المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الميزان


عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 12:24 AM
وَالمِيزَانُ لَهُ كِفَّتانِ وَلِسَانٌ تُوزَنُ بِهِ الأَعْمَالُ: {فَمَن ثَقُلَتْ مَواَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 102 - 103]

طيبة
11-27-2008, 10:49 PM
(3)
الْمَوَازِينُ:
الموازينُ: جَمْعُ مِيزَانٍ، وهوَ لُغَةً: مَا تُقَدَّرُ بهِ الأشياءُ خِفَّةً وثِقَلاً
وشَرْعًا:مَا يَضَعُهُ اللهُ يومَ القِيامَةِ لِوَزْنِ أعْمَالِ العِبَادِ.وقدْ دَلَّ عليهِ الكتابُ والسنَّةُ وإجْمَاعُ السَّلَفِ، قالَ اللهُ تعالَى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَمَ خَالِدُونَ}[المؤمِنون: 102 - 103]، {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}[الأنبياء: 47].
وقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((كَلِمَتَانِ حَبيَبتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيَفتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ))، مُتَّفَقٌ عليهِ.
وأَجْمَعَ السَّلَفُ على ثُبُوتِ ذلكَ.
وهوَ مِيزانٌ حَقِيقِيٌّ لهُ كِفَّتَانِ؛لحدِيثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ، عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ في صَاحِبِ الْبِطَاقَةِ قالَ: ((فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ في كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ في كِفَّةٍ)) الحديثَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وابنُ مَاجَه، قَالَ الأَلْبَانِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
واخْتَلَفَ العُلَمَاءُ: هلْ هوَ مِيزَانٌ واحِدٌ أوْ مُتَعَدِّدٌ؟
فقالَ بَعْضُهُم:مُتَعَدِّدٌ بحَسَبِ الأُمَمِ أو الأَفْرَادِ أو الأَعْمَالِ؛ لأنَّهُ لمْ يَرِدْ في القرآنِ إِلاَّ مَجْمُوعًا، وأمَّا إِفْرَادُهُ في الحديثِ فَبِاعْتِبَارِ الجِنْسِ.
وقالَ بعضُهم: هوَ مِيزانٌ واحِدٌ؛ لأنَّهُ وَرَدَ في الحديثِ مُفْرَدًا، وأمَّا جَمْعُهُ في القُرْآنِ فَبِاعْتِبَارِ المَوْزُونِ.
وكِلا الأَمْرَيْنِ مُحْتَمَلٌ، واللهُ أَعْلَمُ.

والذي يُوزَنُ العَمَلُ؛لظَاهِرِ الآيَةِ السَّابِقَةِ والحديثِ بَعْدَها.

وقيلَ:
صَحَائِفُ العَمَلِ؛ لحديثِ صَاحِبِ البِطَاقَةِ.

وقيلَ:
العَامِلُ نَفْسُهُ؛ لحديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ))، وقالَ: اقْرَؤُوا: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}[الكَهْف: 105]، مُتَّفَقٌ عليهِ.

وجَمَعَ بَعْضُ العُلَمَاءِ بينَ هذهِ النصوصِ
بأنَّ الجَمِيعَ يُوزَنُ، أوْ أنَّ الوَزْنَ حَقِيقَةً للصَّحَائِفِ، وحيثُ إنَّها تَثْقُلُ وتَخِفُّ بِحَسَبِ الأَعْمَالِ المَكْتُوبَةِ صَارَ الوَزْنُ كَأَنَّهُ للأعْمَالِ، وأمَّا وَزْنُ صَاحِبِ العَمَلِ فالمُرادُ بِهِ قَدْرُهُ وحُرْمَتُهُ، وهذا جَمْعٌ حَسَنٌ(2)، واللهُ أَعْلَمُ.

نَشْرُ الدَّوَاوِينِ:
النَّشْرُ
لُغَةً: فَتْحُ الكِتَابِ أوْ بَثُّ الشَّيْءِ.

وَشَرْعًا:
إِظْهَارُ صَحَائِفِ الأَعْمَالِ يَوْمَ القِيامَةِ وَتَوْزِيعُها.

والدَّواوينُ:
جَمْعُ: دِيوانٍ، وهوَ لُغَةً: الكِتَابُ يُحْصَى فيهِ الْجُنْدُ ونَحْوُهُم.

وشَرْعًا:
الصَّحَائِفُ التي أُحْصِيَتْ فيها الأَعْمَالُ التي كَتَبَها المَلائِكَةُ على العَامِلِ.
فَنَشْرُ الدَّوَاوِينِ: إِظْهَارُ صَحَائِفِ الأَعْمَالِ يومَ القِيامَةِ، فتَطَايَرُ إلى الأَيْمَانِ والشَّمَائِلِ.

وهوَ ثَابِتٌ بالكتابِ والسنَّةِ وإِجْمَاعِ الأُمَّةِ.
قالَ اللهُ تعالَى:
{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسَيِرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا}[الانْشِقَاق: 7 - 12]، {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}[الحَاقَّة: 25].
وعنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها سَأَلَت النبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ: (هَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ؟) قالَ: ((أَمَّا فِي ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ فَلاَ يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ تَطَايُرِ الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ: في يَمِينهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ، أَمْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ حَتَّى يَجُوزَ))، رَوَاهُ أبُو دَاودَ، والحاكِمُ وقَالَ: صَحِيحٌ على شَرْطِهِمَا.
وأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على ثُبُوتِ ذلكَ.
صِفَةُ أَخْذِ الكِتَاب
المؤْمِنُ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بيَمِينِهِ فيَفْرَحُ ويَسْتَبْشِرُ ويَقُولُ: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ}[الحاقَّة: 19]، والكافِرُ يَأْخُذُهُ بشِمَالِهِ أوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ(3) فيَدْعُو بالوَيْلِ والثُّبُورِ، ويقولُ: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ}[الحاقَّة: 25، 26].
-------------------
حاشية الشيخ صالح العصيمي
(2) والأول منهما أحسن، وهو الموافق لمقتضى المنقول في الباب من الأحاديث الثابتة.
(3) لعل الصحيح: أنه يأخذ كتابه بشماله وراء ظهره، فيتلقاه بيده الشمال آخذاً له من خلفه لا من أمامه إهانةً له.

طيبة
11-27-2008, 10:59 PM
(2) مِمَّا نُؤْمِنُ بِهِ المِيزَانُ، وقدْ ذَكَرَهُ اللهُ تعالى في عِدَّةِ سُوَرٍ، فذَكَرَهُ في سُورَةِ الأنبياءِ، قالَ تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَومِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47]، هذا دَلِيلٌ على أنَّهُ مِيزَانٌ حَقِيقِيٌّ تُوزَنُ بِهِ الأَعْمَالُ، فيَظْهَرُ فيهِ خِفَّتُها أَو ثِقَلُهَا، ولَوْ كَانَ العَمَلُ خَفِيفًا كَحَبَّةِ الْخَرْدَلِ.
وقدْ ذَكَرَ اللهُ أيضًا الذَّرَّةَ في قولِهِ تَعَالَى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزَّلْزَلَة: 7- 8].
والذَّرَّةُ هيَ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، ومَاذا تَزِنُ؟!
وذَكَرَ اللهُ المِيزَانَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ} [الأعراف: 8- 9].
وكذلكَ ذَكَرَهُ في سُورَةِ المُؤْمِنينَ وفي سُورَةِ القَارِعَةِ، وكذلكَ وَرَدَت الأَحَادِيثُ في وَزْنِ الأَعْمَالِ.
وخَتَمَ البُخَارِيُّ صَحِيحَهُ: مَا جَاءَ في المِيزَانِ، بابُ قولِ اللهِ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47]، وَأَوْرَدَ بَعْضَ الآياتِ، وذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ))، فاسْتَشْهَدَ بقولِهِ: ((ثَقِيلَتَانِ في الْمِيزَانِ)).
وهذهِ الآياتُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلى إِثْباتِ المِيزَانِ.
وَوَرَدَ في الأحاديثِ أنَّهُ مِيزَانٌ حَقِيقِيٌّ لَهُ كِفَّتَانِ، وأنَّهُ تُوزَنُ فيهِ الأَعْمَالُ أوْ غيرُها، وأنَّ لَهُ لِسَانًا يُظْهِرُ مَيْلُهُ خِفَّةً أوْ ثِقَلاً فِي لِسَانِهِ، وَالكِفَّتانِ اللَّتانِ تُوضَعُ فيهما الأعْمَالُ.
ثمَّ اشْتَهَرَ عن المُعْتَزِلَةِ أنَّهم أَنْكَرُوا المِيزَانَ الحَقِيقِيَّ، وادَّعَوا أنَّ المِيزَانَ هوَ العَدْلُ في قولِ اللهِ تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47]، أي: العَدْلَ.
وقالُوا: لا يَحْتَاجُ إلى الوَزْنِ إلاَّ البَقَّالُونَ ونَحْوُهم، فأمَّا الرَّبُّ تعَالَى فليسَ بِحَاجَةٍ إلى أنْ يَنْصِبَ مِيزَانًا؛ لأنَّهُ يَعْدِلُ بينَ عِبَادِهِ، قالَ تعالى: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، فأَبْطَلُوا دَلالَةَ هذهِ النُّصُوصِ الصَّريحَةِ الَّتي فيها ذِكْرُ المِيزَانِ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلأَُ الْمِيزَانَ))، ونحوِ ذلكَ مِن الأحَاديثِ.
وأَهْلُ السُّنَّةِ أَقَرُّوا بأنَّهُ مِيزَانٌ حَقِيقِيٌّ، وأنَّ اللهَ تعالى يَنْصِبُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ، وأنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ لَهُ مِيزَانٌ تُوزَنُ فيهِ أَعْمَالُهُ، سَواءٌ كانَ مِيزَانًا واحِدًا تُوزَنُ فيهِ أَعْمَالُ العِبَادِ، أوْ مَوَازِينَ مُتَعَدِّدَةً؛ لِيَكُونَ ذلكَ أَدَلَّ عَلَى الْعَدْلِ وعَلَى عَدَمِ الظُّلْمِ، وأنَّهُ لاَ يُعَذِّبُ إلاَّ مَن اسْتَحَقَّ العَذَابَ.
وقد اخْتُلِفَ في المَوْزُونِ مَا هوَ؟ ويُمْكِنُ أنْ يَعُمَّ الوَزْنُ جَمِيعَ مَا وَرَدَ.
القولُ الأوَّلُ: أنَّ الأعْمَالَ تُوزَنُ ولوْ كَانَتْ أَعْرَاضًا؛ فإنَّ اللهَ قَادِرٌ على أنْ يَقْلِبَها أَجْسَامًا، فإنَّ الصَّلاةَ ليسَ لَهَا جِرْمٌ، وَلَكِنَّ اللهَ تعالى يَقْلِبُهَا جِسْمًا، فتَخِفُّ أَوْ تَثْقُلُ.
كما وَرَدَ في بَعْضِ الأحاديثِ: ((أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى الصَّلاَةَ وَأَسَاءَ فِيهَا صَعِدَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَلَهَا ظُلْمَةٌ، وَتُغْلَقُ دُونَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتَلْعَنُ صَاحِبَهَا فَتَقُولُ: ضَيَّعَكَ اللهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي، وَتُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا، وَأَمَّا إِذَا صَلَّى الصَّلاَةَ فَأَحْسَنَ فِيهَا صَعِدَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَلَهَا نُورٌ، فَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتَقُولُ: حَفِظَكَ اللهُ كَمَا حَفِظْتَنِي)).
فالصَّلاةُ عَرَضٌ، ومعَ ذلكَ يَكُونُ لَهَا هذا الْجِرْمُ، وكذلكَ الصِّيامُ يَكُونُ لَهُ جِرْمٌ يُوزَنُ، وكذلكَ بَقِيَّةُ الأعْمَالِ يَجْعَلُها اللهُ تعالى أَجْرَامًا، وهكذا أَيْضًا الَّذي لَهُ جِرْمٌ مثلُ الصَّدَقَاتِ، وَرَدَ أنَّ اللهَ تعالى يُرَبِّيها كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُم فُلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ، يُرَبِّي الصَّدَقَةَ ولوْ كَانَتْ يَسِيرَةً قَلِيلَةً، حتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ، ثمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُوزَنُ، وتَثْقُلُ أوْ تَخِفُّ بِحَسَبِ نِيَّةِ صَاحِبِهَا.
القولُ الثَّاني: أنَّ الَّذي يُوزَنُ هوَ الصُّحُفُ، أيْ: صُحُفُ الأَعْمَالِ الَّتي كَتَبَها الْكَتَبَةُ، فهِيَ الَّتي تُوزَنُ، ولَكِنَّها تَخِفُّ وتَثْقُلُ بِحَسَبِ مَا فيها مِن الأَعْمَالِ صَلاَحًا أوْ فَسَادًا.
واسْتُدِلَّ على ذلكَ بِحَدِيثِ صَاحِبِ البِطَاقَةِ وفيهِ: ((إِنَّ اللهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلاًّ، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ شَيْئًا مِنْ هَذَا؟ أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ يَقُولُ: لاَ يَا رَبِّ، يَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لاَ يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لاَ ظُلَمْ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاَّتِ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لاَ تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كِفَّةٍ، وَتُوْضَعُ الْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلاَّتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ)).
فَهَذا دَلِيلٌ على أنَّ الأَعْمَالَ الَّتي تُكْتَبُ في الصُّحُفِ تُوزَنُ، أيْ: تُوزَنُ تِلْكَ الصُّحُفُ، وأنَّ الثِّقَلَ وَالْخِفَّةَ بِحَسَبِ صِحَّةِ العَمَلِ وبِحَسَبِ الإِخْلاَصِ فيهِ. وكما في الحديثِ الَّذي فيهِ قَوْلُ اللهِ تعالى لِمُوسَى: ((لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ))، وهذا في حَقِّ مَنْ أَخْلَصَ تَوْحِيدَهُ، ونَطَقَ بهذهِ الكَلِمَةِ عَنْ إِخْلاَصٍ وَصِدْقٍ ويَقِينٍ.
القولُ الثَّالثُ: أنَّ الَّذي يُوزَنُ هوَ نَفْسُ العَامِلِ، وقَد اسْتُدِلَّ على ذلكَ بقولِهِ تعالَى: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكَهْف: 105]، أيْ: لا يَكُونُ لَهُم وَزْنٌ مُعْتَبَرٌ، أوْ إِذَا وُزِنُوا فإنَّهم يَخِفُّونَ ولا يَكُونُ لَهُم ثِقَلٌ في المِيزَانِ.
وفي حَدِيثٍ في سِيرَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ صَعِدَ مَرَّةً على شَجَرَةِ أَرَاكٍ يَقْطَعُ منها سِوَاكًا، فعَجِبَ الصَّحَابَةُ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّهُمَا فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ))، فَأَفَادَ بأنَّ الإِنْسَانَ يُوزَنُ، وأنَّهُ يَثْقُلُ بِحَسَبِ إِيْمَانِهِ.
وَوَرَدَ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ))، يَعْنِي: أنَّهُ لَمَّا لمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرٌ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ، خَفَّ مِيزَانُهُ فَلَمْ يُسَاوِ وَزْنَ جَنَاحِ البَعُوضَةِ.
وبِكُلِّ حَالٍ؛ لا مَانِعَ مِنْ أنْ يُوزَنَ العامِلُ، وتُوزَنَ الصُّحُفُ، وتُجَسَّدَ الأعْمَالُ فتُوزَنَ، ويَكونُ الْجَمِيعُ ممَّا يُوزَنُ؛ لِيَظْهَرَ عَدْلُ اللهِ تَعَالَى بينَ عِبَادِهِ، {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكَهْف: 49].

طيبة
11-27-2008, 11:17 PM
كذلك في عرصاتِ القيامةِ الميزان، والميزانُ جنسٌ للموازينِ، قالَ جل وعلا: {ونضعُ الموازينَ القسطَ ليومَ القيامةِ} وقال -جلّ وعلا-: {فمَنْ ثقُلَتْ موازينُهُ} فهي موازينُ، ومن أهلِ العلمِ مَنْ قال: إنَّهُ ميزانٌ واحدٌ.
وههنا نبَّهَ المؤلِّفُ -رحمَهُ اللهُ تعالى- إلى أنَّ الميزانَ حقيقةٌ، فقال: (له كفَّتان ولسانٌ) ويعني بذلك مخالفةَ المعتزلةِ الَّذين قالوا: إنَّ الميزانَ لا يُعقَلُ أن تكونَ حقيقتهُ في الآخرةِ كحقيقتِهِ في الدُّنيا من أنه توزَنُ به الأمورُ.
ويوزنُ في الميزانِ: العملُ، وصاحبُ العملِ، وصحائفُ الأعمالِ.
ومن أهلِ العلمِ مَنْ قال: إنَّ وزنَ صاحبِ العملِ هو وزنُ عملِهِ، لكن هذا جاء في أحاديثَ فيها وزنُ صاحبِ العملِ، وفيها وزنُ العملِ، وفيها وزنُ صحائفِ الأعمالِ.
كذلك ممَّا في عرصاتِ القيامةِ تطايرُ الصُّحفِ، والنَّاسُ على صنفين:
- منهم من يأخذُ كتابَه بيمينِهِ.
- ومنهم من يأخذُ كتابَه بشمالِهِ وراءَ ظهرِهِ.
فيكونُ ذلك التّلقِّي للكتبِ عن اليمين وعنِ الشمال بشارةً للمؤمنِ وحسرةً على الكافرِ، كما جاءَ ذلك في سورةِ الحاقَّةِ مبيَّناً.

طيبة
11-27-2008, 11:23 PM
المتن: والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال.
الشرح: هذا رد على المعتزلة, الميزان له كفتان حقيقيتان, وله لسان, يعني: الذي يدل على تعادل الكفتين أو رجحان إحداهما لسان الميزان المعروف.

المتن: توزن به الأعمال, {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفهسم في جهنم خالدون}.
الشرح: قد سألت عائشة رضى الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟, فقال:
(أما في ثلاثة مواضع فلا أحد يذكر أحدا؛ عند وزن الأعمال حتى يعلم هل ترجح حسناته أو سيئاته. هذا موضع, الموضع الثاني: عند تطاير الصحف حتى يعلم هل يعطى صحيفته بيمينه أو بشماله، والموضع الثالث: على الصراط, المرور على الصراط حتى يعلم هل ينجو أو لا ينجو.

طيبة
11-27-2008, 11:32 PM
ثم قال الشيخ : (( والميزان لـه كفتان ولسان)) وقد سبق بيان ذلك, فكفتا الميزان معروفتان, واللسان الذي في الوسط يحفظ توازن الكفتين معروف
أيضاً (( توزن به الأعمال)) ثم احتج بقوله تعالى: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) [المؤمنون : 102-103] فهذه هي نتيجة الحساب ؛ من ثقلت موازينه فهو الرابح وهو المفلح الناجي من النار الفائز بالجنان .
ومن خفت موازينه نسأل الله العافية فهوالخاسر؛ لأنه في يوم القيامة ليس هناك إلاطريقان لا ثالث لها, ما ليس هناك إلا طريق النجاة
- نسأل الله الكريم من فضله - أوطريق الخسران الذي يعقبه الخلود في نار جهنم .

تيمية
01-02-2009, 03:12 AM
لا يوجد له شرح

تيمية
01-02-2009, 03:13 AM
العناصر

الإيمان بالموازين
- معنى الميزان لغة وشرعاً
- دلائل إثبات الميزان
- عقيدة أهل السنة في الميزان
- الميزان حقيقي له كفتان
- الخلاف؛ هل هو ميزان واحد أو موازين متعددة؟
- بيان الذي يوزن
- تأويل المعتزلة للميزان والرد عليهم

تيمية
01-02-2009, 03:13 AM
أسئلة
س1: درست عقيدة أهل السنة والجماعة في الموازين، فأجب عن الأسئلة التالية:
أ) عرف الميزان لغة وشرعاً.
ب) اذكر أدلة ثبوته.
ج) هل الميزان حقيقي؟ وما الدليل على ذلك؟
د) هل الميزان اسم جنس لموازين متعددة؟ أو هو ميزان واحد؟
ه) ما الذي يوزن في الميزان؟ استدل لما تقول.
و) اذكر قول المعتزلة في الميزان، وكيف ترد عليهم؟
س2: ما المراد بنشر الدواوين؟ وما أدلة ثبوته؟
س3: اذكر أقسام الناس في أخذ كتبهم يوم القيامة.