مشاهدة النسخة كاملة : الحشر والموقف ونشر الدواوين
عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 12:23 AM
وَيُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً بُهمَاً، فَيَقِفُونَ في مَوْقِفِ القِيَامَةِ، حَتَّى يَشْفَعَ فِيهمْ نَبيُّنَا مُحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فَيُحَاسِبُهُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَتُنْصَبُ المَوَازِينُ، وَتُنْشَرُ الدَّواوِينُ، وَتَتَطَايَرُ صُحُفُ الأَعمَالِ إِلى الأيمانِ وَالشَّمَائِلِ: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيراً (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتاَبَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثبُوُرًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا} [الانشقاق: 7-12].
(1)
البَعْثُ والحَشْرُ:
البَعْثُ
لُغَةً: الإِرْسَالُ والنَّشْرُ.
وشَرْعًا:
إحياءُ الأمْواتِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
والحَشْرُ
لُغَةً: الجَمْعُ.
وشَرْعًا:
جَمْعُ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ لحسَابِهِم والقَضَاءِ بينَهم.
والبَعْثُ والحَشْرُ حَقٌّ ثَابِتٌ بالكتابِ والسنَّةِ وإجْمَاعِ المُسلِمينَ، قالَ اللهُ تعالَى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنُّ}[التَّغَابُن: 7]، وقالَ تعالَى: {قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ}[الواقِعَة: 50، 49].
وقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لأَِحَدٍ))، مُتَّفَقٌ عليهِ.
وأَجْمَعَ المسلمونَ على ثُبُوتِ الحَشْرِ يومَ القِيَامَةِ.
ويُحْشَرُ الناسُ حُفَاةً: لا نِعَالَ عليهم، عُرَاةً: لا كِسْوَةَ عليهم، غُرْلاً: لا خِتَانَ فِيهِم؛ لقولِهِ تعالَى:
{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء: 104]، وقولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً))، ثمَّ قَرَأَ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}[الأنبياء: 104]، ((وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إبْرَاهِيمُ))، مُتَّفَقٌ عليهِ.
وفي حَدِيثِ عبدِ اللهِ بنِ أُنيسٍ المرفوعِ الذي رَوَاهُ أَحْمَدُ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القِيَامَةِ عُرَاةً غُرْلاً بُهْمًا))، قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: ((لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ))، الحديثَ.
(2) الحِسَابُ
الحِسَابُ لُغَةً: العَدَدُ.
وشَرْعًا: إِطْلاَعُ اللهِ عِبَادَهُ على أَعْمَالِهِم(1).
وهوَ ثَابِتٌ بالكتابِ والسنَّةِ وإِجْمَاعِ المسلِمِينَ.
قالَ اللهُ تعالَى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}[الغَاشِيَة: 25، 26].
وكانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يقولُ في بَعْضِ صَلاتِهِ: ((... اللهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا))، فَقَالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: مَا الحِسَابُ اليَسِيرُ؟ قال: ((أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابِهِ فَيَتَجاوَزَ عَنْهُ))، رَوَاهُ أَحْمَدُ. وقالَ الأَلْبَانِيُّ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وأَجْمَعَ المُسْلِمونَ على ثُبُوتِ الحِسابِ يومَ القِيَامَةِ.
وصِفَةُ الحِسَابِ للْمُؤْمِنِ:
((أَنَّ اللهَ يَخْلُو بِهِ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ اللهُ لَهُ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ))، مُتَّفَقٌ عليهِ مِنْ حديثِ ابنِ عُمَرَ.
والحِسَابُ عامٌّ لجَمِيعِ الناسِ إِلاَّ مَن اسْتَثْنَاهُم النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ وَهُم : ((سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، مِنْهُمْ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلاَ حِسَابٍ وَلاَ عَذَابٍ))، مُتَّفَقٌ عليهِ.
ورَوَى أحمدُ مِنْ حديثِ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا: ((أَنَّ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعِينَ أَلْفًا))، قالَ ابنُ كَثِيرٍ: حديثٌ صَحِيحٌ، وذَكَرَ لَهُ شَوَاهِدَ.
وأوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ هذهِ الأُمَّةُ؛لقولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيٌّ بَيْنَهُمْ قَبْلَ الْخَلاَئِقِ))، مُتَّفَقٌ عليهِ، ورَوَى ابنُ مَاجَه عن ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: ((نَحْنُ آخِرُ الأُمَمِ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ)) الحديثَ.
وأوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عليهِ العبْدُ مِنْ حُقُوقِ اللهِ الصلاةُ؛ لقولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلاَةُ، فَإِنْ صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ))، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ في الأَوْسَطِ، وَسَنَدُهُ لا بَأْسَ بِهِ إنْ شَاءَ اللهُ، قالَهُ المُنْذِرِيُّ في (الترغيبِ والترهيبِ) ص (246) ج (1).
وأَوَّلُ مَا يُقْضَى بينَ الناسِ في الدماءِ؛ لقولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ: ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ))، مُتَّفَقٌ عليهِ.
-----------------------
حاشية الشيخ صالح العصيمي
(1) لو قيل: الحساب شرعاً: هو عَدُّ أعمال العبد يوم القيامة، لكان أقوم وأصح.
(1) قالَ بعضُ العُلَمَاءِ: إنَّ اللهَ تعالَى أكْثَرَ في القرآنِ مِنْ ذِكْرِ البَعْثِ وأَدِلَّتِهِ، ومِن القَرائِنِ الَّتي تَدُلُّ عليهِ والمُعْجِزَاتِ والآياتِ والبَرَاهِينِ، وكذلكَ مَا بعدَهُ مِن الجزاءِ على الأعْمَالِ، ومِن الحَشْرِ والنَّشْرِ ومَا إِلى ذلكَ.
ولَعَلَّ الحِكْمَةَ مِن المُبَالَغَةِ في ذلكَ إِقْنَاعُ المُشْرِكِينَ؛ وذلكَ لأنَّ المُشْرِكِينَ مِن العَرَبِ كانوا يُنْكِرُونَ أَشَدَّ الإِنْكَارِ بَعْثَ الأَجْسَادِ، فَضْلاً عنْ حِسابٍ عليها أوْ عَذَابٍ، فَهُمْ يَقُولُونَ مِثْلَ مَا حَكَى اللهُ عنْهُم هُمْ والأوَّلُونَ أيْضًا بقولِهِ تعالى: {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: 29].
وكذلكَ حَكَى اللهُ عنهم قَوْلَهُ تعالَى: {إِنَّهُمْ أَلْفَوا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} [الصَّافَّات: 69- 70].
فلمَّا وَجَدُوا آبَاءَهُم على هذا الأَمْرِ الَّذي هوَ إِنْكَارُ البَعْثِ، تَبِعُوهم في ذلك، وحَكَى اللهُ تعالى عنهم قَوْلَهم: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} [الصَّافَّات: 16- 18]، أيْ: تُبْعَثُونَ وأَنْتُمْ ذَلِيلُونَ مَهِينُونَ.
ورَدَّ اللهُ على ذلكَ الكافِرِ الَّذي جَاءَ ومعهُ عَظْمُ ميِّتٍ يَفُتُّهُ وقدْ صَارَ رَمِيمًا، فقالَ: أَتَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ هذا يُبْعَثُ بعدَ أنْ صَارَ رَمِيمًا تُرَابًا؟ قالَ: ((نَعَمْ، يُمِيتُكَ اللهُ، ثُمَّ يُحْيِيكَ، ثُمَّ يَحْشُرُكَ إِلَى النَّارِ))، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى قولَهُ: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [يس: 77]، ذَكَّرَهُ بِخَلْقِهِ مِنْ نُطْفَةٍ، ومعَ ذلكَ أَصْبَحَ خَصِيمًا مُبِينًا.
ثمَّ قالَ تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} [يس: 78]، نَسِيَ بَدْءَ خَلْقِهِ الَّذي كانَ مَعْدُومًا، ثمَّ خُلِقَ، ثمَّ أُوجِدَ، إلى آخِرِ الآياتِ الَّتي فيها تَذْكِيرُهُ بالبَعْثِ، وبالآياتِ الدَّالَّةِ عليهِ بَعْدَ البَعْثِ.
وكثيرًا ما يَذْكُرُ اللهُ الآياتِ الَّتي في الحَشْرِ، ويَذْكُرُ يومَ القِيامَةِ، ويُسَمِّيهِ بِعِدَّةِ أسماءٍ، فيُسَمِّيهِ يومَ القِيامَةِ، ويُسَمِّيهِ بالسَّاعَةِ، ويُسَمِّيهِ بيومِ الحَشْرِ؛ لأنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ فيهِ، ويُسَمِّيهِ بالآزِفَةِ، والطَّامَّةِ، والحَاقَّةِ، والواقِعَةِ، والصَّاخَّةِ، وكلُّها أسماءٌ ليومِ القِيامَةِ وآثارِها.
وهذا اليومُ ذَكَرَ اللهُ عِظَمَ شَأْنِهِ فقالَ تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المُطَفِّفِين: 6]، ذُكِرَ في الأحاديثِ أنَّهم يقُومونَ ويَطُولُ قِيامُهم، وأنَّهُ يكونُ طَويلاً، قُدِّرَ في آيَةٍ أنَّهُ أَلْفُ سَنَةٍ ممَّا يُقَدِّرونَ، وفي آيَةٍ أُخْرَى خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ؛ في سُورَةِ المَعَارِجِ: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارِج: 4]. ثمَّ أخبَرَ بأنَّهُ قَرِيبٌ بقولِهِ تعالى: {إِنَّهُم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} [المعارِج: 6- 8]، أيْ: تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ المُهْلُ، {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9)} [المعارِج: 9]، أيْ: تَكُونُ كالْعِهْنِ المَنْفُوشِ، إلى آخِرِ الآياتِ.
فنُؤْمِنُ بهذا، ونُؤْمِنُ بأنَّهُ بعدَ البَعْثِ يُحْشَرُ النَّاسُ، وأنَّ الأرضَ تُسَوَّى فتَزُولُ عنها الجِبَالُ الَّتي عليها، وتُصْبِحُ الجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلاً، ثمَّ بعدَ ذلكَ تُصْبِحُ كأنَّها العِهْنُ؛ وهوَ القُطْنُ المَنْفُوشُ تَطِيرُ بِهِ الرِّياحُ، قالَ تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النَّمْل: 88].
وهي تَنْتَقِلُ فلا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ، ولا يَبْقَى لها مَكَانٌ، فيَنْسِفُها اللهُ تعالى، ثمَّ تُسَوَّى بالأرضِ، يقولُ اللهُ تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا} [طه: 105- 106]، أي: الأرضُ تكونُ قَاعًا صَفْصَفًا مُسْتَوِيًا {لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلاَ أَمْتًا} [طه: 107]، يَمُدُّها اللهُ تعالى، يقولُ: {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} [الانْشِقَاق: 3- 4]، تُمَدُّ كَمَا يُمَدُّ الأَدِيمُ العُكَاظِيُّ، وتُسَوَّى بحيثُ لا يَكُونُ لها مُرْتَفَعٌ ولا مُنْخَفَضٌ.
وبعدَ ذلكَ تَبْقَى هَكَذا، فيَجْتَمِعُ عليها الخَلْقُ مِنْ أَوَّلِهِم إلى آخِرِهِم؛ يَجْتَمِعُون كلُّهم، لا يُحْصِي عدَدَهُم إلاَّ اللهُ تعالى، يُحْشَرُونَ على هذهِ الأرضِ، ثُمَّ تَنْزِلُ مَلاَئِكَةُ السَّمَاءِ الدُّنيا فتُحِيطُ بِهِم، وكذا مَلائِكَةُ السَّماءِ الثَّانِيَةِ والثَّالثةِ، إلى أنْ تَنْزِلَ الملائِكَةُ كلُّهُم فيُحِيطُونَ بِهِم.
ونُؤْمِنُ بِمَا ذَكَرَهُ اللهُ مِن الآياتِ والأعمالِ الَّتي فيها، وأنَّها تُنْصَبُ المَوَازِينُ، قالَ تَعَالَى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ} [الأعراف: 8- 9]، ذَكَرَ اللهُ الوَزْنَ في عِدَّةِ آيَاتٍ.
وكذلكَ تُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ؛ الصَّحَائِفُ الَّتي فيها الأَعْمَالُ، قالَ تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ} [الإسراء: 13 - 14]، {وَيَقُولُونَ مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49]، فيَقْرَءُونَ كُتُبَهُم ويَجِدُونَ فيها أَعْمَالَهم الَّتي عَمِلُوها كلَّهَا، وتَتَطَايَرُ الكُتُبُ إلى الأَيْمَانِ أو الشَّمَائِلِ، قالَ تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (71) وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإِسْرَاء: 71- 72].
أمَّا الكِتَابُ الَّذي يُعْطَى باليمِينِ فَمَكْتُوبٌ فيهِ: هذا كِتَابٌ مِن اللهِ لِفُلاَنِ بنِ فُلاَنٍ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عالِيَةً، قُطُوفُها دَانِيَةٌ، وأنَّهُ يُشْرِقُ وَجْهُهُ، ومِنْ فَرَحِهِ يقولُ: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19)} [الحاقَّة: 19].
وأمَّا الآخَرُ فيقُولُ: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} [الحاقَّة: 25].
نُصَدِّقُ بهذا كلِّهِ ولو اسْتَبْعَدَهُ مَن اسْتَبْعَدَهُ.
وَوُقُوفُ النَّاسِ وحَشْرُهُم في ذلكَ اليومِ ذَكَرَهُ اللهُ في القُرْآنِ ذِكْرًا مُتَكَرِّرًا مُتَوَاتِرًا، وأنَّ النَّاسَ بَعْدَمَا يُبْعَثُونَ يُحْشَرُونَ على أَقْدَامِهِم؛ يُحْشَرُونَ وَهُمْ عُرَاةٌ، وأوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهيمُ عليهِ السَّلامُ، ويُحْشَرُونَ وهُمْ حُفَاةٌ لَيْسَ في أَرْجُلِهِم نِعَالٌ، وكذلكَ غُرْلاً، أيْ: غَيْرَ مَخْتُونِينَ كَمَا فَسَّرَهُ بذلكَ ابنُ كَثِيرٍ.
وكذلكَ يُبْعَثُونَ بُهْمًا، أيْ: سُودَ الأَبْدَانِ مِن الشَّمْسِ، وقيلَ: إنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ، أيْ: لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَتَكَلَّمُوا؛ وذلكَ مِن الفَزَعِ، قالَ تعالى: {لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ} [الأنبياء: 103].
وقدْ ذَكَرَ اللهُ أنَّهم لاَ يَتَكَلَّمُونَ كَمَا في قولِهِ تَعَالَى: {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا (108)) [طه: 108]، قيلَ: الهَمْسُ: وَطْءُ الأَقْدَامِ، وقيلَ: الكلامُ الخَفِيُّ، وهذهِ إِشَارَاتٌ إلى مَا ذَكَرَهُ اللهُ في القرآنِ وأَوْضَحَهُ عن البَعْثِ والحِسَابِ.
القارئ: (وَيُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً بُهمَاً، فَيَقِفُونَ في مَوْقِفِ القِيَامَةِ، حَتَّى يَشْفَعَ فِيهمْ نَبيُّنَا مُحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فَيُحَاسِبُهُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَتُنْصَبُ المَوَازِينُ، وَتُنْشَرُ الدَّواوِينُ، وَتَتَطَايَرُ صُحُفُ الأَعمَالِ إِلى الأيمانِ وَالشَّمَائِلِ: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيراً (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتاَبَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثبُوُرًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا} [الانشقاق: 7-12].
وَالمِيزَانُ لَهُ كِفَّتانِ وَلِسَانٌ تُوزَنُ بِهِ الأَعْمَالُ: {فَمَن ثَقُلَتْ مَواَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 102 - 103].
وَلِنَبيِّنَا مُحمّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْضٌ في القِيامَةِ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَياضاً مِن اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَبارِيقُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَداً.
وَالصِّراطُ حَقٌّ يَجُوزُهُ الأَبْرَارُ، وَيَزِلُّ عَنْهُ الفُجَّارُ).
الشيخ: النَّاسُ يحشرون يومَ القيامةِ، فالنَّاسُ إذا ماتوا وكانوا في قبورِهِم يَبلى كلُّ شيءٍ من ابنِ آدمَ إلا عجبَ الذَّنبِ، كما ثبت ذلك في الحديثِ الصَّحيحِ الَّذي رواه البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهُما، أنَّ أبا هريرةَ قال: سمعت رسولَ اللهِ _ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم _ يقول: ((كلُّ شيءٍ يبلى من ابنِ آدمَ إلا عَجْبَ الذَّنبِ، ومنه يُركَّب الخلقُ يوم القيامةِ)) فهي تبقى، هذه البذور التي هي آخرُ عظامِ العمودِ الفقريِّ، عجب الذنب، يبقى في الأرضِ كبذرةٍ ينبت منها جسمُ صاحبِهَا إذا أراد اللهُ -جلّ وعلا- بعثَ الورى.
فإذا نُفخَ في الصُّورِ نفخةَ الصَّعقِ وماتت الخلائقُ جميعاً إلا من شاء اللهُ بعث اللهُ -جلَّ وعلا- سحاباً يحمل مطراً كمنيِّ الرِّجالِ، فتُمطرُ الأرضُ منه أربعين صباحاً، فتنبتُ منه أجسامُ الورى، تنبتُ منهُ أجسامُ النَّاس حتَّى تكونَ على أكملِ هيئةِ شبابٍ؛ في سنِّ ثلاث وثلاثين، الصَّغيرُ والكبيرُ يكونون على هذا السّنِّ إلا بعضَ الخلائقِ.
ثمَّ إذا كانوا، وشبَّت أجسامُهُم، وأَخْرَجَت الأرضُ أثقالَهَا، ولم يكن في الأجسامِ أرواحٌ نُفخَ في الصُّورِ نفخة البعثِ، فتنطلقُ الأرواحُ من الصُّورِ إلى نفسِ كلِّ صاحبِ نفسٍ، فتهتزُّ الأجسامُ بالأرواحِ، ويحشرون إلى أرضِ المحشرِ.
وصف ذلك ابنُ القيِّمِ -رحمه اللهُ- في (نونيَّتِهِ) وصفاً بليغاً جيّداً يحسن حفظُهُ من طالبِ العلمِ فقال رحمه اللهُ:
وإذا أرادَ الــلـــهُ إخـراجَ الــورى بعد المماتِ إلـى الـمعـادِ الثَّاني
ألقى على الأرضِ الَّتي هُمْ تحتَهَا والــلـــهُ مـقـتـدرٌ وذو سلـــطانٍ
مـطـراً غـلـيـظـاً أبيـضاً مـتتابعاً عـشراً وعشراً بعدها عشران
فـتـظلُّ تنبتُ منه أجسامُ الورى مثلَ الـنَّبـاتِ كـأجـمـلِ الــرَّيحانِ
حـتَّى إذا مـا الأمُّ حـان ولادُهَا وتمـخَّضـَتْ فـنفاسُها مـتــدانِ
أوحى لها ربُّ السَّما فتشقَّقتْ فإذا الجـنـيـنُ كـأكــملِ الـشُّبَّانِ
ثمَّ إذا بعثَ اللهُ -جلَّ وعلا- الناس ورجعت الأرواحُ إلى الأجسامِ، سيق النَّاسُ إلى أرضِ المحشرِ، منهم الرَّاكبُ ومنهم من يُساقُ سوقاً، منهم السَّعيدُ في حشرِهِ إلى أرض المحشر، ومنهم من يفدُ على الرَّحمن وفداً، ومنهم من يُساقُ إلى جهنَّم وِرداً.
المتن: ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما.
الشرح: هذا الحشر، من الأمور التي يجب الإيمان بها الحشر، حشر الناس بعد القيام من قبورهم, يسيرون من القبور إلى المحشر، وهو مكان يجمع الله فيه الأولين والآخرين، مكان مستو ليس فيه مرتفع ولا جبل، ولا كثبان، أرض مستوية, يجتمعون فيها, يسمعهم الداعي وينفذهم البصر,كل الخلائق تجتمع في هذا المحشر, ((حفاة)) ليس لهم نعال, ((عراة)) ليس عليهم ثياب, ((غرلا)) غيرمختونين، القلفة التي قطعت في الختان في الدنيا تعود مكانها، ((بهما)) ليس معهم شيء, بهم:يعني ليس معهم شيء, عراة: ما معهم شيء, حفاة: ليس معهم نعال, ما معهم شيء أبداً إلا الأعمال.
فيقفون في المحشر، يقفون في المحشر وهو المجمع الذي يجمعهم الله فيه، {هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون ويل يومئذ للمكذبين}.
المتن: فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
الشرح: يطول وقوفهم في هذا المحشر, وتدنو منهم الشمس, ويتصبب منهم العرق, ويأخذ من كل واحد منهم بحسب أعماله, فيصيبهم الحر الشديد والضنك الشديد, والتعب الشديد, من طول الموقف، خمسين ألف سنة, عند ذلك يتراجعون فيما بينهم فيما يخلصهم من هذا الموقف الذي طال زمنه واشتد حاله، فيقولون: ليس لكم إلا الشفاعة, أحد يشفع لكم عند ربكم في أن يخلصكم من هذا الموقف.
فيذهبون إلى آدم أبي البشر ويطلبون منه الشفاعة إلى ربهم, وطلب الشفاعة من الحي القادر لابأس، الحي القادر لا بأس أن تطلب منه أن يشفع لك عند ربك, بمعنى أن يدعو لك عند ربك، طلب الدعاء شفاعة, فيعتذر آدم عليه السلام, فيذهبون إلى نوح أول الرسل فيعتذر، ويذهبون إلى موسى فيعتذر, يذهبون إلى عيسى فيعتذر, يذهبون إلى إبراهيم عليه السلام فيعتذر, يذهبون في النهاية إلى محمد صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين، فهم طلبوا الشفاعة من أولي العزم الخمسة؛ آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم, وآدم عليه السلام أبوهم, فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أنا لها)) فيقبل الشفاعة لهم عند الله, لكنه لايشفع عند الله ابتداء إلا بإذن الله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه, فيخر ساجداً ويدعو ربه ويتضرع إليه حتى يؤمر برفع رأسه,ويقال له: ((سل تعط)) فيشفع للخلائق في فصل القضاء بينهم, فيقبل الله شفاعته.
ثم يأتي سبحانه وتعالى لفصل القضاء بين عباده، يأتي بذاته سبحانه لفصل القضاء بين عباده,كما قال تعالى: {كلا إذا دكت الأرض دكاً دكا وجاء ربك والملك صفاً صفا} جاء لفصل القضاء بين عباده,وكما في قوله سبحانه: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر} هذا مجيء الله وإتيانه لفصل القضاء بين عباده، مجيئاً وإتياناً يليقان به سبحانه وتعالى وبعظمته, نثبتهما لله كما أثبتهما لنفسه.
ولا نؤول, فنقول: يأتي أمره؛ لأن هذا تأويل باطل، بل يأتي هو بذاته سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله, وكيف يشاء سبحانه, أما الكيفية فنحن لا نتعرض لها، كيف يجيء وكيف يأتي؟ لكن نثبت المجيء ونثبت الإتيان لله جل وعلا, وأنه بالذات كما أخبر الله بذلك عن نفسه سبحانه وتعالى, فيفصل بين عباده.
المتن: حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, ويحاسبهم الله.
الشرح: وهذه هي الشفاعة العظمى، النبي صلى الله عليه وسلم له شفاعات كثيرة؛منها ما هو خاص به صلى الله عليه وسلم,ومنها ما هو مشترك بينه وبين الأنبياء والصالحين.
ومن الشفاعات الخاصة به الشفاعة العظمى, وهي الشفاعة في أهل الموقف، هذه خاصة به صلى الله عليه وسلم, وهي المقام المحمود الذي ذكره الله بقوله: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً},سمي بالمقام المحمود؛ لأنه يحمده عليه الأولون والآخرون عليه الصلاة والسلام,هذه الشفاعة العظمى,ويأتي بقية أنواع الشفاعات.
المتن: ويحاسبهم الله تبارك وتعالى.
الشرح: يحاسبهم الله,الحساب معناه إيقافهم على أعمالهم, ومناقشتهم عليها وتقريرهم بها,أما الكفار فإنهم لايحاسبون محاسبة موازنة بين الحسنات والسيئات؛ لأنهم ليس لهم حسنات,ولكنهم يحاسبون حساب تقرير فقط, يقررون بأعمالهم, ويوفقون عليها, وأما المؤمنون فيحاسبون حساب موازنة بين السيئات والحسنات، فمن المؤمنين من لا يحاسب أبداً, يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب, كما في الحديث في السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، ومنهم من يحاسب حساباً يسيراً، منهم من يحاسب حسابا يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً, ومنهم من يناقش الحساب ويثقل عليه الحساب.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((من نوقش الحساب عذب)).
فهذه أنواع المؤمنين في الحساب؛ منهم من لا يحاسب,يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، ومنهم من يحاسب حساباً يسيراً, ومنهم من يحاسب حساب مناقشة، ويدخل في حقه الحساب,وقد يعذب بذنوبه, وأما الكفار فإنهم لا يحاسبون حساب موازنة بين الحسنات والسيئات؛ لأنهم ليس لهم حسنات، وإنما يحاسبون حساب تقرير,فيعترفون بذنوبهم,هذا هو حساب الكفار.
المتن: وتنصب الموازين.
الشرح: كذلك مما يجري في يوم القيامة نصب الموازين، موازين الأعمال، قال تعالى: {والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون}, توضع الحسنات في كفة, والسيئات في كفة, وهذا من تمام العدل, عدل الله سبحانه وتعالى, فمن رجحت حسناته سعد وفاز, ومن خفت حسناته وثقلت سيئاته خاب وخسر, {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم} {فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية}.
{وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية}.
أمه، الأم الشيء الذي يصار إليه, فمصيره إلى جهنم والعياذ بالله, وقيل: أمه أم دماغه، بمعنى أنه يسقط في النار على رأسه، {فأمه هاويه} والعياذ بالله.
وهذا الوزن حقيقي, ميزان حقيقي حسي, له كفتان كما جاء في الأحاديث, له كفتان, لكن الله أعلم بكيفيته؛ لأنه من أمور الآخرة, لكن معناه معلوم, وهو أنه ميزان حقيقي, له كفتان, توضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة, وأيهما رجح فإن صاحبه يعامل بحسبه خيراً أو شراً.
وهذا ثابت في كتاب الله عز وجل, وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأجمع عليه المسلمون, أما المعتزلة فيقولون: مافيه ميزان حقيقي, وإنما هو كناية عن العدل, إقامة العدل، وهذا على منهجهم الخبيث, وهو تحكيم العقول, وعدم النظر إلى النصوص, وهذا مذهب باطل وضال.
المتن: وتنشر الدواوين.
الشرح: الدواوين هي الكتب التي سجلت فيها أعمال ابن آدم, وهي الصحائف, صحائف الأعمال؛ لأن ما عمله الإنسان في هذه الدنيا فهو مكتوب, كتبته عليه الحفظة, الملائكة الحفظة من خير أو شر, {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}, فيعطى الإنسان كتابه المملوء بأعماله ويقرؤه.
أما المؤمن فإنه يعطى كتابه بيمينه {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه}, يفرح وودَّ لو أنَّ الناس يطلعون على كتابه؛ لأنه سار, والشيء إذا كان ساراً فإنك تود أن الناس يطلعون عليه, {هاؤم اقرؤوا كتابيه إني ظننت} يعني: آمنت وأيقنت, {أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية}.
وأما الكافر فإنه يعطى كتابه بشماله من وراء ظهره، والعياذ بالله {وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه} يتمنى أنه لم يعط كتابه, الأول فرح بكتابه، وهذا يقول: {يا ليتني لم أوت كتابيه}, يتمنى أنه ما رأي ها الكتاب, ولا عُرض عليه؛ لأنه فضيحة, {ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية} يعني: ليتني لم أبعث, وليت الموت كان هو النهاية, {يا ليتها كانت القاضية} يعني: ليت الموت كان هو النهاية, {ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه}, هذا بعد تطاير الصحف, تطاير الصحف باليمين أو بالشمال.
المتن: وتنشر الدواوين وتتطاير صحف الأعمال إلى الأيمان والشمائل.
الشرح: هذا ثابت في كتاب الله, وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وهذا من تمام العدل من الله سبحانه وتعالى, أنه لا يظلم أحدا أو يحمِّل أحدا ما لم يعمله.
المتن: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً}
الشرح: في آيات جاء بشماله, وفي آية من وراء ظهره، والجمع بين الآيتين أنه يعطى كتابه بشماله ومن وراء ظهره؛ إهانة له والعياذ بالله, فيحصل هذا وهذا له، ومن طرائف ما يذكر، أن بعض الفرق الضالة إذا مات الميت يقطعون يده اليسرى, يقولون: ما يلقى له شمال يوم القيامة, فيعطى كتابه باليمنى إذا ما وجدت اليسرى يعطى كتابه باليمين، ولا يؤمنون أن الله يعيد يده التي قطعوها كما كانت، هذا من طرائف أخبار بعض الفرق الضالة.
, (( ويحشر الناس يوم القيامة)) أي يُجمعون لمكان الحشر يوم القيامة((حفاة)) غير منتعلين, ((عراة)) الأجسام, (( غرلاً)) غيرمختونين((بهماً)) ليس معهم شيء من أمتعتهم وغيرها .
فيحشرون يوم القيامة ويجمعون في صعيد واحد, وتكون أرض المحشر مستوية, شبهها رسول الله r بأنها كقرص نقي , والنقي : هو الدقيق المنخول, وقرصه يكون أبيض مائلاً إلى الحمرة فيجتمع الخلائق أولهم وآخرهم على تلك الحال : حفاة, عراة , غرلاً حتى قالت عائشة للرسول r : يارسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال : (( الأمر أكبر وأشد من أن يهمهم ذلك))(1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&p=7031#_ftn1) .
ومثال هذا في الدنيا , لو أنه حدث اليوم زلزال في مكان ما , وبدأت البيوت تتهدم وتتساقط وخرج الناس رجالاً ونساءً مذعورين ,هل يفكر الإنسان في إمراة خرجت كاشفة وجهها وشعرها , أو حتى لو كانت بثياب البيت ؟ لا يفكر الإنسان إلا في نجاة نفسه , فكيف إذا كان الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى والعين شاخصة إلى السماء , والقلوب قد بلغت الحناجر , والأمر جدّ خطير يتعلق بمصير الإنسان وخلود إما نعيم أبدي أو عذاب أبدي لا شك أن الإنسان لن يفكر في هذه الأمور أي تفكير , لأن الحالة والهول والشدة أكبر من ذلك بكثير.
(( فيقفون في موقف القيامة)) وهو المحشر , ((حتى يشفع فيهم نبينا محمد r)) وهذا بيان للشفاعة العظمى والكبرى المسماة بالمقام المحمود , وهي أن الناس يقفون في العرصات على هذه الحالة عراة, حفاة , غرلاً , بهماً وتدنو الشمس منهم, فيعرقون ويشتد كربهم .
فيطالب الجميع - المؤمن والكافر - بفصل القضاءوذلك لما هم فيه من شدة الكرب وطول اليوم, فيتشاورون فيما بينهم أن أبحثوا عن وسيلة إلى ربكم تخلصنا مما تحن فيه , فيبحثون عمن يشفع لهم عند الله تبارك وتعالى فيذهبون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى موسى ثم إلى عيسى كل واحد من هؤلاء يعتذر عن الشفاعة, وكل منهم يوجه الناس على النبي الذي بعده , حتى يقول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام : اذهبوا إلى محمد r عبد غُفر لـه ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
فيأتون إلى الرسول r ويقولون : اشفع لنا إلى ربك فيقول النبي r : (( أنا لها)), ثم يسجد تحت العرش ويلهمه الله سبحانه وتعالى بمحامد لم يلهمها من قبل, فيقول الله لـه بعد ذلك : (( يا محمد ارفع رأسك وسل تُعْطَه واشفع تشفع))(2) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&p=7031#_ftn1) وحيئنذ يحمده الخلائق على هذا المقام ثم ينزل الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء .
والمقصود هنا أن الشفاعة العظمى التي هي المقام المحمود
خاصة بنيبنا محمد r , أما أنواع الشفاعات الأخرى فستاتي قريباً إن شاء الله تعالى .
قال الشيخ : (( ويحاسبهم الله تبارك وتعالى)) فبعد الشفاعة يحاسب الله الخلائق على أعمالهم , فتحصى على العبد كل أعماله وأقواله وتصرفاته ويحاسب على ذلك كله ؛ ولهذا ورد في الحديث عن النبي r أنه كان يدعو ويقول : (( اللهم اجعل حسابي يسيراً))(3) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&p=7031#_ftn1) لأن الله تعالى أخبر عن ذلك فقال :)فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً( (الانشقاق:8) .
وقال r في الحديث الآخر : ((من نوقش الحساب عذِّب) قالت عائشة : ألم يقل الله تعالى : ) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً( فقال لها : (( إنما ذلك العرض, ولكن من نوقش الحساب عذِّب))(4) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&p=7031#_ftn2) فكل من نوقش الحساب فقد استحق العذاب ؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( لن يدخل أحد الجنة بعمله)) قالوا : ولا أنت يارسول الله ؟ قال : (( ولا أنا, إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل))(5) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&p=7031#_ftn3).
ثم قال الشيخ : (( وتنصب الموازين )) . أي توضع الموازين لتوزن بها الأعمال, وقد قيل : إنه ميزان واحد, وقيل: إنها موازين متعددة , كما قال تعالى :)وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَة( (الانبياء: من الآية47) .
والثابت عن النبي r أن هذا الميزان ميزان حقيقي لـه كفتان , وأنه توزن به الأعمال, ولو كانت أعراضاً من الإيمان والمحبة الصدق والخوف والكلمة الطيبة ونحوها لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير فهو قادر على أن يجعل العراض كالعيان توزن فيؤتى بإيمان الإنسان وصدقه وإخلاصه وحبه لله وحبه للرسول , وغيرها من اعمال القلوب واعمال الجوارح, وتوزن كلها ويشهاهدها الإنسان وهي توزن ولهذا ورد أن لا إله إلا الله التي شهدها العبد صدقاً من قلبه تكتب في بطاقة وتوضع في كفة الميزان(6) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/#_ftn1) , وكذلك أيضاً ورد أن العباد أنفسهم يوزنون كما في حديث النبي r أنه قال: (( يؤتى بالرجل العظيم السمين من أهل الدنيا يوم القيامة فلايزن عد الله جناح بعوضة))(7) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/#_ftn2) .
ولما تعجب الصحابة من دقة ساقي عبدالله بن مسعود وضحكوا , قال رسول الله r : (( تعجبون من دقة ساقيه ؟ لهما عندالله أثقل من جبل أحد ))(8) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/#_ftn3).
فالصحيح أنه ميزان حقيقي, وأنه توزن به الأعمال كلها , وأيضاً يوزن به العاملون, هذا هو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة .
(( وتنشر الدواوين)) : جمع ديوان , والديوان هو الصحيفة التي كتبت فيها الملائكة وأحصت فيها أعما ل العباد, ومن ثم فإن لكل شخص ديواناً تكون قد أحصيت فيه أعماله وتنشر أمام صاحبه يوم القيامة.
قال: (( وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل)) أي : بعد الحساب , والموازين, ونشر الدواوين, تتطاير الصحف التي هي نتائج ذلك الحساب وتلك الدواوين, فأما من أوتي كتابه بيمينه فهو الناجي السعيد نسأل الله الكريم من فضله , ومن أوتي كتابه بشماله من وراء ظهره فهو الخاسر الشقيان - نسأل الله السلامة والعافية - .
وفي ذلك اليوم العظيم اليوم الذي لا شك فيه أبداً ولا ريب يتبين من هو الخاسر ومن هو الرابح لأن موازين الآخرة ونتائج حسابها أبدية سرمدية فإما أن يسعد العبد سعادة لا يشقى بعده أبداً وإما أن يشقىشقاوة لايسعد بعدها أبداً فالربح الحقيقي والخسران الحقيقي إنما هو في ذلك اليوم, أما موازين الدنيا وخساراتها في جاهها , ومناصبها, وأموالها, وشهاداتها , فكلها أمور لا تساوي شيئاً أمام هذا الموقف العظيم , وليس بيننا وبين قربنا من ذلك الموقف إلا الموت وكل منا لايدري متى اجله .
ثم استشهد الشيخ بالآيات كقوله تعالى :)فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً(
أي من أعطاه الله الكتاب باليمين فهذا هو الذي يُحاسب حساباً يسيراً كما سبق )وَيَنْقَلِبُ إِلَى أهل هِ مَسْرُوراً( أي إلى أهل ه وبيته في الجنة مسروراً أعظم سرور, بنجاته من النار , وبفوزه بالجنة ورضا الرحمن.
)وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ( وقد ورد في الأدلة الأخرى أنه يعطى كتابه بالشمال, فقيل : يجمع بينهما بأنه يعطى بشماله من وراء ظهره , ويحتمل أن هذه الفئة قسمان منهم من يعطى بشماله ومنهم من يعطى كتابه من وراء ظهره زيادة في تبكيته وذله والله اعلم.
قال : )فَسَوْفَ يدعوثبورا ( أي يدعو على نفسه بالويل والثبور والهلاك , كما يتمنى أن يكون تراباً, قال الله تعالى :)يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً( (النبأ:40) فهو يدعو بالهلاك والثبور على نفسه متمنياً أنه لم يكن شيئاً وأنه لم يخلق ولكن لانها ساعة ندم ولهذا قال تعالى : ) وَيَصْلَى سَعِيراً ( حيث لاينفعه صراخه, ولا دعاءه بالويل والثبور, وإنما تذهب به ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون تذهب به إلى نار جهنم فيصلى بها وتسعر وتوقد به .
(1) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&p=7031#_ftnref1) اخرجه البخاري كتاب الرقاق ومسلم كتاب الجنة .
(2) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&p=7031#_ftnref1) اخرجه البخاري كتاب التوحيد ومسلم كتاب الإيمان .
(3) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&p=7031#_ftnref1) اخرجه احمد في المسند قال اللباني : واسناده جيد وصححه الحاكم ووافقه الذهبي انظر المشكاة رقم (5562) .
(4) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&p=7031#_ftnref2) اخرجه البخاري رقم(103) كتاب العلم .
(5) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&p=7031#_ftnref3) اخرجه البخاري رقم(6463) كتاب الرقاق .
(6) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&p=7031#_ftnref1) حديث البطاقة اخرجه الترمذي كتاب الإيمان واحمد في المسن وابن ماجه كتاب الزهد وصححه اللباني وهو في السلسلة الصحيحة
(7) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&p=7031#_ftnref2) اخرجه البخاري كتاب التفسير
(8) (http://www.afaqattaiseer.com/vb/editpost.php?do=editpost&p=7031#_ftnref3) اخرجه احمد في المسند
تيمية
01-02-2009, 03:14 AM
الإيمان بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة
قال الموفق رحمه الله: [ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً] . هذا متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في الصحيحين وغيرهما، وقد اتفق أئمة الحديث على أن الناس يحشرون يوم القيامة على هذه الحال، وقوله: (غرلاً) أي: ليسوا مختنين. قال الموفق رحمه الله: [فيقفون في موقف القيامة] . قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ [إبراهيم:48] فالأرض ستبدل، ولا يمكن أن يقال: هي الشام أو غيرها، وإن كان هناك دلائل على أن أرض الشام لها اختصاص من جهة جمع الناس ليوم الحساب. قال الموفق رحمه الله: [حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويحاسبهم الله تبارك وتعالى] . هذا مقام الشفاعة العظمى، وقد أجمع المسلمون على ثبوتها من أهل السنة وأهل البدعة، ولم يخالف فيها أحد، وهذه الشفاعة هي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الموقف أن يقضي ويفصل الحساب بينهم، وقد تواترت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وحديثها في الصحيحين وغيرهما من رواية جماعة من الصحابة كأبي هريرة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بلحم، فرفع إليه الذراع فكانت تعجبه، فنهس منها نهسةً، ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم؟ فيأتون آدم فيعتذر عن الشفاعة، فيأتون نوحاً فيعتذر، فيأتون إبراهيم فيعتذر، فيأتون موسى فيعتذر، فيأتون عيسى فيعتذر، ثم يأتون محمداً صلى الله عليه وسلم ، قال: فأنطلق، فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبلي، ثم قال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي. فيقال: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب
الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى)، وهذا الحديث له طرق في الصحيحين وغيرهما. والشفاعة العظمى دل عليها ظاهر القرآن كما في قوله تعالى: وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء:79]فإن المقام المحمود في تفسير السلف هو شفاعته صلى الله عليه وسلم. ......
الإيمان بنصب الموازين يوم القيامة
قال الموفق رحمه الله: [وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين] . هذا كله حق على ظاهره كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، قال تعالى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون:102-103]، قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً [الأنبياء:47]وهذه الموازنة إذا ذكرت الموازنة على صيغة المقارنة فيراد بها الموازنة بين التوحيد والكفر، فقوله: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) أي: بالإيمان، (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) أي: بالشرك. وما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله وتبعه عليه ابن القيم في أهل الكبائر من المسلمين حين قالوا: إن أهل الكبائر من المسلمين ثلاثة أقسام: قوم فضلت -أي: زادت -حسناتهم على كبائرهم، قالوا: فهؤلاء لا يعذبون، ولا يمسهم شيء من الوعيد مع ما عندهم من الكبائر، بل يصيرون إلى الجنة ابتداءً. - وقوم تساوت حسناتهم مع كبائرهم من سيئاتهم، فهؤلاء لا يعذبون ولكنهم لا يدخلون الجنة ابتداءً، بل يحبسون عن الجنة زمناً ثم يدخلون إياها. - وقوم زادت كبائرهم وسيئاتهم على حسناتهم، فهؤلاء هم الذين يعذبون في النار قدراً ثم يدخلون الجنة. ويعد ابن حزم أول من فصل هذا التفصيل ونسبه لأهل السنة، وجاء ابن القيم رحمه الله فزاد على ذلك ما هو أشد من التصريح، فقال في هذه المسألة: "ومسألة الموازنة لا يعرف الحق فيها كثير من الناس"، وقال: "بل كثير من المنتسبين للسنة لا يعرفون إلا قول المرجئة، وأما قول الصحابة والتابعين فإنهم لا يعرفونه، وهو: أن أهل الكبائر على ثلاثة أقسام". ثم ذكر هذا التقسيم، فجعله ابن القيم رحمه الله قولاً للصحابة والتابعين، وجعل خلافه قول المرجئة. وهذا كله لا أصل له، وإن كان تكلم به ابن القيم رحمه الله فهذا ليس
صحيحاً، ولم يعرف في كلام أئمة السنة المتقدمين هذا التفصيل، وابن القيم رحمه الله إنما نقل هذا عن أبي محمد ابن حزم في كتاب (الفِصَلَ)، مع أن ابن حزم أخف في التعبير والجزم من ابن القيم ، فابن القيم في طريق الهجرتين زاد في التعبير، وجزم أنه مذهب جميع الصحابة... إلخ، وقد استدل ابن القيم بعموم قوله تعالى: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ)، وقوله: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) وهذا ليس وجه في القياس صحيح، فإن المقصود بهذه الآيات الإيمان والكفر، وهذا صريح في سياقها، ولهذا قال: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ [المؤمنون:103-106]، فالسياق صريح في المؤمنين والكفار، فاستدلاله رحمه الله ليس في مقامه. ثم استدل بأن طائفة من الصحابة كجابر بن عبد الله و ابن مسعود قالوا في أهل الأعراف الذين ذكرهم الله في سورة الأعراف: وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ [الأعراف:46]... إلخ، قال: إن أهل الأعراف هم من استوت حسناتهم مع سيئاتهم، وأنهم يحبسون عن الجنة. أولاً: هذا ليس إجماعاً للصحابة، بل إن صح فهو تفسير لعدد من الصحابة قد لا يصلون إلى العشرة، وروي عن ابن عباس ، واختلف قول ابن عباس في ذلك عن ابن مسعود . ثانياً: أن هذا غير منضبط صحته عن الصحابة، ولهذا فإن ابن جرير رحمه الله منهجه في التفسير أنه إذا فسر الآيات وللصحابة قول؛ لا يعارضه، لكنه هنا لما ذكر قول ابن عباس و ابن مسعود و جابر بن عبد الله ذكر أقوالاً ثمانية في الأعراف، وهذا مما يدلك على أن أهل الأعراف ليس فيهم إجماع: أنهم من تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، بل السلف مختلفون
فيهم. وقال ابن جرير : "الصواب أن الله أعلم بشأنهم"، ولم يجزم بأنهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم. إذاً: هذا التفصيل من ابن القيم و ابن حزم ليس صحيحاً، وقد دخل على ابن القيم رحمه الله قدر من كلام ابن حزم بعض المسائل، وهذه من أخصها. ومن الذي يستطيع أن يجزم بأن من زادت سيئاته ولو بواحدة أنه يعذب في النار؟ لا يمكن لأحد أن يجزم به، وليس في كتاب الله ذكر ذلك، وإنما الذي في الكتاب وأجمع عليه السلف هو الإيمان بالموازنة، والإيمان بالشيء المجمل لا يستلزم العلم به مفصلاً، والموازنة مردها إلى عدل الله ورحمته وحكمته. وقد وصف ابن تيمية رحمه الله القول الذي انتصر له ابن حزم و ابن القيم فقال: "هذا قول طائفة من المنتسبين إلى السنة من أصحابنا وغيرهم". وهذا تهوين منه لهذا القول، وأنه ليس من الأصول المجمع عليها عند الصحابة كما يقول ابن القيم رحمه الله. إذاً.. أن هذا قول غلط، والصواب التوقف، فيقال: الإيمان بالموازنة أصل، ولكن هذا مرده إلى عدل الله وحكمته ورحمته، والله سبحانه وتعالى هو الذي يحكم بين العباد، ولا يوصف بهذا الوصف المفصل، بل يقال على قول الله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ [الأنبياء:47] والقسط هنا صفة لهذه الموازنة، وهذا من لطيف اللغة. أن القسط مفرد مذكر، والموصوف جمع، مع أن القاعدة أن الصفة تطابق الموصوف، لكن هذا الأسلوب هو السليم في اللغة، تقول: هذه المقالات الغلط، والجواب عن هذا أن النعت هنا مصدر، ولهذا قال ابن مالك : ونعتوا بمصدر كثيرا فالتزموا الإفراد والتذكيرا ......
تيمية
01-02-2009, 03:14 AM
العناصر
شرح قول المؤلف: ( ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً)
كثرة أدلة البعث في القرآن الكريم
الإيمان بالبعث والنشور
وجوب الإيمان بكل ما صح مما يكون يوم القيامة
ما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر
الإيمان بالحساب
- صفة الحساب للمؤمن
- أول من يحاسب هذه الأمة
- الحساب عام لجميع الناس إلا من استثني
http://www.afaqattaiseer.com/vb/images/greennejom/misc/progress.gif
تيمية
01-02-2009, 03:14 AM
الأسئلة
س1: اذكر منهج أهل السنة والجماعة في الغيبيات.
س2: ما الفرق بين البعث والحشر؟ واذكر عقيدة أهل السنة والجماعة فيهما، مع الاستدلال.
س3: اذكر باختصار صفة الحشر.
س4: من أول من يكسى يوم القيامة؟
س5: درست عقيدة أهل السنة والجماعة في الحساب، فأجب عن الأسئلة التالية:
أ) عرف الحساب لغة وشرعاً.
ب) اذكر أدلة ثبوته.
ج) اذكر أنواع الحساب مع الاستدلال.
د) ما هو الحساب اليسير مع ذكر الدليل؟
ه) اذكر صفة الحساب للمؤمن.
و) هل يستثنى من الحساب أحد؟ استدل لما تقول.
ز) من أول الأمم حساباً؟
ح) ما أول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله تعالى؟
ط) ما أول ما يقضى بين الناس فيه يوم القيامة؟
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir