مشاهدة النسخة كاملة : الترضي عن أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
عبد العزيز الداخل
11-01-2008, 12:35 AM
وَمِنَ السُّنَّةِ: التَّرَضّي عَنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أمَّهاتِ المؤمِنِينَ المُطَهَّراتِ المُبرَّآتِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، أَفْضَلُهُنَّ خَديجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَعَائِشَةُ الصِّدِّيقةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ الَّتي بَرَّأَها اللهُ في كِتَابِهِ، زَوْجُ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، فَمَن قَذفَها بما برَّأَهَا اللهُ مِنْهُ في كتابه فَقَدْ كَفَرَ باللهِ العظيمِ.
حفيدة بني عامر
11-20-2008, 01:10 PM
(3) حُقُوقُ زَوْجَاتِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
زَوْجَاتُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوْجَاتُهُ في الدُّنيا والآخِرةِ، وأمَّهَاتُ المؤمنينَ، ولَهُنَّ مِن الحُرْمَةِ والتعظيمِ ما يَلِيقُ بِهِنَّ كزوجاتٍ لخَاتَمِ النَّبِيِّينَ، فَهُنَّ مِنْ آلِ بَيْتِهِ طاهِراتٌ مُطَهَّراتٌ، طَيِّبَاتٌ مُطَيَّبَاتٌ، بَريئاتٌ مُبَرَّءَاتٌ مِنْ كلِّ سُوءٍ يَقْدَحُ في أعْرَاضِهِنَّ وفُرُشِهِنَّ، فالطَّيِّبَاتُ للطَّيِّبِينَ، والطَّيِّبُونَ للطَّيِّبَاتِ، فَرَضِيَ اللهُ عنْهُنَّ وأَرْضَاهُنَّ أجمعينَ، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على نَبِيِّهِ الصادِقِ الأَمينِ.
زوجاتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللاَّتِي كانَ فِرَاقُهُنَّ بالوَفَاةِ، وَهُنَّ:
1- خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ: أمُّ أَوْلاَدِهِ مَا عَدَا إبراهيمَ، تَزَوَّجَهَا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدَ زَوْجَيْنِ؛ الأوَّلُ عَتِيقُ بنُ عابِدٍ، والثاني أبو هَالَةَ التَّمِيمِيُّ، ولمْ يَتَزَوَّجْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَيْهَا حتَّى ماتَتْ سَنَةَ (10) مِن البِعْثَةِ قبلَ المِعْرَاجِ.
2- عائِشَةُ بنتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: أُرِيَهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنامِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثلاثًا، وقيلَ: ((هَذِهِ امْرَأَتُكَ))، فَعَقَدَ عليها ولَها ستُّ سنينَ بِمَكَّةَ، ودَخَلَ عليها في المدينةِ ولها تِسْعُ سنينَ، تُوُفِّيَتْ سَنَةَ 58هـ.
3 - سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ العَامِرِيَّةُ: تَزَوَّجَهَا بعدَ زَوْجٍ مُسْلِمٍ هوَ السَّكْرَانُ بنُ عَمْرٍو أخُو سُهَيْلِ بنِ عمرٍو، تُوُفِّيَتْ آخِرَ خِلافَةِ عُمَرَ، وقيلَ: سَنَةَ 54هـ.
4 - حَفْصَةُ بنتُ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ: تَزَوَّجَها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدَ زَوْجٍ مُسْلِمٍ هوَ خُنَيْسُ بنُ حُذَافَةَ الذي قُتِلَ في أُحُدٍِ، ومَاتَتْ سَنَةَ 41هـ.
5 - زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الهِلاَلِيَّةُ: أُمُّ المَسَاكِينِ، تَزَوَّجَهَا بعدَ اسْتِشْهَادِ زَوْجِهَا عبدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ في أُحُدٍ، ومَاتَتْ سَنَةَ 4هـ بعدَ زواجِهَا بيَسِيرٍ.
6 - أمُّ سَلَمَةَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيَّةُ: تَزَوَّجَها بعدَ مَوْتِ زَوْجِها أَبِي سَلَمَةَ عبدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الأَسَدِ مِنْ جِراحَةٍ أصَابَتْهُ في أُحُدٍ، ومَاتَتْ سَنَةَ 61هـ.
7 - زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأَسَدِيَّةُ: بِنْتُ عَمَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَزَوَّجَهَا بَعْدَ مَوْلاَهُ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ سَنَةَ 5هـ، ومَاتَتْ سَنَةَ 20هـ.
8 - جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحَارِثِ الخُزَاعِيَّةُ: تَزَوَّجَهَا بعدَ زَوْجِها مُسَافِعِ بنِ صَفْوانَ، وقيلَ: مَالِكِ بنِ صَفْوانَ، سَنَةَ 6هـ، ومَاتَتْ سَنَةَ 56هـ.
9 - أمُّ حَبِيبَةُ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيانَ: تَزَوَّجَها بعدَ زَوْجٍ أَسْلَمَ ثُمَّ تَنَصَّرَ، هوَ عُبَيْدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ، ومَاتَتْ في المدينةِ في خِلافَةِ أخِيها سَنَةَ 44هـ.
10 - صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بنِ أَخْطَبَ: مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، مِنْ ذُرِّيَّةِ هَارُونَ بنِ عِمْرَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَعْتَقَها وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا بعدَ زَوْجَيْنِ؛ أَوَّلُهُمَا سَلاَّمُ بنُ مِشْكَمٍ، والثاني كِنَانَةُ بنُ أبي الْحُقَيْقِ، بعدَ فَتْحِ خَيْبَرَ سَنَةَ 6هـ، وَمَاتَتْ سَنَةَ 50هـ.
11 - مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحَارِثِ الْهِلالِيَّةُ: تَزَوَّجَها سَنَةَ 7هـ في عُمْرَةِ القَضَاءِ بعدَ زَوْجَيْنِ؛ الأوَّلُ: ابنُ عَبْدِ يَالَيْلَ، والثاني: أَبُو رُهْمِ بنُ عَبْدِ العُزَّى، بَنَى بها في سَرِفٍ، وماتَتْ فيهِ سَنَةَ 51هـ.
فهذهِ زوجاتُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللاَّتِي كانَ فِرَاقُهُنَّ بالوفاةِ: اثنتانِ تُوُفِّيَتَا قبلَهُ؛ وهما: خَدِيجَةُ وزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ، وتِسْعٌ تُوُفِّيَ عنهنَّ وهُنَّ البَوَاقِي.
وبَقِيَ اثنتانِ لمْ يَدْخُلْ بِهما، ولا يَثْبُتُ لهما من الأحكامِ والفَضِيلَةِ مَا يَثْبُتُ للسابقاتِ، وهما:
1- أسماءُ بنتُ النُّعْمَانِ الكِنْدِيَّةُ: تَزَوَّجَهَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمَّ فَارَقَها، واخْتُلِفَ في سَبَبِ الفِراقِ، فقالَ ابنُ إِسحاقَ: إنَّهُ وَجَدَ في كَشْحِهَا بَيَاضًا فَفَارَقَهَا، فَتَزَوَّجَها بَعدَهُ المُهَاجِرُ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ.
2 - أُمَيْمَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ بنِ شُرَاحِيلَ الْجُوَنِيَّةُ: وهيَ الَّتِي قالَتْ: ((أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ)). فَفَارَقَها، واللهُ أعلَمُ.
(4) وأَفْضَلُ زوجاتِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةُ وعَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنْهُما، ولكلٍّ مِنهما مَزِيَّةٌ على الأُخْرَى؛ فَلِخَدِيجَةَ في أوَّلِ الإسلامِ ما لَيْسَ لِعَائِشَةَ مِن السَّبْقِ والمُؤَازَرَةِ والنُّصْرَةِ، ولِعَائِشَةَ في آخِرِ الأَمْرِ مَا لَيْسَ لِخَدِيجَةَ مِنْ نَشْرِ العِلْمِ ونَفْعِ الأمَّةِ، وقدْ بَرَّأَهَا اللهُ مِمَّا رَمَاهَا بِهِ أهلُ النِّفَاقِ مِن الإِفْكِ في سُورَةِ النُّورِ.
(5) قَذْفُ أُمَّهَاتِ المؤْمِنِينَ
قَذْفُ عائِشَةَ بمَا بَرَّأَهَا اللهُ مِنْهُ كُفْرٌ؛ لأنَّهُ تَكْذيبٌ للقُرآنِ.
وفي قَذْفِ غيرِها مِنْ أُمَّهَاتِ المؤمنينَ قَوْلانِ لأهْلِ العِلْمِ، أَصَحُّهما أنَّهُ كُفْرٌ؛ لأنَّهُ قَدْحٌ في النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنَّ الخَبِيثَاتِ لِلْخَبِيثِينَ.
حفيدة بني عامر
11-20-2008, 01:23 PM
(3) ذَكَرَ أيضًا أنَّ من السُّنَّةِ التَّرَضِّيَ عنْ زَوْجَاتِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقدْ زَكَّاهُنَّ اللهُ تَعَالَى وَطَهَّرَهُنَّ وَخَيَّرَهُنَّ، وَنَزَلَ فيهنَّ ما يَدُلُّ على فَضْلِهِنَّ وعَلَى سَبْقِهِنَّ، وعلى مِيزَاتٍ كثيرةٍ. فمِن السُّنَّةِ التَّرَضِّي عَنْهُنَّ، وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِنَّ وَفَضْلِهِنَّ وَمِيزَاتِهِنَّ.
ومِنْ ذلكَ أنَّ اللهَ تَعَالَى خَيَّرَهُنَّ بينَ الدُّنيا والآخرةِ، فَاخْتَرْنَ الآخرةَ، وذلكَ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (28) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28- 29].
لوْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: أُرِيدُ الدُّنْيَا وَأُرِيدُ زِينَتَهَا، لِسَرَّحَهَا سَرَاحًا جَمِيلاً وَلَفَارَقَهَا، ولكنْ كُلُّهُنَّ رَضِينَ بِالخَصْلَةِ الثَّانيَةِ؛ أَرَدْنَ اللهَ ورسولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ، منْ أجلِ ذلكَ صَبَرْنَ على العيشةِ الضَّيِّقَةِ حتَّى كانَ يَأْتِي عَلَيْهِنَّ شَهْرٌ أوْ شهرانِ لا يُوقَدُ في بُيُوتِهِنَّ نارٌ، إنَّما هوَ الأسودانِ؛ التَّمرُ والماءُ. صَبَرْنَ على ذلكَ؛ لأنَّهُنَّ قُلْنَ: نُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ والدَّارَ الآخرةَ، ولا نُرِيدُ زِينَةَ الدُّنيا، ولا نُرِيدُ زهرةَ الدُّنيا.
وقالَ اللهُ تَعَالَى مُمَيِّزًا لَهُنَّ: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [الأحزاب: 32]. فهذا فَضْلٌ لَهُنَّ. {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30]، {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} [الأحزاب: 31]. ولا شَكَّ أنَّهُنَّ حَفِظْنَ أَنْفُسَهُنَّ، وَأَحْسَنَّ بالأعمالِ الصَّالحةِ، فَصَارَ أَجْرُهُنَّ مُضَاعَفًا على غَيْرِهِنَّ.
كما أَدَّبَهُنَّ اللهُ بآدابٍ حسنةٍ، منها قولُهُ تَعَالَى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الأحزاب: 33]، {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]، {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34].
وهذهِ الآياتُ منْ سورةِ الأحزابِ يُخَاطِبُ اللهُ بِهَا زَوْجَاتِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنها قَوْلُهُ تَعَالَى في أثناءِ هذهِ الآياتِ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، فهذهِ الجملةُ من الآيَةِ في سِيَاقِ الكلامِ على زوجاتِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فإنَّ قولَهُ تَعَالَى: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب: 32- 33]، كلُّ هذا خِطَابٌ لَهُنَّ.
وقولُهُ تَعَالَى: {وَأَطِعْنَ اللهَ وِرَسُولَهُ} [الأحزاب: 33]، خِطَابٌ لَهُنَّ أَيْضًا.
ثمَّ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.
نُقَرِّرُ هذا؛ لأَِنَّ الرَّافضةَ يَقُولُونَ: هذهِ الجملةُ لِعَلِيٍّ وَذُرِّيَّتِهِ، وأمَّا الَّذي قَبْلَهُ والَّذي بَعْدَهُ فليسَ هوَ لَهُمْ، فَأَخْرَجُوا زوجاتِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هذا الخطابِ، وَيَقُولُونَ: لأَِنَّ الضَّميرَ جاءَ فيها بالمُذَكَّرِ في قولِهِ: {عَنكُمْ}، {وَيُطَهِّرَكُمْ}، ما قالَ: عَنْكُنَّ، ولا قالَ: وَيُطَهِّرَكُنَّ.
والجوابُ أنْ نَقُولَ: هذهِ الآيَةُ أَوْلَى بها زَوْجَاتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكنْ إنَّما ذَكَّرَ الضَّميرَ في قولِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمْ}؛ لأنَّهُ أَدْخَلَ مَعَهُنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهوَ صَاحِبُ البيتِ، {عَنْكُمْ}، يَعْنِي: عَنْكَ يا مُحَمَّدُ، وعَنْ زَوْجَاتِكَ، وعنْ أَهْلِ بَيْتِكَ.
فَأَهْلُ البَيْتِ هُمْ مُحَمَّدٌ وَزَوْجَاتُهُ، وكذلكَ أَيْضًا بَنَاتُهُ وأولادُهُ، فَكُلُّهُم منْ أهلِ البيتِ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ}.
فالرَّافضةُ يُرَدِّدُونَ (أَهْلَ الْبَيْتِ)، وَيَخُصُّونَ أهلَ البيتِ بِعَلِيٍّ وَذُرِّيَّتِهِ.
ونحنُ نَقُولُ: صَحِيحٌ أنَّ عَلِيًّا وَذُرِّيَّتَهُ منْ أهلِ البيتِ، ولكنْ لَيْسَ هُمْ وَحْدَهُم أهلَ البيتِ، بلْ هناكَ غَيْرُهُم، فَزَوْجَتُهُ منْ أهلِ البيتِ، وزوجاتُ عُثْمَانَ منْ أهلِ البيتِ، وَزَوْجَةُ أبي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ منْ أهلِ البيتِ، كُلُّهُنَّ بَنَاتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلماذَا تَخْتَصُّ فاطمةُ وَزَوْجُهَا بأنَّهُم أهلُ البيتِ؟!
نَعَمْ، عَلِيٌّ ابنُ عَمِّهِ، وَهُوَ منْ أهلِ البيتِ، وَأَقْرَبُ منهُ عَمُّهُ العبَّاسُ، وهوَ منْ أهلِ البيتِ، وأولادُ العبَّاسِ وَأَفْضَلُهُم عبدُ اللهِ؛ الَّذي قالَ لهُ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)). كيفَ لا يَكُونُ هؤلاءِ منْ أهلِ البيتِ؟ وكيفَ يَخْتَصُّ أهلُ البيتِ بِعَلِيٍّ وَبِذُرِّيَّتِهِ؟!
نَقُولُ: إنَّ هذا تَقْصِيرٌ في الْفَهْمِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ}، يَدْخُلُ فيها النَّبيُّ وزوجاتُهُ وبناتُهُ وأعمامُهُ وأولادُ أعمامِهِ.
ومِنْ جُمْلَتِهِم عَلِيٌّ وَذُرِّيَّتُهُ، فَهُمْ منْهُم لا أنَّهم وَحْدَهُم أهلُ البيتِ.
وزوجاتُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُنَّ لهنَّ فضلٌ، ولكنَّ أَفْضَلَهُنَّ خَدِيجَةُ وعائشةُ.
(4) وَاخْتَلَفَ العلماءُ: أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ؟ فالرَّافضةُ يُفَضِّلُونَ خديجةَ؛ لأنَّها أمُّ فاطمةَ، وَيُغَالُونَ بِمَدْحِهَا، ولكنَّ أهلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ خديجةَ وعائشةَ مُتَسَاوِيَتَانِ في الفضلِ، فخديجةُ لها مِيزَةٌ، وهيَ أنَّها هيَ السَّابقةُ، وهيَ الَّتي أَيَّدَت النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأوَّلُ مَنْ آمَنَ من النِّساءِ، وكانَتْ تُشَجِّعُهُ على الدَّعوةِ، وكانَتْ تُهَدِّئُهُ وَتُسَكِّنُ رَوْعَهُ، وَتَعِدُهُ بالخيرِ، وَآسَتْهُ بِنَفْسِهَا وَمَالِهَا، وَرُزِقَ منها أولادًا، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عليها في حَيَاتِهَا؛ فَفُضِّلَتْ بِهَذِهِ المِيزَاتِ.
وعائشةُ أيضًا لَهَا مِيزَاتٌ كثيرةٌ، فلوْ لمْ يَكُنْ مِنْ مِيزَاتِهَا إلاَّ أنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عُذْرَهَا في القرآنِ، وَطَهَّرَهَا مِمَّا رَمَاهَا بهِ أهلُ الإِفْكِ في قولِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} [النُّور: 11]، ثَمَانِيَ عَشْرَةَ آيَةً نَزَلَتْ في عائشةَ بَرَّأَتْهَا مِمَّا قِيلَ فيها.
أمَّا فَضَائِلُهَا الأُخْرَى فلا تُحْصَى؛ فقدْ كَانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهَا.
جَاءَ إليهِ عَمْرُو بنُ العَاصِ فقالَ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قالَ: ((عَائِشَةُ))، قالَ: فَمِن الرِّجَالِ؟ قَالَ: ((أَبُوهَا)).
وقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ))، وَحَمَلَتْ عنهُ عِلْمًا جَمًّا؛ فهيَ أكثرُ نِسَائِهِ حَدِيثًا.
وكانَ يُخْبِرُ بأنَّ الوحْيَ لا يَنْزِلُ عليهِ في حِجْرِ امرأةٍ إلاَّ في حِجْرِهَا، وكانَ يُحِبُّ هُوَ في مَرَضِ موتِهِ أنْ يُمَرَّضَ في بَيْتِهَا، وَلَمَّا رَأَى زوجاتُهُ أنَّهُ سَأَلَ: ((أَيْنَ أَنَا؟))، قُلْنَ لهُ: لَكَ أنْ تَسْكُنَ حيثُ شِئْتَ، وَاسْتَقَرَّ في بيتِ عائشةَ، وَتُوُفِّيَ هُوَ في حِجْرِهَا.
تقولُ: (مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي)، وَالْحَاقِنَةُ التَّرْقُوَةُ، يَعْنِي: أنَّها كانتْ مُسْنِدَةً لهُ، وَدُفِنَ في بَيْتِهَا.
وَتَمَيَّزَتْ بِأنَّها بِنْتُ الصِّدِّيقِ الَّذي هوَ أوَّلُ مَنْ آمَنَ من الرِّجالِ، والَّذي اسْتَخْلَفَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصَّلاةِ.
فَلَهَا هذهِ المِيزَاتُ، ومعَ ما لَهَا مِنْ فضائلَ، فإنَّ الرَّافضةَ يَسُبُّونَهَا سَبًّا شَنِيعًا!.
حفيدة بني عامر
11-20-2008, 01:25 PM
وَمِنَ السُّنَّةِ: التَّرَضّي عَنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أمَّهاتِ المؤمِنِينَ المُطَهَّراتِ المُبرَّآتِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، أَفْضَلُهُنَّ خَديجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَعَائِشَةُ الصِّدِّيقةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ الَّتي بَرَّأَها اللهُ في كِتَابِهِ، زَوْجُ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، فَمَن قَذفَها بما برَّأَهَا اللهُ مِنْهُ في كتابه فَقَدْ كَفَرَ باللهِ العظيمِ.
حفيدة بني عامر
11-20-2008, 01:26 PM
المَتْنُ: وَمن السُّنَّةِ التَّرَضِّي عَنْ أزواجِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّهَاتِ المؤمنينَ.
الشَّرْحُ: وَهُنَّ أُمَّهَاتُ المؤمنينَ، هذا مِنْ حُقُوقِهِنَّ، أَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ المؤمنينَ.
يَعْنِي:في الاحترامِ وَالتوقيرِ، وَتَحْرِيمِ التَّزَوُّجِ مِنْهُنَّ بعدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أمَّا أَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ المؤمنينَ، فهذا في نَصِّ القرآنِ: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}. فَهُنَّ أُمَّهَاتُ المؤمنينَ في التوقيرِ وَالاحترامِ، وَعَدَمِ التَّزَوُّجِ مِنْهُنَّ، {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً}، لِمَاذَا؟
لأنَّهُنَّ زَوْجَاتُهُ فِي الْجَنَّةِ؛ لأنَّ اللهَ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ أنْ يُطَلِّقَهُنَّ الرسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَزَوَّجْنَ غَيْرَهُ، أَوْ أنْ يَبْقَيْنَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَيَصْبِرْنَ على الفقرِ وَالفَاقَةِ وَالشِّدَّةِ في المعيشةِ، فَاخْتَرْنَ اللهَ وَرسولَهُ وَالدارَ الآخرةَ، وَصِرْنَ على وَاقِعِهِنَّ، فَجَزَاهُنَّ اللهُ بهذا الجزاءِ، أنَّهُنَّ زَوْجَاتُهُ في الدُّنيا وَالآخرةِ، وَقَصَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ.
{لا يَحِلُّ} لَمَّا ذَكَرَهُنَّ قَالَ: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تُبَدِّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً}.
فَلَمَّا اخْتَرْنَ اللهَ وَرسولَهُ وَالدارَ الآخرةَ قَصَرَ اللهُ رَسُولَهُ عَلَيْهِنَّ وَجَعَلَهُنَّ زَوْجَاتِهِ في الآخرةِ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُنَّ.
أمَّا مِنْ ناحيَةِ الحجابِ، وَمن ناحيَةِ عدمِ المَحْرَمِيَّةِ، وَتحريمِ الخَلْوَةِ، فَهُنَّ كَسَائِرِ نساءِ المسلمينَ أَجْنَبِيَّاتٌ.
وَلذلكَ أَمَرَهُنَّ اللهُ بالحجابِ، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}. أَمَرَهُنَّ اللهُ بالحجابِ عَنْ رجالِ الأُمَّةِ، معَ أنَّهُنَّ أُمَّهَاتُهُمْ، لكنْ دَلَّ على أنَّ هذا ليسَ في المَحْرَمِيَّةِ، لَسْنَ أُمَّهَاتِهِمْ في المَحْرَمِيَّةِ، وَلا في تَرْكِ الحجابِ وَلا في الخَلْوةِ؛ فإِنَّهُنَّ في هذهِ الأمورِ كسائرِ نساءِ المسلمينَ مَأْمُورَاتٌ بالحجابِ، وَمَنْهِيَّاتٌ عَن الخَلْوَةِ معَ أحدٍ، وَأيضاً هُنَّ أَجْنَبِيَّاتٌ مِنْ ناحيَةِ النَّسَبِ، نَعَمْ أَجْنَبِيَّاتٌ، إِلاَّ أَنَّهُ لا يَحِلُّ لهم تَزَوُّجُهُنَّ؛... لأنَّ زواجَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَزَالُ بَاقِياً عَلَيْهِنَّ بعدَ مَوْتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَهذا مِمَّا يَدُلُّ على فَضْلِهِنَّ وَشَرَفِهِنَّ وَمَكَانَتِهِنَّ عندَ اللهِ سبحانَهُ وَتَعَالَى.
وَأَوَّلُهُنَّ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنها، تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ قَبْلَ البَعْثَةِ، ثمَّ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ القرآنَ، وَبَعَثَهُ وَهيَ مَعَهُ. وَلَمَّا وَجَدَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نُزُولِ المَلَكِ عَلَيْهِ وَالوحيِ عَلَيْهِ بأوَّلِ مَرَّةٍ، وَجَدَ شَيْئاً مِن الشِّدَّةِ عَلَيْهِ.
الشريط الحادي عشر
وَذَكَرَ ذلكَ لَهَا، قَالَ: لقدْ خَشِيتُ على نَفْسِي. قَالَتْ: كَلاَّ، وَاللهِ لا يُخْزِيكَ اللهُ؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَقْرِي الضيفَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتُعِينُ على نَوَائِبِ الدهرِ.
فَمَا زَالَتْ تُوَطِّنُهُ حتَّى هَدَّأَتْ مِنْ رَوْعِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثمَّ وَقَفَتْ مَعَهُ بالنُّصرةِ وَالتَّأْيِيدِ في حَيَاتِهَا رَضِيَ اللهُ عنْهَا في مَكَّةَ وَفي شِدَّةِ أَذَى الكفَّارِ، وَهيَ إِلى جَنْبِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهَا حُبًّا شديداً، وَلمْ يَتَزَوَّجْ عليها في حَيَاتِهَا غَيْرَهَا، وَأولادُهُ كُلُّهُمْ مِنْهَا، أَوْلادُهُ بَنونَ وَبَنَاتٌ كُلُّهُمْ مِنْ خديجةَ، إِلاَّ إِبراهيمَ فَإِنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ القِبْطيَّةِ التي تَسَرَّاهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وكانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُثْنِي عليها بعدَ مَوْتِهَا، وَكانَ يُكْرِمُ صَدِيقَاتِهَا بعدَ وَفَاتِهَا، وَيَذْكُرُهَا بالخيرِ بعدَ وَفاتِهَا، حتَّى إِنَّ بعضَ أَزْوَاجِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابَتْهُنَّ غَيْرَةٌ مِنْ ذِكْرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخديجةَ.
والثانيَةُ: سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدَ خديجةَ في مكَّةَ أَيْضاً، وَبَقِيَتْ في عِصْمَةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمَّا أَرَادَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُطَلِّقَهَا قَالَتْ: لا، أَنَا أُسْقِطُ عَنْكَ حَقِّي، وَأَهَبُهُ لِعَائِشَةَ، وَأَبْقَى في زَوَاجِي لَكَ. تُرِيدُ بذلكَ شَرَفَ أُمَّهَاتِ المؤمنينَ، فلمْ يُطَلِّقْهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَماتَ قَبْلَهَا، بَقِيَتْ في عِصْمَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والثالثةُ: زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الهِلالِيَّةُ، تَزَوَّجَهَا وَلمْ تَلْبَثْ مَعَهُ إِلاَّ قليلاً، وَتُوُفِّيَتْ، فَتُوُفِّيَ مِنْ نِسَائِهِ وَهوَ حَيٌّ ثِنْتَانِ: خَدِيجَةُ وَزينبُ بنتُ خُزَيْمَةَ الهلاليَّةُ، تُوُفِّينَ قَبْلَهُ رَضِيَ اللهُ تعالَى عَنْهُنَّ.
وَالرابعةُ: عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ، بنتُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنها، تَزَوَّجَهَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدَ الهجرةِ، وَدَخَلَ بها وَهي بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، وَلم يَتَزَوَّجْ بِكْراً غَيْرَهَا، وَحَصَلَ لها مِن الفضائلِ معَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهَا، مِنْ أنَّ الوحيَ كانَ يَنْزِلُ على فِرَاشِهَا، وَكانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيداً، فَهِيَ أَحَبُّ النساءِ إِليهِ، وَأَبُوهَا هوَ أحبُّ الرجالِ إِليهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَلَمَّا مَرِضَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَأْذَنَ زَوْجَاتِهِ في أنْ يُمَرَّضَ في بيتِ عائشةَ، فَأَذِنَّ لهُ، وَتُوُفِّيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأْسُهُ في حِجْرِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنها، وَرَوَتْ عَن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن الأحاديثِ وَالأحكامِ الشرعيَّةِ الشيءَ الكثيرَ، فَكَانَتْ فَقِيهَةَ النساءِ، وَكانتْ تُعَدُّ مِن المُفْتِينَ مِنْ صحابةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين يَرْجِعُ إِليهم الصحابةُ في الروايَةِ، وَيَرْجِعُونَ إِليها أَيْضاً في الفَتْوَى.
واخْتَلَفَ العلماءُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: خَدِيجَةُ أمْ عَائِشَةُ؟
وَالصوابُ أنَّ لكلِّ وَاحدةٍ مِنهما فَضَائِلَ لَيْسَتْ عندَ الأُخْرَى، وَأَنَّهُما لا يَظْهَرُ التفضيلُ بَيْنَهُماَّ؛ لأنَّ لكلِّ وَاحدةٍ فَضَائِلَ تُعَادِلُ فضائلَ الأُخْرَى، فهذهِ لها فَضْلُ السَّبْقِ وَالمُنَاصَرَةِ للرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأنَّها أُمُّ أَوْلادِهِ، وَعائشةُ لها فضلُ التَّعَلُّمِ وَالتَّلَقِّي عَن الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَعْلِيمِ الأُمَّةِ أُمُورَ دِينِهَا، فَكَانُوا يَرْجِعُونَ إِليها، وَفَضْلُ تَقْرِيبِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا وَمَحَبَّتِهِ لَهَا المَحَبَّةَ الشديدةَ، هذا يَدُلُّ على فَضْلِهَا رَضِيَ اللهُ عنها.
والخامسةُ: مَيْمُونَةُ بنتُ الحارثِ الهِلالِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنها.
والسادسةُ: حَفْصَةُ بنتُ عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنها.
وَالسابعةُ: زَيْنَبُ بنتُ جَحْشٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنها، التي زَوَّجَهَا اللهُ جلَّ وَعَلا مِنْ فَوْقِ سبعِ سماواتٍ، تَوَلَّى اللهُ عَقْدَ نِكَاحِهَا لرسولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطْراً زَوَّجْنَاكَهَا}. فالَّذِي عَقَدَ لها هوَ رَبُّ العِزَّةِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فكانتْ تَفْتَخِرُ على نِسَاءِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلكَ، تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهْلِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللهُ مِنْ فَوْقِ سبعِ سماواتٍ.
والثامنةُ: جُوَيْرِيَةُ بنتُ الحارثِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنها.
والتاسعةُ: أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنها.
وَالعاشرةُ: أُمُّ حَبِيبَةَ رَمْلَةُ بنتُ أبي سفيانَ بنِ الحارثِ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهُما.
وَالحاديَةَ عَشْرَةَ: صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بنِ أَخْطَبَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنها.
تُوُفِّيَ قَبْلَهُ مِنْهُنَّ اثْنَتَانِ، وَتُوُفِّيَ هوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تِسْعٍ مِنْهُنَّ.
المَتْنُ: (وَمِن السُّنَّةِ التَّرَضِّي عَنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ المُطَهَّرَاتِ المُبَرَّآتِ مِنْ كلِّ سُوءٍ.)
الشرحُ: لأنَّ اللهَ لمْ يَكُنْ لِيَخْتَارَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ أَطْيَبَ النساءِ وَأفضلَ النساءِ،قَالَ تَعَالَى: {الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}،
قبلَ هذا يَقُولُ: {الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}.
فلمْ يَكُن اللهُ لِيَخْتَارَ لرسولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن النساءِ إِلاَّ أَفْضَلَ النساءِ، فَاخْتِيَارُ اللهِ لَهُنَّ لِرَسُولِهِ دليلٌ على فَضْلِهِنَّ على غَيْرِهِنَّ مِنْ نساءِ الأُمَّةِ.
المَتْنُ: (أَفْضَلُهُنَّ خَدِيجَةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ، وَعَائِشَةُ الصدِّيقةُ بنتُ الصدِّيقِ التي بَرَّأَهَا اللهُ في كِتَابِهِ.)
الشرحُ: هذهِ أفضلُ أزواجِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اخْتُلِفَ: هلْ هِيَ خَدِيجَةُ أَوْ عائشةُ على قَوْلَيْنِ.وَالصحيحُ التَّوَقُّفُ في هذا، وَأنَّ لِكُلِّ وَاحدةٍ مِن الفضلِ ما ليسَ عندَ الأُخْرَى.
وَعائشةُ رَضِيَ اللهُ عنها قدْ بَرَّأَهَا اللهُ مِن الإِفْكِ الذي رُمِيَتْ بهِ، رَمَاهَا بهِ المنافقونَ، المنافقونَ يَتَصَيَّدُونَ على رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنَّهُم كُفَّارٌ، ليسَ عندَهُم إِيمانٌ، وَأعداءٌ للهِ وَرسولِهِ، وَإِنَّمَا أَظْهَرُوا الإِيمانَ مِنْ أَجْلِ طَمَعِ الدُّنيا فَقَطْ، مِنْ أجلِ أنْ يَعِيشُوا بينَ المسلمينَ، فكانُوا يُغَذُّونَ الشائعاتِ، وَيُغَذُّونَ كلَّ ما يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومِنْ ذلكَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا كانَ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، وَنَزَلُوا في اللَّيْلِ، وَكانَ مِنْ عَادَتِهِم أنَّهُم يَرْتَحِلُونَ آخرَ الليلِ، يَرْتَحِلُونَ آخرَ الليلِ مِنْ مَبِيتِهِمْ، فَيَأْتِي الصحابةُ فَيَحْمِلُونَ أهلَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هَوْدَجِهِمْ، وَيَضَعُونَهُ على الراحلةِ، وَكانتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنْهَا في هذهِ الغَزْوَةِ معَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلاَّ أنَّها...صَادَفَ أنَّها قُبَيْلَ تَحَرُّكِ الجيشِ وَقبلَ التجهيزِ ذَهَبَتْ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا، وَلَمَّا رَجَعَتْ وَجَدَتْ أَنَّ الناسَ قدْ رَحَلُوا؛ لأنَّ الذينَ يُجَهِّزُونَ رَاحِلَتَهَا يَظُنُّونَهَا في الهَوْدَجِ، كانتْ خَفِيفَةً، خَفِيفَةَ المَحْمَلِ، فَظَنُّوا أنَّها في الهودجِ، فَحَمَلُوهُ على الراحلةِ وَسَارُوا.
جَاءَتْ عَائِشَةُ وَقدْ ذَهَبَ الجيشُ وَهيَ في اللَّيْلِ، ماذا تَعْمَلُ؟ مِنْ حِنْكَتِهَا وَعَقْلِيَّتِهَا العظيمةِ قَالَتْ: أَبْقَى في هذا المكانِ؛ لأنَّهُم إِذا فَقَدُونِي سَيَأْتُونَ، وَلأنَّ المكانَ مَكَانُ مَهْلَكَةٍ، لَوْ ذَهَبَتْ فَإِنَّهَا يُخْشَى أنْ تَضِيعَ وَتَهْلَكَ، وَامْرَأَةٌ أيضاً لا تَعْلَمُ أينَ الطريقُ، فمَنْ حُنْكَتِهَا أنْ بَقِيَتْ في المكانِ، وَلم يُصِبْهَا رُعْبٌ أَوْ وَحْشَةٌ؛ لِشَجَاعَتِهَا وَقُوَّةِ إِيمَانِهَا رَضِيَ اللهُ عنها بَقِيَتْ في المكانِ.
أَصَابَهَا النومُ فَنَامَتْ، وَكانَ صَفْوَانُ بنُ المُعَطِّلِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ عَادَتِهِ أنْ يَتَأَخَّرَ عَن الجيشِ؛ لأنَّهُ كَثِيرُ النومِ وَيَتَأَخَّرُ عَن الجيشِ، ثمَّ يَقُومُ وَيَلْحَقُ بالجيشِ، فَقَامَ وَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَى منزلِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فيهِ سَوَاداً، فَجَاءَ يَسْتَبْرِحُ ما هوَ.
فَلَمَّا قَرُبَ منها اسْتَيْقَظَتْ، فَلَمَّا عَرَفَ أنَّها عائشةُ قَالَ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِليهِ رَاجِعُونَ. ثمَّ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ وَوَطَأَ على يَدِهَا حتَّى رَكِبَتْ رَضِيَ اللهُ عنها، ثمَّ قَادَ بها الراحلةَ، وَلم يُكَلِّمْهَا وَلم تُكَلِّمْهُ، يَقُودُهَا، يَقُودُ الراحلةَ بها حتَّى أَتَى الجيشَ.
عندَ ذلكَ طارَ المُنَافِقُونَ فَرَحاً، وَقالُوا: إِنَّهَا قدْ وَاعَدَت الرَّجُلَ، وَإِنَّهَا وَإِنَّهَا إِلى آخرِ ما قَالُوا قَبَّحَهُم اللهُ، أَرَأَيْتُمْ رَجُلاً يَجِدُ امرأةً في مَهْلَكةٍ ماذا يَعْمَلُ؟ يَتْرُكُهَا، أَلَيْسَتْ هذهِ حالةَ إِنقاذٍ وَحَالَةَ ضَرُورَةٍ، هلْ يَتْرُكُهَا؟
يَعْنِي: لَوْ مِنْ سَائِرِ النساءِ ما يَتْرُكُهَا، حتَّى وَلوْ كانتْ مِن الكفَّارِ ما يَتْرُكُهَا؛ لأنَّ هذا إِنْقَاذُ نَفْسٍ، فكيفَ بِزَوْجَةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَمَلُهُ هذا اسْتِنْقَاذٌ لها مِن الهلاكِ، وَإِسْعَافٌ لها، لا يُلامُ عَلَيْهِ، بلْ يُمْدَحُ عَلَيْهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَهوَ مِنْ صحابةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَشَاعَ المنافقونَ ما أَشَاعُوا، وَأَثَّرُوا على بعضِ المسلمينَ، فَصَارُوا يَنْقُلُونَ هذا الحديثَ؛ لأنَّهُم تَأَثَّرُوا بهذهِ الكلماتِ، فاشْتَدَّ الأمرُ على رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالذي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ رَأْسُ المنافِقِينَ.
اشْتَدَّ الأمرُ على رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاشْتَدَّ الأمرُ على عائشةَ بِنتِ أبي بكرٍ وَعلى أبي بكرٍ، اشْتَدَّ الأمرُ بالصحابةِ كُلِّهِمْ رَضِيَ اللهُ عنهم، حتَّى أَنْزَلَ اللهُ بَرَاءَتَهَا مِنْ فوقِ سبعِ سماواتٍ: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ}.
إِفْكٌ، يَعْني: كَذِبٌ.
ما أَحَدٌ يُصَدِّقُ أنَّ زوجةَ الرسولِ وَفِرَاشَ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ شيءٌ مِن الشَّكِّ، فِرَاشُ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَدْخُلُهُ الشَّكُّ، وَمَنْ شَكَّ فإِنَّهُ كَافِرٌ؛ لمْ يَكُن اللهُ لِيَخْتَارَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ أَزْكَى النساءِ، وَأَطْيَبَ النساءِ؛ وَلهذا فإن قوله تعالى: "سبحانك" تَنْزِيهٌ للهِ أنْ يَخْتَارَ لِنَبِيِّهِ امْرَأَةً على هذهِ الصفةِ التي يَقُولُهَا المنافقونَ، فهذا عَيْبٌ للهِ سبحانَهُ وَتَعَالَى:
والَّذِي يَقْذِفُ المرأةَ إِمَّا أنْ يَأْتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، وَإِمَّا أَنْ يُحَدَّ ويُجْلَدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَتَسْقُطُ عَدَالَتُهُ، وَلا تُقْبَلُ لهُ شهادةٌ، وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بالفسقِ: كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا}،هذا في سائرِ المؤمناتِ، فَكَيْفَ بنساءِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
وقال تعالى:{لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً}. ما قَالَ: ظَنُّوا بعائشةَ خَيْراً، {ظَنُّوا بِأَنْفُسِهِمْ}؛ لأنَّ عائشةَ مِنْ أَعَزِّ أَنْفُسِهِمْ، {ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
هذا التَّوْبِيخُ للذينَ انْدَرَجَ عليهم هذا الكلامُ مِن المسلمينَ تَوْبِيخٌ لَهُم، فقال تعالى:{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ} أَعَادَ التنزيهَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ {هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}.
يُكَرِّرُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذَا الفضلَ وَهذهِ الرحمةَ بقوله: {وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}.
ثُمَّ مَضَى في السياقِ وَذَكَرَ حُكْمَ الذينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغَافِلاتِ المؤمناتِ، وَما أَعَدَّ اللهُ لهم مِن العذابِ في الآخرةِ، ثُمَّ قَالَ: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ}.هذا دليلٌ على بَرَاءَةِ عائشةَ؛ لأنَّ اللهَ لمْ يَكُنْ لِيَخْتَارَ خَبِيثةً لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}.
الطَّيِّبُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالطَّيِّبَةُ عائشةُ رَضِيَ اللهُ عنها ثم قال: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}.
بَرَّأَ اللهُ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها مِمَّا قَالَهُ أهلُ الإِفكِ وَأهلُ النفاقِ، فهذا مَوْقِفُ المسلمينَ مِمَّا رُمِيَتْ بهِ أُمُّهُمْ، وَأَفْضَلُ أزواجِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عائشةُ الصدِّيقَةُ بنتُ الصدِّيقِ، وَمَنْ لم يَعْتَقِدْ بَرَاءَتَهَا فهوَ كافرٌ؛ لأنَّهُ مُكَذِّبٌ للهِ وَلرسولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلإِجماعِ المسلمينَ.
وكَمَا سَمِعْتُمْ في الآياتِ هيَ لَمَّا اشْتَدَّ بها الأمرُ رَضِيَ اللهُ عنها فكانت تقولُ: ما كُنْتُ أَتَوَقَّعُ أنَّ اللهَ سَيُنْزِلُ فِيَّ قُرْآناً يُتْلَى، وَلكنْ كُنْتُ أَتَوَقَّعُ أنْ يَأْتِيَ رُؤْيَا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَرِّئُنِي اللهُ بها، ولَكِنْ الله أنزل القرآنَ العظيمَ الذي يُتْلَى إِلى يومِ القيامةِ في فَضْلِهَا وَبَرَاءَتِهَا رَضِيَ اللهُ عنها.
المَتْنُ: (زَوْجُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدُّنْيَا وَالآخرةِ، وَمَنْ قَذَفَهَا بِمَا بَرَّأَهَا اللهُ منهُ فَقَدْ كَفَرَ باللهِ العظيمِ).
الشرحُ: كَمَا تَفْعَلُهُ الرافضةُ قَبَّحَهُم اللهُ، فَإِنَّهُم يُنْكِرُونَ؛ لأنَّهُم مُنَافِقُونَ لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، يُظْهِرُونَ الإِسلامَ وَهم مُنَافِقُونَ في الدَّرْكِ الأسفلِ مِن النارِ، فهم يُثِيرُونَ هذهِ الإِشاعةَ في كُتُبِهِمْ وَفِيمَا بَيْنَهُمْ.
حفيدة بني عامر
11-20-2008, 01:28 PM
ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى أيضاً : (( ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله عليه الصلاة والسلام أمهات المؤمنين المطهرات المبرءات
من كل سوء ))
وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أُلِّف فيهن وفي مناقبه مؤلفات, وهن معروفات : إحدى عشرة زوجة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم , فنترضى عنهن جميعاً , نؤمن بأنهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا وفي الجنة رضي الله عنهن جميعاً, فلايجوز الطعن فيهن ولا سبهن , بل هن امهات المؤمنين وهن الطاهرات المطهرات المرءات من كل عيب .
قال الشيخ : ( أفضلهن خديجة بن خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق, التي برأها الله سبحانه وتعالى في كتابه, زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة) فأفضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وعائشة, وقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام من أحب الناس إليك قال : (عائشة ) قيل : من الرجال ؟ قال: (( أبوها)) . (1)
كما قد ورد في فضل خديجة أحاديث, ولهذا قال العلماء : إن خديجة أيضاً متقدمة في الفضل, وكان النبي يعرف لها فضلها وسبقها حتى كانت عائشة رضي الله عنها وأرضاها لا تغار من أحد من ازواج النبي صلى الله عليه وسلم وهن موجودات ما كانت تغار من خديجة ؛ لكثرة ذكر النبي عليه الصلاة والسلام لها ومن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يكرم صواحبها وقريباتها , أتته امرأة عجوز فبشَّ لها رسول الله عليه الصلاة والسلام بشاشة لفتت انتباه عائشة رضي الله عنها فسألت الرسول : (( من هذه العجوز ؟
فقال : (( أن هذه كانت تأتتينا أيام خديجة )) رضي الله عنهن جميعاً, فخديجة لها فضل, وعائشة لها فضل, والعلماء في المفاضلة بينهما على قولين, وقد جمع بينهما شيخ الإسلام ابن تيمية جمعاً حسناً, فذكر أن خجديجة لها فضل السبق إلى الإسلام ومؤازرة النبي بنفسها ومالها , وعائشة لها فضل البقاء مع رسول الله حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى , فكان لها فضل العلم وتعليمه ونشره . فسبحان من جمع لنبيه بن هذين القمرين النيّرين المزهرين .
لكن عائشة- لوجود من طعن فيها- تتميز بأنه يجب الترضي عنها , والإيمان بأنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة , وتبرئتها مما برأها الله سبحانه وتعالى منه في كتابه العزيز , فمن طعن فيها بع نزول الآيات البينات فهو مرتد بإجماع المسلمين .
وسب عائشة وقذفها دين عامة الرافضة , حيث أنهم إلى الآن يقذفون عائشة , والواحد منهم إذا غضب على ابنته, وقد وقعت في خطأ أو ذنب فإنه يشتمها ويضربها , لكن إذا أراد أن يبلغ أقصى ما يريد من عقوبة بالنسبة لها قال لها : يا عائشة او ياعويَّش , فحينئذ تبكي بكاءً مراً طويلاً لأنه شبهها بأم المؤمنين عائشة وهذا منه- عليه من الله ما يستحق- اتهام لعائشة بما برأها الله سبحان وتعالى منه وهو يدل على أن هؤلاء الرافضة يربون أولا دهم على اتهام عائشة وقذفها وبغضها فمن أتهمها بعد نزول القرآن بما برأها الله سبحانه وتعالى منه فهو مرتد لا شك في ردته خارجٌ عن دين الإسلام .
وبالنسبة لمن سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهذا السب على درجات ؛ فإن كان سبُّ الصحابة لدينهم وإيمانهم أو قال بردتهم , فهذا لا شك ي كفره وردته .
أما إذا سبَّ بعضهم لشخصه كأن يقول : هو بخيل او جبان, أو يريد ملكاً ونحو ذلك ,
, فهذا يجب تزيره وتأديبه حتى يقلع ويتوب عن ذلك . أما شتم
الصحابة مطلقاُ أو لعنهم أو تقبيحهم ونحو ذلك , فهذا لا يقع إلا ممن كان مرتداً خارجاً عن دائرة الإسلام , كحال الرافضة.
قال الشيخ : (( فمن قذفها )) أي عائشة , (( بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم )) كما سبق بيانه
-
(1) اخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة .
تيمية
01-02-2009, 02:51 AM
الترضي عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والاعتراف بفضلهن
قال الموفق رحمه الله: [ومن السنة الترضي عن أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم ، أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد ، وعائشة الصديقة بنت الصديق، التي برأها الله في كتابه، زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم] . أفضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه هي خديجة وعائشة، وقد أجمع أهل السنة على أن أفضل نساء هذه الأمة ثلاث: عائشة ، وخديجة ، وفاطمة ، ثم اختلفوا، فمنهم من فضل عائشة ، ومنهم من فضل خديجة ، ومنهم من فضل فاطمة ، ومنهم من توقف، وهذه مسألة اجتهادية فيها سعة. ومن قذف عائشة رضي الله عنها بعدما تبين له النظر في كتاب الله: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور:11]
فمن لم يعتبر بهذا المذكور في كلام الله سبحانه وتعالى وأصر على ذلك فلا شك أنه كافر؛ لأن هذا تكذيب للقرآن. ......
تيمية
01-02-2009, 02:51 AM
العناصر
- حقوق زوجات النبي صلى الله عليه وسلم
- زوجات النبي صلى الله عليه وسلم
- ذكر بعض من لم يدخل بهن النبي صلى الله عليه وسلم
- المفاضلة بين خديجة وعائشة
- حكم قذف أمهات المؤمنين
تيمية
01-02-2009, 02:51 AM
الأسئلة
س1: تحدث بإيجاز عن حقوق زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.
س2: اذكر عدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، مع ترجمة موجزة لكل واحدة منهن.
س3: اذكر بعض من خطبهن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بهن .
س4: أيهما أفضل خديجة أم عائشة؟
س5: ما حكم قذف أمهات المؤمنين؟
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir