مشاهدة النسخة كاملة : الخلافة الراشدة
عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 12:30 AM
وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه قَالَ: ((مَا طَلَعَتِ شَّمْسُ وَلاَ غَرَبَتْ بَعْدَ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ عَلَى أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ)).
وَهُوَ أَحَقُّ خَلْقِ اللهِ بِالخِلافَةِ بَعْدَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لِفَضْلِهِ وَسَابِقتِهِ، وَتَقْدِيمِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ في الصَّلاةِ عَلَى جَميعِ الصَّحَابَةِ رضوان الله عليهم أجمعين، وَإِجْماعِ الصَّحَابةِ عَلَى تَقْدِيْمِهِ وَمُبَايَعَتِهِ، وَلَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَجْمَعَهُمْ عَلى ضَلاَلةٍ.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لِفَضْلِهِ وَعَهْدِ أَبي بَكْرٍ إلَيْهِ.
ثُمَّ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِتَقْدِيمِ أَهْلِ الشُّورَى لَهُ.
ثُمَّ عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِفَضْلِهِ وَإجْمَاعِ أَهْل عَصْرِهِ عَلَيْهِ.
وَهَؤُلاَءِ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الأئمة المَهْدِيُّونَ الَّذِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ: ((عَلَيْكُم بسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيين مِنْ بَعْدِي، عضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّواجِذ)).
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الخِلاَفةُ بَعْدِي ثَلاَثُونَ سَنَةً))، فَكَانَ آخِرَهَا خِلاَفَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْه.
و
لأبي دَاوُدَ: ( كُنَّا نقولُ - ورَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ حَيٌّ -: أفْضَلُ أُمَّةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بعدَهُ: أبو بَكْرٍ، ثمَّ عُمَرُ، ثمَّ عُثْمَانُ)، زَادَ الطَّبَرَانِيُّ في رِوَايَةٍ: (فيَسْمَعُ ذلكَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فلا يُنْكِرُهُ)، هذا، ولَم أَجِد اللفْظَ الذي ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ بزيادَةِ: عَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ(3).
وأَحَقُّهم بالخِلافَةِ بعدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ
أبو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ لأنَّهُ أَفْضَلُهُم وأَسْبَقُهُم إلى الإسلامِ، ولأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قَدَّمَهُ في الصلاةِ، ولأنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ عنهم أَجْمَعُوا على تَقْدِيمِهِ ومُبَايَعَتِهِ، ولا يَجْمَعُهُم اللهُ على ضَلاَلَةٍ.
ثمَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ لأنَّهُ أَفْضَلُ الصحابَةِ بعدَ أبي بَكْرٍ، ولأنَّ أبَا بَكْرٍ عَهِدَ بالخِلافَةِ إِلَيْهِ.
ثمَّ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ لِفَضْلِهِ وَتَقْدِيمِ أَهْلِ الشُّورى لَهُ، وهم المَذْكُورُونَ في هذا البيْتِ:
عَلِيٌّ وعُثْمَانٌ وَسَعْدٌ وَطَلْحَةُ زُبَيْرٌ وذُو عَوْفٍ رِجَالُ المَشُورَةِ
ثُمَّ
عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ لِفَضْلِهِ وإجماعِ أَهْلِ عَصْرِهِ عليهِ.
وهؤلاءِ الأرْبَعَةُ هم الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ المَهْدِيُّونَ الذينَ قالَ فيهم النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ)).
وقالَ: ((الْخِلاَفَةُ بَعْدِي ثَلاَثُونَ سَنَةً))، رَوَاهُ أحمدُ، وأبو دَاودَ، والتِّرْمِذِيُّ.
قَالَ الألبانِيُّ: وإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
فَكَانَ آخِرَها خِلافَةُ عَلِيٍّ.
هكذا قالَ المُؤَلِّفُ، وكأَنَّهُ جَعَلَ خِلاَفَةَ
الْحَسَنِ تَابِعَةً لأبيهِ، أَو لَمْ يَعْتَبِرْها؛ حيثُ إنَّهُ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَنَازَلَ عنها.
فخِلافَةُ أبي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ سنتانِ وثلاثةُ أَشْهُرٍ وتِسْعُ لَيالٍ، مِنْ 13 ربيعٍ الأوَّلِ سَنَةَ 11هـ إلى 22 جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ 13هـ.
وخِلافَةُ عُمَرَ رَضَيَ اللهُ عنهُ عَشْرُ سَنَواتٍ وسِتَّةُ أَشْهُرٍ وثَلاثةُ أيَّامٍ، مِنْ 23 جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ 13هـ إلى 26 ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ 23هـ.
وخِلافَةُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً إلاَّ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، مِنْ 1 مُحَرَّمٍ سَنَةَ 24هـ إلى 18 ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ 35هـ.
وخِلافَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أَرْبَعُ سَنَوَاتٍ وتِسْعَةُ أَشْهُرٍ، مِنْ 19 ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ 35هـ إلى 19 رَمَضَانَ سَنَةَ 40هـ.
فمَجْمُوعُ خِلافَةِ هؤلاءِ الأرْبَعَةِ: تِسْعٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وسِتَّةُ أَشْهُرٍِ، وأَرْبَعَةُ أَيَّامٍ.
ثمَّ بُويعَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهما يَوْمَ مَاتَ أبوهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وفي رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ 41هـ سَلَّمَ الأمْرَ إلى مُعَاوِيَةَ، وبذلكَ ظَهَرَتْ آيَةُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ في قولِهِ: ((الْخِلاَفَةُ بَعْدِي ثَلاَثُونَ سَنَةً))، وقولِهِ في الْحَسَنِ: ((إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ))، رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (13) فالحَسَنُ سِبْطُ(4) رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ورَيْحَانَتُهُ، وهوَ أميرُ المؤمنينَ ابنُ أميرِ المؤمنينَ عَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ، وُلِدَ في 15 رَمَضَانَ سَنَةَ 3هـ، ومَاتَ في المدينةِ، ودُفِنَ في البَقِيعِ في ربيعٍ الأوَّلِ سَنَةَ 50هـ. (14) والحُسَيْنُ سِبْطُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ورَيْحَانَتُهُ، وهوَ ابنُ عَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وُلِدَ في شَعْبَانَ سَنَةَ 4هـ، وَقُتِلَ في كَرْبِلاءَ في 10 مُحَرَّمٍ سَنَةَ 61هـ.
(15) وثَابِتٌ: وهوَ ابنُ قَيْسِ بنِ شَمَّاسٍ الأنصارِيُّ الخَزْرَجِيُّ، خَطِيبُ الأنصارِ، قُتِلَ شَهِيدًا يومَ اليَمَامَةِ سَنَةَ 11هـ في آخِرِها، أوْ أَوَّلَ سَنَةِ 12هـ.
-----------------------
حاشية الشيخ صالح العصيمي
(4)
السبط هو ولد الولد ويُجمع على أسباط.
وهؤلاءِ هم الخُلفاءُ الرَّاشِدونَ الأربعةُ، وقدْ وَرَدَ تَحْديدُ مُدَّتِهم في حديثِ سَفِينةَ في قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْخِلاَفَةُ فِي أُمَّتِي ثَلاَثُونَ سَنَةً، ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ)).
والأدلَّةُ على تَرْتِيبِهم هذهِ الآثارُ
، مثلَ حديثِ ابنِ عُمَرَ يَقولُ: ( كُنَّا نقولُ والنَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيٌّ: أَبُو بَكْرٍ، ثمَّ عُمَرُ، ثمَّ عُثْمانُ - يَعْنِي في الفَضْلِ- فَيَبْلُغُ ذلكَ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا يُنْكِرُهُ))، يَعْنِي: نُرَتِّبُهم نَقولُ: أَبو بَكْرٍ أَفْضَلُ، ويَلِيهِ عُمَرُ، ويَلِيهِ عُثْمانُ، ولا يُنْكِرُ ذلكَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والآثارُ عنْ عَلِيٍّ فيها أنَّهُ خَطَبَ على المِنْبَرِ في الكُوفةِ فَقَالَ: (أَفْضَلُ هذهِ الأمَّةِ بعدَ نبيِّها أَبُو بَكْرٍ، ثمَّ عُمَرُ، ولوْ شِئْتُ لَسَمَّيْتُ الثَّالثَ)، قالُوا: إنَّهُ يُرِيدُ نفسَهُ، أوْ يُرِيدُ عُثْمانَ، اللهُ أَعْلَمُ. ولكنْ مَشْهورٌ عنهُ فيما يُشْبِهُ المُتَواتِرَ، ومَرْوِيٌّ عنهُ مِنْ نَحْوِ عِشرينَ طَرِيقًا، أنَّهُ صَرَّحَ بأنَّ أَفْضَلَ الأمَّةِ أبو بَكْرٍ، ثمَّ عُمَرُ.
فأينَ الرَّافِضةُ مِنْ هذا؟ لا شكَّ أنَّهم لوْ كانوا ذَوِي عُقولٍ لَقَبِلُوا ما قالَهُ عَلِيٌّ؛ الَّذي هوَ عندَهم الإمامُ، وهوَ الخَليفةُ المُعْتَبَرُ بزَعْمِهم، ومعَ ذلكَ تَأْتِيهم كَلِماتُهُ الصَّحيحةُ الصَّادقةُ الثَّابتةُ فلا يَقْبَلُونَها، ويَقْبَلُونَ الأكاذيبَ الَّتي يَبْتَدِعُها بعضُ غُلاتِهِم ويُصَدِّقُونَها، فأينَ هؤلاءِ وأينَ عُقولُهم؟!
لا شكَّ أنَّا إذا تَأَمَّلْنا ما جاءَ عنهُ، وما جاءَ عن الصَّحابةِ، وما جاءَ في هذهِ الأحاديثِ الَّتي فيها فَضائلُ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم ومِيزَتُهم وما حَباهُم اللهُ، وما لهم مِن الفضائلِ؛ نَجِدُ أنَّها كُلَّها تُبْطِلُ غُلُوَّ هؤلاءِ الرَّافضةِ في أهلِ البيتِ كما يَقُولونَ، وسَبَّهم وتَنَقُّصَهُمْ لخلفاءِ الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذينَ زَكَّاهُم وشَهِدَ بِفضلِهم.
وهذهِ الأحاديثُ أيضًا مِنها ما هوَ مَرْفوعٌ، كما سَمِعْنا في حديثِ
أَبِي الدَرْداءِ؛ فهوَ صَرِيحٌ في فَضْلِ الشَّيخَيْنِ؛ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وفيهِ أنَّ الشَّمسَ لمْ تَغْرُبْ على مثلِ هذَيْنِ الشَّيخَيْنِ؛ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنْهُما.
لا شكَّ أنَّ فَضائلَهم كثيرةٌ، والمسلمُ عندَما يَسْمَعُ هذهِ الفضائلَ يَعْرِفُ أنَّ لهم مِن الفضلِ ما يَحْمِلُهم على أنْ يَكونوا أُسْوَةً وقُدْوةً، وأنَّهم تُصَدَّقُ أقوالُهم ويُقْتَدَى بهم؛ لأنَّا نُزَكِّيهم ونَشْهَدُ بأنَّهم حَمَلةُ العِلْمِ، وحَمَلةُ الشَّرِيعةِ، والسَّابِقونَ مِنْ هذهِ الأمَّةِ، فلا يَجوزُ أن نَسْمَعَ لِمَنْ يَطْعَنُ فيهم أوْ يَنْتَقِصُهم، ولا أنْ نَرُدَّ شيئًا مِنْ أقوالِهم إلاَّ الأقوالَ الَّتي يَجْتَهِدُونَ فيها، ويَكونونَ مُخْطِئِينَ مُخالِفِينَ لِنصٍّ صَرِيحٍ لم يَبْلُغْهم، فنَعْتَذِرُ عنهم ونَقْبَلُ الحقَّ ممَّنْ جاءَ بهِ. (3) تَقَدَّمَ ذِكْرُ تَرْتيبِ الخُلفاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.
أوَّلاً:
تَرْتِيبُهم في الفضلِ.
وثانيًا:
تَرْتِيبُهم في الخِلافةِ.
والصَّحيحُ أنَّ تَرْتِيبَهم في الفضلِ وتَرْتِيبَهم في الخِلافةِ على حدٍّ سَواءٍ.
فالخِلافةُ بعدَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَِبِي بَكْرٍ، وأَفْضَلُ الأمَّةِ بعدَ نبيِّها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبو بَكْرٍ، فَصَار أَبُو بَكْرٍ هوَ الأَفْضَلَ وهوَ الخَليفةَ.
وأَفْضَلُ الأمَّةِ بعدَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرُ؛ فقدْ حَازَ الفَضْلَ بعدَ أَبِي بَكْرٍ. الفضلُ بمَعْنَى: الرُّتْبَةِ والمِيزَةِ والفضيلةِ والشَّرَفِ والأَجْرِ على قَدْرِ عَمَلِهِ، ولوْ كانَ هناكَ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ؛ فإنَّ عُثْمانَ أَسْلَمَ قبلَ عُمَرَ، وكذلكَ عَلِيٌّ أَسْلَمَ قبلَ عُمَرَ، والزُّبَيْرُ وسَعْدٌ وغيرُهم أَسْلَمَ قبلَهُ، ولكنَّ إسلامَهُ كانَ فَتْحًا ونَصْرًا، وخِلافَتَهُ كانَت عِزًّا لِلإسلامِ وتَمْكِينًا لهُ.
والأحاديثُ الَّتي وَرَدَتْ في فَضْلِهِ لم تَرِدْ في غيرِهِ؛ مِنها قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ))، يَعْنِي: أنَّ الشَّيطانَ يَهْرُبُ مِنهُ.
وفضائلُهُ أيضًا كثيرةٌ.
فأَفْضَلُ الأُمَّةِ بعدَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرُ، وهوَ أَحَقُّ النَّاسِ بالخِلافةِ بعدَ أبي بَكْرٍ، أو الخِلافةُ الصَّحيحةُ بعدَ أبي بَكْرٍ خِلافةُ عُمَرَ.
واقْتَنَعَ بهِ المُسْلِمونَ وبايَعُوهُ، وتَمَّت البَيْعةُ، ولمْ يَشُذَّ أحدٌ عنْ طاعتِهِ، أوْ يُنْكِرْ عليهِ، أوْ يَخْرُجْ عنْ طاعتِهِ، وسِيرتُهُ تَدُلُّ على أَهْلِيَّتِهِ وصَلاحِهِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
ثمَّ الخَليفةُ بعدَ عُمَرَ عُثْمانُ كما هوَ الواقِعُ؛ وذلكَ لأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ جَعَلَهُ مِنْ أهلِ الشُّورَى.
وأهلُ الشُّورَى اتَّفَقُوا على تَقْدِيمِهِ، وتَمَّت البَيْعةُ لهُ، وبَايَعَهُ عَلِيٌّ، وبايَعَهُ عبدُ الرَّحمنِ، وسَعْدٌ، والزُّبَيْرُ، وسائِرُ الصَّحابةِ وسائرُ المسلِمِينَ، وتَمَّت الخِلافةُ لهُ.
إذًا فالخليفةُ بعدَ عُمَرَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وهل الأَفْضَلُ بعدَ عُمَرَ عُثْمانُ أوْ عَلِيٌّ؟ فيهِ خِلافٌ بينَ العُلماءِ.
وسببُ الخِلافِ أنَّ هناكَ مَنْ فَضَّلَ عُثْمانَ على عَلِيٍّ، واسْتَدَلَّ بحديثِ ابنِ عُمَرَ الَّذي يَقولُ فيهِ: ( كنَّا نَقولُ والنَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيٌّ: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمانُ، فيَبْلُغُ ذلكَ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يُنْكِرُهُ )، وجاءَ الحديثُ أنَّهُ يَلِي عُمَرَ في الأَفْضَلِيَّةِ.
ومنهم مَنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمانَ، واسْتَدَلَّ بما رُوِيَ عنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: (أَفْضَلُ هذهِ الأمَّةِ بعدَ نبيِّها، أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ولوْ شِئْتُ لَسَمَّيْتُ الثَّالثَ)، قالوا: يَعْنِي نَفْسَهُ.
وسَأَلَهُ مَرَّةً ابنُهُ الحَسَنُ وقالَ: (يا أَبَتِ، مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ بعدَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: أبو بَكْرٍ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: عُمَرُ، قالَ: فَخَشِيتُ أنْ يَقولَ: عُثْمانُ، فقُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ فقالَ: ما أَبُوكَ إلاَّ رَجُلٌ مِن المسلِمِينَ)، قالَ ذلكَ على وَجْهِ التَّوَاضُعِ مِنهُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
فلا شَكَّ في فَضْلِ الشَّيْخَيْنِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ في الثَّالثِ؛ فمِنهم مَنْ ثَلَّثَ بعَلِيٍّ، ومِنهم مَنْ ثَلَّثَ بِعُثْمانَ.
وأمَّا في الخِلافةِ فإنَّهم مُرَتَّبُونَ: أبو بَكْرٍ الخَليفةُ، ثُمَّ يَلِيهِ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهم جميعًا.
وأمَّا حديثُ سَفِينةَ، فقدْ ذَكَرْنا أنَّهُ يُشِيرُ فيهِ إلى أنَّ الخِلافةَ ثلاثونَ سنةً، ولكنْ إذا عَرَفْنا أنَّ خِلافةَ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَانِ ونِصْفٌ، وخِلافةَ عُمَرَ عَشْرُ سَنَوَاتٍ، وخِلافةَ عُثْمانَ اثنتا عَشْرَةَ سَنَةً، فهذهِ خمسٌ وعشرونَ إلاَّ أَشْهُرًا، وخلافةَ عَلِيٍّ خمسُ سنواتٍ، فيَبْقَى مِنها نحوُ نِصْفِ سنةٍ يُكْمِلُها خِلافةُ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَتَكونُ ثلاثينَ سَنَةً، ويَنْطَبِقُ عليها الحديثُ: ((الْخِلاَفَةُ ثَلاَثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا …)). (4) في هذهِ الفِقْرَةِ مِن الْمَتْنِ تَزْكِيَةٌ لِهؤلاءِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، ورَدٌّ بَلِيغٌ على مَنْ طَعَنَ فيهم أوْ ضَلَّلَهم، كما ذَكَرْنا عن الرَّافِضةِ.
وقدْ ذَكَرَ شارِحُ
(الطَّحاوِيَّةِ) أنَّ الرَّافِضةَ يَكْرَهُونَ اسمَ العَشَرَةِ ولا يُحِبُّونَهُ؛ وذلكَ لأنَّ هؤلاءِ العَشَرَةَ عندَهم كُفَّارٌ أوْ ضُلاَّلٌ، باسْتِثْناءِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ فلأجلِ ذلكَ لا يُحِبُّونَ لَفْظَ العَشَرَةِ، ممَّا يَدُلُّ على أنَّهم كَفَّرُوا جُلَّ الصَّحابةِ وما اسْتَثْنَوْا مِنهم إلاَّ أَفْرادًا قَلِيلِينَ.
ولكنْ رَدَّ عليهم شارِحُ (الطَّحاوِيَّةِ) مُبَيِّنًا تَناقُضَهم؛ فذَكَرَ أنَّهم لا يُكَفِّرُونَ العَشَرَةَ، إنَّما يُكَفِّرُون تِسْعةً مِنهم، فَهُمْ لا يَكْرَهُونَ لَفْظَ التِّسْعَةِ، وإنَّما يَكْرَهونَ لفظَ العَشَرَةِ، ومعَ ذلكَ يُخْرِجُونَ عَلِيًّا مِنْ هؤلاءِ العَشَرَةِ، فلا يَبْقَى عندَهم إلاَّ التِّسعةُ الباقُونَ.
لا يوجد شرح للشيخ على هذا الموضوع
المَتْنُ: (وَرَوَى أبو الدَّرْدَاءِ عَن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلا غَرَبَتْ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ عَلَى أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ)).
الشَّرْحُ: وَهذهِ شَهَادَةٌ مِن الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلا غَرَبَتْ بَعْدَ النَّبِيِّينَ عَلَى أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ)).
المَتْنُ: (وَهوَ أَحَقُّ خَلْقِ اللهِ بالخلافةِ بعدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
الشَّرْحُ: هوَ أحقُّ خَلْقِ اللهِ بالخلافةِ:
أَوَّلاً: لأنَّهُ أفضلُ الصحابةِ على الإِطلاقِ.
وثانياً: لأنَّ الرسولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يَخْتَارُهُ للصلاةِ بالمسلمينَ لَمَّا مَرِضَ عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسلامُ، قَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)).
فَاخْتِيَارُ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهُ بالإِمامةِ في الصلاةِ وَالوقوفِ في مِحْرَابِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذا دليلٌ على أَنَّهُ الأَحَقُّ بالخلافةِ، وَهذهِ إِشارةٌ منهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلى استخلافِهِ مِنْ بعدِهِ؛
وَلهذا قَالَ الصحابةُ لَمَّا أَرَادُوا بَيْعَتَهُ: أَيَرْضَاكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِينِنَا وَلا نَرْضَاكَ لِدُنْيَانَا. فَقَدَّمُوهُ في الخلافةِ.
المَتْنُ: (وَهوَ أَحَقُّ خَلْقِ اللهِ بالخلافةِ بعدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
الشَّرْحُ: وَهذا بإِجْمَاعِ المسلمينَ.
المَتْنُ: (لِفِضْلِهِ وَسَابِقَتِهِ، وَتَقْدِيمِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهُ في الصلاةِ على جميعِ الصحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ).
الشَّرْحُ: وَكَانُوا مَوْجُودِينَ بما فِيهم أبو بكرٍ وَعثمانُ وَعليٌّ وَأَفَاضِلُ الصحابةِ، وَمعَ هذا نَصَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على تقديمِ أبي بَكْرٍ، وَلَمَّا رُوجِعَ في ذلكَ أَصَرَّ على أنْ يُقَدِّمَ أبا بكرٍ في الصلاةِ.
المَتْنُ: (و إِجْمَاعِ الصحابةِ على تَقْدِيمِهِ وَمُبَايَعَتِهِ).
الشَّرْحُ: إِجماعِ الصحابةِ في يومِ السَّقِيفَةِ بعدَ وَفاةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على بَيْعَتِهِ وَاستخلافِهِ بعدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإِنَّهُم بَايَعُوهُ بالإِجماعِ، بما فيهِم المُهَاجِرُونَ وَالأنصارُ رَضِيَ اللهُ عنهم.
المَتْنُ: (وَإِجماعِ الصحابةِ على تَقْدِيمِهِ وَمُبَايَعَتِهِ، وَلمْ يَكُن اللهُ لِيَجْمَعَهُمْ على ضَلالَةٍ).
الشَّرْحُ: قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلالَةٍ)). حَصَلَ اختلافٌ في الأوَّلِ، ثمَّ تَرَاجَعُوا فيما بَيْنَهُمْ، ثمَّ انْحَسَمَ الخلافُ، وَأَجْمَعُوا على بَيْعَةِ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهُ.
المَتْنُ: (ثمَّ مِنْ بَعْدِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ).
الشَّرْحُ: ثمَّ مِنْ بَعْدِهِ عُمَرُ، وَذلكَ بالعهدِ الذي عَهِدَ بهِ أبو بكرٍ.لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا بَكْرٍ الوفاةُ عَهِدَ إِلى عُمَرَ بالخلافةِ،
وَإِذا عَهِدَ وَلِيُّ الأمرِ مِنْ بعدِهِ إِلى مَنْ يَخْلُفُهُ تَعَيَّنَ ذلكَ، كما عَهِدَ أبو بكرٍ إِلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهُ.
المَتْنُ: (ثمَّ مِنْ بَعْدِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لِفَضْلِهِ وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ إِليهِ).
الشَّرْحُ: لِفَضْلِهِ المعروفِ، وَسَابِقَتِهِ في الإِسلامِ، وَقُوَّتِهِ وَصَرَامَتِهِ، وَأنَّهُ لا يَخْشَى في اللهِ لَوْمَةَ لائمٍ، وَلتقديمِ الصحابةِ لهُ، وَعَمَلاً بعهدِ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
المَتْنُ: (ثمَّ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لتقديمِ أهلِ الشُّورَى لهُ).
الشَّرْحُ: الثالثُ مِن الخلفاءِ الراشدِينَ عثمانُ بنُ عفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهُ؛ وَذلكَ لإِجماعِ أهلِ الشُّورَى الذينَ عَهِدَ إِليهم. عُمَرُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوفاةُ؛ لِيَخْتَارُوا خليفةً للمسلمينَ.
وَأهلُ الشُّورَى سِتَّةٌ ؛ هم: عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، وَطلحةُ، وَالزبيرُ، وَسعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ.هؤلاءِ أَجْمَعُوا على اختيارِ عثمانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَبَايَعَهُ المسلمونَ.
المَتْنُ: (ثمَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لِفَضْلِهِ وَإِجماعِ أهلِ عصرِهِ عَلَيْهِ).
الشَّرْحُ: وَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ شَهِيداً مَظْلُوماً، اجْتَمَعَ المسلمونَ على بَيْعَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لأنَّهُ أفضلُ الصحابةِ بعدَ الثلاثةِ الذينَ سَبَقُوهُ،
وَكانَ حَقِيقاً وَخَلِيقاً بالخلافةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَلكنْ حَصَلَت الفِتَنُ في وَقْتِهِ؛ لِحُدُوثِ الشِّقَاقِ وَانْدِسَاسِ أصحابِ الأهواءِ وَالأعداءِ في صفوفِ المسلمينَ، فَحَصَلَ في وَقتِهِ مِن الحروبِ وَالشِّقَاقِ الشيءُ الكثيرُ.
لكنْ لا شَكَّ في خِلافَتِهِ، وَأنَّهُ خليفةُ المسلمينَ بعدَ أصحابِهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهم.وَما حَصَلَ في وَقْتِهِ هذا لا يَقْدَحُ في خلافتِهِ، هذا أمرٌ خارجٌ عَنْ إِرادتِهِ، وَحَاوَلَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنْ يَقْضِيَ على هذهِ الفِتَنِ،
وَجَاهَدَ وَقَاتَلَ الخَوَارِجَ، وَحَاوَلَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَبَذَلَ وُسْعَهُ، لَكِنْ لمْ يَتِمَّ الأمرُ على المطلوبِ.
المَتْنُ: (وَهؤلاءِ الخلفاءُ الراشدونَ المَهْدِيُّونَ).
الشَّرْحُ: الذينَ قَاتَلُوهُ مِن الصحابةِ لم يُنَازِعُوا في خلافتِهِ، الذينَ قَاتَلُوا في الجَمَلِ وَفي صِفِّينَ معَ مُعَاوِيَةَ لم يُنَازِعُوا في أَنَّهُ هوَ الخليفةُ،
وَلكنَّهُم يُرِيدُونَ القصاصَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، هذا الذي يُرِيدُونَ، يُرِيدُونَ القصاصَ مِنْ قَتَلَةِ عثمانَ، وَلم يُقَاتِلُوا عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لأنَّهُم لا يَرَوْنَ أَنَّهُ خليفةٌ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ القصاصَ مِنْ قَتَلَةِ عثمانَ.
المَتْنُ: (وَهؤلاءِ الخلفاءُ الراشدونَ المَهْدِيُّونَ الذينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهِم: ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ)).
الشَّرْحُ: هؤلاءِ هُم المَقْصُودُونَ بهذا الحديثِ: ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي)).
وَالخلفاءُ الراشدونَ هم هؤلاء الأربعةُ: أبو بَكْرٍ، ثمَّ عمرُ، ثمَّ عثمانُ، ثمَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهم. سَمَّاهُم بالخلفاءِ، وَسَمَّاهُمْ بالراشِدِينَ، وَأَمَرَ بالعملِ بِسُنَّتِهِمْ معَ سُنَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
المَتْنُ: (وَقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْخِلافَةُ مِنْ بَعْدِي ثَلاثُونَ سَنَةً)). فكانَ آخِرُهَا خِلافةَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ).
الشَّرْحُ: أَخْبَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ الخلافةَ بعدَهُ ثلاثونَ سَنَةً، وَقدْ تَحَقَّقَ هذا في خِلافَةِ الخلفاءِ الأربعةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهم، فَكَانَتْ ثلاثينَ سَنَةً،
ثمَّ مِنْ بَعْدِ ذلكَ صَارَ الأمرُ مُلْكاً، وَجَاءَ المُلُوكُ مِن المسلمينَ بعدَ الخلفاءِ الراشدينَ، وَأَعْدَلُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ وَخَيْرُهُمْ مُعَاوِيَةُ بنُ أبي سفيانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهُ.
ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى قضية الخلافة بعد ذكر الفضلية فقال: (( وهو- أي أبوبكر الصديق- وهو أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي r لفضله وسابقته, وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضي الله عنهم , وإجماع الصحابة رضي عنهم علىتقديمه ومبايعته, ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة)) .
وهذه أدلة قوية مختصرة ذكرها الشيخ رحمه الله متتابعة : فضله ,سابقته في الإسلام , تقديمه في الصلاة , إجماع الصحابة عليه, ما كان الله ليجمع هذه الأمة على ضلالة, فهذا يدل على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه هو الأحق بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الشيخ : (( ثم من بعده عمر رضي الله عنه لفضله وعهد أبي بكر إليه )) . حيث بايعه جميع الصحابة , لم يتخلف عن ذلك أحد
(( ثم عثمان رضي لله عنه)) فهو الأحق بالخلافة عند أهل السنة والجماعة (( لتقديم أهل الشورى لـه , ثم علي رضي الله عنه)) فهو الإمام الرابع
(( لفضله وإجماع أهل عصره عليه)) . فهذا ترتيب الخلفاء الراشين الأربعة في الإمامة, وهو محل إجماع أهل السنة والجماعة, ولم يخالف فيه إلا أهل البدع .
ثم قال الشيخ : (( وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون, الذين قال فيهم رسول الله : (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي , عضوا عليها بالنواجذ)) (1) فهؤلاء الأربعة هم المهديون, وهم الذين يجب أن نتبع سنتهم وطريقتهم وأن نتمسك بها أشد التمسك رضي الله عنهم جميعاً .
ثم قال الشيخ : (( وقال صلى الله عليهوسلم : (( الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ))(2))) .
هذا حديث صحيح رواه أحمد وأبو دواد وغيرهما من حديث سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فالخلافة ثلاثون سنة, آخرها خلافة علي رضي الله عنه أرضاه؛ لأن نهاية خلافة علي والحسن كانت عام إحدى واربعين , والرسول عليه الصلاة والسلام انتقل إلى الرفيق الأعلى سنة إحدى عشرة من الهجرة .
-
(1) اخرجه ابو داود كتاب السنة والترمذي كتاب العلم وابن ماجه في المقدمة
(2) اخرجه الترمذي كتاب الفتن وابو داود كتاب السنة
تيمية
01-02-2009, 03:00 AM
أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر الصديق
قال الموفق رحمه الله: [وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر)] . وهذا لا شك فيه: أن أبا بكر أفضل بني آدم بعد الأنبياء والمرسلين.
قال الموفق رحمه الله: [وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لفضله وسابقته، وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضي الله عنهم ، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة] . إجماع الصحابة على ذلك من المهاجرين والأنصار، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يستخلف أبا بكر في حياته، وكان يرد إليه كثيراً من الأمور، وهذا صريح في أنه أهل للخلافة من بعده، فقد استخلفه في الصلاة، وفي شورى الرأي... وما إلى ذلك. فواضح من هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام أن أخص الناس به أبو بكر ، وجدال الشيعة في هذا الباب من المجادلة بالباطل، وآل البيت رضي الله تعالى عن صالحهم ممن كان من الصحابة أو من بعدهم ليس لهم حق من جهة الاختصاص بالخلافة، بل الخلافة معتبرة في ما اعتبره النبي صلى الله عليه وسلم في قريش، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش). قال الموفق رحمه الله: [ثم من بعده عمر لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان لتقديم أهل الشورى له] . قوله: (لتقديم أهل الشورى له) هذه مسألة فيها بعض التردد، وإنه استدلال ليس بمحكم على التمام. قال الموفق رحمه الله: [ثم علي لفضله وإجماع أهل عصره عليه، وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)] .
قوله: (وهؤلاء الخلفاء) أي: هم خلفاء الرسول في أمته، أما من كان من بعدهم فإذا سمي خليفة فبمعنى أنه مستخلف على المسلمين سلطاناً وملكاً ،وهذا هو الفرق بين الاسمين من جهة المعنى، وإن كان بينهما اشتراك في اللفظ.
معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز
قال الموفق رحمه الله: [وقال صلى الله عليه وسلم: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة)فكان آخرها خلافة علي ] .
بقي في هذه الثلاثين بضعة أشهر فقال بعض أهل العلم: إنها في إمارة الحسن بعد أبيه. والصواب أن هذا ليس بلازم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (ثلاثون سنة) لا يلزم من ذلك -في استعمال كلام العرب- أن تكون على التمام بسائر أيامها، وإنما هذا مثل ما حلف النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يدخل على بعض أهله شهراً، قالت أم سلمة -كما في الصحيح-: (فلما مضى تسع وعشرون يوماً غدا عليهم أو راح، فقيل له: يا رسول الله! قال: إن الشهر يكون تسعةً وعشرين) مع أنه لم ير الهلال، إنما حلف شهراً في عرض شهرين، فلما أمضى ما بين الشهرين تسعاً وعشرين غدا عليهم أو راح، فهذا أمر مما تسوغه اللغة. ولهذا تعلم أن قوله: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة)لا يصح أن يقال: إن عمر بن عبد العزيز خليفة خامس، بل هذا من كلام بعض أهل العلم من العراقيين، وقد أنكره كبار المحققين كالإمام أحمد وأمثاله، وهو مخالف لحديث سفينة وهو حديث احتج به أحمد وغيره من أئمة السنة على معنى صحته. المقصود: أن عمر بن عبد العزيز خليفة عادل على هدي الخلفاء، لكن القول: إنه خليفة خامس ليس بذاك، إنما خلفاء الرسول في الأمة هم هؤلاء الأربعة فقط، وإن بقي شيء من هذه الخلافة النبوية فهي إمارة الحسن بن علي بن أبي طالب ، و معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز ، وأتم علماً وهدىً وتقوىً... إلخ، وإن كانت من جهة مسيرة الرعية حصلت في زمن عمر بن عبد العزيز من العدل والاستقرار أكثر مما حصلت في زمن معاوية ، وهذا ليس سببه معاوية ، إنما سببه الأحوال التي كانت مقارنة، فعمر بن عبد العزيز جاء والملك مستتب مستقر... إلخ، فكان العدل فيه يسيراً وسهلاً، بخلاف معاوية فإنه جاء
لقوم بينهم تنازع، وقد نازعه أكابر القوم كابن الزبير ، وعبد الله بن عمر -وإن كان مستتراً بالمنازعة- والحسين بن علي جاهر بها... إلى غير ذلك، فضلاً عن المنازعة السالفة عليه من علي بن أبي طالب وكبار الصحابة، ففرق بين الحالين، ولو كان أحد أولى بالخلافة الخامسة لكان أولى بها معاوية . ومن يقول: إن عمر بن عبد العزيز أعلم.. فقد غلط أيضاً، فإن معاوية أفقه وأعلم من عمر بن عبد العزيز ، ولا إشكال في هذا.
تيمية
01-02-2009, 03:00 AM
العناصر
- المفاضلة بين الخلفاء الراشدين
- ترتيب الخلفاء الراشدين في استحقاق الخلافة كترتيبهم في الفضل
- بيان مدة الخلافة
- صحة خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه
تيمية
01-02-2009, 03:01 AM
الأسئلة
س1: رتب الخلفاء الراشدين في الفضل واستحقاق الخلافة.
س2: تحدث بإيجاز عن صحة خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir