المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منهج أهل السنة في تكفير أهل القبلة بالمعاصي


عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 12:31 AM
وَلاَ نَجْزِمُ لأَحَدٍ مِن أَهْلِ القِبْلَةِ بِجَنَّةٍ وَلاَ نارٍ، إلاَّ مَنْ جَزَمَ لَهُ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّا نَرْجُو لِلْمُحْسِنِ، وَنَخَافُ عَلَى المُسِيءِ.
وَلاَ نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ بِذَنْبٍ، وَلاَ نُخْرِجُهُ عَنِ الإِسْلامِ بِعَمَلٍ.

حفيدة بني عامر
11-20-2008, 02:52 PM
المُعَيَّنُونَ مِنْ أَهْلِ النارِ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ
من المُعَيَّنِينَ بالقرآنِ: أَبُو لَهَبٍ عبدُ العُزَّى بنُ عبدِ المُطَّلِبِ عَمُّ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وامْرَأَتُهُ أُمُّ جَمِيلٍ أَرْوَى بِنْتُ حَرْبِ بنِ أُمَيَّةَ أُخْتُ أَبِي سُفْيانَ؛ لقولِهِ تعالَى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المَسَد: 1]، إلى آخِرِ السُّورَةِ.
ومن المُعَيَّنِينَ بالسُّنَّةِ: أبو طالِبٍ عَبْدُ مَنَافِ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ لقولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ))، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
ومنهم: عمرُو بنُ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الخُزَاعِيُّ؛ قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((رَأَيْتُهُ يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ فِي النَّارِ))، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وغيرُهُ. (17) تكفيرُ أهلِ القِبْلَةِ بالمعاصِي
أهلُ القِبْلَةِ:

هم المسلمونَ المُصَلُّونَ إليها، لا يُكَفَّرُونَ بفعلِ الكبائِرِ، ولا يَخْرُجُونَ مِن الإسلامِ بذلكَ، ولا يُخَلَّدُونَ في النارِ؛ لقولِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحُجُرَات: 9]، إلى قولِهِ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10].
فأثْبَتَ الأُخُوَّةَ الإِيمَانِيَّةَ معَ القِتَالِ، وهوَ مِن الكبائِرِ، ولوْ كانَ كُفْرًا لانْتَفَت الأُخُوَّةُ الإِيمَانِيَّةُ.
وقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ)) يَعْنِي: مِن النارِ، مُتَّفَقٌ عليهِ.
وخالَفَ في هذا طائِفَتانِ:
الأُولى:

الخَوَارِجُ، قَالُوا: فَاعِلُ الكَبِيرَةِ كَافِرٌ خَالِدٌ في النارِ.
الثانيَةُ:

المُعْتَزِلَةُ قالُوا: فاعِلُ الكَبيرَةِ خارِجٌ عن الإيمانِ، لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ولا كَافِرٍ، في مَنْزِلَةٍ بينَ المَنْزِلَتَيْنِ، وهوَ خالِدٌ في النارِ.
وَنَرُدُّ على الطائِفَتَيْنِ بما يأتي:
1 - مُخَالَفَتُهُم لِنُصُوصِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ.
2 - مُخَالَفَتُهُم لإِجْمَاعِ السَّلَفِ.

حفيدة بني عامر
11-20-2008, 02:55 PM
(5) هذا مِنْ جُمْلَةِ العَقِيدةِ، يُدْخِلُونَ هذا في أَسْماءِ الإيمانِ والدِّينِ.
وقدْ تَقَدَّمَ الكلامُ على الإيمانِ، وأنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ واعْتِقادٌ؛ قولُ القلبِ واللِّسانِ، وعملُ القلبِ والجَوَارِحِ، وأنَّ المؤمِنِينَ الَّذين يَدِينُونَ بهذا الإيمانِ نَشْهَدُ لهم بالإيمانِ ولوْ عَمِلُوا ما عَمِلُوا مِن المَعاصِي، فلا نُخْرِجُهم مِن الإيمانِ، ولكنْ لا نَشْهَدُ لهم بالجَنَّةِ، لا نَشْهَدُ لأحدٍ مُعَيَّنٍ بالجَنَّةِ إلاَّ مَنْ شَهِدَ لهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أوْ ثَبَتَ ذلكَ مِنهُ، فقدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنْ شَهِدَ لهم النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهُمْ كَثِيرٌ.
ذَكَرَ الشَّيخُ ابنُ سَلْمانَ في شَرْحِ (الوَاسِطيَّةِ، الكَواشِفِ الجَلِيَّةِ) أَكْثَرَ مِنْ خمسِينَ ممَّنْ وَرَدَتْ فيهم أحاديثُ تُبَشِّرُهم بالجَنَّةِ، وإنْ كانَ بعضُها فيهِ ضَعْفٌ، فنحنُ لا نَشْهَدُ لأحدٍ بالجَنَّةِ إلاَّ مَنْ شَهِدَ لهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولكنْ نَرْجُو لِلمُحْسِنِينَ، فإذا رَأَيْنا أهلَ الإحسانِ، وأهلَ الإيمانِ والتُّقَى، وأهلَ الخيرِ والصَّلاحِ، وأهلَ الاسْتِقامةِ، وأهلَ العَقِيدةِ السَّلَفِيَّةِ السَّلِيمةِ، وأهلَ الأعمالِ الصَّالحةِ، قُلْنا: نَرْجُو أنَّ هؤلاءِ مِنْ أهلِ الجَنَّةِ، وأنَّ اللهَ لا يُشْقِيهم ولا يَحْرِمُهم أَجْرَ ثَوَابِهم، فاللهُ تعالى قدْ وَعَدَ، وهوَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، بأنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَهْلُ الأعمالِ الصَّالحةِ في عِدَّةِ آياتٍ، كما في قولِهِ تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 82]، وفي قولِهِ تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد: 21].
وقدْ مَرَّ بنا بعضٌ مِنْ تلكَ الأدِلَّةِ، كحديثِ ابنِ مَسْعُودٍ المَشْهورِ، وفيهِ قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا))، وذَكَرَ مثلَ ذلكَ في عملِ أهلِ النَّارِ، وأنَّهُ يَسْبِقُ عليهِ الكتابُ فيعملُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ فيَدْخُلُها، فالأعمالُ بالخَوَاتِيمِ، وهذا هوَ الَّذي يَحْمِلُنا على أنَّنا لا نَجْزِمُ لِمُعَيَّنٍ، ولكنْ مَنْ عَرَفْنا أنَّهُ ماتَ على الإسلامِ، وأنَّهُ ممَّنْ خَتَمَ اللهُ لهُ خَاتِمةً حَسَنةً فإنَّنا نَرْجُو لهُ.
وكذلكَ أيضًا الصَّحابةُ الَّذين مَدَحَهم اللهُ تعالى؛ نُثْنِي عليهم ونَمْدَحُهم كما مَدَحَهم اللهُ.
قالَ اللهُ تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرةِ} [الفتح: 18]. فهذا فيهِ أنَّهُ رَضِيَ عنهم، وهوَ سبحانَهُ لا يَرْضَى عن القومِ الفاسِقِينَ، لا بدَّ أنَّهُ رَضِيَ أقوالَهم، وعَلِمَ ما في قُلوبِهم، وأنَّهم قدْ فازُوا بهذهِ المِيزَةِ.
وكذلكَ أيضًا قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ؛ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ))، فهذهِ أيضًا شَهادةٌ لأهلِ بَدْرٍ، وكانوا ثلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ.
وأهلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ ألفٌ وأربعُمِائَةٍ وزِيادةٌ، كلُّ هؤلاءِ زَكَّاهم اللهُ تعالى، وزَكَّاهُم النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وهناكَ أيضًا التَّزْكِيَةُ العامَّةُ في قولِهِ تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التَّوبة: 100]، فهذهِ الآيَةُ دَخَلَ فيها ثلاثةُ أَقْسامٍ مِن الصَّحابةِ: المهاجرونَ، والأنصارُ، والَّذين جاءُوا مِنْ بعدِهم واتَّبَعُوهم بإحسانٍ، دَخَلُوا في هذا الوَعْدِ، واللهُ تعالى لا يُخْلِفُ وَعْدَهُ.
هذا فيما يَتَعَلَّقُ بالشَّهادةِ بالجنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لهُ اللهُ، أوْ شَهِدَ لهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أمَّا الشَّهادةُ بالنَّارِ لِمُعَيَّنٍ؛ فلا تَجوزُ أيضًا إلاَّ لِمَنْ وَرَدَ فيهِ النَّصُّ، فقدْ وَرَدَ النَّصُّ مَثْلاً في أَبِي لَهَبٍ: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} [المَسَد: 3]، وكذلكَ في أَبِي جَهْلٍ، لَمَّا قُتِلَ أَخَذَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَبِّخُهُ هوَ ومَنْ مَعَهُ ويَقولُ: ((هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا))، وكذلكَ قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أَبِي طالِبٍ إنَّهُ: ((فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ)).
والحاصلُ أنَّ مَنْ وَرَدَ النَّصُّ بأنَّهُ مِنْ أهلِ النَّارِ يُشْهَدُ لهُ بذلكَ.
وأمَّا الَّذينَ مَعَهُمْ مَعاصٍ وذُنوبٌ، ولكنْ تلكَ الذُّنوبُ لا تَصِلُ إلى حَدِّ الكُفْرِ، فإنَّنا لا نُكَفِّرُهم بهذهِ الذُّنوبِ، كما تَقَدَّمَ، ولا نُخْرِجُهم مِن الإسلامِ بذنوبِهم، بلْ نَخافُ على المُذْنِبِ، ونَقولُ: هؤلاءِ يُخَافُ عليهم مِن الذُّنوبِ، ولوْ كانَت مِن الصَّغائِرِ، ونَرْجُو لِلْمُحْسِنينَ، ولوْ كانَ معهم سَيِّئاتٌ، ونَخافُ على المُذْنِبِينَ، ولوْ كانَ لهم حَسَناتٌ.
وخَوْفُنا ورَجاؤُنا لا نُحَقِّقُهُ، فلا نَجْزِمُ بأنَّ هذا مِنْ أهلِ النَّارِ؛ لأنَّهُ عَمِلَ هذهِ السَّيِّئاتِ، ولا نَجْزِمُ بأنَّ هذا مِنْ أهلِ الجنَّةِ؛ لأنَّهُ عَمِلَ هذهِ الصَّالحاتِ، بل الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ مِنْ أسبابِ دُخولِ الجنَّةِ أوْ دُخولِ النَّارِ.
(6) قولُهُ: (وَلاَ نُكَفِّرُ أَحَدًا بِذَنْبٍ، وَلاَ نُخْرِجُهُ مِن الإِسْلاَمِ بِعَمَلٍ)، ذَكَرْنا أنَّ الذُّنوبَ يُخافُ على أصحابِها، فنَخافُ على أصحابِ هذهِ الذُّنوبِ، ولكنَّ خَوْفَنا لا يَصِلُ إلى الجَزْمِ، كذلكَ أيضًا فإنَّهُ لا يُخْرَجُ مِن الإسلامِ بِذنْبٍ، لا نُخْرِجُهُ مِن الإسلامِ بهذا الذَّنْبِ.
وإذا قِيلَ: ما المرادُ بأهلِ القِبْلةِ؟
فنَقولُ: هُمْ كلُّ مَنْ يَسْتَقْبِلُونَ القِبْلةَ الَّتي هيَ البيتُ الحَرامُ، سَواءٌ يَسْتَقْبِلُونَها في صلاتِهم، أوْ في أَدْعِيَتِهم، أوْ يَسْتَقْبِلُونَها بِقُلوبِهم، كما في قولِهِ تعالى: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] يُسَمَّونَ أَهْلَ القِبْلةِ؛ لأنَّهم يَهْوُونَ إليْهَا.
وكذلكَ سَفَرُهم إليها لأَداءِ المَناسِكِ، فهؤلاءِ هُمْ أهلُ القِبْلةِ ما دامَ أنَّهم يُصَلُّونَ صَلاتَنا، ويَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا، ويَأْكُلونَ ذَبائِحَنا، ويَشْهَدُونَ بِشَهادَتِنا.
لكنْ إذا حَدَثَ عندَهم شيءٌ مِن النَّقصِ، وشيءٌ مِن الخَلَلِ، فلا نُخْرِجُهم بهذا النَّقْصِ، ولا بهذا الخَلَلِ عنْ دائِرةِ الإسلامِ، ولا نَشْهَدُ لهم بالإيمانِ، بلْ نَقولُ: همْ مُسْلِمونَ، وإيمانُهم الَّذي مَعَهُمْ قدْ يَكونُ إيمانًا ظاهِرًا، قدْ لا يَكونُ مُحَقَّقًا في كلِّ فردٍ مِنهم؛ لِقولِهِ تعالى في الأَعْرابِ: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحُجُرات: 14].
نَشْهَدُ لهم بأنَّهم مِنْ جُمْلةِ المسلمينَ، ومِن الأمَّةِ الإسلاميَّةِ، ونَمْتَنِعُ عن التَّكْفِيرِ أو التَّفْسِيقِ، وكذلكَ نَحُثُّ على الأعمالِ الصَّالحةِ، وعلى التَّوبةِ مِن الأعمالِ السَّيِّئةِ.

حفيدة بني عامر
11-20-2008, 02:57 PM
القارئ: (وَلاَ نَجْزِمُ لأَحَدٍ مِن أَهْلِ القِبْلَةِ بِجَنَّةٍ وَلاَ نارٍ، إلاَّ مَنْ جَزَمَ لَهُ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّا نَرْجُو لِلْمُحْسِنِ، وَنَخَافُ عَلَى المُسِيءِ).
الشيخ: ممَّا ذكره المؤلِّفُ: أنَّنَا لا نشهدُ لمعيّنٍ بجنَّةٍ ولا نارٍ إلا من شهدَ له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقد شهدَ رَسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- لأناسٍ غيرِ العشرةِ المبشَّرين، فشهد للحسنِ والحسينِ رضيَ اللهُ عنهما، وشهد لعكَّاشةَ، وشهد لجماعةٍ.
فمن شهد له رَسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- شهدنا له بالجنةِ، وأمَّا غيرُهُم فلا ننزلُ أحداً جنَّةً ولا نَاراً، لكنْ قال بعضُ أهلِ العلمِ، مثلُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ، ومثل غيرهِ من المتقدِّمين: (يُلحقُ بذلك من شهدت له الأمَّةُ بأجمعِهَا بأنَّهُ من أهلِ الجنَّةِ واستفاض عنه أنَّه من أئمَّةِ الإسلامِ فشهدت له الأمَّةُ، فإنَّهُ يُلحقُ بذلك، ولا بأسَ بالشَّهادةِ له، وهذا أَخذاً من قولِهِ - عليهِ الصلاةُ والسَّلام -: لما مُرَّ عليه بجنازة: ((هذه أثنيتُمْ عليها خيراً فوجبَتْ لها الجنَّةُ، وهذه أثنيتُمْ عليها شرّاً فوجبت لها النَّارُ، أنتم شهداءُ اللهِ في أرضِهِ)) ).
القارئ: (وَلاَ نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ بِذَنْبٍ، وَلاَ نُخْرِجُهُ عَنِ الإِسْلامِ بِعَمَلٍ).
الشيخ: ممَّا تميّز به أهلُ السّنَّةِ والجماعةِ أنَّهم لا يكفِّرون أحداً بذنبٍ ما لم يستحلَّهُ، والاستحلالُ اعتقادٌ، وليسَ فعلُ المعصيةِ أو الإقرارُ عليها استحلالاً، فمن فعلَ معصيةً؛ أو أَقَرَّ من يفعلُ معصيةً من الكبائرِ؛ أو ما دونَهَا؛ فإنَّ هذا كبيرةٌ من كبائرِ الذُّنوبِ، ومحرّمٌ من المحرماتِ؛ بحسبِ حالِ تلك المعصيةِ، ولا يعدّ استحلالاً، فلا يُكفِّرُ أهلُ السّنّةِ والجماعةِ بذنبٍ ما لم يستحلَّهُ صاحبُهُ.
واستحلالهُ: أن يعتقدَ أنَّ هذا الأمرَ الَّذي حرّمه اللهُ -جلَّ وعلا- في صورتِهِ الَّتي حرَّمَها اللهُ -جلّ وعلا- أنه حلالٌ؛ لأنَّهُ يكونُ ممَّنْ ردّ حكمَ اللهِ -جلَّ وعلا- فأحلَّ الحرامَ، فلا يُكفِّر أهلُ السّنَّةِ أحداً بذنبٍ إلا إذا استحلَّه، يعني: اعتقد بقلبِهِ أنَّهُ حلالٌ.

طيبة
12-11-2008, 08:30 AM
المَتْنُ: وَلا نَجْزِمُ لأَحَدٍ مِنْ أهلِ القِبْلَةِ بجنَّةٍ وَلا نارٍ.
الشَّرْحُ: مِنْ أهلِ القبلةِ،يَعْنِي: مِن الذينَ يُصَلُّونَ إِلى القِبْلَةِ.
المَتْنُ: إِلاَّ مَنْ جَزَمَ لهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الشَّرْحُ: لأنَّ الجنَّةَ وَالنارَ مِنْ عِلْمِ الغيبِ الذي لا يَعْلَمُهُ إِلاَّ اللهُ سبحانَهُ وَتَعَالَى، وَما أَعْلَمَ بهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
أمَّا نَحْنُ فلا نَعْلَمُ الغيبَ، ما نَدْرِي ماذا يكونُ خَاتِمَةُ هذا الرجلِ، هلْ هيَ خيرٌ أمْ شرٌّ؟ وَلوْ ظَهَرَ منهُ العملُ الصالحُ وَالطاعاتُ، فهذا لا يُوجِبُ لنا الجزمَ لهُ بالجنَّةِ، لكنْ هذا يَجْعَلُنَا نَرْجُو لهُ الجنَّةَ وَنُحْسِنُ بهِ الظنَّ.
وَلهذا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا.وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلَهَا)).
الأعمالُ بالخَوَاتِيمِ، وَنحنُ لا نَعْلَمُ الخواتيمَ، ماذا يُخْتَمُ لهذا الرجلِ أَوْ هذهِ المرأةِ، وَلكنْ هذا لا يَمْنَعُ أَنَّنَا نُحْسِنُ الظنَّ بالمسلمِ، وَنَرْجُو لهُ الخيرَ، وَنُسِيءُ الظنَّ بالفاسقِ وَالعاصي، ونَخَافُ عَلَيْهِ مِن الشرِّ. نَعَمْ، هذا مَوْقِفُ المسلمينَ مِن الشهادةِ بالجنَّةِ وَالنارِ.

المَتْنُ: لَكِنَّا نَرْجُو للمحسنِ، وَنَخَافُ على المُسِيءِ، وَلا نُكَفِّرُ أَحَداً مِنْ أهلِ القِبْلَةِ بِذَنْبٍ.
الشَّرْحُ: هذهِ مسألةُ التكفيرِ، وَهي مسألةٌ خطيرةٌ وَمُهِمَّةٌ جِدًّا، خُصُوصاً في هذا الزمانِ الذي الْتَبَسَ فيهِ الحقُّ بالباطلِ على كثيرٍ مِن الناسِ بِسَبَبِ الجهلِ وَكثرةِ أَدْعِيَاءِ العلمِ، الذينَ لم يَأْخُذُوا عِلْمَهُمْ عَنْ أهلِهِ، وَلم يَتَلَقَّوا العلمَ عَنْ أهلِ العلمِ، وَصَارُوا يُخَبِّطُونَ في هذا الأمرِ.
أمَّا مَن ارْتَكَبَ نَاقِضاً مِنْ نَوَاقِضِ الإِسلامِ كالشِّرْكِ باللهِ وَالسِّحْرِ وَالاستهزاءِ بالدِّينِ، أَوْ تَنَقَّصَ الكتابَ وَالسُّنَّةَ، فهذا لا شَكَّ في كُفْرِهِ.مَن ارْتَكَبَ نَاقِضاً مِنْ نواقضِ الإِسلامِ حَكَمْنَا عَلَيْهِ بالرِّدَّةِ، وَالخُرُوجِ مِنْ دِينِ الإِسلامِ وَنُكَفِّرُهُ بذلكَ؛ لأنَّهُ ارْتَكَبَ نَاقِضاً مِنْ نواقضِ الإِسلامِ، يَقْتَضِي رِدَّتَهُ وَكُفْرَهُ.
أَمَّا مَنْ كَانَ ذَنْبُهُ دُونَ الرِّدَّةِ؛ كَشُرْبِ الخمرِ، وَأَكْلِ الرِّبَا، وَالزِّنَا، وَشُرْبِ المُسْكِرِ، وَالسَّرِقَةِ، هذهِ كَبَائِرُ، هذهِ كَبَائِرُ وَمُوبِقَاتٌ وَخطيرةٌ جِدًّا، لكنْ لا نَحْكُمُ على مُرْتَكِبِهَا بالكُفْرِ، بلْ نقولُ: إِنَّهُ مُؤْمِنٌ بإِيمانِهِ، فاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ، أَوْ نَقُولُ: هوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الإِيمانِ.
هذا مُعْتَقَدُ أهلِ السُّنَّةِ وَالجماعةِ في أصحابِ الكبائرِ، لا نُكَفِّرُهُم بالكبائرِ التي لمْ تَبْلُغْ حدَّ الشركِ وَالرِّدَّةِ، وَلكنْ نَحْكُمُ بِفِسْقِهِمْ وَنُقْصَانِ إِيمانِهِم خِلافاً لِلْخَوَارجِ وَالمعتزلةِ، الذينَ يُكَفِّرُونَ أصحابَ الكبائرِ التي هيَ دُونَ الشركِ، فَيَحْكُمُونَ على شاربِ الخمرِ بأنَّهُ كافِرٌ، وَعلى الزانِي بأنَّهُ كافِرٌ، وَآكِلِ الرِّبَابأنَّهُ كَافِرٌ، وَهذا ضَلالٌ وَالعياذُ باللهِ، هذا ضَلالٌ مُبِينٌ.
وَالمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَخْرُجُ مِن الإِسلامِ وَلا يَدْخُلُ في الكُفْرِ، بلْ يَكُونُ في المنزلةِ بينَ المَنْزِلَتَيْنِ، لا هوَ بِكَافِرٍ، وَلا هوَ بِمُسْلِمٍ. فإِنْ مَاتَ على ذلكَ فهوَ كافرٌ وَيُخَلَّدُ في النارِ كما تَقُولُهُ الخوارجُ.
وَكِلا المَذْهَبَيْنِ بَاطِلٌ؛ فالمؤمنُ يَبْقَى معهُ أصلُ الإِيمانِ، وَلو ارْتَكَبَ كَبِيرَةً مِنْ كبائرِ الذنوبِ، وَهذهِ الكبيرةُ تَنْقُصُ إِيمَانَهُ وَتُفَسِّقُهُ، لَكِنْ لا يُقَالُ: إِنَّهُ كَافِرٌ. هذا مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ وَالجماعةِ في هذهِ المسألةِ العظيمةِ.
هناكَ فَرِيقُ المُرْجِئَةِ على العكسِ مِن الخوارجِ وَالمعتزلةِ، يَقُولُونَ: إِنَّ الإِيمانَ في القلبِ، وَالتَّصْدِيقَ في القلبِ، وَلا تَدْخُلُ فيهِ الأعمالُ، فَمَهْمَا فَعَلَ الإِنسانُ لا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، ما دَامَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِقَلْبِهِ، وَالإِيمانُ عِنْدَهُمْ، هوَ التصديقُ بالقلبِ مَهْمَا فَعَلَ، مَهْمَا دَعَا غَيْرَ اللهِ، وَمَهْمَا أَشْرَكَ.
وَيقولونَ: ما دَامَ أَنَّهُ مُصَدِّقٌ بقلبِهِ، مُؤْمِنٌ باللهِ في قلبِهِ، فلا نَحْكُمُ بِكُفْرٍ، لا يَضُرُّ معَ الإِيمانِ معصيَةٌ، كما لا يَنْفَعُ معَ الكُفْرِ طَاعَةٌ، وَالإِيمانُ بالقلبِ،
وَهوَ شيءٌ وَاحدٌ، لا يَزِيدُ وَلا يَنْقُصُ عندَهُم، فإِيمانُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ مثلُ إِيمَانِ أَفْسَقِ الناسِ.
وَهذا ضلالٌ مُبِينٌ وَالعِيَاذُ باللهِ، فأَهْلُ السُّنَّةِ وَالجماعةِ يَتَوَسَّطُونَ بينَ هاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ الضَّالَّتَيْنِ، بل المَعَاصِي تَضُرُّ معَ الإِيمانِ وَتَنْقُصُ الإِيمانَ وَيُحْكَمُ بِفِسْقِ صَاحِبِهَا وَنُقْصَانِ إِيمانِهِ، لا كما تقولُهُ المُرْجِئَةُ، لكنَّهُ لا يَخْرُجُ بها مِنَ المِلَّةِ كما تَقُولُهُ الخوارجُ وَالمعتزلةُ.هذا هوَ الموقفُ الصحيحُ المُتَمَشِّي معَ الكتابِ وَالسُّنَّةِ.
قدْ جاءَ في الحديثِ الصحيحِ: ((أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلا يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ)). قالَ أبو ذَرٍّ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ)). ثمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ)). ثمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الثالثةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ)). فَكَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَرْوِي هذهِ الكلمةَ وَيُرَدِّدُهَا: ((وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ)).


المَتْنُ: وَلا نُكَفِّرُ أَحَداً مِنْ أهلِ القبلةِ بِذَنْبٍ، وَلا نُخْرِجُهُ عَن الإِسلامِ بِعَمَلٍ، وَنَرَى الحجَّ وَالجهادَ مَاضِيَيْنِ معَ طاعةِ كلِّ إِمامٍ.
الشَّرْحُ: هذهِ مسألةٌ أُخْرَى، انْتَهَيْنَا مِنْ مسألةِ أهلِ الكبائرِ وَحُكْمِ الإِسلامِ فيهم، وَمعرفةِ مَنْ ضَلَّ في هذا البابِ، انْتَقَلَ إِلى طاعةِ وُلاةِ أُمُورِ المسلمينَ. وَلَعَلَّنَا نَقِفُ عِنْدَ هذا.


المَتْنُ: وَنَرَى الحَجَّ وَالجهادَ مَاضِيَيْنِ معَ طَاعَةِ كلِّ إِمامٍ بَرًّا كانَ أَوْ فَاجِراً، وَصلاةُ الجُمُعَةِ.
الشَّرْحُ: مِنْ أُصُولِ اعْتِقَادِ أهلِ السُّنَّةِ وَالجماعةِ وُجُوبُ الطاعةِ لِوُلاةِ أمورِ المسلمينَ، وَتَحْرِيمُ الخروجِ عليهم وَمَعْصِيَتِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ في غيرِ معصيَةِ اللهِ سبحانَهُ وَتَعَالَى؛ لِمَا في ذلكَ مِن اجتماعِ الكلمةِ، وَاتِّحَادِ المسلمينَ وَبقاءِ قُوَّتِهِمْ، وَلِمَا فِي الاختلافِ مِن الضَّرَرِ على المسلمينَ، وَتَسَلُّطِ العَدُوِّ، وَغيرِ ذلكَ مِن المَحَاذِيرِ.
وَمِنْ حُقُوقِ وُلاةِ الأمورِ الصلاةُ خَلْفَهُمْ، وَلوْ كَانُوا فَسَقَةً، يَعْنِي: لَوْ كانَ عندَهُم مِن المعاصِي وَالكبائرِ ما يَقْتَضِي فِسْقَهُمْ مَا لَمْ يَصِلْ إِلى حدِّ الكُفْرِ، فَمَا دَامُوا لم يَخْرُجُوا عَن الإِسلامِ فإِنَّ ولايتَهُمْ باقيَةٌ، وَطَاعَتَهُم وَاجِبَةٌ، وَلا يَمْتَنِعُ مِن الصلاةِ خَلْفَهُمْ إِلاَّ مُبْتَدِعٌ؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ باجْتِمَاعِ الكلمةِ وَائتلافِ الأُمَّةِ تَحْتَ قِيَادَةِ وَلِيِّ أَمْرِهَا، وَلوْ كانَ فَاسِقاً في نفسِهِ، ما لمْ يَصِلْ إِلى حدِّ الكفرِ، وَلوْ كانَ ظَالِماً وَجَائِراً بأَخْذِ المالِ وَسَفْكِ الدماءِ؛ فإِنَّ ذلكَ لا يُجِيزُ مُخَالَفَتَهُ وَالخروجَ عَلَيْهِ.
وقدْ صَلَّى الصحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم خَلْفَ الأُمَرَاءِ الذينَ عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِن الملاحظاتِ، كَالوليدِ بنِ عُقْبَةَ، وَالحجَّاجِ بنِ أبي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ، وَابنِ زِيَادٍ. ما ذُكِرَ عَنْ أحدٍ مِن الصحابةِ وَمن الأَئِمَّةِ أَنَّهُ تَرَكَ الصلاةَ خَلْفَهُمْ، لا سِيَّمَا في الشعائرِ الكبيرةِ؛ كصلاةِ العِيدَيْنِ وَالجُمُعَةِ. وَكذلكَ الحَجُّ، يَحُجُّونَ معهم، وَتَحْتَ قِيَادَتِهِمْ معَ الحَجَّاجِ وَمعَ غيرِهِ، هذا هَدْيُ السلفِ الصالحِ؛ عَمَلاً بِوَصِيَّةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.وَهذا هوَ إِرشادُ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُمَّتِهِ؛حيثُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ سيكونُ هُنَاكَ..
قَالَ: ((مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافاً كَثِيراً، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي))،بلْ قَالَ في الأوَّلِ: ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ))، في روايَةٍ: ((وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ)). ((وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ؛ فإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ)).
ومِنْ مُحْدَثَاتِ الأمورِ وَالبِدَعِ الخروجُ على أَئِمَّةِ المسلمينَ، وَتَرْكُ الصلاةِ خَلْفَهُمْ، وَنحوُ ذلكَ مِن المُخَالَفَاتِ، فهذهِ مِن البِدَعِ. السُّنَّةُ طَاعَتُهُمْ وَالصلاةُ خلفَهُم، وَالجهادُ مَعَهُم، أيضاً إِذا اسْتَنْفَرُوا المسلمينَ للجهادِ أَوْ أَمَّرُوا أَحَداً مُعَيَّناً بالجهادِ تَعَيَّنَ ذلكَ عَلَيْهِ؛ طاعةً لِوَلِيِّ الأمرِ، وَإِذا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا. وَكذلكَ الحَجُّ، كانَ الأُمَرَاءُ يُقِيمُونَ الحجَّ وَفيهم ما على بَعْضِهِمْ مِن الملاحظاتِ، وَلم يَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَلمْ يَقُولُوا: لا نَقْبَلُ الحجَّ مَعَهُ، ما قَالُوا هذهِ.
فهذا دَلِيلٌ على هذهِ المسألةِ العظيمةِ، عَكْسُ ما عَلَيْهِ الفِرَقُ الضالَّةُ، التي تُرِيدُ تَشْتِيتَ الإِسلامِ وَالمسلمينَ؛ بِزَعْمِ الغَيْرَةِ عندَهُم، الغَيْرَةُ لَيْسَتْ هَكَذا، هذا ليسَ مِن الغَيْرَةِ، بلْ هذا مِن البِدْعَةِ، معَ مُنَاصَحَةِ وُلاةِ الأمورِ بالطريقةِ اللائقةِ التي تُحَبِّبُهُم في الخيرِ، وَتُحَذِّرُهُمْ مِنَ الشرِّ، المُنَاصَحَةُ وَاجبةٌ بالطرقِ الشرعيَّةِ.
ما نَقُولُ: إِنَّهُم يُسْكَتُ عَنْ أَخْطَائِهِمْ وَعنْ مُخَالَفَاتِهِمْ، بلْ يُنَاصَحُونَ بالطُّرُقِ اللائقةِ التي كانَ السلفُ يُنَاصِحُونَ بها وُلاةَ الأمورِ مِنْ غيرِ إِظهارٍ للإِنكارِ عليهم، أَو الحديثِ عنهم في المجالسِ، أَوْ غيرِ ذلكَ؛ فإِنَّ هذا ليسَ مِنْ هَدْيِ السلفِ، وَهذا لا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يَزِيدُ الشرَّ شَرًّا.
لكنْ إِذا وَصَلَت النصيحةُ لهمْ بطريقةٍ سِرِّيَّةٍ، تكونُ بَيْنَهُمْ وَبينَ الناصحِ، فهذا هوَ هَدْيُ السلفِ، وَهذا هوَ منهجُ السلفِ الصالحِ، فإِنْ قَبِلُوا فالحَمْدُ للهِ، وَإِنْ لمْ يَقْبَلُوا بَرِئَتِ الذِّمَّةُ، مَسْؤُولِيَّتُهُمْ تكونُ عليهم، لكن المصلحةُ في طاعَتِهِم وَالمصلحةُ في مُوَافَقَتِهِم فيما وَافَقُوا فيهِ الحقَّ، هذا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَصَالِحُ عظيمةٌ، وَالإِغْضَاءُ عَنْ بَعْضِ أَخْطَائِهِمْ وَهَفَوَاتِهِمْ هذا مِنَ ارْتِكَابِ أَخَفِّ المَفْسَدَتَيْنِ؛ لِدَفْعِ أَعْلاهُمَا؛ فإِنَّ الخروجَ عليهم وَنَزْعَ يَدِ الطاعةِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن المَضَارِّ وَسَفْكِ الدماءِ وَتَفَرُّقِ الكلمةِ وَالمُنْكَرَاتِ أَكْثَرُ مِمَّا عندَ الولاةِ مِن المنكراتِ الشخصيَّةِ الخاصَّةِ بهم، وَلذلكَ تَجَنَّبَ السلفُ رَحِمَهُم اللهُ مُنَاقَضَةَ الأَئِمَّةِ، تَجَنَّبُوا مُخَالَفَتَهُم، صَلَّوْا خَلْفَهُمْ، حَجُّوا مَعَهُم، جَاهَدُوا مَعَهُم، معَ العلمِ بأنَّهُ بَعْدَ الخلفاءِ الراشدينَ، وَبعدَ معاويَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جاءَ أُمَرَاءُ فِيهِم وَفِيهِم، فِيهِم خيرٌ وَفِيهِم شَرٌّ، وَفِيهِم مَنْ جانبُ الشرِّفيهِ أَكْثَرُ، وَمعَ هذا كانَ المسلمونَ مُلْتَفِّينَ حَوْلَ أَئِمَّتِهِمْ. هذا مَنْهَجُ أهلِ السُّنَّةِ وَالجماعةِ، وَأمَّا مَذْهَبُ الفِرَقِ المُخَالِفَةِ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا.


المَتْنُ: وَنَرَى الحجَّ وَالجهادَ مَاضِيَيْنِ مَعَ طاعةِ كلِّ إِمامٍ؛ بَرًّا كانَ أَوْ فَاجِراً.
الشَّرْحُ: بَرًّا، يعنِي: عَامِلاً بالبِرِّ، وَهوَ الطاعاتُ، وَمُسْتَقِيماً على طاعةِ اللهِ.وَهذا إِذا تَوَفَّرَ لا شَكَّ أنَّ هذا أَحْسَنُ وَأَتَمُّ.(أَوْ فَاجِراً) وَهوَ الفاسقُ.الفُجُورُ المرادُ بهِ الفِسْقُ هنا، ليسَ فُجُورَ الكُفْرِ، أمَّا إِذا كَفَرَ فإِنَّهُ لا طَاعَةَ لهُ.
المَتْنُ: وَصلاةُ الجُمُعَةِ خَلْفَهُم جائزةٌ، قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ثَلاثٌ مِنْ أَصْلِ...)).
الشَّرْحُ: صلاةُ الجُمُعَةِ وَصلاةُ العِيدِ، وَقدْ كَانَ السلفُ يُصَلُّونَ خلفَ أُمَرَائِهِمْ، وَكانَ الأُمَرَاءُ يُصَلُّونَ بهم الجُمُعَةَ وَالعيدَ، وَلا ذُكِرَ عَنْ أَحَدٍ منهم أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَن الصلاةِ لِفِسْقِ الأميرِ أَوْ لِظُلْمِهِ، ما تَخَلَّفَ منهم أحدٌ؛ لأنَّهُم إِذا قَامُوا بطاعةِ اللهِ فَأَطِع اللهَ مَعَهُم، صَلِّ مَعَهُم، هذهِ الصلاة عِبَادَةٌ، إِذا أَقَامُوهَا صَلِّ مَعَهُم، وَلِمَا في الصلاةِ معهم مِنْ جَمْعٍ كَبِيرٍ.
المَتْنُ: قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ثَلاثٌ مِنْ أَصْلِ الإِيمَانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)).
الشَّرْحُ: هذا مَعْلُومٌ (مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) وَجَبَ الْكَفُّ عنهُ، حتَّى يَتَبَيَّنَ منهُ ما يُخَالِفُ هذهِ الكلمةَ مِنْ أنواعِ الرِّدَّةِ، فإِذا ارْتَكَبَ شَيْئاً مِنْ أنواعِ الرِّدَّةِ بَعْدَمَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، حَكَمْنَا بِرِدَّتِهِ.
أمَّا ما لمْ يَظْهَرْ منهُ شيءٌ فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ، لهُ ما للمسلمينَ، وَعليهِ ما على المسلمينَ، وَلا نُفَتِّشُ عَمَّا في القلوبِ، القلوبُ أَمْرُهَا إِلى اللهِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)). نَعَمْ، فَنَحْنُ ما لَنَا إِلا الظاهرُ.
المَتْنُ: ((وَلا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ، وَلا نُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلامِ بِعَمَلٍ)).
الشَّرْحُ: هذا الحديثُ يَقُولُونَ: ضَعِيفٌ، لكنَّ بَعْضَهُ مُوَافِقٌ للأحاديثِ الصحيحةِ، أُعَدِّهِ+.
المَتْنُ: قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ثَلاثٌ مِنْ أَصْلِ الإِيمَانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)).
الشَّرْحُ: هذا مِنْ أَصْلِ الإِيمانِ، حتَّى يَظْهَرَ منهُ ما يُخَالِفُ هذهِ الكلمةَ.
المَتْنُ: ((وَلا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ)).
الشَّرْحُ: ((وَلا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ)) ما لمْ يَسْتَحِلَّهُ، يَعْنِي: ما كانَ دُونَ الشركِ مِن الذنوبِ، ما كانَ دونَ الشركِ مِن الذنوبِ فإِنَّنَا لا نُكَفِّرُ بهِ، ما لمْ يَسْتَحِلَّهُ؛ كَأَكْلِ الرِّبَا، إِذا أَكَلَ الرِّبَا هذا ذَنْبٌ عظيمٌ، وَكبيرةٌ مِنْ كبائرِ الذنوبِ، لكنْ إِنْ قَالَ: إِنَّهُ حَلالٌ فهذا كافرٌ؛ لأنَّ اللهَ حَرَّمَ الرِّبَا، وَحَرَّمَهُ الرسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَجْمَعَت الأُمَّةُ على تَحْرِيمِهِ، أمَّا إِذا أَكَلَ الرِّبَا معَ اعترافِهِ بتحريمِهِ فهذا فَاسِقٌ، كذلكَ السارِقُ وَالزَّانِي وَشارِبُ الخمرِ بِمُجَرَّدِ العملِ لا نُكَفِّرُهُ، لكنْ لَو اعْتَقَدَ أَوْ قَالَ: إِنَّهُ حَلالٌ، حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ؛ لأنَّهُ مُكَذِّبٌ للهِ وَلِرَسُولِهِ.
المَتْنُ: ((وَلا نُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلامِ بِعَمَلٍ)).
الشَّرْحُ: هذا المرادُ، (عَمَلٍ) يَعْنِي:دُونَ الشِّرْكِ.

طيبة
12-11-2008, 08:36 AM
ثم قال الشيخ : (( ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نارٍ إلا من جزم له الرسول عليه الصلاة والسلام )) أي لا نجزم لأحد من أهل القبلة بأنه من أهل الجنة أو النار إلا من جزم لـه الرسول عليه الصلاة والسلام .
أما أهل الجنة ممن يجزم لهم بالجنة فقد سبق الكلام عنهم, وأما أهل النار فإننا نجزم بالنار لأبي لهب بن عبد العزى, ونجزم لزوجته بأنها من أهل النار لورود النص القرآن بذلك , كما نجزم مثلاً أن عمرو بن لحي هو من أهل النار, لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار))(1).
فمن ورد فيه النص القرآن أو شهد لـه النبي بأنه من أهل النار فنشهد له أنه من أهلها , نسأل الله السلامة والعافية.
ثم قال الشيخ : ((ولا نشهد لمعين لا بجنة ولا بنار إلا لمن ورد به النص , لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسئ)) أي كما أننا لا نجزم فلا نشهد, والشيخ رحمه الله غاير بين الجزم والشهادة ومدلولهما متقارب أن كانت الشهادة أقوى في المعنى , وعلى كل فما ذكره المؤلف هو منهج أهل السنة والجماعة لكن نرجو للمحسن إن شاء الله أنه من أهل الجنة ونخاف على المسئ من عذاب الله تعالى
أما الشهادة العامة فنطلقها ونقول : كل من مات على الإيمان نشهد أنه من أهل الجنة , وكل من مات على الكفر نشهد أنه من أهل النار , وأما المعين فإننا لا نقطع له بجنة ولا بنار, إلامن ذكر في القرآن أو السنة مصيره لاحتمال أن يكون قد تاب دون أن يعلم أحد بذلك لكن إذا رايت مثلاً كافراً او كفاراً فبشرهم بالنار وأنت تقطع أنهم من أهل النار إن ماتوا على كفرهم .
ثم أنتقل الشيخ رحمه الله تعالى إلى مسألة كبرى من مسائل الإيمان وهي مسأل التكفير فقال : ((ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بعمل)) أي بعمل كبيرة دون الكفر .
وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بالذنوب, ولا يخرجونهم من الإيمان بعمل كبيرة - كالزنا والسرقة وشرب الخمر- كما فعلت الخوارج, ولا يحكمون بخلودهم في النار كما فعلت الخوارج والمعتزلة وغيرهم .
لكن ينبغي أن نعلم أنه ليس معنى ذلك أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون أحداً بأي ذنب مهما كان , وإنما المقصود بذلك الكبائر التي هي دون الشرك والكفر بالله تعالى .
فمن ارتكب مكفراً فهو ذنب, وأهل السنة والجماعة يكفرونه, كمن سبّ الله تعالى أوسجد لصنم وهو يعلم, أو أنكر ماهو معلوم من الدين بالضرورة, أو كان منافقاً أو ارتكب غير ذلك من نواقض الإسلام فأهل السنة والجماعة يقطعون بأن هذه الذنوب مكفرة لصاحبها .
فمقصودهم في قولهم : لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب أنهم لا يكفرون مرتكب الكبيرة دون الشرك بالله , مثل آكل الربا, والزاني, والسارق, وشارب الخمر , والعاق لوالديه , إلى آخره - ما لم يكن مستحلاًلها - فهؤلاء إذا ماتوا وهم على التوحيد فإنهم عند أهل السنة والجماعة في الدنيا غير كفار, ولهذا تقام عليهم الحدود ويورثون ويدفنون في مقابر المسلمين .
وكذلك يقول أهل السنة والجماعة : إنهم يوم القيامة تحت مشييئة الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم وقد يشفع لهم ولا يخلدون في النا رولو دخلوها هذا هو منهج أهل السنة والجماعة .
أما الخوارج فعندهم أن كل من ارتكب كبيرة فهو كافر في الدنيا حلال الدم والمال ويكون يوم القيامة مخلداً في نار جهم والإباضية وهي طائفة من الخوارج قالوا : هو في الدنيا كافر كفر نعمة ، وفي الآخرة مخلد في جهنم ، والمعتزلة قالوا : إذا ارتكب كبيرة من هذه الكبائر خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر فهو بمنزلة بين المنزلتين أي إننا لا نستحل دمه وماله أما في الآخرة فهو خالد مخلد في نار جهنم , وهذا كله مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة .
وقابل هؤلاء المرجئة فقالوا : مرتكب هذه الكبائر مؤمن كامل الإيمان وهو في الآخرة غير معرض للوعيد بل هو من أهل الجنة بلا عقاب . وأهل السنة في هذه المسألة وسط بين هؤلاء وهؤلاء .
-
(1) اخرجه البخاري كتاب المناقب ومسلم كتاب الجنة ونعيمها

تيمية
01-02-2009, 02:56 AM
من عقيدة أهل السنة والجماعة:
عدم الجزم والشهادة لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، إلا من جزم له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك،
وعدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب يرتكبه إلا أن يكون الذنب شركاً وكفراً.
لا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار
قال الموفق رحمه الله: [ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، إلا من جزم له الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكنا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء] . هذه قاعدة مطردة: أن من لم يشهد له النبي عليه الصلاة والسلام لا يجزم له بشيء من ذلك، ولا سيما الجزم بالنار، وهنا يقال: حتى من كفر من أهل البدع اجتهاداً، كأن يناظر أحد من علماء السنة مبتدعاً فيذهب إلى تكفيره، فلا يلزم ذلك بأن نجزم أنه من أهل النار، فهذا مقام آخر، فقد يكون هذا الاجتهاد في تكفيره ليس اجتهاداً صحيحاً في نفس الأمر. ......


ضابط تكفير أهل القبلة
قال الموفق رحمه الله: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب] . هذه الجملة من جمل المتأخرين التي يقال: إن فيها إجمالاً، فإن قولهم: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب) كلمة مجملة، فإن الذنب يدخل فيه الشرك الأكبر كما في الصحيحين: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك)فسماه ذنباً. وإن كان قد يعتذر عن المصنف أن مراده من برئ من الشرك؛ لقوله: (من أهل القبلة)، فكأن هذه التسمية تخصيص للذنب بالكبائر وما دونها. أما أن يقال: إنها غلط.. أو إنها من عبارات المرجئة.. أو ما إلى ذلك.. فهذا ليس صحيحاً، وإنما هو من التكلف والزيادة، وأعظم ما يقال فيها: إنها جملة مجملة. وقطعاً: المصنف وغيره وكذلك المرجئة وعامة المسلمين لا يقولون: إن المسلم لا يكفر بذنب، فهذا ممتنع من المصنف أو المرجئة، فهم يذهبون إلى أن من أشرك بالله وكفر به فإنه يكون كافراً. ......


حكم تارك الصلاة
قال الموفق رحمه الله: [ولا نخرجه عن الإسلام بعمل] . هذه أيضاً جملة مجملة ؛ فإن تارك الصلاة كافر عند جمهور من السلف، وكذلك تارك الزكاة المقر بوجوبها فيه نزاع، وتارك الصوم فيه نزاع، وتارك الحج فيه نزاع. وابن قدامة رحمه الله يذهب إلى أن تارك الصلاة ليس كافراً، ومن باب أولى عنده تارك الزكاة وتارك الصوم وتارك الحج، فما دام أنه مقر بالوجوب فعنده لا يكفر أحد بترك الصلاة أو بترك الزكاة أو بترك الصوم أو بترك الحج.
وابن قدامة ممن يستدل بالإجماع على عدم كفر تارك الصلاة، وإذا قيل له: ما الإجماع؟ يقول: إن تارك الصلاة لو كان كافراً لما صلي عليه، ولما دفن في مقابر المسلمين، ولما ورث... وما إلى ذلك. ولم ينقل أن واحداً من المسلمين تركت الصلاة عليه، أو لم يدفن في مقابر المسلمين، أو منع من التوارث بحجة أنه تارك للصلاة. قال: فعدم إجراء أحكام الكفار عليه، دليل على أن أهل العلم كانوا يذهبون إلى عدم تكفيره، ولو كانوا يذهبون إلى تكفيره لأخذ بهذه الأحكام، ولو أخذ بهذه الأحكام لنقل؛ ومن هنا ظن رحمه الله أن المسألة فيها وجه من الإجماع على عدم كفره. ومسألة تارك الصلاة هل فيها إجماع أو ليس فيها إجماع؟ نتناول هذه المسألة من عدة مسالك: المسلك الأول: حكى إسحاق بن إبراهيم الحنظلي من الأئمة المتقدمين الإجماع على أن تارك الصلاة كافر، وأيوب السختياني يقول: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه. وعبد الله بن شقيق يقول: كان أصحاب محمد لا يرون شيئاً من العمل تركه كفر إلا الصلاة. هذا مسلك جماعة من السلف: أنهم كانوا يذهبون إلى تكفير تارك الصلاة، ويرون أن كفره إجماع. المسلك الثاني: ذهب طائفة من السلف إلى كفر تارك الصلاة، ولكنهم لا يعتبرون كفره بالإجماع، وإنما بظواهر الأدلة. المسلك الثالث: الذين لا يعتبرون كفره، وهؤلاء بنوا المسألة على فرعين: الفرع الأول: منهم من بنى المسألة على عدم ظهور الدليل على كفره كمالك و الشافعي و الزهري .
الفرع الثاني: ومنهم من بنى عدم كفره على كون الصلاة عملاً، والعمل لا يكفر تاركه، فهذا لا شك أنه من أصول المرجئة، وقد كان يعلل بمثل ذلك -في عدم تكفير تارك الصلاة- حماد بن أبي سليمان و أبو حنيفة وأمثاله من فقهاء الكوفة المرجئة. فإذا قيل لك: من لم يكفر تارك الصلاة هل قوله من أقوال المرجئة؟ الجواب: فيه تفصيل: إن بنى عدم تكفيره على أن الصلاة عمل ولا يكفر تارك العمل، فهذا من المرجئة. وإن بنى ذلك على أن الدليل لم يظهر بكفره، ويقول صاحب هذا القول: إن العمل أصل في الإيمان، وداخل في مسماه، ولكنه لا يكفر بترك فريضة واحدة كالصلاة، فهذا ليس من أصول المرجئة ولا من طرقهم ولا من آثارهم، وقد كان مالك بن أنس رحمه الله والشافعي وقبلهم الزهري يذهبون إلى عدم كفر تارك الصلاة، ويبنونه على عدم ظهور الأدلة لا على أن الصلاة عمل، فإن مالكاً و الزهري و الشافعي من أشد الناس على المرجئة، ويرون العمل أصلاً في الإيمان. فهذا وإن كان اجتهاداً مرجوحاً فإن الصواب الذي عليه الجمهور من السلف والمحققون من المتأخرين من أهل السنة كشيخ الإسلام أن تارك الصلاة كافر، وهذا هو ظاهر النصوص كحديث جابر بن عبد الله و بريدة وأمثالها، وهو ظاهر مذهب الصحابة في كلام عبد الله بن شقيق . وعليه: فالأظهر أن حكاية الإجماع ليست منضبطة، فإن الزهري خالف وهو أعلم بأقوال الصحابة من إسحاق . ثم إن كلام إسحاق بن إبراهيم رحمه الله فيه إشكال، فإنه قال في كلامه الذي رواه محمد بن نصر عنه وغيره: "أجمع أهل العلم من زمان رسول الله إلى زماننا هذا أن من ترك صلاةً واحدة حتى خرج وقتها أنه كافر" مع أن جمهور المكفرين لتارك الصلاة لا يكفرون بصلاة واحدة، ففي كلامه بعض الإشكال وقد يخرج هذا القول على أن إسحاق كان يرى الإباء، أي: من أبى قضاء الصلاة وامتنع، والممتنع كافر عند السلف بالإجماع، كمن دعي إلى الصلاة وقيل له: صل وإلا قتلت فقدم القتل على
الصلاة فهذا يقتل مرتداً بإجماع السلف، ولا يكون ذلك إلا عن زندقة كما قال ذلك شيخ الإسلام . فالمسألة محتملة، وكلام عبد الله بن شقيق الأظهر أنه إجماع سكوتي، والإجماع السكوتي حجة محتملة وليس حجةً قطعية؛ لأنك إن قلت: إن فيها إجماعاً قطعياً مثل إجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل؛ لزم من ذلك أن مخالفة الزهري و مالك خروج عن الإجماع القطعي؛ لأن من خالف الإجماع القطعي فقوله بدعة ولا شك، ويجب الإنكار عليه... إلى غير ذلك. وأما ما يقال: إن مالكاً أو الشافعي لم يثبت عنه ذلك، بل هذا من كلام الشافعية نسبةً إلى الشافعي ، أو المالكية نسبةً إلى مالك . فنقول: هذا ليس صحيحاً من وجهين: الوجه الأول: أن المالكية تواردوا نسبة هذا القول إلى مالك ، والشافعية تواردوا نسبة هذا القول إلى الشافعي ، وإن كان من الشافعية وغيرهم كالطحاوي حكى عن الشافعي قولاً آخر لا بأس به. فتوارد المالكية والشافعية في ذكر مذهب الشافعي و مالك يمتنع أن يكون غلطاً، والأصحاب قد يخطئون على الإمام إذا كانوا جماعات أو أفراداً، أما إذا أطبقوا فمن الممتنع أن يغلطوا على إمامهم.
الجهة الثانية: أن كبار المحققين المعروفين بضبط الفقه والخلاف، بل يعد عند العلماء من أضبط الناس لفقه السلف كمحمد بن نصر المروزي ذكر الخلاف عن مالك و الشافعي في عدم تكفير تارك الصلاة مع أنه ذكر إجماع إسحاق ، فكان يقول: "من السلف من كان يرى هذه المسألة إجماعاً"، ثم ذكر كلام إسحاق و أيوب السختياني ، وأثر عبد الله بن شقيق ، ثم يقول: "ومن السلف من كان يراها خلافاً". ثم ذكر رأي الزهري و مالك و الشافعي .



حكم تارك الزكاة
مسألة الزكاة لا شك أنها مسألة خلاف، وكذلك الصوم والحج، وهذه قطعاً ليس فيها إجماع، وحتى عبد الله بن شقيق ألم يقل:
"كان أصحاب محمد لا يرون شيئاً من العمل تركه كفر إلا الصلاة" فظاهر كلام ابن شقيق أن الزكاة عند الصحابة لم يستقر أمرها على الكفر؛ لأنه يقول: (إلا الصلاة) وهذا لا يعني أن الصحابة أجمعوا على عدم كفر تارك الزكاة كما يقوله بعض أصحاب الأئمة، بل الصواب: أن مسألة الزكاة خلافية بين الصحابة، وكذلك الصوم والحج. هنا مسألة وهي: من امتنع عن الزكاة وقاتل عليها فحكمه أنه مرتد، كالممتنعين عن أداء الزكاة الذين قاتلوا الصحابة في زمن أبي بكر الصديق ، فالممتنعون المقاتلون على منع الزكاة كفار مرتدون كما حكاه أبو عبيد مذهباً للصحابة، وليسوا بمنزلة من ترك الزكاة وهو فرد من أفراد المسلمين في وسطهم، ولم يقاتل، ولم يمتنع بطائفة. وقد كان مالك بن أنس رحمه الله يقول: "إن تارك الزكاة ليس كافراً"، ولما سُئل عن الممتنعين في زمن أبي بكر قال: "إنهم مرتدون"، فواضح عند السلف التفريق بين الترك المفرد وبين الامتناع أو الاجتماع على الإباء ونحوه.

تيمية
01-02-2009, 02:57 AM
العناصر
- الشهادة لمعيَّن بجنة أو نار
- منهج أهل السنة في الشهادة بالجنة
- الشهادة للمعيَّن بالجنة أو النار توقيفية
- أقسام الشهادة بالجنة والنار
- ذكر بعض المعينين من أهل الجنة
- ترجمة الحسن بن علي رضي الله عنهما
- ترجمة الحسين بن علي رضي الله عنهما
- ذكر بعض المعينين من أهل النار
شرح قوله: ( ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ...)
شرح قول أهل السنة: "ولا نكفِّر أحداً بذنب ما لم يستحلَّه "
- عقيدة أهل السنة في مرتكب الكبيرة
- مذهب المعتزلة في مرتكب الكبيرة
- مذهب الخوارج في مرتكب الكبيرة
- الرد على المعتزلة والخوارج في مرتكب الكبيرة

تيمية
01-02-2009, 02:57 AM
الأسئلة
س1: ما حكم الشهادة للمعين بجنة أو نار؟ بين منهج أهل السنة والجماعة في ذلك.


س2: عدد بعض المعينين من أهل النار.
س3: اذكر قول أهل السنة في مرتكب الكبيرة، وبين مذهب المعتزلة والخوارج فيه، مع بيان الرد عليهم.
س4: اشرح قول المؤلف رحمه الله (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل).