المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشفاعة


عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 12:26 AM
وَيَشْفَعُ نَبيُّنَا صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ أُمَّتِهِ مِنْ أَهْلِ الكَبَائِرِ فَيَخْرُجُونَ بِشَفَاعَتِه بَعْدَمَا احْتَرَقُوا وَصَارُوا فَحْمًا وَحُمَمًا فَيْدخُلُونَ الجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ صلى الله عليه وسلم.
وَلِسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُؤْمِنينَ وَالملائِكَةِ شَفَاعَاتٌ، {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28]، وَلاَ تَنْفَعُ الكَافِرَ شَفَاعَةُ الشَّافِعينَ.

طيبة
11-27-2008, 10:53 PM
(6)
الشَّفَاعَةُ
الشفاعةُ لُغَةً: جَعْلُ الوِتْرِ شَفْعًا.

واصْطِلاحًا:
التوَسُّطُ لِلْغَيْرِ بِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ(10).

والشفاعةُ يَوْمَ القِيامَةِ نوعانِ:
-
خَاصَّةٌ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ.

-
وعَامَّةٌ لَهُ ولِغَيْرِهِ.

فالخَاصَّةُ بِهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ:
شَفَاعَتُهُ العُظْمَى في أَهْلِ المَوْقِفِ عندَ اللهِ لِيُقْضَى بينَهم حينَ يَلْحَقُهُم مِن الكَرْبِ والغَمِّ مَا لاَ يُطِيقُونَ، فيَذْهَبُونَ إلى آدَمَ، فنُوحٍ وإبراهيمَ، فمُوسى فَعِيسَى، وكُلُّهم يَعْتَذِرُونَ، فيَأْتُونَ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ فيَشْفَعُ فيهم إلى اللهِ، فيَأْتِي سُبْحَانَهُ وتَعَالَى للقَضَاءِ بينَ عِبَادِهِ.
وقدْ ذُكِرَتْ هذهِ الصِّفَةُ في حَديثِ الصُّورِ المَشْهُورِ، لكنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ مُتَكَلَّمٌ فيهِ، وحُذِفَتْ مِن الأحاديثِ الصحيحةِ، فاقْتُصِرَ فيها على ذِكْرِ الشفاعَةِ في أَهْلِ الكَبَائِرِ(11).
قالَ ابنُ كَثِيرٍ وشارِحُ (الطَّحَاوِيَّةِ): وكَانَ مَقْصُودُ السَّلَفِ مِن الاقْتِصَارِ على الشفَاعَةِ في أَهْلِ الكَبَائِرِ هوَ الرَّدَّ على الخَوَارِجِ ومَنْ تَابَعَهُمْ مِن المُعْتَزِلَةِ.

وهذهِ الشفَاعَةُ لا يُنْكِرُها المُعْتَزِلَةُ والخَوَارِجُ.

ويُشْتَرَطُ فيها:
إِذْنُ اللهِ؛ لقولِهِ تعالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بِإِذْنِهِ}[البقرة: 255].

النوعُ الثاني:
العَامَّةُ، وهيَ الشَّفَاعَةُ فيمَنْ دَخَلَ النارَ مِن المؤمنينَ أهلِ الكَبَائِرِ أنْ يَخْرُجُوا مِنها بَعْدَمَا احْتَرَقُوا وصارُوا فَحْمًا وَحُمَمًا؛ لحديثِ أبي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ: ((أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَلاَ يَمُوتُونَ فِيهَا وَلاَ يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ أُنَاسٌ - أَوْ كَمَا قَالَ - تُصِيبُهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ - فَيُمِيتُهُمْ إمَاتَةً، حَتَّى إِذَا صَارُوا فَحْمًا أُذِنَ فِي الشَّفَاعَةِ)) الحديثَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ.
قالَ ابنُ كَثِيرٍ في (النهايَةِ) ص (204) ج (2): وهذا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولَمْ يُخَرِّجَاهُ مِنْ هذا الوَجْهِ.
وهذهِ الشفَاعَةُ تَكُونُ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ وغيرِهِ مِن الأنبياءِ والملائِكَةِ والمؤمنينَ؛ لحديثِ أبي سَعِيدٍ، عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ، وفيهِ: ((فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: شَفَعَتِ الْمَلاَئِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا))، مُتَّفَقٌ عليهِ.

وهذهِ الشفاعةُ يُنْكِرُها المُعْتَزِلَةُ والخَوَارِجُ بِنَاءً على مَذْهَبِهِم:
أنَّ فَاعِلَ الكَبِيرَةِ مُخَلَّدٌ في النارِ فَلاَ تَنْفَعُهُ الشفاعةُ.

وَنَرُدُّ عليهم بِمَا يَأْتِي:
1 -
أنَّ ذلكَ مُخَالِفٌ لِلْمُتَوَاتِرِ مِن الأحاديثِ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ.

2 -
أنَّهُ مُخَالِفٌ لإِجْمَاعِ السَّلَفِ.

ويُشْتَرَطُ لهذهِ الشفاعةِ شَرْطَانِ:
الأوَّلُ:
إِذْنُ اللهِ في الشفاعَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}[البقرة: 255].

الثاني:
رِضَا اللهِ عن الشافِعِ والمَشْفُوعِ لَهُ؛ لقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى}[الأنبياء: 28].

فأمَّا الكافِرُ فلا شَفَاعَةَ لَهُ؛
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}[المُدَّثِّر: 48] أيْ: لَوْ فُرِضَ أنَّ أَحَدًا شَفَعَ لَهُم لمْ تَنْفَعْهُم الشفاعَةُ.

وأمَّا شفاعةُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِأبي طَالِبٍ حتَّى كانَ في ضَحْضَاحٍ مِنْ نارٍ وعليهِ نعلانِ يَغْلِي مِنْهُما دِمَاغُهُ، وإنَّهُ لأَهْوَنُ أهْلِ النارِ عَذَابًا، قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ: ((وَلَوْلاَ أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ))، رواهُ مُسْلِمٌ، فهذا خَاصٌّ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ وبِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فقطْ، وذلكَ - واللهُ أعْلَمُ - لِمَا قَامَ بِهِ مِنْ نُصْرَةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ والدفاعِ عنهُ، وعمَّا جاءَ بِهِ(12).

--------------------
حاشية الشيخ صالح العصيمي

(10) هي كذلك باعتبار مورد اللفظ لكن بحثها في كتب الاعتقاد يخص بالشفاعة عند الله في الآخرة.
(11) ما ذكره المصنف ـ رحمه الله ـ من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم العظمى بعد اعتذار الأنبياء ثابتٌ في (الصحيحين) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(12) فتكون الآية {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} من العام الذي دخله التخصيص في حق أبي طالب.

طيبة
11-27-2008, 11:02 PM
بعدَ ذلكَ ذَكَرَ الشَّفَاعَةَ.
والنَّاسُ في الشَّفَاعَةِ ثَلاثَةُ أقْسَامٍ:
- المُشْرِكُونَ.
- والمُعْتَزِلَةُ.
- وأَهْلُ السُّنَّةِ.
القِسْمُ الأوَّلُ: المُشْرِكُونَ القُبُورِيُّونَ يَقُولُونَ: إنَّ الأَوْلِياءَ وإنَّ السَّادَةَ يَشْفَعُونَ لأقَارِبِهم، ولِمَنْ دَعَاهم وَلِمَنْ وَالاَهُم، ولِمَنْ أَحَبَّهم؛ ولأَجْلِ ذلكَ يَطْلُبُونَ مِنْهُم الشَّفَاعَةَ، فالمُشْرِكُونَ الأوَّلُونَ حَكَى اللهُ عنهم أنَّهم قالوا: {هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} [يُونُس: 18]، يَعْنُونَ مَعْبُودَاتِهم مِن الملائِكَةِ، الَّذين يَعْبُدُونَ الملائِكَةَ، ومِن الصَّالِحِينَ ونحوِهم: هؤلاءِ شُفَعاؤُنا عندَ اللهِ، أيْ: يَشْفَعُونَ لنا.
وكذلكَ يَقُولُ القُبُورِيُّونَ المُعَاصِرُونَ الآنَ، يَقُولُونَ: إنَّ الأَوْلِياءَ يَشْفَعُونَ لنا، وإنَّنا لا نَجْرُؤُ أن نَطْلُبَ مِن اللهِ، بَلْ نَطْلُبُ مِنْهُم وهمْ يَطْلُبُونَ مِن اللهِ، ويَقُولونَ: إنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسَائِرَ الأنْبِياءِ والصَّالِحِينَ أعْطَاهم اللهُ الشَّفَاعَةَ، ونحنُ نَدْعُوهم ونقولُ: اشْفَعُوا لنا كَمَا أَعْطَاكُم اللهُ الشَّفاعَةَ.
ويَضْرِبُونَ مَثلاً بِمُلُوكِ الدُّنيا فيقولونَ: إنَّ مُلُوكَ الدُّنيا لا يُوصَلُ إليهم إلاَّ بالشَّفاعَةِ، إذا أَرَدْتَ حَاجةً فإنَّكَ تَتَوَسَّلُ بأَوْلِيائِهِم ومُقَرَّبِيهِم مِنْ وَزِيرٍ وبَوَّابٍ وخَادِمٍ وَوَلَدٍ ونحوِهم، يَشْفَعُونَ لَكَ حتَّى يَقْضِيَ ذلكَ المَلِكُ حَاجَتَكَ، فَهَكَذَا نَحْنُ مَعَ اللهِ تعالى نَتَوَسَّلُ ونَسْتَشْفِعُ بأَوْلِيائِهِ وبالسَّادَةِ المُقَرَّبِينَ عِنْدَهُ. هذا قَوْلُ المُشْرِكِينَ؛ يُثْبِتُونَ شَفَاعَةَ كُلِّ وَلِيٍّ مِن الأَوْلِياءِ لِكُلِّ مَنْ طَلَبَها منهُ، وقدْ وَقَعُوا بهذا في شِرْكِ الأوَّلِينَ، وقَاسُوا الخَالِقَ بالمَخْلُوقِ.
واللهُ تعالى ذَكَرَ عنْ مُؤْمِنِ (يس) قولَهُ: {أَأَتِّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا} [يس: 23].
وذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أنَّ الكُفَّارَ اعْتَرَفُوا على أنْفُسِهِم بقَوْلِهِم: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المُدَّثِّر: 43- 48].
القِسْمُ الثَّاني: المُعْتَزِلَةُ والخَوَارِجُ. أنْكَرُوا الشَّفَاعَةَ؛ لأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ العُصَاةَ وأَهْلَ الكَبَائِرَ مُخَلَّدُونَ في النَّارِ، لاَ يَخْرُجُونَ مِنْها، وأنَّ كُلَّ مَنْ عَمِلَ كَبيرَةً ومَاتَ مُصِرًّا عليها فهوَ مُخَلَّدٌ لا تُغْنِي عنهُ الشَّفَاعَةُ ولا تَنْفَعُهُ، ويَسْتَدِلُّونَ بالآياتِ الَّتي فيها نَفْيُ الشَّفَاعَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تعالى: {لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} [البَقَرَة: 123]، ومثلَ قَوْلِهِ تعالى: {مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} [البَقرة: 254]، ويقولونَ: هذهِ الآياتُ تَنْفِي الشَّفَاعَةَ، فلَيْسَ هناكَ شَفَاعَةٌ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا لِغَيْرِهِ.
هذا مَا قَالَهُ المُعْتَزِلَةُ والخَوَارِجُ؛ بِنَاءً على تَخْلِيدِهِم أَهْلَ الكَبَائِرِ في النَّارِ.
القسمُ الثَّالثُ: أَهْلُ السُّنَّةِ. يُثْبِتُونَ الشَّفَاعَةَ، ولكِنْ بشَرْطَيْنِ:
الشَّرْطُ الأوَّلُ: الإِذْنُ للشَّافِعِ.
الشَّرطُ الثَّاني: الرِّضَى عن المَشْفُوعِ.
جَمَعَ اللهُ الشَّرْطَيْنِ في قولِهِ تعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النَّجْم: 26].
وذَكَرَ الإذْنَ في قولِهِ تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإذْنِهِ) [البقرة: 255].
وفي قولِهِ تعالى: {وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ} [سَبَأ: 23]، {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} [طه: 109]، وقدْ تَكُونُ هذهِ الآيَةُ جَمَعَت الشرْطَيْنِ.
وذَكَرَ الرِّضَى في قولِهِ تعالَى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28].
فهذانِ شرطانِ للشَّفَاعَةِ، وهيَ الشَّفاعةُ المُثْبَتَةُ: الإذْنُ للشَّافِعِ، والرِّضى عن المَشْفُوعِ لهُ.
والإِذْنُ يكونُ للأنبياءِ، وعلى رأْسِهِم نَبِيُّنا محمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإنَّ النَّاسَ إذا طَلَبُوا منهُ الشَّفاعَةَ لا يَبْدَأُ بالشَّفَاعَةِ، بلْ يَسْجُدُ حتَّى يُقَالَ لهُ: ((ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ …)) الحديثَ.
هذا دَلِيلٌ على أنَّهُ لا يَشْفَعُ إلاَّ مِنْ بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللهُ لَهُ.
وأمَّا الرِّضى؛ فإنَّ اللهَ لا يَرْضَى عن الكُفَّارِ كما في قولِهِ تعالى: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزُّمَر: 7].
فإذا كانَ لا يَرْضَى لعِبَادِهِ الكُفْرَ، ولا يَرْضَى الشِّرْكَ، فلا يَأْذَنُ في الشَّفَاعَةِ للكُفَّارِ، ولا يَأْذَنُ في الشَّفاعَةِ للمُشْرِكِينَ؛ فالشفاعةُ خَاصَّةٌ بالمُوَحِّدينَ، وحَقِيقَتُها أنَّ اللهَ تعالى يُكَرِّمُ أنبياءَهُ وأَوْلِياءَهُ لِينالُوا المَقَامَ المَحْمُودَ، ويقولُ سُبْحانَهُ وتعالى: ((اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ …)) الحديثَ.
فيَحْصُلُ منها تَكْرِيمُ الشَّافِعِ وَرَفْعُ مَنْزِلَتِهِ، وأنَّهُ يُؤْتَى المَقَامَ المَحْمُودَ الَّذي وَعَدَهُ اللهُ بقولِهِ تعالى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإِسراء: 79]، فمَنْ يَشْفَعْ تُعْرَفْ مَنْزِلَتُهُم وفَضِيلَتُهُم، كذلكَ يَحْصُلُ مِنْها رَحْمَةُ المَشْفُوعِ لهم، وإخراجُهُم مِن العَذَابِ، تلكَ فائِدَةُ هذهِ الشَّفَاعَةِ.
وذُكِرَ في الأحاديثِ عَدَدٌ من الشَّفاعَاتِ؛ مِنها ما هوَ خَاصٌّ بالنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنها ما هوَ عَامٌّ.
وأَشْهَرُ الشَّفاعاتِ هيَ الشَّفاعَةُ العُظْمَى الَّتي يَتَأَخَّرُ عنها أُولُو العَزْمِ؛ حيثُ إنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ لآدَمَ فيَعْتَذِرُ، ثمَّ يَطْلُبُونَ الشَّفاعَةَ مِنْ نُوحٍ فيَعْتَذِرُ، ثمَّ مِنْ إبراهيمَ، ثمَّ مِنْ موسى، ثمَّ مِنْ عِيسى، وكلُّهم يَعْتَذِرُ ويَذْكُرُ لهُ ذَنْبًا، حتَّى يَأْتُوا إلى نَبِيِّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقولُ: ((أَنَا لَهَا، أَنَا لَهَا)).
يَشْفَعُ في أنْ يَأْتِيَ اللهُ تعالى لفَصْلِ القَضَاءِ، أنْ يَفْصِلَ بينَ النَّاسِ بعدَمَا طَالَ المُقَامُ، وبعدَمَا يَمَلُّونَ مِن المَكَانِ، وبَعْدَمَا تَطُولُ إِقَامَتُهم ومُكْثُهُم، فيقولونَ: مَنْ يَشْفَعُ لنا إلى ربِّنا حتَّى يَفْصِلَ بينَ العِبادِ؟ يَتَمَنَّوْنَ التَّحَوُّلَ مِنْ هذا المكانِ، فهذهِ الشَّفاعَةُ العُظْمَى، وهيَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ولهُ شفاعَةٌ ثانِيَةٌ: شَفَاعَتُهُ في أنْ تُفْتَحَ أَبْوابُ الجنَّةِ، فهوَ أوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بابَ الجنَّةِ، وتقولُ الخَزَنَةُ: بِكَ أُمِرْنَا أَنْ لا نَفْتَحَ لأَحَدٍ قبلَكَ، يَشْفَعُ في أنْ يَدْخُلَ أَهْلُ الجنَّةِ الجنَّةَ.
ولهُ شَفَاعَةٌ ثالثةٌ: في رَفْعِ دَرَجَاتِ بَعْضِ أهْلِ الجنَّةِ، يَشْفَعُ في أنْ تُرْفَعَ دَرَجَاتُهُم أوْ يُرْفَعَ مَقَامُهُم ومَكَانَتُهُم حتَّى تَكُونَ رَفِيعَةً.
ولهُ شَفَاعَةٌ رابِعَةٌ: الشَّفاعَةُ في إِخْرَاجِ بعضِ العُصَاةِ مِن النَّارِ.
وشَفَاعَةٌ خَاصَّةٌ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ بالتَّخْفِيفِ عنهُ، بعدَمَا كانَ في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِن النَّارِ، فيكونُ في ضَحْضَاحٍ مِن النَّارِ.
أمَّا الشَّفاعَةُ الَّتي لَيْسَتْ خَاصَّةً لهُ؛ فهيَ الشَّفاعَةُ في العُصَاةِ الَّذينَ دَخَلُوا النَّارَ بِمَعَاصِيهِم في أنْ يَخْرُجُوا مِنْها؛ فإنَّها تَشْفَعُ الملائِكَةُ والرُّسُلُ والأنبياءُ والصَّالِحُونَ، ((فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا))، قالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُوني فاقْرَءُوا: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} [النِّساء: 40]، ((فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ؛ يُقَالُ لَهُ: نَهْرُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتِهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ...)) الحديثَ.
والحاصِلُ أنَّا نُؤْمِنُ بهذهِ الشَّفَاعَةِ ونَجْعَلُها مُرْتَبِطَةً بهذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، فلا نُطْلِقُها كما يُطْلِقُها المُشْرِكُونَ الَّذينَ يَطْلُبُونَ الشَّفَاعَةَ منْ غيرِ اللهِ، فالشَّفاعَةُ لا تُطْلَبُ مِن المَخْلُوقِينَ، حتَّى ولا مِن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، لا تَقُلْ: (يَا مُحَمَّدُ اشْفَعْ لنا، ولا يا عَيَدْرُوسُ اشْفَعْ لنا، ولا يا يُوسُفُ، ولا يا عَبْدَ القَادِرِ اشْفَعْ لَنَا)، بلْ نَقُولُ: (اللهُمَّ شفِّعْ فينا أَنْبياءَكَ، اللَّهمَّ تَقَبَّلْ شَفَاعَةَ الشَّافِعِينَ فِينَا، اللهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ تَنَالُهُ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)، فنَطْلُبُها مِن اللهِ وحْدَهُ ولا نَطْلُبُها مِنْ سِوَاهُ.

طيبة
11-27-2008, 11:13 PM
القارئ: (وَيَشْفَعُ نَبيُّنَا صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ أُمَّتِهِ مِنْ أَهْلِ الكَبَائِرِ فَيَخْرُجُونَ بِشَفَاعَتِه بَعْدَمَا احْتَرَقُوا وَصَارُوا فَحْمًا وَحُمَمًا فَيْدخُلُونَ الجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ صلى الله عليه وسلم.
وَلِسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُؤْمِنينَ وَالملائِكَةِ شَفَاعَاتٌ، {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28].
وَلاَ تَنْفَعُ الكَافِرَ شَفَاعَةُ الشَّافِعينَ).
الشيخ: إثباتُ الشَّفاعةِ يومَ القيامةِ ممَّا تميَّزَ به أهلُ السّنَّةِ والجماعةِ، فهناك شفاعةٌ متَّفقٌ عليها، وهي: الشَّفاعةُ العظمى، وهوَ أنَّهُ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يشفعُ للنَّاسِ عند ربِّهِ -جلَّ وعلا- في أن يُسرعَ في حسابِهِم؛ حتَّى يرتاحوا من هولِ الموقفِ؛ وما فيه من أمورٍ عظامٍ.
وذلك كما جاء في حديثِ الشَّفاعةِ الطَّويلِ من أنَّ النَّاسَ يذهبون إلى آدمَ، ثمَّ إلى نوحٍ، ثمَّ إلى إبراهيمَ عليه السَّلامُ، ثمَّ إلى موسى، ثمَّ إلى عيسى عليهم جميعاً الصَّلاةُ والسَّلامُ، فيرجعون ويعتذرون عن الشَّفاعة.
يسألُهُم النَّاسُ أن يدعوا اللهَ -جلَّ وعلا- ليريحَهُم من الموقفِ، ويعجِّلَ عليهم الحسابَ، فيعتذرون عن الشَّفاعةِ، ثمَّ يأتون النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- فيطلبون منه الشَّفاعةَ فيقولُ: ((أنا لها، أنا لها)) وذلك أنَّ اللهَ -جلَّ وعلا- أعطى كلَّ نبيٍّ من الأنبياء دعوةً يُستجابُ له فيها جزماً، قال _ عليه الصلاةُ والسَّلامُ _: ((لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ مجابَةٌ وإنِّي ادَّخرْتُ دعوتي شفاعةً لأمَّتِي يومَ القيامةِ)) وهذا يحصلُ بالشَّفاعةِ العظمى، ويحصلُ أيضاً بالشَّفاعةِ الخاصَّةِ للمؤمنين ممَّنْ دخل النَّارَ أن يخرجَ منها وممن استحقَّ الجنَّةَ أن يدخلَ الجنَّةَ.
فيأتي النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بينَ يدي العرشِ، فيسجدُ بين يدي اللهِ -جلَّ وعلا- ويحمدُ اللهَ بمحامدَ، فلا يتعجَّلُ الشَّفاعةَ ولا يتعجَّلُ الدُّعاءَ، بل يثني على اللهِ -جلَّ وعلا- بما هو أهلُهُ، قال _ عليه الصلاة والسلام _: ((فأَخِرُّ ساجداً بين يدي العرشِ فأحمدُ اللهَ بمحامدَ يفتحُهَا عليّ لا أحسنُهَا الآنَ، ثمَّ يقولُ -جلَّ وعلا-: يا محمَّدُ ارفعْ رأسَكَ، وسَلْ تُعْطَ، واشفَعْ تشفَّعْ)) وهذه هي الشَّفاعةُ العظمى، الشَّفاعةُ في تعجيلِ حسابِ النَّاسِ، فيبدأ الحسابُ.
من الشَّفاعاتِ الَّتي يؤمنُ بها أهلُ السّنَّةِ والجماعة، ما أُعطيه نبيُّنَا -عليهِ الصلاةُ والسَّلام- من أنَّهُ يشفعُ لأناسٍ استحقُّوا النَّارَ أن لا يدخلوها، ويشفعُ لأناسٍ دخلوا النَّارَ أن يخرجوا منها، ويشفعُ لمن استحقَّ الجنَّةَ أن يدخلَهَا ولا يتأخَّرَ عنها.
وكذلك هذا الجنسُ من الشَّفاعةِ ثابتٌ أيضاً للمؤمنين، فالمؤمنون يشفعون فيمن شاءوا أن يشفعوا فيه من بعدِ إذنِ اللهِ لمن يشاء ويرضى، يشفعون ويخرجُ بشفاعتِهِم بعضُ من شفعوا فيه وله من النَّارِ.
وكذلك الملائكةُ تشفع؛ كما جاء ذلك في الأحاديثِ الصَّحيحةِ من أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- روى عن ربِّهِ -جلَّ وعلا- أنه يقول يومَ القيامةِ: ((شفعَ الملائكةُ، وشفع النَّبيُّون، وشفع المؤمنون، وبقيت رحمةُ أرحمِ الرَّاحمين، فيُخرج من النَّار قوماً لم يعملوا خيراً قطُّ، فيلقيهم في ماءِ الحياةِ فينبتون كما تنبتُ الحِبَّةُ في حميل السَّيلِ)).
فهذه الشَّفاعاتُ خالف فيها الخوارجُ، وخالف فيها المعتزلةُ، ولم يثبتوا تلك الشفاعاتِ، لا للمؤمنين، ولا للملائكةِ، ولا الشَّفاعةَ في أهلِ النَّارِ أن يخرجوا منها، يعني: في أهلِ الكبائرِ ممَّن دخل النَّارَ.
كذلك نبيُّنا -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- اختُصَّ بشَفاعةٍ لكافرٍ، وهو أبو طالبٍ، فإنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يشفع له حتَّى يخفَّفَ عنه من العذابِ.

طيبة
11-27-2008, 11:25 PM
المتن: ويشفع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
الشرح: رجع إلى الشفاعة, الشفاعة هي في اللغة الوساطة في الخير، هذه هي الشفاعة، وقد تكون وساطة في غير الخير, في الشر,
كما قال تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها}, ومنه الشفاعة بإسقاط الحدود، هذه شفاعة سيئة والعياذ بالله, مضادة لحكم الله سبحانه وتعالى, هذه هي الشفاعة في الأصل.
أما الشفاعة في الآخرة فهي الدعاء, الشفاعة في الآخرة هي الدعاء؛ وذلك بأن يكرم الله سبحانه وتعالى بعض عباده, بأن يتقبل دعاءه في المشفوع له، والشفاعة تكون بشرطين: بإذن الله جل وعلا للشافع أن يشفع, وبرضاه عن المشفوع فيه بأن يكون من أهل التوحيد والإيمان,
أما الكافر فإنه لا تقبل فيه شفاعة.
{فما تنفعهم شفاعة الشافعين}, {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}, فالشفاعة إنما تكون لأهل الإيمان, وهي أن الله يكرم بعض عباده بأن يقبل شفاعته ووساطته ودعوته, فينفع بها المشفوع فيه إذا كان من أهل الإيمان, الشفاعة الثانية من الخصائص للنبي صلى الله عليه وسلم شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.
أول من يستفتح باب الجنة محمد صلى الله عليه وسلم, وأول من يدخلها من الأمم أمته عليه الصلاة والسلام, فيشفع لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة, تفتح لهم بشفاعته صلى الله عليه وسلم.
ومن الشفاعات الخاصة به صلى الله عليه وسلم شفاعته في عمه أبي طالب، هذه خاصة بالرسول؛ لأن أبا طالب كافر, مات على الكفر, على ملة عبد المطلب, وهي عبادة الأوثان، ولكن لمواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم ودفاعه عن الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يشفع فيه يوم القيامة أن يخفف عنه العذاب, لا يشفع فيه بالخروج من النار، الكافر لا يمكن أن يشفع فيه لكن يشفع في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه, فيكون في ضحضاح من نار، أو يكون في أخمص قدمه جمرة من النار يغلي منها دماغه، ما يرى أن أحدا من أهل النار أشد عذاباً منه, مع أنه أهون أهل النار عذابا، هذه شفاعة خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم وبأبي طالب, أما بقية الكفار فلا أحد يشفع فيهم
{ولا تنفعهم شفاعة الشافعين}.
ومن الشفاعات المشتركة الشفاعة في أهل الكبائر, الذين استحقوا دخول النار,فيشفع صلى الله عليه وسلم هو والأنبياء والصالحون في هؤلاء أن لا يدخلوا النار, وقد يقبل الله شفاعتهم فلا يدخلون، أو إذا دخلوا النار وعذبوا فيها يشفع في إخراجهم منها, يشفع النبي صلى الله عليه وسلم ويشفع غيره من الأنبياء ويشفع بالدعاء والتضرع إلى الله في إخراجهم من النار,فيقبل الله شفاعتهم ويخرجهم من النار، وهذه خاصة بأهل الإيمان.


المتن: ويشفع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر,فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحماً وحمماً.
الشرح: الخوارج والمعتزلة ينفون هذه الشفاعة، الشفاعة في أهل الكبائر ينفونها؛ لأنهم يحكمون على مرتكب الكبيرة بالكفر, فلا تنفعه الشفاعة عندهم, ويقولون: من دخل النار لا يخرج منها.
وهذا مذهب باطل، بل من دخل النار من أهل التوحيد وأهل الإيمان فإنه يخرج منها, ولا يخلد فيها أبداً، إنما يخلد في النار أهل الكفر والشرك والعياذ بالله, أما أهل التوحيد المذنبون وأصحاب الكبائر فإنهم وإن دخلوا النار بذنوبهم فإنهم لا يخلدون, بل يخرجون منها؛ إما بشفاعة الشافعين وإما برحمة أرحم الراحمين، وإما بنهاية عذابهم، عذابهم, مقدر وينتهي, فيخرجون من النار كالفحم محترقين، يخرجون من النار كالحمم, يعني: كالفحم أو كالشيء الأسود من الاحتراق,فيلقون في نهر على باب الجنة يقال له: نهر الحياة, فتنبت أجسادهم ثم يؤذن لهم بدخول الجنة.


المتن: فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحما وحمما,فيدخلون الجنة بشفاعته. ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات.
الشرح: في مثل هؤلاء، هذه الشفاعة ليست خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم, بل هي مشتركة,يشفع الملائكة ويشفع الأنبياء والمرسلون، ويشفع الأولياء والصالحون، لكن لا بد من الشرطين: أن تكون الشفاعة بإذن الله,وأن يكون المشفوع منه من أهل التوحيد ومن أهل الإيمان.


المتن: قال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}.
الشرح: والشفاعة تطلب من الله,ما تطلب من المخلوق, فتقول: اللهم شفع في نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم لا تحرمني شفاعة نبيك وشفاعة أنبيائك وعبادك المؤمنين, تطلب من الله جل وعلا؛لأنها ملك لله,{قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السماوات والأرض},{أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعاً} فهي تطلب من الله، فهؤلاء الذين يتوجهون إلى القبور والأموات ويطلبون منهم الشفاعة هذا شرك أكبر، الميت لا يطلب منه شيء, والحي تطلب منه الشفاعة بمعنى الدعاء، فيدعو الله جل وعلا له، هذه شفاعة, وهذه تكون من الأحياء، في الحياة الدنيا وفي الآخرة, أما بعد الموت فلا يطلب من الميت شيء, لا شفاعة ولا غيره, ولا دعاء ولا غيره، فهؤلاء الذين يتوجهون إلى القبور, ويطلبون الشفاعة من الأموات, ويستغيثون بهم, ويذبحون لهم, وينذرون لهم, ويتبركون بتربتهم, هذا هو الشرك الأكبر الذي جاءت الرسل بإنكاره, وشرع الجهاد في سبيل الله من أجل إزالته, فالقبور لا يطلب منها شيء، وإنما المشروع في القبور زيارتها للاعتبار والدعاء للأموات المؤمنين، هذا هو المقصود, أما أن تزار لأجل طلب الشفاعة أوطلب الغوث أو طلب الرزق أو الولد، أو كف شر الأعداء، فهذا هو الشرك الأكبر،
والذنب الذي لا يغفر إلا بالتوبة.
وهذا هو شرك الأولين الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله}.


المتن: قال الله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون}.
الشرح: الملائكة يعني: هذا فيه إثبات الشفاعة للملائكة,وأنها لا تكون إلا برضى الله جل وعلا ورضاه عن المشفوع فيه,
بأن يكون من أهل التوحيد، أما الكافر فإنه لا يرضى الله عنه.


المتن: ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين.
الشرح: فكون الكافر لا تنفعه شفاعة الشافعين,دل على أنها تنفع المؤمنين بالشروط التي ذكرها الله سبحانه وتعالى.

طيبة
11-27-2008, 11:38 PM
ثم يقول الشيخ أيضاً وقد عرض لمسائل اليوم الآخر كلها باختصار (( ويشفع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر)) .
أي أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع إلى ربه تبارك وتعالى في أهل الكبائر من أمته أن يخرجوا من النار, وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح أنه قال : (( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) (1) كما ورد أيضاً شفاعته لمن مات وهو يقول : لاإله إلا الله .
وهذه الشفاعة يثبتها أهل السنة والجماعة وينكرها المعتزلة والخوارج وغيرهم, فإن المعتزلة والخوارج يقولون: إن من مات من أهل الكبائر فقد استحق الوعيد بالنار, فلا بدّ أن يدخل النار ولا يخرج منها أبداً ولهذا قالوا بتخليد أهل الكبائر في نار جنهم ولا شك أن قولهم باطل مردود بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, والتي فيها بيان أن الرسول عليه الصلاة والسلام , والملائكة , وبقية الأنبياء , والصالحين والشهداء يشفعون لبعض أهل الكبائر .لكن هذه الشفاعة لا تكون إلا بشرطين :
الشرط الأول: (الإذن بالشفاعة) بان ياذن الله سبحانه وعالى بها .
الشرط الثاني: الرضا عن الشافع والمشفوع لـه, فلا بد من الإذن من الله ولا بد من الرضا عن الشافع والمشفوع لـه,
ومن ثم يشفع رسول الله صلى الله عليه وسلم والملائكة بل ورد أن الشهيد يشفع لسبعين من أهل بيته. نسأل الله الكريم من فضله .
وورد أن الفرد الذي يموت صغيراً يشفع لوالديه عند الله تعالى يوم القيامة . فيشفعه فيهما ويدخلها به الجنة .
وهؤلاء الذين يشفع لهم على درجات :
منهم من يكون قد أمر به الى النار, فيشفع له قبل دخوله النار أن يدخل الجنة .
منهم من يدخل النار ويعذب فيها حتى يحترق ويصير فحماً وحمماً سوداً ثم يشفع لهم النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء فيخرجون بهذه الشفاعة ويوضعون في نهر الحيوان , حتى ينقون ويحيون مرة أخرى , ويدخلون الجنة برحمة الله سبحانه وتعالى , ولهذا قال المؤلف: ((فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحماً وحمماً)) أي سوداً (( فيدخلون الجنة بشفاعته)) .
كما أن من أنواع الشفاعة الشفاعة لأناس تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيدخلون الجنة .
ومنها الشفاعة لأناس من أهل الجنة أن ترفع درجاتهم فيها, وهذه الأنواع عامة , وهناك شفاعات خاصة بنينا محمد صلى الله عليه وسلم وهي:
الشفاعة العظمى , بين الخلائق لأجل فصل القضاء. والشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة , وهاتان الشفاعتان هما المقام المحمود , كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة, والشفاعة لأبي طالب بتخفيف العذاب عنه - كما سياتي - .
ثم قال الشيخ: (( ولسائر الأنبياء )) وسائر هنا بمعنى بقية أي ولبقية الأنبياء ((والمؤمنين والملائكة شفاعات)) , وهذه الشفاعات قد دلت عليها النصوص من القرآن والسنة , قال تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} أي أن هؤلاء الملائكة لا يشفعون إلا لمن رضي الله عنه, وهم من خشيته وخوفه سبحانه وتعالى مشفقون .
وقال تعالى عن الكفار:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [االمدثر:48] أي أن الكفار لا ينالون الشفاعة لأن من شرط الشفاعة التي تقتضي إخراج المعذب من النار أن يكون مسلماً, فالكافر لا شفاعة لـه , أما شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب فتلك شفاعة خاصة لا بإخراجه من النار وإنما بتخفيف العذاب عنه ومع ذلك فإن أبا طالب يعذب في النار, ولا يظنُّ أن أحد من أهل النار اشد عذاباً منه, فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أهون الناس عذاباً في النار من يوضع تحت أخمص قدميه جمرتان من نار))(2) , وفي حديث آخر أن أباطالب ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة, فيجعل في ضحضاح (3) من نار, يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه))(4) .
فهذه شفاعة خاصة بأبي طالب تنفعه في تخفيف العذاب عنه , أما الخروج
من النار فلا(5) فكل من مات على الكفر - نسأل الله السلامة والعافية- فإنهم لا يخرجون منها أبداً, ولهذا قال الشيخ: (( ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين)) .
-
(1) اخرجه الترمذ كتاب صفة القيامة وابلن ماجه كتاب الزهد وابو داود كتاب السنة وهو ي صحيح الجامع
(2) اخرجه البخاري كتاب الرقاق ومسلم كتاب الإيمان .
(3) الضحضاح : ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين واستعير في النار .
(4) اخرجه البخاري كتاب الرقاق ةمسلم كتا الإيمان .
(5) ويدل لذلك حديث العباس بن عبد المطلب انه قال : يارسول الله هل نفعت ابا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال : (( نعم : هو في ضحضاح من نار ولولا انا لكان في الدرك الأسف من النار)) وفي رواية لمسلم : (( نعم وجتدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح )) .

تيمية
01-02-2009, 03:08 AM
الشفاعة وأنواعها
الشفاعة العظمى
قال الموفق رحمه الله: [ويشفع نبينا صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحماً وحمماً، فيدخلون الجنة بشفاعته] . شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وله صلى الله عليه وسلم شفاعات أعظمها وأجلها الشفاعة العظمى، وهي: شفاعته في أهل الموقف أن يُفصل بينهم، وقد أجمع المسلمون سُنيِّهم وبدعيِّهم على هذه الشفاعة، وذكرها في السنة متواتر، وقد ذكرت مجملة في القرآن كما قال تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} [الإسراء:79] فإن المقام المحمود هو الشفاعة العظمى.
الشفاعة لأهل الكبائر

وله صلى الله عليه وسلم شفاعات كشفاعته في أهل الكبائر وهي على وجهين:
الوجه الأول: شفاعته فيمن دخل النار من أهل الكبائر أن يُعجَّل خروجه منها، وهذا أفصح من أن تقول: أن يخرج منها؛ لأن معنى ذلك أن الشفاعة لو لم تدركه لبقي، وهذا غير صحيح، فإن جميع من يخرج من النار لا يخرجون بشفاعة الأنبياء وإنما يخرجون من النار بوعد الله سبحانه وتعالى ، وأنه لا يُخلَّد في النار إلا من كفر به. فإذا قيل: إن صاحب الكبيرة ليس مخلداً في النار، فما معنى الشفاعة له؟ قيل: معناها أن يعجل خروجه منها قبل استتمام عذابه الذي قضاه الله وعيداً عليه، فهذا هو معنى الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس معناه: أن الشفاعة لو لم تدركه لبقي مخلداً في النار، فإنه لا يخلد في النار إلا الكفار. وهذه الشفاعة ثابتة بحديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما في حديث أبي سعيد الخدري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس منكم أصابتهم النار بذنوبهم أو بخطاياهم فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة...) إلى آخره. فهذه الأحاديث واردة من حديث أبي سعيد الخدري و عبد الله بن مسعود و أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما تدل دلالة صريحة على ثبوت الشفاعة، وخروج أهل الكبائر من النار، وفيها تصريح بدخول طائفة وخروجها، هذا وجه في شفاعته منصوص عليه في صريح السنة. الوجه الثاني: شفاعته فيمن استوجب النار من أهل الكبائر أن لا يدخلها، وهذا يدل عليه عموم أحاديث الشفاعة، كقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيح: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) وفي حديث يرويه سبعة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وإن كان هذا الحديث فيه كلام،
لكن من أهل العلم من اعتبره. والشاهد من هذا أن عموم شفاعته لأهل الكبائر تدل على أنه يشفع فيمن استوجب دخول النار أن لا يدخلها، وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام شفع فيمن دخل النار فلا شك أن من لم يدخل النار أقرب إلى هديه وسنته ممن دخلها، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة، ولا شك أنهم أقرب إلى العفو والرحمة ممن دخل النار، وعليه فإن هذه الشفاعة ثابتة وداخلة في كلام السلف، وما ذكره بعض أهل العلم كالإمام ابن القيم رحمه الله عندما قال: "وهذا النوع من الشفاعة ليس فيه صريح... إلى آخره"، فهذا ليس على إطلاقه، بل هذه الشفاعة ثابتة بإجماع أهل السنة والجماعة، فإن السلف إذا ذكروا الشفاعة لأهل الكبائر أرادوا بها هذا وهذا، وإن كان النوع الأول جاء تفصيله في النصوص أكثر. وهذا النوع من الشفاعة أنكره الخوارج والمعتزلة بناءً على أصلهم الفاسد: أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، وأقر بها جمهور المسلمين، وهي إجماع عند أهل السنة والجماعة. وإذا قيل: هل جاء ذكرها في كلام الله؟ الجواب: جاء ذكرها في القرآن مجملاً، فذكر الشفاعة التي يأذن الله بها لمن يشاء ويرضى. وهذه الشفاعة ليست خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل تكون له ولغيره من الأنبياء والمرسلين ومن شاء الله من الصديقين والصالحين، ولكن قيل: كل شفاعة ليست خاصة فإن حظه صلى الله عليه وسلم ومقامه فيها أتم من مقام غيره، ومقامه في هذه الشفاعة أتم من مقام سائر الأنبياء فضلاً عمن دونهم.

الشفاعة لأهل الجنة بتعجيل دخولهم ورفع درجاتهم
ومن شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة أن يعجل دخولهم ويرفع درجاتهم، فهذان وجهان من الشفاعة لأهل الثواب، وهذه الشفاعة أقر بها المعتزلة والخوارج في الجملة، وليس فيها نزاع مشهور بين أهل القبلة، وإن كان بعض غلاة أهل البدع أنكرها كما قال ذلك شيخ الإسلام : "ونقل بعض الغلاة من الوعيدية الإنكار لمثل هذا النوع من الشفاعة، وإذا قيل -أي: إنكارها- ففي الغالب أن إنكارها على أصول المعتزلة أظهر منه على أصول الخوارج؛ لأن المعتزلة يعتبرون في أصولهم: أن الثواب والعقاب على مبدأ المعاوضة، ومن هنا يمتنع عندهم الزيادة والنقص فيه؛ ولهذا يترددون في مسألة الزيادة والنقصان فيه لأنهم يعتبرونه من باب الظلم، إذا زيد أحد فإنه نقص لغيره، أو عدم عدل مع غيره.. إلخ". أما جمهور المعتزلة فهم يثبتون هذا النوع من الشفاعة، وهو الذي عليه جمهور المسلمين وهو إجماع لأهل السنة. إذاً: هذه الشفاعة الثالثة يقال فيها ما يقال في الثانية: أنها ليست خاصة برسول الله، بل تكون له ولغيره، ولكن مقامه أتم.

شفاعته صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب
وهذه الشفاعة خاصة به صلى الله عليه وسلم وخاصة بأبي طالب ، وهذا خاص به وخاص لأبي طالب ، فليس هناك نبي أو رسول أو غيرهم يشفع لكافر، فإن الكفار محجوبون عن الشفاعة، كما قال تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر:48] أما أبو طالب فإن النبي صلى الله عليه وسلم اختصه بهذه الشفاعة وعداً من الله. وإذا قيل: إن هذا الحديث معارض لظاهر القرآن! قيل: هذا ليس صحيحاً، إنما هذه حالة مخصوصة لأبي طالب ، والذي ذكر في القرآن هو مسألة العذاب من جهة رفعه، وأما من جهة درجات العذاب فإن هذا لم يذكر شأنه في القرآن، وأبو طالب لم يحصل له بالشفاعة رفع العذاب عنه وإنما حصل له قدر من ماهية العذاب، ولهذا فإن العباس لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار). وهنا سؤال هل النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه الشفاعة لأبي طالب وأن يخفف عنه العذاب فأجابه الله إلى ذلك فخفف عنه العذاب، أم أن الأمر هو أن الله قضى لأبي طالب هذا القضاء بسبب حاله مع الرسول صلى الله عليه وسلم ؟! الجواب: لا يلزم أنه سأل ربه ذلك، لكن الله أخبره أن عمه على هذا القدر من العذاب بسببه، ولولا مقامه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان على هذا القدر، بل كان أشد. ونقول: إن الأصل والمناسب لأصول الشريعة أن هذا هو قضاء الله، إلا إذا جاء نص صريح في السنة النبوية يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع وسأل ربه لعمه سؤالاً مختصاً فأجيب إليه، فإن قوله عليه الصلاة والسلام للعباس لما سأله لا يلزم منه أنه حصل هذا عن عن سؤال، إنما كان هذا عن إخبار من الله للنبي في شأن عمه، وبين الله لنبيه أن هذا بسبب حاله مع رسول الله. إذاً.. الأصل وظاهر بعض النصوص في الصحيحين وغيرهما أن هذا كان من قضاء الله المحض الذي ليس فيه
شفاعة، ولكنه قرن بسببه صلى الله عليه وسلم ، فما درج عليه شفاعته لأبي طالب فلا نجزم فيها بنفي، لكن نقول: هذا معتبر بثبوت النص، فإن ثبت نص صريح في أن النبي شفع له قيل: هذه شفاعة أجيب إليها. وإن لم يثبت قيل: هذا قضاء الله، ولكن ذكر سببه وهو مقامه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الفهم إذا لم يوجد نص هو الذي يصار إليه ولا يعدل إلى غيره، وكما هو مذكور في الحديث أنه ليس إخراجاً من النار وإنما هو تخفيف من شأن عذابه، وهذا دليل على أن أبا طالب كان كافراً خلافاً لما زعمته بعض طوائف الشيعة أنه أسلم إلى آخره، فإن هذا كله من الكذب الذي ليس بشيء. وباختصار: فإن مسألة أبي طالب تحتاج إلى تعمق وتتبع للنصوص، فإذا لم يصح فيها نص بذكر الشفاعة فلا تعد من مسائل الشفاعة وإنما تعد من قضاء الله المختص بأبي طالب ، وأما إبراهيم فإنه يشفع لأبيه فلا يشفعه الله فيه كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة : (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول إبراهيم لأبيه: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله له: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم! انظر ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ -أي: أن صورة آزر تقلب إلى سبع- فيقول إبراهيم: بعداً بعداً، فيؤخذ بقوائمه إلى النار) فلا تقبل شفاعة نبي أو رسول في أحد من أقاربه أو من غيرهم، إنما هذا خاص بأبي طالب . والأظهر أنه قضاء من الله سبحانه وتعالى وليس عن شفاعة، وهذا هو الأنسب في الأصول، وهو المناسب لظاهر القرآن في قوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر:48]، وقوله تعالى في شأن أبي طالب : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ {آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة:113] وإن كان هذا في الاستغفار، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي) وكذا في قصة نوح مع ابنه. ولهذا لك أن تقول: إن فيه خصوصية لأبي طالب ؛ لأن قائلاً قد يقول: وغيره من الكفار الذين لهم بعض الحسنات هل يخفف عذابهم بحسناتهم كمن يبذل المال أو الماء أو العتاق أو يبذل في بعض وجوه الخير؟ الجواب: النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أنس الذي رواه مسلم وغيره: (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها) والمراد بالحسنة هنا: لا يلزم أن الكفار ما يعرفون الخير، فالله يقول: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء:114] وهذه كلها أوجه من الخير تصدر من المسلم والكافر، ولهذا قال: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:114] أي: في الآخرة، ولهذا فإن الكافر قد يفعل الخير على مثل هذا الوجه. أبو طالب لم تكن حسنته لوجه الله سبحانه وتعالى ، إنما كانت حسنة مع رسول الله من أجل القرابة والصلة والسؤدد.. إلى آخره من أوجه المقاصد عند أبي طالب ،
لم يجز عليها في الآخرة.

شبهة المعتزلة في نفي الشفاعة والرد عليها
قال الموفق رحمه الله: [ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:28] ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين] . قوله: (والمؤمنين) ليس المراد أن جملة أعيان المؤمنين يشفعون، فإن هذا ليس بلازم، وإنما من يقضي الله له سبحانه وتعالى بمقام من الشفاعة بشرط إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له. وقد استدل الخوارج والمعتزلة على نفي الشفاعة بقوله: {إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم:26]، حيث قالوا: وهذا دليل على أنها لا تكون لأهل الكبائر، بل تكون لأهل الثواب في رفع الدرجات ونحو ذلك؛ لأن شرطها أن يأذن الله ويرضى، الإذن للشافع والرضا عن المشفوع له. قالوا: وصاحب الكبيرة ليس مرضياً عند الله لكبيرته، وإنما المرضي عنده صاحب الثواب؛ فهذا هو الذي يشفع له في رفع درجاته، فإن الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه الأبرار الصالحون الذين ذكرهم في مثل قوله:
{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح:18].. {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة:100]، فالفجار والفساق وأهل الكبائر ليسوا ممن رضي الله عنهم! ويجاب على ذلك بأن يقال: إن الأسماء والأوصاف والإضافات في كتاب الله بحسب مواردها، فالرضا هنا يراد به عن أصل التوحيد، فإن صاحب الكبيرة هل يقال: إن الله لم يرض عنه مطلقاً، أم أن الله رضي عنه توحيده وإسلامه الأصل؟ فبقدر ما يقال: إنه ممن غضب الله عليه إلا أن له حالة من الرضا، فإذا كانت كبيرته موجبة لغضب الله فإن حسنته موجبة لرضاه، فمن قال: إنه قد غضب عليه بالكبيرة، قيل: فلم لم يرض عنه بالطاعة؟ لماذا رضي الله عن الصحابة؟ لأنهم أصحاب حسنات.
ولماذا غضب على الكفار؟ لأنهم أصحاب
سيئات محضة. فإذا اجتمعت حسنة وسيئة فمن قال: إنه يستحق الغضب قيل: أليس بأولى أن يستحق الرضا؟ فإن موجب الغضب هو السيئة، وموجب الرضا هو الحسنة، وصاحب الكبيرة كما أن له سيئة إلا أن له حسنة أعظم من سيئته. إذاً.. قوله: (ويرضى) إبانة لامتناع الشفاعة في حق الكفار،
وهو معنى قوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر:48].

تيمية
01-02-2009, 03:08 AM
العناصر
الإيمان بالشفاعة، ومنها الشفاعة العظمى
- معنى الشفاعة لغة وشرعاً
- أنواع الشفاعات يوم القيامة
- الشفاعة العظمى
- الشفاعة العظمى لا ينكرها المعتزلة والخوارج
- ذكر الشفاعة الخاصة
- ذكر بعض شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم
- ذكر بعض الشفاعات التي تكون يوم القيامة
- الشفاعة لا تطلب إلا من الله وحده
- شروط الشفاعة
- الرد على منكري الشفاعة

تيمية
01-02-2009, 03:08 AM
الأسئلة
س1: درست عقيدة أهل السنة والجماعة في الشفاعة، فأجب عما يلي:
أ) عرف الشفاعة لغة وشرعاً.
ب) ما الفرق بين الشفاعة العامة والشفاعة الخاصة؟
ج) اذكر أدلة ثبوت الشفاعة.
د) اذكر شروط الشفاعة، مع الشرح والإستدلال.
ه) لماذا ينكر المعتزلة والخوارج الشفاعة؟ وكيف ترد عليهم؟
و) اذكر أنواع الشفاعات يوم القيامة.
ز) اذكر أقسام الناس في طلب الشفاعة.