المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : باب قتل الجاني وقتل المرتد (1/5) [مشروعية الدفاع عن النفس والأهل والعرض والمال]


محمد أبو زيد
01-18-2009, 07:50 PM
بابُ قِتالِ الْجَانِي وقَتْلِ الْمُرْتَدِّ
عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)). رواهُ أبو داودَ والنَّسائيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ.

محمد أبو زيد
01-19-2009, 11:57 AM
بَابُ قِتَالِ الْجَانِي وَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ
1/1123 - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ)، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُقَاتَلَةِ لِمَنْ قَصَدَ أَخْذَ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيراً، وَهَذَا قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: لا يَجُوزُ الْقِتَالُ عَلَى أَخْذِ الْقَلِيلِ مِن الْمَالِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: سَبَبُ الْخِلافِ فِي ذَلِكَ هَل الْقِتَالُ لِدَفْعِ الْمُنْكَرِ، فَلا يَفْرِقُ الْحَالُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، أَوْ مِنْ بَابِ دَفْعِ الضَّرَرِ، فَيَخْتَلِفُ الْحَالُ فِي ذَلِكَ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَن الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ، أَوْ نَفْسُهُ، أَوْ حَرِيمُهُ، وَلَمْ يَكُن الدَّفْعُ إلاَّ بِالْقَتْلِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَوَدٌ، وَلا دِيَةٌ، وَلا كَفَّارَةٌ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصِدَ الْقَتْلَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَالَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْفَعَ عَمَّا ذُكِرَ إذَا أُرِيدَ ظُلْماً بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ، إلاَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ العِلْمُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ السُّلْطَانِ؛ لِلآثَارِ الْوَارِدَةِ بِالأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِ، وَتَرْكِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ.
وَفَرَّقَ الأَوْزَاعِيُّ بَيْنَ الْحَالِ الَّتِي لِلنَّاسِ فِيهَا جَمَاعَةٌ وَإِمَامٌ، فَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا فِي حَالِ الْفُرْقَةِ والْخِلافِ فَيَسْتَسْلِمُ، وَلا يُقَاتِلُ أَحَداً.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعاً بِلَفْظِ: أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: ((فَلا تُعْطِهِ))، قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: ((قَاتِلْهُ))، قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: ((فَأَنْتَ شَهِيدٌ))، قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: ((فَهُوَ فِي النَّارِ)). وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ إطْلاقُ الأَحْوَالِ.
قُلْتُ: هَذَا فِي جَوَازِ قِتَالِ مَنْ يَأْخُذُ الْمَالَ، فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؛ أَيْ: لِمَنْ يُرَادُ أَخْذُ مَالِهِ ظُلْماً، الاسْتِسْلامُ وَتَرْكُ الْمَنْعِ بِالْقِتَالِ؟ الظَّاهِرُ جَوَازُهُ، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ: ((فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ))؛ فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ الاسْتِسْلامِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ بِالأَوْلَى، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ هُنَا: ((وَلا تُعْطِهِ)) عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ لِغَيْرِ التَّحْرِيمِ.

محمد أبو زيد
01-19-2009, 12:06 PM
بَابُ قِتَالِ الْجَانِي وَقَتْلِ المُرْتَدِّ
مُقَدِّمَةٌ
الْجَانِي: جَمْعُهُ (جُنَاةٌ)، وَالْجِنَايَةُ لُغَةً: التَّعَدِّي عَلَى بَدَنٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ عِرْضٍ.
فَهَذَا يُدْفَعُ بالأسهلِ فالأسهلِ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بالقَتْلِ قُتِلَ بِلا ضَمَانٍ وَلا إِثْمٍ.
أَمَّا المُرْتَدُّ فَهُوَ لُغَةً: الرَّاجِعُ، قَالَ تَعَالَى: {تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ}. [المائدة: 21] وَاصْطِلاحاً: الَّذِي يَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلامِهِ طَوْعاً.
فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ، أَوْ أُلُوهِيَّتَهُ، أَوْ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ، أَو اتَّخَذَ لِلَّهِ صَاحِبَةً أَوْ وَلَداً، أَوْ جَحَدَ بَعْضَ كُتُبِهِ أَوْ بَعْضَ رُسُلِهِ، أَوْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ أَحَداً مِنْ رُسُلِهِ، أَوْ جَحَدَ تَحْرِيمَ شَيْءٍ مِن المُحَرَّمَاتِ الظاهرةِ المُجْمَعِ عَلَيْهَا، كَالزِّنَا، أَوْ جَحَدَ حِلَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِمَّا لا خِلافَ فِيهِ كالخُبْزِ: عُرِّفَ حُكْمَ ذَلِكَ، فَإِنْ أَصَرَّ، أَوْ كَانَ مِثْلُهُ لا يَجْهَلُهُ، كُفِّرَ لِمُعَانَدَتِهِ للإسلامِ، وَامْتِنَاعِهِ مِن الالتزامِ لأَحْكَامِهِ، وَعَدَمِ قَبُولِهِ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
1041 - عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)). رَوَاهُ أَبُو داودَ، والنَّسائيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ.
دَرَجَةُ الْحَدِيثِ:
الْحَدِيثُ صَحِيحٌ.
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قُلْتُ: وإسنادُهُ صَحِيحٌ، فَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وللحديثِ طُرُقٌ أُخَرُ فِي (المُسْنَدِ)، وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ بِزِيَادَاتٍ فِي مَتْنِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَالْكتَّانِيُّ، وَالمَنَاوِيُّ، وَغَيْرُهُمْ مِن الأَحَادِيثِ المتواترةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي ابْنِ مَاجَهْ (2581) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِمَعْنَاهُ.
مُفْرَدَاتُ الْحَدِيثِ:
دُونَ مَالِهِ: أَيْ: فِي حِفْظِهِ وَالدِّفَاعِ عَنْهُ.
مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ:
1- الْجَانِي هُوَ المُعْتَدِي عَلَى نَفْسٍ، أَوْ طَرَفٍ، أَوْ عِرْضٍ، أَوْ مَالٍ، فَمَن اعْتَدَى عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلِلْمُعْتَدَى عَلَيْهِ الدَّفْعُ عَنْ ذَلِكَ بِأَسْهَلِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ دَفْعُهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بالقتلِ فَلا ضَمَانَ عَلَى المُدَافِعِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الأَئِمَّةِ الثلاثةِ: مَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.
2- فَإِنْ قُتِلَ الْمُدَافِعُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأمورِ فَهُوَ شهيدٌ؛ لأَنَّهُ يُدَافِعُ عَنْ حَقٍّ ضِدَّ بَاطِلٍ.
3- الشَّهِيدُ – هُنَا – لَيْسَ كَشَهِيدِ المعركةِ لا يُغَسَّلُ، وَلا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي اسْتُشْهِدَ وَهِيَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شهيدٌ فِي الآخِرَةِ، وَلَكِنْ تَجْرِي عَلَيْهِ الأحكامُ الظاهرةُ مِنْ حَيْثُ التغسيلُ، والتكفينُ، وَالصَّلاةُ عَلَيْهِ.
4- مَشْرُوعِيَّةُ الدفاعِ عَن النفسِ، والأهلِ، والعِرْضِ، والمالِ، وَيَكُونُ بالأسهلِ مَا لَمْ يَخْشَ أَنْ يَبْدَأَهُ الصَّائِلُ بِالقَتْلِ إِنْ لَمْ يُعَاجِلْهُ، فَلَهُ ضَرْبُهُ بِمَا يَقْتُلُهُ، أَوْ يَقْطَعُ طَرَفَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ هَدَراً.
5- دِفَاعُ الصَّائِلِ عَلَى النفسِ، والأهلِ، والعِرْضِ، والمَالِ مَشْرُوعٌ مَا لَمْ يَكُنْ زَمَنَ فِتْنَةٍ وَخِلافٍ وَفُرْقَةٍ، فَلْيَسْتَسْلِمْ وَلا يُقَاتِلْ أَحَداً.
قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: فَرْقٌ بَيْنَ الْحَالِ الَّتِي لِلنَّاسِ فِيهَا إِمَامٌ وجماعةٌ، فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَنْهَا.
قَرَارُ هَيْئَةِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ بِشَأْنِ حَوَادِثِ السَّطْوِ والاختطافِ وَتَعَاطِي المُسْكِرَاتِ:
قَرَارٌ رَقْمُ (85) وَتَارِيخُ 11/11/1401 هـ:
الحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلاةُ والسلامُ عَلَى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ.
وبعدُ:
فَفِي الدورةِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ لِمَجْلِسِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ المُنْعَقِدَةِ بمدينةِ الرياضِ فِي شَهْرِ رجبٍ عَامَ 1401 هـ، اطَّلَعَ الْمَجْلِسُ عَلَى كِتَابِ جلالةِ الْمَلِكِ خالدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَفِظَهُ اللَّهُ، الَّذِي بَعَثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ رَئِيسُ الْمَجْلِسِ الأَعْلَى للقضاءِ إِلَى سَمَاحَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَازٍ الرَّئِيسِ العامِّ لإداراتِ البحوثِ العلميَّةِ والإفتاءِ والدعوةِ والإرشادِ، يَطْلُبُ فِيهِ جلالتُهُ دراسةَ موضوعَيْنِ هَامَّيْنِ، فِيهِمَا إِفْسَادٌ للأخلاقِ، وَإِخْلالٌ بالأَمْنِ:
أَحَدُهُمَا: قِيَامُ بَعْضِ الْمُجْرِمِينَ بِحَوَادِثِ السَّطْوِ والاختطافِ دَاخِلَ المُدُنِ وَخَارِجَهَا، بِقَصْدِ الاعتداءِ عَلَى العِرْضِ، أَو النَّفْسِ، أَو الْمَالِ.
الثَّانِي: تَعَاطِي المُسْكِرَاتِ وَالمُخَدِّرَاتِ عَلَى اخْتِلافِ أَنْوَاعِهَا، وَتَرْوِيجُهَا وَتَهْرِيبُهَا، مِمَّا سَبَّبَ كَثْرَةَ اسْتِعْمَالِهَا، وَإِدْمَانَ بَعْضِ المُنْحَرِفِينَ عَلَى تَعَاطِيهِ، حَتَّى فَسَدَتْ أَخْلاقُهُم، وَذَهَبَتْ مَعْنَوِيَّاتُهُمْ، وَقَامُوا بِحَوَادِثَ جِنَائِيَّةٍ.
وَذَكَرَ جلالتُهُ أَنَّهُ لا يَقْضِي عَلَى هَذِهِ الأمورِ إِلاَّ عُقُوبَاتٌ فَوْرِيَّةٌ رَادِعَةٌ، فِي حدودِ مَا تَقْتَضِيهِ الشريعةُ الإسلاميَّةُ المُطَهَّرَةُ؛ لأَنَّ إطالةَ الإجراءاتِ فِي مِثْلِ هَذِهِ المسائلِ يُسَبِّبُ تَأْخِيرَ تنفيذِ الْجَزَاءِ، وَنِسْيَانَ الجَرِيمَةِ.
وَقَدْ أَحَالَهُ سَمَاحَتُهُ إِلَى الْمَجْلِسِ للقيامِ بالدراسةِ المطلوبةِ، وَلَمَّا نَظَرَ الْمَجْلِسُ فِي الموضوعِ رَأَى أَنَّهُ يَنْبَغِي دِرَاسَتُهُ دِرَاسَةً وَافِيَةً مُتَأَنِّيَةً، وَأَنْ تُعِدَّ اللجنةُ الدائمةُ للبحوثِ العلميَّةِ والإفتاءِ بَحْثاً فِيهِ، ثُمَّ يُنَاقَشَ فِي الدورةِ الثامنةَ عَشْرَةَ، وَأَصْدَرَ قَرَارَهُ رَقْمَ (83) وَتَارِيخ 23/7/1401 هـ يَتَضَمَّنُ الوَصِيَّةَ بالتَّعْمِيمِ عَلَى الدوائرِ المُخْتَصَّةِ بِمُكَافَحَةِ الجَرَائِمِ والتحقيقِ فِيهَا، وَدَوَائِرِ القَضَاءِ بِأَنْ يَهْتَمَّ المُخْتَصُّونَ فِي تِلْكَ الدوائرِ بإعطاءِ هَذِهِ الجرائمِ أَوْلَوِيَّةً فِي النَّظَرِ والإنجازِ، وَأَنْ يُولُوهَا اهْتِمَاماً بَالِغاً مِن الإسراعِ، الَّذِي لا يُخِلُّ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْعَمَلُ مِنْ إِتْقَانٍ.
وَفِي الدورةِ الثامنةَ عَشْرَةَ لِمَجْلِسِ هَيْئَةِ كبارِ الْعُلَمَاءِ المُنْعَقِدَةِ بمدينةِ الطَّائِفِ مِنْ 29 - 10 - 1401 هـ حَتَّى 11/11/1401 هـ، نَظَرَ الْمَجْلِسُ فِي الموضوعِ، وَاطَّلَعَ عَلَى البحثِ الَّذِي أَعَدَّتْهُ اللجنةُ الدائمةُ وَبَعْدَ المناقشةِ المُسْتَفِيضَةِ، وَتَدَاوُلِ الرَّأْيِ، انْتَهَى الْمَجْلِسُ إِلَى مَا يلي:
أَوَّلاً: مَا يَتَعَلَّقُ بِقَضَايَا السَّطْوِ وَالخَطْفِ:
لَقَد اطَّلَعَ الْمَجْلِسُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ الأحكامَ الشرعيَّةَ تَدُورُ مِنْ حَيْثُ الجُمْلَةُ عَلَى وجوبِ حمايةِ الضَّرُورِيَّاتِ الخَمْسِ، والعنايةِ بِأَسْبَابِ بَقَائِهَا مَصُونَةً سَالِمَةً، وَهِيَ الدِّينُ، والنفسُ، والعِرْضُ، والعقلُ، والمالُ، وَقَدَّرَ تِلْكَ الأخطارَ العظيمةَ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ جرائمِ الاعتداءِ عَلَى حُرُمَاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي نفوسِهِم، أَوْ أَعْرَاضِهِم، أَوْ أَمْوَالِهِم، وَمَا تُسَبِّبُهُ مِن التهديدِ للأمنِ العامِّ فِي الْبِلادِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وتعالى قَدْ حَفِظَ لِلنَّاسِ أَدْيَانَهُمْ وَأَبْدَانَهُمْ، وَأَرْوَاحَهُمْ، وَأَعْرَاضَهُمْ، وَعُقُولَهُمْ بِمَا شَرَعَهُ مِن الحدودِ، والعقوباتِ الَّتِي تُحَقِّقُ الأمنَ العامَّ والخاصَّ، وَإنَّ تَنْفِيذَ مُقْتَضَى آيَةِ الحِرَابَةِ، وَمَا حَكَمَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُحَارِبِينَ – كَفِيلٌ بإشاعةِ الأمنِ والاطْمِئْنَانِ، وَرَدْعِ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ الإجرامَ والاعتداءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ إِذْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. [الحجرات: 33].
وَفِي الصحيحَيْنِ – واللفظُ للبُخَارِيِّ،عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: (قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانُوا فِي الصُّفَّةِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْعَثْنَا رُسُلاً.فَقَالَ: ((مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلاَّ أَنْ تَلْحَقُوا بِإِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)). فَأَتَوْهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا، وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّرِيخُ، فَبَعَثَ الطلبَ فِي آثَارِهِم، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ، فَكَحَلَهُمْ، وَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَمَا حَسَمَهُم، ثُمَّ أُلْقُوا فِي الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ، فَمَا سُقُوا حَتَّى مَاتُوا). قَالَ أَبُو قِلابَةَ: (سَرَقُوا وَقَتَلُوا، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) اهـ.
وَبِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ الْمَجْلِسَ يُقَرِّرُ الأمورَ التاليةَ:
(أ‌) أَنَّ جَرَائِمَ الخَطْفِ وَالسَّطْوِ لانْتِهَاكِ حُرُمَاتِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى سَبِيلِ المكابرةِ والمجاهرةِ مِنْ ضُرُوبِ المحاربةِ، وَالسَّعْيِ فِي الأَرْضِ فَسَاداً، المُسْتَحِقَّةِ للعقابِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي آيَةِ المائدةِ، سَوَاءٌ وَقَعَ ذَلِكَ عَلَى النفسِ، أَو الْمَالِ أَو العِرْضِ، أَوْ أَحْدَثَ إخافةَ السُّبُلِ، وَقَطْعَ الطَّرِيقِ، وَلا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ وُقُوعِهِ فِي المُدُنِ والقُرَى، أَوْ فِي الصَّحَارِي وَالقِفَارِ، كَمَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ آرَاءِ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى:
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ يَحْكِي عَنْ وَقْتِ قَضَائِهِ: رُفِعَ إِلَيَّ قَوْمٌ خَرَجُوا مُحَارِبِينَ إِلَى رُفْقَةٍ، فَأَخَذُوا مِنْهُم امْرَأَةً مُغَالَبَةً عَلَى نَفْسِهَا مِنْ زَوْجِهَا، وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُ فِيهَا، فَاحْتَمَلُوهَا، ثُمَّ جَدَّ فِيهِم الطَّلَبُ، فَأُخِذُوا، وَجِيءَ بِهِمْ، فَسَأَلْتُ مَنْ كَانَ ابْتَلانِي اللَّهُ بِهِمْ مِن المُفْتِينَ فَقَالُوا: لَيْسُوا مُحَارِبِينَ؛ لأَنَّ الْحِرَابَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الأموالِ، لا فِي الفُرُوجِ. فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ الحِرَابَةَ فِي الفروجِ أَفْحَشُ مِنْهَا فِي الأموالِ، وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ ليَرْضَوْنَ أَنْ تَذْهَبَ أَمْوَالُهُم، وَتُحْرَبَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَلا يُحْرَبَ الرَّجُلُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَبِنْتِهِ، وَلَوْ كَانَ فَوْقَ مَا قَالَ اللَّهُ عُقُوبَةٌ، لكانتْ لِمَنْ يَسْلُبُ الفُرُوجَ. اهـ.
(ب‌) يَرَى الْمَجْلِسُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ}. [المائدة: 33] أَنَّ {أَوْ} للتخييرِ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِن الآيَةِ الكريمةِ، وَقَوْلُ كَثِيرِينَ مِن المُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، رَحِمَهُم اللَّهُ.
(ج) يَرَى الْمَجْلِسُ بالأَكْثَرِيَّةِ أَنْ يَتَوَلَّى نُوَّابُ الإمامِ القُضَاةُ إِثْبَاتَ نَوْعِ الجريمةِ، والحُكْمَ فِيهَا، فَإِذَا ثَبَتَ لَدَيْهِمْ أَنَّهَا مِن المُحَارَبَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالسَّعْيِ فِي الأَرْضِ فساداً – فَإِنَّهُمْ مُخَيَّرُونَ فِي الْحُكْمِ فِيهَا بَيْنَ القتلِ، أَو الصَّلْبِ، أَوْ قَطْعِ اليدِ والرِّجْلِ مِنْ خِلافٍ، أَو النَّفْيِ مِنَ الأَرْضِ؛ بِنَاءً عَلَى اجْتِهَادِهِم، مُرَاعِينَ وَاقِعَ المُجْرِمِ، وَظُرُوفَ الجريمةِ، وَأَثَرَهَا فِي المجتمعِ، وَمَا يُحَقِّقُ المصلحةَ الْعَامَّةَ للإسلامِ والمُسْلِمِينَ، إِلاَّ إِذَا كَانَ المحاربُ قَدْ قَتَلَ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ قَتْلُهُ حَتْماً، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ المَالِكِيُّ إجماعاً، وَقَالَ صَاحِبُ (الإنصافِ) مِنَ الْحَنَابِلَةِ: لا نِزَاعَ فِيهِ.
ثانياً: مَا يَتَعَلَّقُ بِقَضَايَا المُسْكِرَاتِ وَالمُخَدِّرَاتِ:
نَظَراً إِلَى أَنَّ للمخدراتِ آثَاراً سَيِّئَةً عَلَى نُفُوسِ مُتَعَاطِيهَا، وتَحْمِلُهُم عَلَى ارتكابِ جرائمِ الفَتْكِ، وَحَوَادِثِ السيَّاراتِ، وَالجَرْيِ وَرَاءَ أوهامٍ تُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهَا تُوجِدُ طَبَقَةً مِنَ الْمُجْرِمِينَ شَأْنُهُم العدوانُ، وَأَنَّهَا تُسَبِّبُ حالةً مِن المَرَحِ والتَّهَيُّجِ، مَعَ اعْتِقَادِ مُتَعَاطِيهَا أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَضْلاً عَن اتِّجَاهِهِ إِلَى اختراعِ أفكارٍ وَهْمِيَّةٍ، تَحْمِلُهُ عَلَى ارتكابِ الجريمةِ، كَمَا أَنَّ لَهَا آثَاراً ضَارَّةً بالصِّحَّةِ الْعَامَّةِ، وَقَدْ تُؤَدِّي إِلَى الْخَلَلِ فِي الْعَقْلِ، والجنونِ، وحيثُ إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الجرائمِ فَرِيقَانِ:
أحدُهُما: يَتَعَاطَاهَا للاسْتِعْمَالِ فقطْ، فَهَذَا يَجْرِي فِي حَقِّهِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ للسُّكْرِ، فَإِنْ أَدْمَنَ عَلَى تَعَاطِيهَا وَلَمْ يُجْدِ فِي حَقِّهِ إِقَامَةُ الحَدِّ، كَانَ للحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ الاجتهادُ فِي تَقْرِيرِ الْعُقُوبَةِ التَّعْزِيرِيَّةِ المُوجِبَةِ للزَّجْرِ والرَّدْعِ، وَلَوْ بِقَتْلِهِ.
الثَّانِي: مَنْ يُرَوِّجُهَا؛ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التصنيعِ، أَو الاستيرادِ، بَيْعاً وَشِرَاءً، أَوْ إِهْدَاءً، ونحوَ ذَلِكَ مِنْ ضُرُوبِ إِشَاعَتِهَا وَنَشْرِهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ للمَرَّةِ الأُولَى، فَيُعَزَّرُ تَعْزِيراً بَلِيغاً، بالحَبْسِ، أَو الْجَلْدِ، أَو الغرامةِ الماليَّةِ، أَوْ بِهَا جَمِيعاً، حَسَبَ مَا يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ القَضَائِيُّ، وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ فَيُعَزَّرُ بِمَا يَقْطَعُ شَرَّهُ عَن المُجْتَمَعِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بالقَتْلِ؛ لأَنَّهُ بِفِعْلِهِ هَذَا يُعْتَبَرُ مِن المُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ، ومِمَّنْ تَأَصَّلَ الإجرامُ فِي نُفُوسِهِم، وَقَدْ قَرَّرَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ القتلَ ضَرْبٌ مِنَ التَّعْزِيرِ.
قَالَ شيخُ الإِسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَنْ لَمْ يَنْدَفِعْ فَسَادُهُ فِي الأَرْضِ إِلاَّ بالقتلِ قُتِلَ؛ مِثْلُ قَتْلِ المُفَرِّقِ لجماعةِ الْمُسْلِمِينَ، الدَّاعِي للبِدَعِ فِي الدِّينِ).إِلَى أَنْ قَالَ: (وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتلِ رَجُلٍ تَعَمَّدَ الكَذِبَ عَلَيْهِ). وَسَأَلَهُ ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ عَمَّنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: (مَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْهَا فَاقْتُلُوهُ).
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تعليلِ القتلِ تَعْزِيراً مَا نَصُّهُ: (وَهَذَا لأَنَّ المُفْسِدَ كالصَّائِلِ وَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعِ الصَّائِلُ إِلاَّ بالقَتْلِ قُتِلَ).
ثالثاً: نَظَراً إِلَى أَنَّ جرائمَ الخطفِ والسطوِ وتَعَاطِي المُسْكِرَاتِ وَالمُخَدِّرَاتِ عَلَى سَبِيلِ الترويجِ لَهَا مِن القضايا الهامَّةِ الَّتِي قَدْ يُحْكَمُ فِيهَا بالقتلِ تَعْزِيراً،فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَخْتَصَّ بِنَظَرِهَا المَحَاكِمُ الْعَامَّةُ، وَأَنْ تُنْظَرَ مِنْ ثَلاثَةِ قُضَاةٍ، كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي قَضَايَا القتلِ والرَّجْمِ، وَأَنْ تُرْفَعَ للتَّمْيِيزِ، ثُمَّ للمجلسِ الأَعْلَى للقضاءِ؛ لِمُرَاجَعَةِ الأحكامِ الصادرةِ بِخُصُوصِهَا؛ بَرَاءَةً للذِّمَّةِ وَاحْتِيَاطاً لِسَفْكِ الدِّمَاءِ.
رابعاً: مَا يَتَعَلَّقُ بالنَّوَاحِي الإِدَارِيَّةِ:
نَظَراً لِمَا لاحَظَهُ الْمَجْلِسُ مِنْ كَثْرَةِ وقوعِ جرائمِ القتلِ، والسطوِ، والخطفِ، وتَنَاوُلِ المُخَدِّرَاتِ، والمُسْكِرَاتِ، وَضَرُورَةِ اتِّخَاذِ إجراءاتٍ وَتَدَابِيرَ وقائِيَّةٍ تُعِينُ عَلَى مَا تَهْدِفُ إِلَيْهِ حكومةُ جلالةِ الْمَلِكِ حَفِظَهُ اللَّهُ مِن اسْتِتْبَابِ الأمنِ، وتقليلِ الحوادثِ، فَإِنَّهُ يُوصِي بالأمورِ التاليةِ:
1- سَتَقُومُ الحكومةُ وَفَّقَهَا اللَّهُ بِتَقْوِيَةِ أجهزةِ الإماراتِ، ورجالِ الأمنِ، وخاصَّةً فِي كونِ المَسْئُولِينَ فِيهَا مِن الرِّجَالِ المَعْرُوفِينَ بالدِّينِ، والقوَّةِ، والأمانةِ، وَيُشْعَرُ كُلُّ أميرِ نَاحِيَةٍ بِأَنَّهُ المسئولُ الأَوَّلُ مِنْ نَاحِيَةِ حِفْظِ الأمنِ فِي الْبِلادِ الَّتِي تَقَعُ تَحْتَ إِمَارَتِهِ، وَأَنَّ عَلَى الشرطةِ وَرِجَالِ الإماراتِ الجدَّ والاجتهادَ فِي سَبِيلِ تَأْدِيَةِ واجباتِهِم، والقيامَ بِمُتَابَعَةِ الْجَمِيعِ، ومعاقبةَ المُقَصِّرِ فِي أداءِ وَاجِبِهِ، بِمَا يَكْفِي لردعِ أمثالِهِ.
2- تُؤَكِّدُ الدولةُ وَفَّقَهَا اللَّهُ عَلَى الإماراتِ، بِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَتْ جريمةُ القتلِ، أَو السَّطْوِ، والاعتداءِ عَلَى العِرْضِ، ونحوِ ذَلِكَ مِن الجرائمِ المُخِلَّةِ بالأمنِ، فَإِنَّ إمارةَ الجهةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا مسؤولةٌ عَن القضيَّةِ مِن ابْتِدَائِهَا حَتَّى يَتِمَّ تَنْفِيذُ مُقْتَضَى الْحُكْمِ الصادرِ فِيهَا، فَتَقُومُ بِبَذْلِ جَمِيعِ الأسبابِ والوسائلِ للقبضِ عَلَى الجانِي، وَسُرْعَةِ إنهاءِ الإجراءاتِ الضروريَّةِ، مَا دَامَتْ لَدَيْهَا، ثُمَّ تُتَابِعُهَا، وَتُكَلِّفُ مَنْدُوباً مِنْ جِهَتِهَا يَقُومُ بالتَّعْقِيبِ عَلَيْهَا لدى الجهاتِ الأُخْرَى، وَيَطْلُبُ مِنْ كلِّ أَمِيرِ نَاحِيَةٍ أَنْ يَكْتُبَ تَقْرِيراً عَن القضيَّةِ بَعْدَ انْتِهَائِهَا وَتَنْفِيذِ الْحُكْمِ الصادرِ فِيهَا يُبَيِّنُ سَيْرَهَا، وَمُلاحَظَاتِهِ بِشَأْنِهَا.
3- يَرَى الْمَجْلِسُ تَأْلِيفَ لَجْنَةٍ مِنْ مَنْدُوبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ وزارةِ الداخليَّةِ، وَالثَّانِي: مِنْ وزارةِ العدلِ؛ لدارسةِ مَجْرَى المُعَامَلاتِ الجِنَائِيَّةِ، والرُّوتِينِ الَّذِي تَمُرُّ بِهِ، والبَحْثِ عَن الطَّرِيقَةِ المُثْلَى لذلكَ، مِمَّا لا يُؤَثِّرُ عَلَى الإجراءاتِ الضَّرُورِيَّةِ فِي التحقيقِ والنظرِ القَضَائِيِّ.
وصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.