضَحَه، وأذاعَ عنه عَيْباً.
* مَا يُؤْخَذُ من الأحاديثِ:
1- مَشْرُوعِيَّةُ صُنعِ طعامٍ لمُناسبةِ الزواجِ، ودُخولِ الزوجِ بزوجتِه، وتَقارُبِ الأُسرتيْنِ؛ للتعارُفِ والتآلُفِ بينَ الأصهارِ، وابتهاجاً بنعمةِ اللهِ تعالى، وفيهِ إعلانٌ للنكاحِ وإشعارٌ(2) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=15287#_ftn1) له، كما أنَّ فيه الدُّعاءَ، والاجتماعَ، والتعارُفَ.
2- مَشْرُوعِيَّةُ إجابةِ الدعوةِ؛ لِمَا رَوَى مُسلمٌ عن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((وَمَنْ لاَ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ)).
قالَ ابْنُ عبدِ البَرِّ: لا خِلافَ في وُجوبِ الإجابةِ لمَن دُعِيَ إليها. وقيلَ: مُسْتَحَبَّةٌ. واختارَهُ الشيخُ تَقِيُّ الدينِ، وهي حَقٌّ للآدميِّ يَسْقُطُ بعَفْوِه.
ويَجِبُ على المَدْعُوِّ إجابتُها بأمورٍ منها:
أنْ يُعَيِّنَهُ صَاحِبُ الدعوةِ, فلا تَكُونَ دَعْوَةً عَامَّةً.
أنْ لا يَكُونَ في مَكانِ الدعوةِ مُنْكَرٌ لا يَقْدِرُ على إِزالَتِه، من خَمْرٍ أو فُرُشٍ مُحَرَّمَةٍ، أو أواني ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، أو أغانٍ مُحَرَّمَةٍ، أو اختلاطِ رجالٍ بنساءٍ، أو تَكونَ من حَفلاتِ السرَفِ والخُيَلاءِ، أو يَكُونَ في مَالِه حَرامٌ مِن رِبًا أَوْ رِشْوَةٍ أو ظُلْمِ أَحَدٍ، أو غيرِ ذلك، فإذا وُجِدَ شيءٌ مِن هذه الأمورِ لَمْ تَجِبِ الدعوةُ بل تَحْرُمُ.
وذكَرَ الطِّيبِيُّ في (شَرْحِ المِشكاةِ) أمثلةً للأعذارِ التي تُسْقِطُ إجابةَ الدعوةِ؛ منها: أنْ يَكُونَ في الطعامِ شُبْهَةُ حَرَامٍ، أو أنْ يَخُصَّ بها الأغنياءَ دُونَ الفقراءِ، أو أنَّه دَعاهُ لخَوْفِ شَرِّه أو لطَمَعٍ في جَاهِهِ، أو مَالِه، أو ليُعاوِنَه على بَاطِلٍ، أو يَكُونَ فيها مُنْكَرٌ، من خَمْرٍ، أو لَهْوٍ مُحَرَّمٍ، أو أنَّ الفُرُشَ حَرِيرٌ، أو فيها صُورُ حَيوانٍ، ونحوُ ذلك، وإنِ اعْتَذَرَ منه فقَبِلَ الداعي، سَقَطَ الوُجوبُ.
3- أَنْ تَكُونَ الدعوةُ في اليومِ الأولِ، فإنْ كَانَتْ فيما بعدَه مِن الأيامِ لَمْ تَجِبِ الدعوةُ, ففي اليومِ الثاني: مُسْتَحَبَّةٌ، وفي اليومِ الثالثِ تُكْرَهُ أو تَحْرُمُ.
4- أَنَّ العَادَةَ الغَالِبَةَ أَنَّ طَعَامَ الوَلِيمَةِ شَرُّ طَعَامٍ، وشَرُّ مَحْفِلٍ، فإنَّ الدعوةَ لا تُوجَّهُ إلاَّ إلى الأعيانِ والأغنياءِ مِمَّن لا يأتونَها رَغْبَةً, وإنَّما يأتونَها إرضاءً لصَاحِبِ الدعوةِ، وإحساناً إليه، وأمَّا الفُقراءُ المُحتاجونَ إليها فَهُم يُمنَعونَ مِن الحُضورِ إليها، ويُدْفَعونَ عنها بالأبوابِ، فَلْتَكُنْ هذه مَوْعِظَةً وتَذْكِرَةً للمُسلمِ، أنْ لا يَسْلُكَ هذا المَسْلَكَ، وأنْ يَجْعَلَها دعوةً شَرْعِيَّةً يَدْعُو فيها الأقارِبَ، والأصدقاءَ، والفقراءَ، والأغنياءَ، وكلٌّ يُنْزَلُ مَنْزِلَتَهُ.
5- أنَّ الواجِبَ هو إجابةُ الدعوةِ، أمَّا الأكلُ فليسَ بواجِبٍ لَكِنْ إِنْ كَانَ صَائِماً فَرْضاً فلا يُفْطِرُ، ويُخْبِرُ صَاحِبَ الدعوةِ بصيامِه؛ لئلا يَظُنَّ بهِ كَرَاهَةَ طَعامِه، فقَدْ جَاءَ في صحيحِ مسلمٍ وغيرِه أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الطَّعَامِ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ)).
وأمَّا إنْ كَانَ الصومُ نَفْلاً, فإنْ حَصَلَ بفِطْرِه وأكْلِه جَبْرُ خَاطِرِ الدَّاعِي، ورَغِبَ المَدْعُوُّ بمُشارَكَتِهم في الأكْلِ، فَلْيُفْطِرْ، وإلاَّ دَعَا، وأتَمَّ صَوْمَه، فقَدْ جاءَ في بعضِ الرواياتِ قَوْلُه صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لرَجُلٍ اعْتَزَلَ مِن القَوْمِ ناحِيَةً، وقالَ: إِنِّي صَائِمٌ. فقالَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ، وَتَكَلَّفَ لَكُمْ، كُلْ ثُمَّ صُمْ يَوْماً إِنْ شِئْتَ)).
وهذا التفصيلُ هو مَذْهَبُ الشافعيةِ، والحنابلةِ.
قالَ الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هو أَعْدَلُ الأقوالِ.
6- أنَّ الوليمةَ في اليومِ الأولِ وَاجِبَةٌ، وفي اليومِ الثاني سُنَّةٌ مُسْتحبَّةٌ، أمَّا في اليومِ الثالثِ فهي رِياءٌ وسُمْعةٌ, فتَكُونُ مُحَرَّمَةً، فتَجِبُ على المَدْعُوِّ الإجابةُ في الأولِ، ولكنْ بشَرْطِه المُتَقَدَّمِ، وتُسْتَحَبُّ في اليومِ الثاني، وتَحْرُمُ في اليومِ الثَّالِثِ وهذا مَذْهَبُ جمهورِ العلماءِ.
7- استحبابُ الدعاءِ من المَدْعُو للداعي، ويكونُ الدعاءُ مُناسباً للدعوةِ والمَقامِ، ويُظْهِرُ الفَرَحَ والغِبْطَةَ للداعِي، ويُدْخِلُ السُّرورَ عليهِ بالأماني الطَّيِّبَةِ، والفَأْلِ الحَسَنِ، فهذا من بَرَكَةِ الحُضورِ والاجتماعِ.
فليسَ الحُضورُ هو مُجَرَّدَ الطعامِ والأكْلِ، وإلاَّ لَمَا أُمِرَ الصائِمُ بالإجابةِ، وإنَّما المُرادُ مَعانِيهِ الطَّيبةُ، واجتماعُه المُبارَكُ.
8- المَشْهورُ مِن المَذْهَبِ: أنَّ وَلِيمَةَ العُرْسِ تَجِبُ بالعَقْدِ، وقالَ الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تُسَنُّ بالدُّخولِ.
وقالَ في (الإِنْصافِ): الأولى أنْ يُقالَ: وَقْتُ الاستحبابِ مُوَسَّعٌ، من عَقْدِ النكاحِ، إلى انتهاءِ أيامِ العُرْسِ؛ لصِحَّةِ الأخبارِ في هذا وهذا.
* قرارُ هَيْئَةِ كبارِ العلماءِ بشأنِ التبذيرِ في الولائِمِ:
جاءَ في قرارِ مَجْلسِ هيئةِ كِبارِ العلماءِ رَقْمِ (52) وتاريخِ: 4/4/1397 هـ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بالموضوعِ ما نَصُّه:
قالَ اللهُ تعالى: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} [الإسراء:27].
وبناءً على ما يُسبِّبُه التوسُّعُ في الولائِمِ بتَجاوُزِ الحدودِ المَعقولةِ، وتَعَدُّدِها قَبْلَ الزواجِ وبعدَه، ولِمَا يُسَبِّبُه الانزلاقُ في هذا المَبْدَأِ من عَجْزِ الكثيرِ من الناسِ عن نَفقاتِ الزواجِ، فإنَّ المَجْلِسَ يَرَى ضَرورةَ مُعالجةِ هذا الوَضْعِ مُعالجةً جَادَّةً وحَازِمَةً بما يلي:
أولاً: يَرَى المَجلسُ مَنْعَ الغناءِ الذي أُحْدِثَ في حَفلاتِ الزواجِ بما يَصْحَبُه من آلاتِ اللَّهْوِ، وما يُسْتَأْجَرُ له مِن مُغَنِّينَ ومُغَنِّياتٍ، وبآلاتِ تكبيرِ الصوتِ؛ لأنَّ ذلك مُنْكَرٌ مُحَرَّمٌ، فيَجِبُ مَنْعُه، ومُعاقَبَةُ فَاعِلِه.
ثانيا: مَنْعُ اختلاطِ الرجالِ بالنساءِ في حَفلاتِ الزواجِ وغيرِها، ومَنْعُ دخولِ الزوجِ على زوجتِه بينَ النساءِ السافِرَاتِ، ومُعاقَبَةُ من يُعْمَلُ عندَهم ذلك مِن زَوْجٍ، وأولياءِ الزوجةِ، مُعاقَبَةً تَزْجُرُ مِثْلَ هذا المُنْكَرِ.
ثالثاً: مَنْعُ الإسرافِ وتَجاوُزِ الحَدِّ في ولائِمِ الزواجِ، وتَحْذِيرُ الناسِ من ذلك.
-
( (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=15287#_ftnref1)1) لعلها : " إشهار" .
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir