المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ح10: حديث أبي هريرة: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً...) م


عبد العزيز الداخل
10-23-2008, 05:21 PM
10- عن أبي هريرةَ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا، وإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}، وَقَالَ تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}.
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّماءِ يا رَبُّ.. يا رَبُّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ؟))رواه مُسْلمٌ.

نورة آل رشيد
11-01-2008, 11:16 PM
(1) تَرْجَمَةُ الصَّحَابِيِّ رَاوِي الحديثِ:
ذُكِرَتْ في الحديثِ التَّاسِعِ.
الشَّرحُ:
وعَنْهُ أَيْضًا أَيْ: أَبي هُرَيرَةَ قالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ: ((إنَّ اللهَ طَيِّبٌ))مَوصُوفٌ بِكُلِّ كَمَالٍ يَلِيقُ بِهِ، مُنَزَّهٌ عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِهِ.
(( لاَ يَقْبَلُ)) مِنَ الأَعْمَالِ والأَمْوالِ((إلاَّ طَيِّبًا)) خَالِصَةً وَحَلاَلاً ومُسْتَلَذَّةً، فَلاَ يُتَقَرَّبُ إِليهِ، ولا يُسْتَحَقُّ رَضَاهُ وثَوابُهُ إلاَّ بِأَعمَالٍ زَاكِيَةٍ طَاهِرَةٍ عَنْ أَرْجَاسِ الشِّرْكِ والرِّيَاءِ والبِدَعِ، خَالِصَةٍ لوَجهِهِ وإِلاَّ بِصَدَقَاتٍ حَلاَلٍ ومُسْتَلَذَّةٍ مُنْفَقَةٍ في مَصَارِفِهَا خَالِصَةٍ لِوَجْهِهِ.
(( وَإِنَّ اللهَ)) تَعَالى ((أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بهِ المُرْسَلِينَ)) سَوَّى بَيْنَهُمْ، لِكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ أَمْرًا مُهِمًّا لاَ بُدَّ لِلعِبَادِ مَنْهُ ((فَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ})) أَيْ: الحَلاَلِ {وَاعْمَلُوا عَمَلاً صَالِحًا} أَيْ: أَمَرَ اللهُ كَلَّ نبيٍّ في زَمَنِهِ: كُلْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَاعْمَلْ صَالِحًا، وَقَالَ اللهُ تَعَالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}.
وقَدْ دَلَّ السِّيَاقُ عَلى أَنَّ المُرَادَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ مَا طَيَّبَهُ الشَّرْعُ، وهُوَ الحَلاَلُ، ولاَ يَأْكُلُ العبْدُ إذَا أَكَلَ إلاَّ الحلاَلَ، وَتَنَاوُلُ الحَرامِ في غَيْرِ الضَّرُورَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
((ثُمَّ ذَكَرَ)) صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ)) سَفَرَ خَيْرٍ، ودَعْوَةُ المُسَافِرِ مُسْتَجَابَةٌ كَمَا وَرَدَ.
(( أَشْعَثَ)) الرَّأْسِ ((أَغْبَرَ)) البَدَنِ، ((يَمُدُّ يَدَيْهِ)) عِنْدَ الدُّعَاءِ ((إِلَى السَّمَاءِ))؛ لأَِنَّها قِبْلَةُ الدُّعَاءِ، قَائِلاً: ((يَا رَبِّ يَا رَبِّ)).
وهذِهِ الحَالَةُ والهَيْئَةُ أَجْلَبُ مَا تَكُونُ للاسْتِجَابَةِ.
(( وَ)) الحالُ ((مَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وغُذِّيَ)) أَيْ: رُبِّيَ ((بالحَرامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ)) لِذلِكَ، اسْتِبْعَادًا لاسْتِجَابَةِ دُعَائِهِ مَعَ تَلَطُّخِهِ في مَلْبَسِهِ ومَشْرَبِهِ ومَطْعَمِهِ بِدَنَسِ الحَرَامِ؛ إِذْ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ، وَهُوَ ليْسَ مِنْهُم، وَقُوتُهُ التي يَمُدُّ بِهَا يَديْهِ ناشِئَةٌ مِنْ خَبيثٍ، و لَكِنَّ اللهَ بِفَضْلِهِ كَثِيرًا مَا يُجِيبُ دَعْوَةَ آكِلِ الحرَامِ تَفَضُّلاً مِنْهُ أو اسْتِدْرَاجًا لَهُم.
مِنْ فَوائِدِ أَكْلِ الحَلاَلِ:
- التَّسَبُّبُ لإرضَاءِ ربِّ العِزَّةِ والجَلاَلِ.
- والتَّوْفِيقُ للطَّاعَاتِ.
- واستجابَةُ الدعَوَاتِ.
ومِنْ غَوَائِلِ الحَرَامِ:
- التَّسَبُّبُ لإسْخَاطِ اللهِ تَعَالَى.
- والابْتِلاَءُ بالسَّيِّئَاتِ؛ إذ الخبيثُ يَجُرُّ إلى الخبيثِ.
- وحِرْمَانُ قَبُولِ الدعواتِ؛ إذ اجْتِنَابُ الحرامِ شَرْطٌ لِقَبُولِهَا.
وَمِمَّا يُوجِبُ اسْتِجَابَتَهَا مَعَ أَكْلِ الحَلاَلِ، حُضُورُ القَلْبِ والإيقانُ بالإجابَةِ، وعَدَمُ التَّعَجُّلِ.

نورة آل رشيد
11-01-2008, 11:18 PM
الرَّاوِي:
سَبَقَ تَرْجَمَتُهُ.
مَوْضُوعُ الحَدِيثِ:
أَسْبَابُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ ومَوَانِعُهُ.
المُفْرَداتُ:
(إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ): (إِنَّ) حَرْفٌ مُشَبَّهٌ بالفِعْلِ، ولَفْظُ الجَلالَةِ عَلَمٌ علَى الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ، لا يَكُونُ إِلاَّ مَتْبُوعاً، لا تَابِعاً، قِيلَ: (إِنَّهُ الاسْمُ الأَعْظَمُ)، ولا يَرِدُ إِلاَّ مُعَرَّفاً، ويَجْمَعُ الأَسْمَاءَ الحُسْنَى كُلَّهَا، وَرَدَ في القُرْآنِ أَلْفَيْنِ وسِتَّمائةٍ وسَبْعَةً وتِسْعِينَ مَرَّةً.
(طَيِّبٌ) الطَّيِّبُ: هُوَ الطَّاهِرُ فِي اللُّغَةِ، والمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ والعُيُوبِ كُلِّهَا.
ولَيْسَ الطَّيِّبُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ هُوَ خَبَرٌ عَنْهُ؛ لأَنَّ بَابَ الإِخْبَارِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الأسماءِ، ومِثْلُه الوِتْرُ، ومِثْلُهُ القَدِيمُ، ولِذَا جَاءَ خَبَراً لـ (إنَّ).
(لا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّباً) لا يَقْبَلُ مِنَ الأَعْمَالِ والأَقْوَالِ والتَّعَامُلِ إِلاالطَّيِّبَ، وأَمَّا غَيْرُ الطَّيِّبِ فيَرُدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ، فالقَوْلُ المُحَرَّمُ يَرُدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ، والفِعْلُ البَاطِلُ كالصَّلاةِ بلا وُضُوءٍ يَرُدُّهُ، والصَّدَقَةُ مِنَ المُحَرَّمِ يَرُدُّهَا عَلَى صَاحِبِهَا. فيُشْتَرَطُ فِي القَبُولِ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ طَيِّباً.
ومِنْ عَلامَاتِ قَبُولِ العَمَلِ:
1- الإخلاص.
2- المتابعة.
3- التقوى.
4- مداومة العمل الصالح.
5- استباق الخيرات.
6- صلاح صاحبه، وغيرها..
(وإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِين)
يُشِيرُ إِلَى الآيَتَيْنِ الوَارِدَتَيْنِ فِي الحَدِيثِ والمُتَضَمِّنَتَيْنِ الأَمْرَ بأَكْلِ الطَّيِّبِ؛ ليَكُونَ بذَلِكَ أَصْلَحَ للجَسَدِ وأَصْلَحَ للعَمَلِ وأَصْلَحَ للدُّنْيَا وأَصْلَحَ للآخِرَةِ، وقِياماً بالأَمْرِ وتَرْكاً للنَّهْيِ وحِفْظاً لحُقُوقِ الغَيْرِ.
والآيةُ الأُولَى هِيَ:{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}[المؤمنون: 51].
والآيةُ الثَّانِيَةُ هِيَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}[البقرة: 172].
وهُمَا يُمَثِّلانِ سَبَباً مِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَهُوَ أَكْلُ الحَلالِ.
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَتْرُكُونَ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الحَلالِ خَشْيَةَ الحَرَامِ، وكَانُوا يَقُولُونَ للمَسْؤُولِ عَنْهُمْ: (اتَّقِ اللَّهَ فِينَا ولا تُطْعِمْنَا إِلاَّ الحَلالَ فَإِنَّا نَصْبِرُ عَلَى الجُوعِ ولا نَصْبِرُ عَلَى النَّارِ).
(يُطِيلُ السَّفَرَ) هَذَا هو السَّبَبُ الثَّانِي مِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ.
و(يُطِيلُ) أي: يَسْتَمِرُّ في السَّفَرِ ويُواصِلُهُ مُدَّةً طَوِيلَةً.
ومِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ:

- دَعْوَةُ المُسَافِرِ كَمَا في الحديثِ: ((ثَلاثُ دَعَواتٍ مُسَتَجابَاتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ، ودَعْوَةُ المُسَافِرِ)).
وإِطَالَةُ السَّفَرِ أَدْعَى إِلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا والرَّغْبَةِ في الآخِرَةِ.
(أَشْعَثَ أَغْبَرَ) هَذَا هو السَّبَبُ الثَّالِثُ مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ.

والشَّعَثُ: هو انْتِشَارُ الشَّعَرِ مَعَ كَثْرَةِ تَلَبُّدِهِ بالغُبَارِ.
و(أَغْبَرَ) أي: مُصَاباً بالغَبْرَةِ مِنْ كَثْرَةِ الأَتْرِبَةِ التي عَلِقَتْ بِهِ في سَفَرِهِ لعَدَمِ غَسْلِهِ ودَهْنِهِ ومَشْطِهِ، وهو سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ لهذا الحَدِيثِ؛ إِذْ قَلْبُهُ مَشْغُولٌ برَبِّهِ غَيْرُ مَشْغُولٍ بالدُّنْيَا، وأيضاً لحَدِيثِ: ((رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمَرَيْنِ...)) الحَدِيثَ.

(يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ) هَذَا هو السَّبَبُ الرَّابِعُ مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ،أي: يَرْفَعُ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَدْعُو رَبَّهُ تَعَالَى، وهوأَدَبٌ مِن آدَابِ الدُّعَاءِ، وسَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ؛ لقَوْلِه تَعَالَى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا...} الآيةَ [الأنعام: 43].
- وقَوْلِه تعالَى: {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وخُفْيَةً...} الآيةَ [الأنعام: 63].
- وقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((إِنَّ اللَّهَ يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدُّهُمَا صِفراً خَائِبَتَيْنِ)) أو كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وفِيهِ: التَّوْبَةُ إلى اللَّهِ وعَدَمُ التَّوَجُّهِ لغَيْرِهِ.
وفِيه: إِثْبَاتُ العُلُوِّ للَّهِ تَعَالى، وإِظْهَارُ الذُّلِّ والمَسْكَنَةِ للَّهِ تعالَى.
(يَا رَبِّ يَا رَبِّ) السَّبَبُ الخَامِسُ مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ:
- وهو دُعَاءُ اللَّهِ بأَسْمَائِهِ لقَوْلِهِ تعَالَى: {وللَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}[الأعراف: 180].
- وتَكْرَارُ الدُّعَاءِ وإِعَادَتُهُ ثَلاثاً أو أَكْثَرَ حَتَّى يُجَابَ، فَإِنَّ اللَّهَ وَعَدَ بالإِجَابَةِ، قَالَ تَعَالَى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر: 60] وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَكْرَارُ الدُّعاءِ ثلاثاً.
ومِن الأَسْبابِ: أَنْ يَجْزِمَ بالدُّعاءِ ويُوقِنَ بالإِجَابَةِ.
ومنها: أَلاَّ يَعْجَل.
ومنها: أَنْ يَتَحَيَّنَ الأَوْقَاتَ والأَحْوَالَ الشَّرِيفَةَ.
ومِنها: التَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ.
(وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ) هَذَا مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ الإِجَابَةِ، وهو وَاحِدٌ لَكِنَّهُ عَظِيمٌ، وهو أَكْلُ الحَرَامِ.
وَقَدْ كانَ هَذَا المَانِعُ رَادًّا للدُّعَاءِ مَعَ وُجُودِ أَسْبَابِهِ.
فَلْيَتَحَرَّ المُسْلِمُ الحَلالَ ولْيَمْتَنِعْ مِنَ الحَرَامِ. وكَانَ مَانِعاً؛ لأَنَّ الجَسَدَ الَّذِي نَبَتَ مِنَ حَرَامٍ جَسَدٌ للنَّارِ، فلا يُسْمَعُ قَوْلُه ولا تُرْفَعُ دَعْوَتُهُ؛ ولأَنَّهُ كَسْبٌ خَبِيثٌ، واللَّهُ لايَقْبَلُ إِلاَّ الدُّعَاءَ الطَّيِّبَ مِنَ الجَسَدِ الطَّيِّبِ؛ لأنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ.
(فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ) هَذِهِ هِيَ النَّتِيجَةُ (عَدَمُ الإِجَابَةِ) أي: فكَيْفَ يُسْتَجابُ لَهُ، وهو وَاقِعٌ فِي الحَرَامِ، مُنْتَهِكٌ لحُدُودِ اللَّهِ، وَاقِعٌ فِي نَوَاهِيهِ، تَارِكٌ لأَوَامِرِهِ. وهََذا يَدُلُّ عَلَى الاسْتِبْعَادِ ويَدُلُّ عَلَى التَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ مِنَ الحَرَامِ.
ومِنْ مَوَانِعِ الإِجَابَةِ أُمُورٌ:
- غَفْلَةُ القَلْبِ.
- كَثْرَةُ المَعَاصِي.
- عَدَمُ تَقْدِيمِ العَمَلِ الصَّالِحِ.
- الدُّعَاءُ بإِثْمٍ أو قَطِيعَةِ رَحِمٍ.
- الاسْتِعْجَالُ فِي الدُّعَاءِ.
- الاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ.
- الهُجْرَانُ.
- تَرْكُ الأَمْرِ بالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
- التَّخَاصُمُ.
- الدُّعَاءُ.
ونَحْوُ ذَلِكَ.
الفَوَائِدُ:

1- تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ النَّقائِصِ.
2- حُبُّ اللَّهِ تعالَى للطَّيِّبَاتِ مِنَ الأَقْوَالِ والأَفْعَالِ.
3- أَنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إِلاَّ الطَّيِّبَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
4- وُجُوبُ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ.
5- الحَثُّ عَلَى أَكْلِ الحَلالِ.
6- مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ دَعْوَةُ المُسَافِرِ.
7- أنَّ المِيزانَ للعَبْدِ تَقْواهُ.
8- أنَّ الشَّعَثَ والغَبْرَةَ مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ.
9- الزُّهْدُ في الدُّنيا.
10- وجوبُ التَّوجُّهِ إلى اللَّهِ وَحْدَهُ.
11- التَّحْذِيرُ مِن التَّوجُّهِ لغَيْرِ اللَّهِ مِنَ القُبُورِ والأَوْلِيَاءِ وغَيْرِها.
12- إِثْباتُ العُلُوِّ للَّهِ تعالَى.
13- مِن آدابِ الدُّعاءِ رَفْعُ اليَدَيْنِ.
14- الإيمانُ بأَسْمَاءِ اللَّهِ الحُسْنَى.
15- مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ الدُّعَاءُ بأَسْمَاءِ اللَّهِ تعالى.
16- تَكْرارُ الدُّعاءِ مَظِنَّةُ الإِجَابَةِ.
17- التَّحْذِيرُ مِنْ أَكْلِ الحَرَامِ.
18- أنَّ أَكْلَ الحَرَامِ وتَعَاطِيَهُ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ الإِجَابَةِ.
19- المُدَاوَمَةُ عَلَى الدُّعَاءِ.

نورة آل رشيد
11-01-2008, 11:19 PM
(1) مَنْزِلَةُ الْحَدِيثِ:
الحديثُ لَه شَأْنٌ عظيمٌ، فَهُو مِن قَواعدِ الدِّينِ، ونصٌّ عَلَى أهميَّةِ الطِّيبةِ فِي عمومِ الأعمالِ الَّتي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ عزَّ وجلَّ، وأنَّها شَرْطٌ فِي قَبولِ الأعمالِ الصَّالحةِ.
- كما فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الأَكْلِ والشُّربِ واللُّبْسِ مِن الحلالِ الطَّيِّبِ، والبعدِ عَن الحرامِ الخبيثِ؛ لأنَّهُ سَبَبٌ فِي عَدَمِ استجابةِ الدُّعاءِ الَّذي هُو مِن أَعْظَمِ العباداتِ الَّتي يُتقرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ تباركَ وَتَعَالَى.
تنزيهُ اللهِ تَعَالَى عَن النَّقائصِ:
نزَّهَ اللهُ سبحانَهُ وَتَعَالَى نفسَهُ عَن النَّقائصِ والعيوبِ كلِّها، فَنَزَّهَ نفسَهُ عَن الصَّاحبةِ والوَلَدِ، قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا}.
ونَزَّهَ نفسَهُ كَذَلِك عَن الظُّلمِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}.
كَمَا نَزَّهَ نفسَهُ عَن النَّومِ، قَالَ تَعَالَى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} إِلَى غيرِهَا مِن الآيَاتِ الَّتي يُنَزِّهُ اللهُ بِهَا نفسَهُ عمَّا لاَ يَليقُ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ.
فقولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ)) تَنزيهٌ لربِّهِ جلَّ وَعَلاَ عَن النَّقائصِ والعُيوبِ كلِّها؛ لأنَّ مَعْنَى الطَّيِّبِ هُو: الطَّاهرُ الْمُقَدَّسُ الْمُنَزَّهُ مِن العُيوبِ والنَّقائصِ كلِّها.

معنَى القَبُولِ:
قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا)) جَاءَتْ أحاديثُ كَثِيرَةٌ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ فِيهَا نفيُ القَبولِ لبعضِ الأعمالِ والأقوالِ، وَذَلِك لوُقوعِ صاحبِهَا بمحظورٍ أَو لتقصيرِهِ فِي شَرْطٍ أَو رُكْنٍ مِن الْعَمَلِ الَّذي يَتَقَرَّبُ بِه إِلَى ربِّهِ عزَّ وجلَّ، فَلاَ بدَّ مِن فَهْمِ مَعْنَى نَفْيِ القَبولِ كمَّا بيَّنَهُ أَهْلُ العِلْمِ.

_ يأتي نفيُ القَبولِ فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ بِمَعْنَى نفيِ الأَجْرِ والثَّوابِ مَع سُقوطِ الْعَمَلِ الْوَاجِبِ مِن الذِّمَّةِ، مِثْلَ قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لاَ تـُقْبَلُ صَلاَةٌ لاِمْرَأَةٍ تَتَطَيَّبُ لِهَذَا الْمَسْجِدِ حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ)).
_ ويَأْتِي نفيُ القَبولِ بِمَعْنَى نفيِ صِحَّةِ الْعَمَلِ وبُطلانِهِ، مِثْلَ قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)) فالصـَّلاةُ بِغَيْرِ طَهارةٍ لاَ تَسْقُطُ مِن الذِّمَّةِ، وَلاَ يَقْبَلُهَا اللهُ عزَّ وجلَّ.
فالمقصودُ بنَفْيِ القَبُولِ فِي قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا)) نفيُ حُصُولِ الثَّوابِ والأَجْرِ والرِّضَا ومَدْحِ فاعلِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَلاَئِكَةِ والْمُبَاهاةِ بِهِ، أمَّا مِن حَيْثُ قَبولُ الصَّدقةِ بالمالِ الحرامِ فغيرُ مَقبولةٍ؛ وَذَلِك لقولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلاَ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ)) والإمامُ الشَّافعيُّ يَرَى أنَّ المالَ الحرامَ يُحْفَظُ حتَّى يُعْرَفَ صاحبُهُ، وَلاَ يُتَصَدَّقُ بِه.
الأكلُ الحلالُ:
قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فقالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}).
في الْحَدِيثِ الأَمْرُ بالأَكْلِ ممَّا أَحَلَّ اللهُ، وَأَنْ يَكُونَ بكَسْبٍ طَيِّبٍ، والابتعادُ عمَّا حَرَّمَهُ اللهُ، قَالَ اللهُ سبحانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} ودائرةُ الحرامِ الَّتي حرَّمَها اللهُ ضيِّقَةٌ وقليلةٌ، وأمَّا الحلالُ فَهُو واسعٌ وَكَثِيرٌ.
فيَجبُ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَتَحَرَّى الحلالَ الطَّيِّبَ فِي مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ وكَسْبِهِ؛ لأنَّ الحرامَ سَبَبٌ فِي مَنْعِ قَبولِ الدُّعاءِ والعِبادةِ.
شروطُ قَبولِ الأعمالِ:

أَمَرَنا اللهُ سبحانَهُ وَتَعَالَى بالعَمَلِ الصَّالحِ: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا} وَلَكِنْ وَضَعَ شروطًا لقَبولِ هَذِه الأعمالِ، مِنْهَا مَا وَرَدَ فِي قولِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ((لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا)) فالطـِّيبةُ شرطٌ فِي قَبولِ الأعمالِ كلِّها، فِي الصَّدقةِ وَفِي غيرِها، ففي الصَّدقَةِ وَرَدَ قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلاَ يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ - فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ)).
وفي غَيْرِ الصَّدقةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ عُمومُ قولِهِ: ((لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا)) فهذا يَشْمَلُ جَمِيعَ الأقوالِ والأعمالِ الَّتي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى الْمَلِكِ الْعَلاَّمِ، وممَّا يَشهدُ لِذَلِك قولُهُ تَعَالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}والكَلِمُ الطَّيِّبُ هُو: الذِّكرُ والتِّلاوةُ والدُّعاءُ.
والمقصودُ بطِيبةِ الأعمالِ والأقوالِ خُلُوُّهَا مِن الرِّياءِ، والعُجْبِ، والْمَقَاصِدِ، والأغراضِ، وَأَنْ تُؤَدَّى كَمَا أَمَرَنَا ربُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
أسبابُ إجابةِ الدُّعاءِ، وَبَعْضُ آدابِهِ:

1 - إطالةُ السَّفرِ لإجابةِ الدُّعاءِ، وَذَلِك مِن قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ثـُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ)) ففي ذَلِك إِشَارَةٌ إِلَى أنَّ السَّفَرَ سَببٌ لإجابةِ الدُّعاءِ، ويَشْهَدُ لَه حديثٌ آخَرُ: عَن أَبِي هُريرةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ، أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ لاَ شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ)) والسـَّببُ فِي ذَلِك - واللهُ أعلمُ - لأنَّهُ غالبًا مَا يُؤَدِّي السَّفَرُ إِلَى انكسارِ النَّفسِ بِسَبَبِ طولِ الغُرْبَةِ، وتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ، وَهَذَا مِن أَعْظَمِ أسبابِ الإِجَابَةِ.
2 - حصولُ التَّبذُّلِ فِي اللِّباسِ والهيئةِ بالشَّعَثِ والإغبارِ، وَذَلِك مِن قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَشْعَثَ أَغْبَرَ)) ويَشهدُ لِذَلِك قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأََبَرَّهُ)).
وقولُهُ: ((رُبَّ ذِي طِمْرَيْنَ لاَ يُؤبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ)) كَمَا يَشهدُ لَه مِن فعلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خروجُهُ لصلاةِ الاستسقاءِ مُتَبَذِّلاً مُتواضِعًا مُتَضَرِّعًا.
وكانَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَد حُبِسَ لَه ابنُ أخٍ، فلَبِسَ خَلَقًا مِن ثيابِهِ، وأَخَذَ عُكَّازًا بيدِهِ، فقيلَ لَه: مَا هَذَا؟
قَالَ: (أَسْتَكِينُ لِرَبِّي لعلَّهُ أَنْ يُشَفِّعَنِي فِي ابنِ أَخِي).
3 - مدُّ اليدينِ إِلَى السَّماءِ، وَذَلِك مِن قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ).
ولقولـِهِ: ((إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ)) كَمَا ثَبَتَ عَنْه رَفْعُ اليدينِ أثناءَ الاستسقاءِ، والدُّعاءِ يومَ بَدْرٍ، ورَفْعُ اليدينِ لَهَا كَيْفِيَّاتٌ مِنْهَا:
-الإشارةُ بإصبعِهِ السَّبَّابَةِ فَقَط، فَعَلَ ذَلِك عَلَى مِنْبَرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
-رَفَعُ اليدينِ وجَعْلُ ظُهورِهِما تُجَاهَ القِبْلَةِ، رُوِيَتْ عَنْه هَذِه الصِّفةُ فِي الاستسقاءِ.

-رَفَعُ اليدينِ وجَعْلُ ظُهورِهما إِلَى السَّماءِ، وَذَلِك لِمَا رَواهُ أَنَسٌ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْقَى، فأشارَ بظَهْرِ كَفَّيهِ إِلَى السَّماءِ.
4 - الإلحاحُ بالدُّعاءِ، والْعَزْمُ فِي المسألةِ، وَذَلِك بتكريرِ ذِكْرِ رُبوبيَّتِهِ، وَذَلِك مِن قولِهِ: (يَا رَبِّ، يَا رَبِّ) وَهَذَا فِيهِ إِشَارَةٌ عَلَى الْحِرْصِ الشَّديدِ عَلَى حُصُولِ الْمَطْلُوبِ، كَمَا يَشْهَدُ لِذَلِك قَوْلُ ابنِ مسعودٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ: وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاَثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلاَثًا، ثمَّ قَالَ: ((اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)).

5 - إطابَةُ الْمَطْعَمِ والْمَشْرَبِ والْمَلْبَسِ سَبَبٌ لإجابةِ الدُّعاءِ، وَذَلِك مِن قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَطْعَمـُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ) وَوَجْهُ الاستفهامِ هُنَا عَلَى وَجْهِ التَّعجُّبِ والاستبعادِ، وعندَما سَأَلَ سعدٌ رَسُولَ اللهِ أَنْ يَكُونَ مُستجابَ الدَّعوةِ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ((أَطـِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ)).
هذه بَعْضُ الشُّروطِ والآدابِ الَّتي تَتعلَّقُ بالدُّعاءِ، تَعَرَّضَ لَهَا هَذَا الْحَدِيثُ، وَهُنَاك شروطٌ ومسائلُ أُخْرَى لَم يَتَعَرَّضْ لَهَا الْحَدِيثُ، فَمَنْ أرادَ الاستزادةَ أَنْصَحُهُ بالرُّجوعِ لرسالةِ الدُّعاءِ لِمُؤَلِّفِها الشَّيخِ عَبْدِ اللهِ الْخُضَرِيِّ -جزاهُ اللهُ خيرًا - فإنَّها رسالةٌ قَيِّمَةٌ بَذَلَ فِيهَا المؤلِّفُ جُهْدًا يُحمَدُ عَلَيْهِ.

نورة آل رشيد
11-01-2008, 11:23 PM
(1) هذا الحديثُ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ روايَةِ فُضَيْلِ بنِ مَرْزُوقٍ عن عَدِيِّ بنِ ثابِتٍ، عنْ أَبِي حَازِمٍ، عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: (حَسَنٌ غَرِيبٌ)وفُضَيْلُ بنُ مَرْزُوقٍ ثِقَةٌ وَسَطٌ خَرَّجَ لهُ مُسْلِمٌ دُونَ البُخَارِيِّ.
وقولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ)) هذا قدْ جاءَ مِنْ حديثِ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ)) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وفي إسنادِهِ مَقَالٌ، وَالطَّيِّبُ هنا معناهُ الطَّاهِرُ.
والمعنَى أنَّهُ تعالَى مُقَدَّسٌ مُنَزَّهٌ عن النَّقائِصِ والعُيُوبِ كُلِّها، وهذا كما في قولِهِ: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}[النور: 26] والمرادُ: المُنَزَّهُونَ مِنْ أَدْنَاسِ الفواحِشِ وَأَوْضَارِهَا.
وقولُهُ: ((لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا)) قدْ ورَدَ معنَاهُ في حديثِ الصدَقَةِ، ولفْظُهُ: ((لاَ يَتَصَدَّقُ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ طَيِّبًا....)) والمرادُ أنَّهُ تعالَى لا يَقْبَلُ مِن الصَّدقاتِ إلاَّ ما كانَ طَيِّبًا حلالاً.
-وقدْ قيلَ: إنَّ المُرادَ في هذا الحَديثِ الذي نَتَكَلَّمُ فيهِ الآنَ بقولِهِ: ((لاَ يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ طَيِّبًا)) أَعمُّ مِنْ ذلكَ، وهوَ أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِن الأعمالِ إلاَّ ما كانَ طَيِّبًا طاهِرًا من المُفسِداتِ كُلِّها؛ كالرِّياءِ والعُجْبِ، ولا مِن الأموالِ إلاَّ ما كانَ طَيِّبًا حلالاً؛ فإنَّ الطِّيبَ تُوصَفُ بهِ الأعمالُ والأقوالُ والاعْتِقَادَاتُ، فكُلُّ هذهِ تَنْقَسِمُ إلى طَيِّبٍ وخَبِيثٍ.
- وقدْ قيلَ: إنَّهُ يَدْخُلُ في قولِهِ تعالَى: {قُلْ لاَ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة: 100] هذا كُلُّهُ.
-وقدْ قَسَّمَ اللهُ تعالَى الكلامَ إلى طَيِّبٍ وخبِيثٍ فقالَ: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ}[إبراهيم: 24]{وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ}[إبراهيم: 26].
-وقالَ تعالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}[فَاطِر: 10] ووَصَفَ الرَّسولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأنَّهُ يُحِلُّ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ الخبائِثَ.
- وقدْ قيلَ: إنَّهُ يَدْخُلُ في ذلكَ الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ أيضًا، ووَصَفَ اللهُ تعالَى المؤمنِينَ بالطِّيبِ بقولِهِ تعالَى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ}[النحل: 32]، وإنَّ الملائكةَ تقولُ عندَ الموتِ: اخْرُجِي أَيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبةُ كَانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ، وإنَّ الملائِكةَ تُسَلِّمُ عليهم عندَ دُخُولِ الجنَّةِ ويقولونَ لهم: طِبْتُمْ. وقدْ وَرَدَ في الحديثِ أنَّ المُؤْمِنَ إذا زَارَ أخًا لَهُ في اللهِ تقولُ لهُ الملائِكةُ: ((طِبْتَ، وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً)).
فالمؤمِنُ كُلُّهُ طَيِّبٌ؛قلبُهُ ولسانُهُ وجسَدُهُ، بما سَكَنَ في قَلْبِهِ مِن الإيمانِ، وظَهَرَ على لسانِهِ من الذِّكْرِ، وعلى جوارِحِهِ من الأعمالِ الصَّالِحَةِ التي هيَ ثَمَرَةُ الإيمانِ وداخِلَةٌ في اسْمِهِ، فهذهِ الطَّيِّباتُ كُلُّها يَقْبَلُها اللهُ عزَّ وجلَّ.
ومِنْ أعظمِ ما يَحْصُلُ بِهِ طِيبَةُ الأعمالِ للمُؤْمِنِ طِيبُ مَطْعَمِهِ، وأنْ يكونَ مِنْ حلالٍ، فَبِذَلِكَ يَزْكُو عمَلُهُ.
وفي هذا الحديثِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُقْبَلُ العملُ ولا يَزْكُو إلاَّ بأَكْلِ الحلالِ، وأنَّ أَكْلَ الحرامِ يُفْسِدُ العَمَلَ، ويَمْنَعُ قَبُولَهُ؛ فإنَّهُ قالَ بعدَ تَقْرِيرِهِ ((إِنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا))إِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ فقالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}.
- وقالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}.
والمُرادُ بهذا أنَّ الرُّسلَ وأُمَمَهُم مَأْمُورُونَ بالأكْلِ من الطَّيِّبَاتِ التي هيَ الحلالُ، وبالعَمَلِ الصَّالِحِ، فما دامَ الأَكْلُ حلالاً، فالعَمَلُ صَالِحٌ مَقْبُولٌ، فإذا كانَ الأَكْلُ غَيرَ حلالٍ، فكيفَ يكُونُ العملُ مَقْبُولاً؟

وما ذَكَرَهُ بعدَ ذلكَ من الدُّعاءِ، وأنَّهُ كيفَ يُتَقَبَّلُ معَ الحَرامِ، فهوَ مِثَالٌ لاسْتِبْعَادِ قَبُولِ الأعمالِ معَ التَّغذِيَةِ بالحرامِ.
_ وقدْ خرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ بإسنادٍ فيهِ نَظَرٌ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: تُلِيَتْ هذهِ الآيَةُ عندَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا}[البقرة: 168] فقامَ سَعْدُ بنُ أَبِي وقَّاصٍ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، ادْعُو اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:((يَا سَعْدُ، أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ.وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الْحَرَامَ فِي جَوْفِهِ مَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ عَمْلٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ)).

-وفي (مُسْنَدِ الإمامِ أحمدَ) بإسنادٍ فيهِ نَظَرٌ أيضًا: عن ابنِ عمرَ قالَ: ((مَن اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي ثَمَنِهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ لَمْ يَقْبَل اللهُ لَهُ صَلاَةً مَا كَانَ عَلَيْهِ)) ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فَقَالَ: (صُمَّتَا إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). ويُرْوَى منْ حديثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا معناهُ أيضًا، خَرَّجَهُ البَزَّارُ وغيرُهُ بإسنادٍ ضعيفٍ جِدًّا.
-وخرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ بإسنادٍ فيهِ ضَعْفٌ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا بِنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَلاَلٌ، وَرَاحِلَتُكَ حَلاَلٌ، وَحَجُّكَ مَبْرُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ.
وَإِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ بِالنَّفَقَةِ الْخَبِيثَةِ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ.
نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لاَ لَبَّيْكَ وَلاَ سَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَرَامٌ، وَنَفَقَتُكَ حَرَامٌ، وَحَجُّكَ غَيْرُ مَبْرُورٍ)) ويُرْوَى مِنْ حديثِ عُمَرَ نحوُهُ بإسنادٍ ضعيفٍ أيضًا.
_ ورَوَى أَبُو يَحْيَى القَتَّاتُ عنْ مُجَاهِدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: (لا يَقْبَلُ اللهُ صلاةَ امْرِئٍ في جَوْفِهِ حرامٌ).
وقد اخْتَلَفَ العلماءُ في حَجِّ مَنْ حَجَّ بِمَالٍ حرامٍ، ومَنْ صلَّى في ثوبٍ حرامٍ، هلْ يَسْقُطُ عنهُ فَرْضُ الصَّلاةِ والحَجِّ بذلكَ، وفيهِ عن الإمامِ أحمدَ روايتانِ.
وهذهِ الأحاديثُ المذكورةُ تدُلُّ على أنَّهُ لا يُتَقَبَّلُ العملُ معَ مُباشرةِ الحرامِ، لكن القَبُولُ قدْ يُرَادُ بهِ الرِّضا بالعَمَلِ، ومَدْحُ فاعِلِهِ، والثَّناءُ عليهِ بينَ الملائكةِ، والمُبَاهَاةُ بهِ، وقدْ يُرَادُ بهِ حُصُولُ الثَّوابِ والأجرِ عليهِ، وقدْ يُرادُ بهِ سُقُوطُ الفَرْضِ بهِ مِن الذِّمَّةِ، فإنْ كانَ المرادُ هَا هُنا القَبُولَ بالمعنى الأوَّلِ أو الثَّانِي، لمْ يَمْنَعْ ذلكَ مِنْ سُقُوطِ الفرْضِ بهِ مِن الذِّمَّةِ، كما وَرَدَ أنَّهُ لا تُقْبَلُ صلاةُ الآبِقِ، ولا المرأةُ التي زَوْجُها عليها ساخِطٌ، ولا مَنْ أتَى كاهِنًا، ولا مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ أربعينَ يَوْمًا، والمرادُ -واللهُ أعلمُ- نَفْيُ القَبُولِ بالمعنَى الأوَّلِ أو الثَّانِي، وهوَ المُرادُ -واللهُ أعلمُ- مِنْ قولِهِ عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة: 27] ولهذا كانَتْ هذهِ الآيَةُ يَشْتَدُّ مِنها خَوْفُ السَّلَفِ على نُفُوسِهم، فخَافُوا أنْ لا يكُونُوا مِن المتَّقِينَ الذينَ يُتَقَبَّلُ مِنهم.
_وسُئِلَ أحمدُ عنْ معنَى (الْمُتِّقِينَ) فيها، فقالَ: (يَتِّقِي الأشياءَ، فَلا يَقَعُ فيمَا لا يَحِلُّ لهُ).
_ وقالَ أبو عبدِ اللهِ النِّبَاجِيُّ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللهُ: (خَمْسُ خِصَالٍ بها تَمَامُ العَمَلِ:
-الإيمانُ بمعرِفَةِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
-ومَعْرِفَةُ الحقّ.
-وإخلاصُ العملِ للهِ.
-والعملُ على السُّنَّة.
-وأَكْلُ الحلال).
فَإِنْ فُقِدَتْ واحِدَةٌ لمْ يَرْتَفِع العَمَلُ؛ وذلكَ أَنَّكَ إذا عَرَفْتَ اللهَ عزَّ وجلَّ ولمْ تَعْرِف الحَقَّ لمْ تَنْتَفِعْ، وإذا عَرَفْتَ الحَقَّ ولمْ تَعْرِف اللهَ لمْ تَنْتَفِعْ، وإنْ عَرَفْتَ اللهَ وعَرَفْتَ الحقَّ ولمْ تُخْلِص العَمَلَ لمْ تَنْتَفِعْ، وإنْ عَرَفْتَ اللهَ وعَرَفْتَ الحقَّ وأَخْلَصْتَ العملَ ولمْ يكُنْ على السُّنَّةِ لمْ تَنْتَفِعْ، وإنْ تَمَّت الأَرْبَعُ ولمْ يكُن الأَكْلُ مِنْ حلالٍ لمْ تنْتَفِعْ.
_ وقالَ وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ: (لوْ قُمْتَ مَقَامَ هذهِ السَّارِيَةِ لمْ يَنْفَعْكَ شيءٌ حتَّى تَنْظُرَ ما يَدْخُلُ بَطْنَكَ حلالٌ أوْ حرامٌ).
_ وأمَّا الصَّدَقَةُ بالمالِ الحرامِ، فغيرُ مقبولَةٍ،كما في (صحيحِ مسلمٍ): عن ابنِ عمرَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةً بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلاَ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ)).
_وفي (الصَّحيحيْنِ): عنْ أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ، إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ)) وذكَرَ الحديثَ.
_ وفي (مُسْنَدِ) الإمامِ أحمدَ: عن ابنِ مسعودٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((لاَ يَكْتَسِبُ عَبْدٌ مَالاً مِنْ حَرَامٍ، فَيُنْفِقَ مِنْهُ، فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَلاَ يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُتَقَبَّلَ مِنْهُ، وَلاَ يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلاَّ كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللهَ لاَ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيثَ لاَ يَمْحُو الْخَبِيثَ)).
_ ويُرْوَى منْ حديثِ دَرَّاجٍ عن ابنِ حُجَيْرَةَ، عنْ أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((مَنْ كَسَبَ مَالاً حَرَامًا، فَتَصَدَّقَ بِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ، وَكَانَ إِصْرُهُ عَلَيْهِ)). خَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في (صحيحِهِ) وروَاهُ بعضُهم مَوْقُوفًا على أبي هريرةَ.
_ ومِنْ مَرَاسِيلِ القاسِمِ بنِ مُخَيْمِرَةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَصَابَ مَالاً مِنْ مَأْثَمٍ، فَوَصَلَ بِهِ رَحِمَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، جَمَعَ اللهُ ذَلِكَ جَمِيعًا ثُمَّ قَذَفَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)).
ورُوِيَ عنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ويَزِيدَ بنِ مَيْسَرَةَ، أنَّهُما جَعَلا مَثَلَ مَنْ أصابَ مالاً مِنْ غيرِ حِلِّهِ فتَصَدَّقَ بِهِ مِثْلَ مَنْ أَخَذَ مالَ يتيمٍ وكسَا بِهِ أَرْمَلَةً.
-وسُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ عمَّنْ كانَ على عَمَلٍ، فكانَ يَظْلِمُ ويَأْخُذُ الحرامَ، ثُمَّ تابَ، فهوَ يَحُجُّ ويَعْتِقُ ويَتَصَدَّقُ منهُ، فقالَ: (إِنَّ الخبِيثَ لا يُكَفِّرُ الخَبِيثَ) وكذا قالَ ابنُ مسعودٍ: (إنَّ الخبيثَ لا يُكَفِّرُ الخبِيثَ، ولكنَّ الطَّيِّبَ يُكَفِّرُ الخَبِيثَ).
-وقالَ الحَسَنُ: (أيُّها المُتَصَدِّقُ على المِسْكِينِ يَرْحَمُهُ، ارْحَمْ مَنْ قَدْ ظَلَمْتَ).
واعْلَمْ أنَّ الصَّدَقَةَ بالمالِ الحرامِ تَقَعُ على وَجْهَيْنِ:
أحدُهما:أنْ يَتَصَدَّقَ بهِ الخائِنُ أو الغاصِبُ ونَحْوُهما عنْ نفسِهِ، فهذا هوَ المرادُ منْ هذهِ الأحاديثِ أنَّهُ لا يُتَقَبَّلُ منهُ، بمعنى أنَّهُ لا يُؤْجَرُ عليهِ، بلْ يَأْثَمُ بتَصَرُّفِهِ في مالِ غيرِهِ بغيرِ إِذْنِهِ، ولا يَحْصُلُ للمالِكِ بذلكَ أَجْرٌ؛ لعدَمِ قَصْدِهِ ونِيَّتِهِ. كذا قالَهُ جماعةٌ مِن العلماءِ؛ مِنهم: ابنُ عَقِيلٍ مِنْ أصحابِنَا.
_ وفي كتابِ عبدِ الرَّزَّاقِ مِنْ روايَةِ زيدِ بنِ الأَخْنَسِ الخُزَاعِيِّ، أنَّهُ سأل سعيدَ بنَ المُسَيِّبِ قالَ: وجَدْتُ لُقَطَةً، أَفَأَتَصَدَّقُ بِهَا؟
قالَ: (لا تُؤْجَرُ أَنْتَ ولا صاحِبُها)
ولَعلَّ مُرَادَهُ إذا تَصَدَّقَ بها قَبْلَ تعريفِها الواجِبِ، ولوْ أخَذَ السُّلطانُ، أوْ بَعْضُ نُوَّابِهِ مِنْ بيتِ المالِ مَا لاَ يَسْتَحِقُّهُ، فتَصَدَّقَ مِنهُ أوْ أَعْتَقَ، أوْ بَنَى بهِ مَسْجِدًا أوْ غَيْرَهُ ممَّا يَنْتَفِعُ بهِ النَّاسُ، فَالْمَنْقُولُ عن ابنِ عمرَ أنَّهُ كالغاصِبِ إذا تَصَدَّقَ بما غَصَبَهُ.
كذلكَ: قالَ لعبدِ اللهِ بنِ عامِرٍ أَمِيرِ البَصرَةِ، وكانَ النَّاسُ قد اجْتَمَعُوا عندَهُ في حالِ مَوْتِهِ وهُمْ يُثْنُونَ عليهِ ببِرِّهِ وإحسانِهِ، وابنُ عمرَ ساكِتٌ، فطُلِبَ منهُ أنْ يَتَكَلَّمَ، فرَوَى لهُ حَدِيثَ: ((لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ)) ثمَّ قالَ لهُ: وكُنْتَ على البَصْرَةِ.
-وقالَ أَسَدُ بنُ مُوسَى في (كتابِ الوَرَعِ): حدَّثَنا الفُضَيْلُ بنُ عِياضٍ، عنْ منصورٍ، عنْ تَمِيمِ بنِ سَلَمَةَ قالَ: قالَ ابنُ عامِرٍ لعبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ: (أَرَأَيْتَ هذهِ الْعِقَابَ التي نُسَهِّلُهَا، والعُيُونَ التي نُفَجِّرُها، أَلَنَا فيها أَجْرٌ؟)
فقالَ ابنُ عُمَرَ: (أَمَا عَلِمْتَ أنَّ خَبِيثًا لا يُكَفِّرُ خِبِيثًا قَطُّ؟).
-حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بنُ زِيَادٍ، عنْ أَبِي مَلِيحٍ، عنْ مَيْمُونِ بنِ مِهْرَانَ قالَ: قالَ ابنُ عمرَ لابنِ عامِرٍ، وقدْ سَأَلَهُ عن العِتْقِ: (مَثَلُكَ مَثَلُ رَجُلٍ سَرَقَ إِبِلَ حَاجٍّ، ثُمَّ جَاهَدَ بها في سبيلِ اللهِ، فانْظُرْ هلْ يُقْبَلُ مِنهُ؟)
وقدْ كانَ طائِفَةٌ مِنْ أهلِ التَّشديدِ في الوَرَعِ كطاوُوسٍ ووُهَيْبِ بنِ الوَرْدِ يَتَوقَّوْنَ الانْتِفَاعَ بما أَحْدَثَهُ مِثْلُ هؤلاءِ المُلُوكِ.
وأمَّا الإمامُ أحمدُ رَحِمَهُ اللهُ، فإنَّهُ رَخَّصَ فيما فَعَلُوهُ مِن المنافِعِ العامَّةِ، كالمساجِدِ والقناطِرِ والمصانِعِ؛ فإنَّ هذهِ يُنْفَقُ عليها منْ مالِ الفَيْءِ، اللهُمَّ إلاَّ أنْ يُتَيَقَّنَ أنَّهُم فَعَلُوا شيئًا منْ ذلكَ بمالٍ حرامٍ؛ كَالْمُكُوسِ والغُصُوبِ ونحوِها، فحينَئذٍ يُتَوَقَّى الانتفاعُ بما عُمِلَ بالمالِ الحرامِ. ولعلَّ ابنَ عمرَ إنَّما أَنْكَرَ عليهم أخْذَهُم لأموالِ بيتِ المالِ لأنْفُسِهم، ودَعْوَاهُم أنَّ ما فَعَلُوهُ مِنها بعدَ ذلكَ فهوَ صَدَقَةٌ مِنهم؛ فإنَّ هذا شَبِيهٌ بالغُصُوبِ، وعلى مِثلِ هذا يُحْمَلُ إنكارُ مَنْ أنْكَرَ مِن العُلماءِ على الملوكِ بُنيانَ المساجِدِ.
_ قال أبو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ: (رَأَيْتُ بعضَ المُتَقَدِّمِينَ سُئِلَ عمَّنْ كسَبَ حلالاً وحَرَامًا من السَّلاطِينِ والأُمَرَاءِ، ثمَّ بَنَى الأَرْبِطَةَ والمساجِدَ: هلْ لَهُ ثوابٌ؟)
فأَفْتَى بما يُوجِبُ طِيبَ قَلْبِ المُنْفِقِ، وأنَّ لهُ في إيقافِ ما لا يَمْلِكُهُ نَوْعُ سَمْسَرَةٍ؛ لأنَّهُ لا يَعْرِفُ أعيانَ المَغْصُوبينَ، فيَرُدَّ عليهم.
قالَ: (فَقُلْتُ: وَاعَجَبًا مِنْ مُتَصَدِّرِينَ للفَتْوَى لا يَعْرِفونَ أُصُولَ الشَّريعَةِ، يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في حالِ هذا المُنْفِقِ أوَّلاً، فإنْ كانَ سُلْطانًا فمَا يُخْرِجُ مِنْ بيتِ المالِ قدْ عُرِفَتْ وُجُوهُ مَصَارِفِهِ، فكيفَ يَمْنَعُ مُسْتَحِقِّيهِ، ويَشْغَلُهُ بما لا يُفِيدُ مِنْ بناءِ مدرسةٍ أوْ رِبَاطٍ؟
وإنْ كانَ مِن الأُمراءِ ونُوَّابِ السَّلاطينِ، فيَجِبُ أنْ يُرَدَّ ما يَجِبُ رَدُّهُ إلى بيتِ المالِ، وإنْ كانَ حرامًا أوْ غَصْبًا، فكلُّ تَصَرُّفٍ فيهِ حرامٌ، والواجِبُ رَدُّهُ على مَنْ أُخِذَ مِنهُ أوْ وَرَثَتِهِ، فإنْ لمْ يُعْرَفْ رُدَّ إلى بيتِ المالِ يُصْرَفُ في المصالِحِ أوْ في الصَّدَقَةِ، ولمْ يَحْظَ آخِذُهُ بغيرِ الإِثْمِ) انْتَهَى.
وإنَّما كلامُهُ في السَّلاطِينِ الذينَ عَهْدُهُم في وَقْتِهِ الذينَ يَمْنَعُونَ المُسْتَحِقِّينَ مِن الفَيْءِ حُقُوقَهم، ويَتَصَرَّفُونَ فيهِ لأنفسِهِم تَصَرُّفَ المُلاَّكِ ببناءِ ما يَنْسِبُونَهُ إليهم مِنْ مَدَارِسَ وأَرْبِطَةٍ ونحوِها، مِمَّا قدْ لا يُحْتَاجُ إليهِ، ويَخُصُّ بِهِ قومًا دُونَ قَوْمٍ. فأمَّا لوْ فَرَضَ إمامٌ عادِلٌ يُعْطِي النَّاسَ حُقُوقَهم مِن الفَيْءِ، ثمَّ يَبْنِي لَهُم مِنهُ ما يَحْتَاجُونَ إليهِ منْ مَسْجِدٍ أوْ مَدْرَسَةٍ أوْ مَارِسْتَانَ ونَحْوِ ذلكَ، كانَ ذلكَ جائِزًا، ولوْ كانَ بَعْضُ مَنْ يَأْخُذُ المالَ لنفسِهِ مِنْ بيتِ المالِ بَنَى بما أَخَذَهُ بناءً مُحْتَاجًا إليهِ في حالٍ، يَجُوزُ البِناءُ فيهِ مِنْ بيتِ المالِ، لكنَّهُ نَسَبَهُ إلى نفسِهِ، فقدْ يَتَخَرَّجُ على الخِلافِ في الغاصِبِ إذا رَدَّ المالَ إلى المَغْصُوبِ منهُ على وَجْهِ الصَّدَقَةِ والْهِبَةِ، هلْ يَبْرَأُ بذلكَ أمْ لا؟

وهذا كُلُّهُ إِذا بُنِيَ على قَدْرِ الحاجَةِ منْ غيرِ سَرَفٍ ولا زَخْرَفَةٍ، وقدْ أَمَرَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ بتَرْمِيمِ مسجِدِ البَصْرَةِ مِنْ مالِ بيتِ المالِ، ونَهَاهُم أنْ يَتَجَاوَزُوا ما تَصَدَّعَ مِنهُ، وقالَ: (إنِّي لمْ أَجِدْ للبُنْيَانِ في مالِ اللهِ حقًّا) ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: (لا حاجَةَ للمُسْلِمِينَ فيما أَضَرَّ ببَيْتِ مالِهِم).
_ واعْلَمْ أنَّ مِن العلماءِ مَنْ جَعَلَ تَصَرُّفَ الغاصِبِ ونحوِهِ في مالِ غيرِهِ موقوفًا على إجازَةِ مالِكِهِ، فإنْ أجَازَ تَصَرُّفَهُ فيهِ جازَ.

وقدْ حَكَى بعضُ أصحابِنَا رِوَايَةً عنْ أحمدَ أنَّ مَنْ أخرَجَ زَكَاتَهُ مِنْ مالٍ مغصوبٍ، ثمَّ أَجَازَهُ لهُ المالِكُ، جازَ وسَقَطَتْ عنهُ الزَّكاةُ.
وكذلكَ: خَرَّجَ ابنُ أبي مُوسَى روايَةً عنْ أحمدَ أنَّهُ إذا أَعْتَقَ عَبْدَ غيرِهِ عنْ نفسِهِ مُلْتَزِمًا ضَمَانَهُ في مَالِهِ، ثمَّ أَجَازَهُ المالِكُ جازَ ونَفَذَ عِتْقُهُ، وهوَ خِلافُ نَصِّ أحمدَ.
وحُكِيَ عن الحنفِيَّةِ أنَّهُ لوْ غَصَبَ شاةً، فذَبَحَها لِمُتْعَتِهِ وقِرانِهِ، ثمَّ أجازَها المالِكُ أَجْزَأَتْ عنهُ.
الوجهُ الثَّاني مِنْ تَصَرُّفَاتِ الغاصِبِ في المالِ المَغْصُوبِ:
أنْ يَتَصَدَّقَ بهِ عنْ صاحِبِهِ إذا عَجَزَ عنْ رَدِّهِ إليهِ أوْ إلى وَرَثَتِهِ، فهذا جائِزٌ عندَ أكثرِ العلماءِ؛ مِنهم مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، وأَحمدُ وغيرُهم.
_ قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: (ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ والأَوْزَاعِيُّ واللَّيْثُ إلى أنَّ الغَالَّ إذا تَفَرَّقَ أهلُ العَسْكَرِ ولمْ يَصِلْ إليهم أنَّهُ يَدْفَعُ إلى الإمامِ خُمُسَهُ، ويَتَصَدَّقُ بالباقِي، رُوِيَ ذلكَ عنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، ومُعَاوِيَةَ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وهوَ يُشْبِهُ مَذْهَبَ ابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ؛ لأنَّهُما كانا يَرَيَانِ أنْ يُتَصَدَّقَ بالمالِ الذي لا يُعْرَفُ صاحِبُهُ.
قالَ: (وقَد أَجْمَعُوا في اللُّقَطَةِ على جَوَازِ الصَّدَقَةِ بها بعدَ التَّعريفِ وانْقِطَاعِ صاحِبِها، وجَعَلُوهُ إذا جاءَ مُخَيَّرًا بينَ الأَجْرِ والضَّمَانِ، وكذلكَ الغُصُوبُ) انتهَى.
_ ورُوِيَ عنْ مالِكِ بنِ دِينَارٍ قالَ: (سَأَلْتُ عَطَاءَ بنَ أبي رَبَاحٍ عمَّنْ عندَهُ مالٌ حرامٌ، ولا يَعْرِفُ أَرْبَابَهُ، ويُرِيدُ الخروجَ مِنهُ.
قالَ: (يَتَصَدَّقُ بِهِ ولا أَقُولُ: إنَّ ذلكَ يُجْزِئُ عنهُ).
قالَ مالِكٌ: (كانَ هذا القولُ مِنْ عَطَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ وَزْنِهِ ذَهَبًا).
-وقالَ سُفْيَانُ فيمَن اشْتَرَى مِنْ قَوْمٍ شيئًا مَغْصُوبًا: (يَرُدُّهُ إلَيْهِم، فإنْ لمْ يَقْدِرْ عليهم تَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ، ولا يَأْخُذُ رَأْسَ مالِهِ).
وكذا قالَ فيمَنْ باعَ شيئًا مِمَّنْ تُكْرَهُ مُعَامَلَتُهُ لشُبْهَةِ مالِهِ، قالَ: (يَتَصَدَّقُ بالثَّمَنِ). وخالَفَهُ ابنُ المُبَارَكِ وقالَ: (يَتَصَدَّقُ بالرِّبْحِ خاصَّةً).
وقالَ أحمدُ: (يَتَصَدَّقُ بالرِّبْحِ).
وكذا قالَ فِيمَنْ وَرِثَ مالاً مِنْ أَبِيهِ، وكانَ أَبُوهُ يَبِيعُ مِمَّنْ تُكْرَهُ مُعَامَلَتُهُ: (إنَّهُ يَتَصَدَّقُ منهُ بمقدارِ الرِّبْحِ، ويَأْخُذُ الباقِيَ).
-وقدْ رُوِيَ عنْ طائِفَةٍ مِن الصَّحابَةِ نحوُ ذلكَ، مِنهم: عمرُ بنُ الخطَّابِ، وعبدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ الأنصارِيُّ.
-والمشهورُ عن الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ في الأموالِ الحرامِ أنَّها تُحْفَظُ ولا يُتَصَدَّقُ بها، حتَّى يَظْهَرَ مُسْتَحِقُّها.
_ وكانَ الفُضَيْلُ بنُ عِياضٍ يَرَى أنَّ مَنْ عِنْدَهُ مالٌ حرامٌ لا يَعْرِفُ أَرْبابَهُ، أنَّهُ يُتْلِفُهُ ويُلْقِيهِ في البحرِ ولا يَتَصَدَّقُ بهِ، وقالَ: (لا يُتَقَرَّبُ إلى اللهِ إلاَّ بالطَّيِّبِ).
والصَّحيح الصَّدَقَةُ بِهِ؛ لأنَّ إتلافَ المالِ وإضاعَتَهُ مَنْهِيٌّ عنهُ، وإِرْصَادَهُ أبدًا تَعْرِيضٌ لهُ للإِتلافِ واستيلاءِ الظَّلَمَةِ عليهِ، والصَّدَقَةُ بهِ لَيْسَتْ عنْ مُكْتَسِبِهِ حتَّى يكونَ تَقَرُّبًا مِنهُ بالخَبِيثِ، وإنَّما هيَ صدَقَةٌ عنْ مالِكِهِ؛ ليكونَ نَفْعُهُ لهُ في الآخرةِ حيثُ يَتَعَذَّرُ عليهِ الانْتِفَاعُ بهِ في الدُّنْيا.
وقولُهُ: ((ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!)).
هذا الكلامُ أشارَ فيهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى آدابِ الدُّعاءِ، وإلى الأسبابِ التي تَقْتَضِي إجابَتَهُ، وإلى ما يَمْنَعُ مِنْ إجابَتِهِ، فذَكَرَ مِن الأسبابِ التي تَقْتَضِي إجابَةَ الدُّعاءِ أربعةً:
أحدُها: إطالةُ السَّفَرِ، والسَّفرُ بمُجَرَّدِهِ يَقْتَضِي إِجابةَ الدُّعاءِ، كما في حديثِ أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لاَ شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ)) خرَّجَهُ أبو داودَ وابنُ مَاجَهْ والتِّرْمِذِيُّ، وعندَهُ: ((دَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ)).
ورُوِيَ مثلُهُ عن ابنِ مسعودٍ مِنْ قولِهِ.
ومتى طالَ السَّفَرُ كانَ أَقْرَبَ إلى إجابَةِ الدُّعاءِ؛ لأنَّهُ مَظِنَّةُ حُصُولِ انْكِسَارِ النَّفْسِ بطُولِ الغُرْبَةِ عن الأوطانِ، وتَحَمُّلِ المشاقِّ، والانكسارُ مِنْ أعظمِ أسبابِ إجابةِ الدُّعاءِ.
والثَّاني: حُصُولُ التَّبَذُّلِ في اللِّباسِ والهيْئَةِ بالشَّعْثِ والاغْبِرَارِ.
وهوَ أيضًا من المُقْتَضِياتِ لإجابَةِ الدُّعاءِ، كما في الحديثِ المشهورِ عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ، مَدْفُوعٌ بِالأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأََبَرَّهُ)) ولمَّا خَرَجَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للاسْتِسْقَاءِ، خَرَجَ مُتَبَذِّلاً مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا.
وكانَ مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ قدْ حُبِسَ لهُ ابنُ أَخٍ، فلَبِسَ خُلْقَانَ ثيابِهِ، وأخَذَ عُكَّازًا بيدِهِ، فقيلَ لهُ: ما هذا؟
قال: أَسْتَكِينُ لِرَبِّي؛ لعلَّهُ أنْ يُشَفِّعَنِي في ابنِ أخِي.
الثَّالِثُ: مَدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، وهوَ مِنْ آدابِ الدُّعاءِ التي يُرْجَى بسبَبِهَا إجابَتُهُ.
وفي حديثِ سَلْمَانَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ))خَرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والتِّرْمِذيُّ وابنُ ماجَهْ، ورُوِيَ نحوُهُ مِنْ حديثِ أنَسٍ وجابِرٍ وغيرِهما.
-وكانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُ يدَيْهِ في الاسْتِسْقاءِ حتَّى يُرَى بياضُ إِبِطَيْهِ، ورَفَعَ يدَيْهِ يومَ بدرٍ يَسْتَنْصِرُ على المشركينَ حتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عنْ مَنْكِبَيْهِ.
- وقدْ رُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صفةِ رَفْعِ يَدَيْهِ في الدُّعاءِ أنواعٌ مُتَعَدِّدَةٌ؛ فمِنها: أنَّهُ كانَ يُشيرُ بأُصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ فقطْ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ كانَ يَفْعَلُ ذلكَ على المِنْبَرِ، وفعَلَهُ لَمَّا رَكِبَ راحِلَتَهُ.
-وذَهَبَ جماعةٌ مِن العلماءِ إلى أنَّ دُعاءَ القُنُوتِ في الصَّلاةِ يُشِيرُ فيهِ بأُصْبَعِهِ؛ مِنهم الأَوْزَاعِيُّ وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ وإسحاقُ بنُ رَاهُويَهْ. وقالَ ابنُ عبَّاسٍِ وغيرُهُ: (هذا هوَ الإخلاصُ في الدُّعاءِ).
_ وعن ابنِ سِيرِينَ: (إذا أَثْنَيْتَ على اللهِ فأَشِرْ بأُصْبَعٍ واحِدَةٍ).
-ومِنها: أنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفَعَ يَدَيْهِ وجَعَلَ ظُهورَهما إلى جِهَةِ القِبْلَةِ وهوَ مُسْتَقْبِلُها، وجَعَلَ بُطُونَهما مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ. وقدْ رُوِيَتْ هذهِ الصِّفَةُ عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دُعاءِ الاسْتِسْقَاءِ، واسْتَحَبَّ بعضُهم الرَّفعَ في الاسْتِسْقَاءِ على هذهِ الصِّفَةِ؛ مِنهم الجُوزَجَانِيُّ.
وقالَ بعضُ السَّلَفِ: (الرَّفْعُ على هذا الوجهِ تَضَرُّعٌ).
- ومِنها: عَكْسُ ذلكَ، وقدْ رُوِيَ عَن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الاسْتِسْقَاءِ أيضًا، ورُوِيَ عنْ جماعةٍ مِن السَّلَفِ أنَّهُم كانوا يَدْعُونَ كذلكَ، وقالَ بعضُهم: (الرَّفعُ على هذا الوجهِ اسْتِجَارَةٌ باللهِ عزَّ وجلَّ، واسْتِعَاذَةٌ بهِ؛ مِنهم: ابنُ عمرَ، وابنُ عبَّاسٍ، وأبو هريرةَ) ورُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ كانَ إذا اسْتَعَاذَ رَفَعَ يَدَيْهِ على هذا الوَجْهِ.
- ومِنها: رَفْعُ يَدَيْهِ، جَعْلُ كَفَّيْهِ إلى السَّماءِ وظُهُورِهِمَا إلى الأرضِ، وقدْ وَرَدَ الأمرُ بذلكَ في سُؤالِ اللهِ عزَّ وجلَّ في غيرِ حديثٍ، وعن ابنِ عمرَ وأبي هريرةَ وابنِ سِيرِينَ، أنَّ هذا هوَ الدُّعاءُ والسُّؤالُ للهِ عزَّ وجلَّ.
- ومِنها: عكسُ ذلكَ، وهوَ قَلْبُ كَفَّيْهِ وجَعْلُ ظُهُورِهِمَا إلى السَّماءِ وبُطُونِهِمَا ممَّا يَلِي الأرضَ.
وفي (صحيحِ مسلمٍ): عنْ أنَسٍ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلى السَّماءِ، وخرَّجه الإمامُ أحمدُ رَحِمَهُ اللهُ، ولَفْظُهُ: فَبَسَطَ يَدَيْهِ، وَجَعَلَ ظَاهِرَهُمَا مِمَّا يَلِي السَّمَاءَ) وخرَّجَهُ أبو داودَ، ولفظُهُ: اسْتَسْقَى هَكَذا، يَعْنِي: مَدَّ يَدَيْهِ، وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي الأَرْضَ.
- وخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ يَدْعُو هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ ثُنْدُوَتِهِ، وَجَعَلَ بُطُونَ كَفَّيْهِ مِمَّا يَلِي الأَرْضَ، وهكذَا وَصَفَ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ رَفْعَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ بعَرَفَةَ) ورُوِيَ عن ابنِ سِيرِينَ أنَّ هذا هوَ الاسْتِجَارَةُ، وقالَ الحُمَيْدِيُّ: (هذا هوَ الابْتِهَالُ).
والرَّابِعُ:الإِلحاحُ على اللهِ بتَكْريرِ ذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ.
وهوَ مِنْ أعْظَمِ ما يُطْلَبُ بِهِ إجابَةُ الدُّعاءِ. وخرَّجَ البَزَّارُ مِنْ حديثِ عائِشَةَ مرفوعًا: ((إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: يَا رَبِّ، أَرْبَعًا، قَالَ اللهُ: لَبَّيْكَ عَبْدِي، سَلْ تُعْطَهُ)).
-وخرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ وغيرُهُ مِنْ حديثِ سَعْدِ بنِ خَارِجَةَ، أَنَّ قَوْمًا شَكَوْا إِلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُحُوطَ المَطَرِ، فَقَالَ: ((اجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ وَقُولُوا: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ)) وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ إلى السَّماءِ، فَسُقُوا حَتَّى أَحَبُّوا أَنْ يُكْشَفَ عَنْهُم.
_ وفي (المُسْنَدِ) وغيرِهِ: عن الفَضْلِ بنِ عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:((الصَّلاَةُ مَثْنَى مَثْنَى، وَتَشَهُّدٌ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَتَضَرُّعٌ وَتَخَشُّعٌ وَتَمَسْكُنٌ، وَتُقْنِعُ يَدَيْكَ -يَقُولُ: تَرْفَعُهُمَا إِلَى رَبِّكَ مُسْتَقْبِلاً بِهِمَا وَجْهَكَ- وَتَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ. فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهِيَ خِدَاجٌ)).
_ وقالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، عنْ أَنَسٍ: (مَا مِنْ عَبْدٍ يقولُ: يا رَبِّ، يا ربِّ، يا ربِّ، إلاَّ قالَ لَهُ ربُّهُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ).
_ورُوِيَ عنْ أبِي الدَّرْدَاءِ وابنِ عبَّاسٍ أنَّهُما كانا يقولانِ: (اسمُ اللهِ الأكبرُ: رَبِّ رَبِّ).
_ وعنْ عَطَاءٍ قالَ: ما قالَ عبدٌ: (يا ربِّ يا ربِّ، ثلاثَ مَرَّاتٍ، إلاَّ نَظَرَ اللهُ إليِهِ). فذُكِرَ ذلكَ للحَسَنِ فقالَ: أَمَا تَقْرَؤنَ القرآنَ؟!
ثمَّ تَلا قولَهُ تعالَى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ}[آل عِمْرَانَ: 191- 195].
ومَنْ تأمَّلَ الأدعِيَةَ المذكورةَ في القرآنِ وَجَدَها غالِبًا تُفْتَتَحُ باسمِ الرَّبِّ، كقولِهِ تعالَى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}[البقرة: 201].
{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}[البقرة: 286].
وقولِهِ: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}[آل عِمْرَانَ: 8]. ومثلُ هذا في القرآنِ كثيرٌ.
- وسُئِلَ مالِكٌ وسُفْيَانُ عمَّنْ يقولُ في الدُّعاءِ: يا سَيِّدِي، فَقَالاَ: يقولُ: (رَبِّ). زَادَ مالِكٌ: (كما قالَت الأنبياءُ في دعائِهِم).
-وأمَّا ما يَمْنَعُ إجابَةَ الدُّعاءِ، فقدْ أشارَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أنَّهُ التَّوسُّعُ في الحرامِ أَكْلاً وشُرْبًا ولُبْسًا وتَغْذِيَةً.
وقدْ سَبَقَ حديثُ ابنِ عبَّاسٍ في هذا المعنَى أيضًا، وأنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ لسَعْدٍ: ((أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ)) فأَكْلُ الحلالِ وشُرْبُهُ ولُبْسُهُ والتَّغَذِّي بهِ سَبَبٌ مُوجِبٌ لإجابةِ الدُّعاءِ.
_ ورَوَى عِكْرِمَةُ بنُ عَمَّارٍ: حدَّثَنَا الأَصْفَرُ قالَ: قِيلَ لسَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ: تُسْتَجَابُ دَعْوَتُكَ مِنْ بينِ أصحابِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فقالَ: (ما رَفَعْتُ إلى فَمِي لُقْمَةً إلاَّ وأنا عالِمٌ مِنْ أينَ مَجِيئُها، ومِنْ أينَ خَرَجَتْ).
-وعنْ وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ قالَ: (مَنْ سَرَّهُ أنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ دعوتَهُ فلْيُطِبْ طُعْمَتَهُ).
- وعنْ سَهْلِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: (مَنْ أَكَلَ الحلالَ أربعينَ صَبَاحًا أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ).
_ وعنْ يُوسُفَ بنِ أسْبَاطٍ قالَ: (بَلَغَنَا أنَّ دعاءَ العبدِ يُحْبَسُ عن السَّماواتِ بسُوءِ المَطْعَمِ).
وقولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!)) معناهُ: كيفَ يُسْتَجَابُ لهُ؟! فهوَ اسْتِفهامٌ وَقَعَ على وَجْهِ التَّعَجُّبِ والاسْتِبْعَادِ، وليسَ صريحًا في استحالَةِ الاسْتِجابةِ ومَنْعِها بالكُلِّيَّةِ؛ فَيُؤْخَذُ مِنْ هذا أنَّ التَّوسُّعَ في الحرامِ والتَّغذِّي بهِ مِنْ جُمْلَةِ موانِعِ الإِجابةِ، وقدْ يُوجدُ ما يَمْنَعُ هذا المانِعَ مِنْ مَنْعِهِ، وقدْ يكونُ ارْتِكَابُ المُحَرَّماتِ الفعليَّةِ مانِعًا مِن الإِجابَةِ أيضًا، وكذلكَ تَرْكُ الواجباتِ، كما في الحديثِ أنَّ تَرْكَ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكرِ يَمْنَعُ استجابةَ دعاءِ الأخيارِ، وفِعْلَ الطَّاعاتِ يكونُ مُوجِبًا لاستجابَةِ الدُّعاءِ.
ولهذا لَمَّا تَوَسَّلَ الذينَ دَخَلُوا الغارَ وانْطَبَقَتْ عليهم الصَّخْرَةُ بأعمالِهِم الصَّالِحَةِ التي أَخْلَصُوا فيها للهِ تعالَى ودَعَوا اللهَ بها، أُجِيبَتْ دَعْوَتُهم.
_ وقالَ وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: (مَثَلُ الذي يَدْعُو بغيرِ عَمَلٍ كَمَثَلِ الذي يَرْمِي بغَيْرِ وَتَرٍ).
وعنهُ قالَ: (العملُ الصَّالِحُ يُبَلِّغُ الدُّعاء) ثمَّ تلا قولَهُ تعالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}[فاطِر: 10].
-وعنْ عُمَرَ قالَ: (بالوَرَعِ عمَّا حرَّمَ اللهُ يَقْبَلُ اللهُ الدُّعاءَ والتَّسبيحَ).
- وعنْ أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: (يَكْفِي معَ البِرِّ مِن الدُّعاءِ مِثْلُ ما يَكْفِي الطَّعامَ مِن المِلْحِ).
- وقالَ مُحَمَّدُ بنُ وَاسِعٍ: (يَكْفِي مِن الدُّعاءِ معَ الوَرَعِ اليسيرُ).
- وقيلَ لسُفْيانَ: لوْ دَعَوْتَ اللهَ؟
قالَ: (إنَّ تَرْكَ الذُّنوبِ هوَ الدُّعاءُ).
_ وقالَ لَيْثٌ: (رَأَى موسى عليهِ السلامُ رَجُلاً رافِعًا يَدَيْهِ وهوَ يسألُ اللهَ مُجْتَهِدًا، فقالَ موسَى: أَيْ رَبِّ عَبْدُكَ دعاكَ حتَّى رَحِمْتُهُ، وأَنْتَ أرحمُ الراحِمِينَ، فما صَنَعْتَ في حَاجَتِهِ؟
فقالَ: يا مُوسَى، لوْ رَفَعَ يدَيْهِ حتَّى يَنقَطِعَ ما نَظَرْتُ في حاجتِهِ حتَّى يَنْظُرَ في حَقِّي).
_ وخرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ بإسنادٍ ضعِيفٍ عن ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا معناهُ.
_ وقالَ مالِكُ بنُ دِينَارٍ: (أصابَ بَنِي إسرائيلَ بلاءٌ، فخَرَجوا مَخْرَجًا، فأَوْحَى اللهُ تعالى إلى نَبِيِّهِ أنْ أَخْبِرْهُم أنَّكُم تَخْرُجونَ إلى الصَّعِيدِ بأَبْدَانٍ نَجِسَةٍ، وتَرْفَعونَ إِلَيَّ أَكُفًّا قدْ سَفَكْتُم بها الدِّماءَ وَمَلأَْتُم بها بُيوتَكم مِن الحرامِ، الآنَ اشْتَدَّ غَضَبِي علَيْكُم، ولنْ تَزْدَادُوا مِنِّي إلاَّ بُعْدًا).
_ وقالَ بعْضُ السَّلَفِ: (لا تَسْتَبْطِئ الإِجابَةَ وقدْ سَدَدْتَ طُرُقَها بالمعاصِي).
وأَخَذ هذا المعنَى بعضُ الشُّعَرَاءِ فقالَ:

نـَحـْنُ نــَدْعـُو الإِلَهَ في كُلِّ كَرْبٍ = ثُمَّ نَنَسَاهُ عِندَ كَشْفِ الكُرُوبِ
كــَيـْفَ نـَرْجـُو إِجــَابـَةً لـِدُعَاءٍ = قـَدْ سـَدَدْنـَا طَرِيقـَهَا بالذُّنُوبِ

نورة آل رشيد
11-01-2008, 11:25 PM
http://www.afaqattaiseer.com/vb/uploaded/115_1240090675.rm

القارئ:
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله تعالى طيب لا يقبلُ إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب له!) رواه مسلم.
الشيخ:
هذا الحديث أيضاً من الأحاديث التي قيل فيها أنها أصل من أصول الدين، يعني: أن كثيراً من الأحكام تدور عليها، وهذا الحديث فيه:
- الأمر بالأكل من الطيب.
- وأنه سِمةُ المرسلين.
- وسمةُ المؤمنين بالمرسلين.
وأثر ذلك الأكل الطيب من الحلال على عبادة المرء، وعلى دعاؤه، وعلى قبول الله جلّ وعلا لعمله.
فقال رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: ((إنَّ الله طيبٌ لايقبل إلاطيباً)) وقوله: (إن الله طيب) يعني: أنّه جلّ وعلا منزه عن النقائص والعيوب، وأنهُ جلّ وعلا له أنواع الكمالات في القول، والفعل، فكلامُه جلّ وعلا أطيبُ الكلام، وأفعاله جلّ وعلا كلها أفعال خيرٍ وحكمة، والشرُّ ليس إلى الله جلّ وعلا؛ فالله سبحانه طيِّبٌ بما يرجع:
- إلى ذاته.
- وإلى أسمائه.
- وإلى صفاته جلّ وعلا.
ومن أوجه كونه طيباً:
- أنه جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده دونما سواه.
- وهو المستحق لأن يُسلِم المرء وجهه وقلبه إليه سبحانه دونما سواه.
ولكونه جلّ وعلا طيباً لا يقبلُ إلا الطيب فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)).
ومعنى قوله (لا يقبل) يعني: لا يرضى ولا يحب إلا الطيب.
- وأيضاً يعني: لا يثيب ولا يأجُرُ إلا على الطيب، فإن كلمة (لا يقبل)هذه في نظائرها مما جاء في السنة:
- قد تتوجهُ إلى إبطال العمل.
- وقد تتوجه إلى إبطال الثواب.
- وقد تتوجه إلى إبطال الرِّضا بالعمل.
وهو مستلزِمٌ في الغالب لإبطال الثواب والأجر، يعني أنَّ العمل قد يقع مُجزئاً، ولا يكون مقبولاً كما جاء في حديث:
((لا يقبلُ الله صلاة عبدٍ إذا أبق حتى يرجع)) و((من أتى كاهنا أو عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)) وأشباه ذلك.
فتقرّر أنّ كلمة (لا يقبل)هذه تتجهُ إلى نفي أصل العمل، يعني: إلى إبطاله كما في قوله: ((لا يقبلُ الله صلاة حائض إلا بخمار))((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)). هذا فيه إبطال العمل إلا بهذا الشرط.
- وقد تتجه إلى إبطال الرِّضى به.
- أو الثواب عليه.
فهذه ثلاثة أقسام فهنا ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) تحتمل بحسب العمل:
- أن يكون المنفي: الإجزاء.
- أو أن يكون المنفي: الأجر والثواب.
- أو أن يكون المنفي: الرِّضى به والمحبة.
لهذا العبد حين عمل هذا العمل.
فقال: ((لا يقبل إلا طيباً)) يعني الذي يوصف:
- بأنه مجزئ.
- وأنه مرضي عنه عند الله جلّ وعلا.
- وأنه يثاب عليه العبد، هو الطّيب.
وأما غير الطيب فليس كذلك، فقد يكون:
- غير مرضي.
- أو غير مثاب عليه.
- وقد يكون غير مجزئ أصلاً بحسب تفاصيل ذلك في الفروع الفقهية.
إذا تقرَّر هذا فقوله عليه الصلاة والسلام هنا:
(لا يقبل إلا طيباً) هذا فيه أنَّ الله جل وعلا إنما يقبل الطيب على الحصر، والطيب جاءت النصوص ببيان أنَّ الطيب يرجع:
- إلى الأقوال.
- وإلى الأعمال.
- وإلى الاعتقادات.
فحصل أن الله جل وعلا من آثار أنه طيب، أنه لا يقبل من الأقوال إلا الطيب، ولا يقبل من الأعمال إلا الطيب، ولا يقبل من الاعتقادات إلا الطيب، ما هو القول الطيب، والعمل الطيب، والاعتقاد الطيب؟
فسرنا الطيب أولاً بأنه: المبرأ من النقائص والعيوب،فكذلك القول، والعمل، والاعتقاد، هو: المبرَّأ من النقص والعيب، يعني: الذي صار بريئاً من خلاف الشريعة.
فالطيب هو: الذي ووفق فيه الشرع.
فالقول الطيب: هوالذي كان على منهاج الشريعة.
والعمل الطيب: هو الذي كان على منهاج المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.
والاعتقاد الطيب: ما كان عليه الدليل من الكتاب ومن السنة.
فهذا هو الطيب من الأقوال، والأعمال، والاعتقادات، وإذا صار قول المرء طيباً فإنه لا يكون خبيثاً، والخبيث لا يستوي والطيب كما في آية المائدة: {قل لا يستوي الخبيثُ والطيب ولو أعجبك كثرةُ الخبيث} وكذلك في الأعمال، والاعتقادات.
ونتج من ذلك أن العبد إذا تحقق بالطيب في قوله، وعمله، واعتقاده، صار طيبّاً في ذاته.
والطيب له دار الطيبين، كما قال جلّ وعلا: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} ومن صار عنده خبث في بدنه، وروحه، نتيجة:
- لخبث قولٍ.
- أو خبث عمل.
- أو خُبْث اعتقاد، ولم يغفر الله جلّ وعلا له؛ فإنه يُطهر بالنار حتى يدخل الجنة طيباً؛ لأن الجنة طيبة لا يصلح لها؛ إلا الطيب، وهذا في الحقيقة فيه تحذيرٌ شديد، ووعيد، وتخويف من كلِّ قولٍ، أو عملٍ، أو اعتقادٍ خبيث، يعني: لم يكن على وفق الشريعة.
فالطيب هو: المبرأ من النقص، ومن أعظم ما يُنقص العمل:
- أن يتوجه به إلى غير الله جل وَعلا. وأن تقصد به الدنيا.
فتحَصّل هنا أنّ قوله: ((إن الله تعالى طيب لا يقبلُ إلا طيباً)) يعني لا يقبل من العمل، والقول، والاعتقاد؛ إلا ما كان على وفق الشريعة، وأريدَ به وجهُهُ جلّ وَعلا، هذا حاصل تعريف الطيب، لأنّ العلماء نظروا في كلمة طيب في وصف الله جلّ وَعلا، وفيما يقابلها، وتنوعت أقوالهم، والذي يحقِّق المقام هو ما ذكرته لك.
قال عليه الصلاة والسلام: ((وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين)) المُرْسلون أُمِروا وأتباع المرسلين -الذين هم المؤمنون- أُمِروا أيضاً بما أُمِرَ به المرْسلون، فقال جلّ وَعلا في قوله: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً} في آية المؤمنون.
وقال جلّ وَعلا في أمره للمؤمنين في آية البقرة:{يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} فأمر المؤمنين بأن يأكلوا من الطيبات، وأمر المرسلين بأن يأكلوا من الطيبات، وأمر الجميع بأن يعملوا صالحاً، وهذا يدل على أثر أكل الطيبات في العمل الصالح؛ لأنَّ الاقتران في قوله: {يا آيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً} يدل على أنَّ بينهما صلة، والصلة بين الأكل الطيب، والعمل الصالح هي: تأْثير الأكل الطيب في العمل الصالح، ولهذا قال كثير من أهل العلم: (إنَّ العمل لا يكون صالحاً حتى يكون من مالٍ طيِّب).
فالصلاة لا تكون صلاة صالحة مقبولة، حتى:
- يكون فيها الطيب من الأقوال.
- ويكون لباس المرء طيباً.
- ويكون تخلص من الخبيث من النجاسات وغيرها إلى آخر ذلك.

والزكاة لا تكون مقبولة حتى:
- تكون طيبة بأن تكون عن نفسٍ طيبة.
- وأن لا يراد بها رياء ولا سمعة إلى آخر ذلك.
والحج كذلك، فمن حجَّ من مال حرام، لم يقبل حَجُّه؛ لأنّ الله جل وعلا لا يقبل إلا الطيب.


ثم ذكر عليه الصلاة والسلام مثالاً من أمثلة تأثير الأكل الطيب في بعض الأعمال الصالحة، وأثر أكل الحرام في بعض الأعمال الصالحة؛ فقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: (ثم ذكر)يعني النبي -عليه السلام والسلام-((الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا ربِّ، يا ربِّ، أو يا ربُّ، يا ربُّ، ومطعمه حرام، ومأكله حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام؛ فأنى يستجاب لذلك!)) قال: ((ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء)) ذكر هذه الصفات؛ لأنَّ هذه الصفات مظنّةُ الإجابة، فالسفر من أسباب إجابة الدعاء، قد جاء في الحديث الحسن، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ثلاثةٌ يستجابُ لهم))وذكر منهم: (المسافر) فالسفر من أسباب الإجابة.
وهذا قد تعرّض لسببٍ من أسباب الإجابة وهو السفر ووصفه بقوله: ((يطيل السفر)) وإطالة السفر تعطي كثيراً من الاغتراب، وفيه انكسار النفس، وحاجة النفس إلى الله جل وعلا، إذا كان السفر للحاجة0
فقال: ((يطيل السفر)) يعني: من حاجته يحتاج إلى السفر في معيشته، يحتاج إلى السفر في أموره، وإلا فإنِّ المرء لا يختار إطالة السفر إلا لحاجة.
قال: ((أشعث أغبر)) وهاتان الصفتان تدلان على ذلَّتهِ وعلى استكانته، وهذه يُحبها الله جلّ وَعلا، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لَبس شيئاً خَلِقاً، ولم يتزين، وإنما صار أشعث، ثم توجّه في خلْوةٍ، ودعا الله جلّ وَعلا، وقال: (إنه أقربُ للإجابة) لما في هذه الصفة من انتفاء الكبر، وقُرب التذلل، والاستكانة، وهذه يكون معها الاضطرار، والرَّغب، وعدم الاستغناء، فذكر عليه الصلاة والسلام هذه الصفة فقال: ((أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء)) وهذه صفة أيضاً ثالثة؛ لإنه يمد يديه إلى السماء في رَغَب أن يكون أتى بما يُجابُ معه دعائه، ورفع اليدين في الدعاء سنة كما سيأتي بيان بعض ذلك.
يقول: ((مد يديه الى السماء يا رب، يا رب)) وذكره هنا يا رب مُكرَّرة، ويجوز أن تقول ياربِ على حذْفِ الياء، أو ياربُ على القطع في تكريرها، ذكر لصفة الربوبية.
ومعلوم أنّ إجابة الدعاء من آثار ربوبيَّةِ الله جلّ وَعلا على خلقه، ولهذا لم تكن إجابة الدعاء للمؤمن دون الكافر، بل قد يُجاب للكافر، ويجاب للمارد، قد أُجيب لإبليس، وذلك لأن إجابة الدعاء من آثار الرُّبوبّية، كرزق الله جلّ وَعلا لعباده، وكإعطائه لهم، وكإصحاحه إياهم، وإمدادهم بالمطر، وأشباهُ ذلك مما يحتاجون إليه.
لذلك فقد يدعو النصراني ويستجاب له، وقد يدعو المشرك ويستجاب له، إلى آخر ذلك، وتكون هنا الاستجابة لا لأنه متأهِّلٌ لها، ولكن لأنه قام بقلبه الاضطرار، والاحتياج لِربِّه جلّ وَعلا، والرُّبوبية عامَّةٌ للمؤمن وللكافر.
ذكر هنا: ((يا رب يا رب)) وهذا من آداب الدعاء العامّة كما سيأتي، وذِكرُ هذا بلفظ الربوبية أيضاً من أسباب إجابة الدعاء.
قال في وصف حاله مع أنّه تعرض لهذه الأنواع ممَّا يُجابُ معه الدعاء، قال في وصف حاله: ((ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي)) بالتخفيف، وغلط من يقولها بالتشديد: (غذِّي) بل هي (غُذِيَ) من الغِذاء- ((غذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك!)) يعني فبعيد، ويتعجّبُ أن يستجاب لذلك وهو على هذه الحال.
- فمن كان ذا مطعم حرام.
- وذا مشرب حرام.
- وذا ملبس حرام.
- وغُذِي بالحرام.
فهذا يُستبعد أن يُستجاب له، وقد جاء في (معجم الطبراني)بإسناد ضعيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له سعد بن أبي وقاص: (يا رسول الله ادعو الله لي أن أكون مُجاب الدّعوة. فقال يا سعد:((أَطِب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)) وهذا في معنى هذا الحديث، فإن إطابة المطعم من أسباب الإجابة، فهذا تعرض لأنواعٍ كثيرة من أسباب الإجابة، ولكنه لم يأكل طيباً، بل أكل حراماً فمُنع الإجابة، واستُغرب أنْ يجابَ إياه، وقد جاء أيضاً في بعض الآثار الإلهية: ((أن موسى -عليه السلام- طلب من ربه أن يجيب لقومه دعاءهم.
فقال: يا موسى إنهم يرفعون أيديهم، وقد سفكوا بها الدم الحرام، وأكلوا بها الحرام، واستعملوها في حرام فكيف يُجابون)) وهذا لا شك أنه مما يُخيف المؤمن؛ لأن حاجته للدعاء أعظم حاجة، فدلّ هذا على أنّ إطابة المطعم، من أعظم أسباب إجابة الدعاء، وأنَّه إذا تخلَّف هذا السبب ولوْ وُجِدَت الأسباب الأُخر؛ فإنها لا تُجاب الدعوة، غالباً لقوله:((فأنّى يستجاب لذلك)).
هذا الحديث دلّنا في آخره على آداب من آداب الدعاء:
فذكر منها: السفر يعني: من أسباب إجابة الدعاء، فالسفرُ يتحرى فيه الدعاء.
- والإتيان للدعاء بتذلل واستكانة في الظاهر والباطن، هذا -أيضاً-من أسباب إجابة الدعاء.
- ومدُّ ورفع اليدين إلى السماء في الدعاء، هذا أيضاً من أسباب إجابة الدعاء.
ورفع اليدين إلى السماء له ثلاث صفات في ثلاث أحوال دلّت عليها السنة:

أمَّا الأول: فهو بالنسبة للخطيب القائم؛ فإنه إذا دعا يُشير بإصبعه السَّبابة وهذا دليل دعائه، وتوحيده، ولا يشرعُ له أن يرفع يديه إذا خطب قائماً على المنبر، أو على غيره؛ إلا إذا استسقى؛ فإنه يرفع يديه، ويرفع الناس معه أيديهم كما جاء في حديث أنسٍ وغيره في(البخاري والنسائي) وغيرهما، هذه الحالة الأولى: رفع اليدين بالاكتفاء برفع الإصبع.
والثاني: أن يرفع يديه إلى السماء رفعاً شديداً بحيث يُرى بياضُ الإبطين، وهذا إنما يكون في الاستسقاء، وفي الأمر الذي يُصيب المرءَ معه كرب شديد، بما فيه استجارة عظيمة، وكرب شديد؛ فهذا يرفع يديه إلى السماء بشدَّة، وهذه لها صفتان:
إمّا أن تكون اليدان بطنهما إلى السماء.
وإمّا أن تكون اليدان ظهرهما إلى السماء، ورد هذا عن النبي -عليه الصلاة والسلام- وورد هذا، وتفاصيل هذا تحتاج إلى وقت.
الثالث: أن يرفع يديه مبسوطة الكفين إلى الصَّدر، يعني إلى موازاة ثدْيي الرجل والمرأة، وهذا هو أغلبُ دعاء النبي -عليه الصلاة والسلام- بل كان دعاؤه في عرفة هكذا، يرفع يديه إلى الثدْيين ويمدُّهما كهيئة المُستطْعم لا يجعلهما إلى الوجه، ولا بعيدة عنه، بحيث ما تكون إلى الثديين بل يبسطهما كهيئة المستطعم المسكين، يعني كهيئة المسكين الذي يريد أن يُعطى شيئاً في يديه.
وقد ثبت في (السُّنن) من حديث سلمان الفارسي -رضي الله عنه- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنّ الله حيي كريم يستحيي من عبده أن يمد إليه يديه يطلبُ فيهما خيراً فيردهما صفراً خائبتين)) وهذا من أعظم الآداب.
فإذاً نخلص من ذلك إلى أن آداب الدعاء كثيرة، وهذا مَثَل قاله - عليه الصلاة والسلام - في أثر الحلال الطيب في العبادة؛ ذَكَر الدعاء، كذلك له أثر في الصلاة، له أثر في العبادات في الذكر إلى آخره فالله جل وعلا لا يقبل إلا طيباً.
فمن أكل حراماً فيتحرك بجسده في حرام؛ فقد تجزِئه صلاته لكن لا يكون بتحركه في بدنه بحرامٍ مرضياً عند الله جل وعلا، ولو كانت صلاته خاشعة؛ بل أعظم ما يُبَر به البدن، أن يكون البدن طيباً بالأكل، فلا يأكل إلا ما يعلم أنه طيب؛ فهذا له أثر في رضا الله جل وعلا عن العبد وقبوله لصلاته، وصيامه، وقبوله لأعماله كلها.
قوله في آخره: ((فأنى يستجاب لذلك)) يعني عجيب، وبعيد أن يستجاب له، وقد يستجاب له لعارض آخر؛ صادفه اضطرار وشدة إلحاح، وحاجة ماسَّة؛ فهذه يُعطى معها حتى الكافر؛ {فإذا ركبوا في الفلك دَعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم الى البر إذا هم يُشركون} فالمشرك قد يستجاب له، والمؤمن العاصي الذي يأكل الحرام قد يستجاب له، لكن في حالات قليلة، وذلك إذا كان معها حالة الاضطرار، أو شَفَع له غيره، وكان مع مُجاب الدعوة فأمَّن عليه، أو ما شابه ذلك من الاستثناءات التي ذكرها أهل العلم.

نورة آل رشيد
11-01-2008, 11:30 PM
حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا..)
تخريج الحديث
منـزلة الحديث
موضوع الحديث
المعنى الإجمالي للحديث
شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى طيب)
معنى (الطيب)
شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل إلا طيباً)
بيان معنى (القبول)
معاني (القبول) في الكتاب والسنة:
المعنى الأول: الرِّضا بالعَمَلِ، ومَدْحُ فاعِلِهِ
المعنى الثاني: الإثابة على العمل
المعنى الثالث: الإجزاء، وهو سُقُوطُ المطالبة بهِ مِن الذِّمَّةِ
المقصود بنفي القبول في الحديث
شروط قبول الأعمال
علامات قبول العمل
قبول العمل وزكاته بالكسب الحلال
الكسب الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله
الصدقة من المال الحرام مردودة غير مقبولة
أدلة عدم قبول الصدقة من المال الحرام
تنبيه: الصدقة من المال الحرام تقع على وجهين
الوجه الأول: أن يتصدق به عن نفسه
الوجه الثاني: أن يتصدق به عن صاحبه الذي عجز عن رده إليه
مسألة: هل يجزئ الحج بمال حرام؟
المراد من قوله:(إن الله أمر المؤمنين...)
المراد بالطيبات
الصلة بين الكسب الطيب والعمل الصالح
ذكر بعض ثمرات الكسب الحلال
ذكر بعض مفاسد الكسب الحرام
مثال لأثر الكسب الحرام في رد بعض الأعمال
الحلال أوسع من الحرام
شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (يرفع يديه إلى السماء...)
صفات رفع اليدين بالدعاء:
الصفة الأولى: الإشارة بالسبابة
وردت هذه الصفة في الدعاء أثناء الخطبة
الصفة الثانية: رفع اليدين إلى السماء رفعاً شديداً حتى يُرى بياضُ الإبطين
وردت هذه الصفة في الاستسقاء
الصفة الثالثة: رفع اليدين مبسوطة الكفين إلى الصَّدر
أغلبُ دعاء النبي عليه الصلاة والسلام على هذه الصفة
شرح قوله صلى اله عليه وسلم: (ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام)
ضبط قوله:(وغذي) بالتخفيف وغلط من قال بالتشديد
شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (فأنى يستجاب لذلك)
أسباب إجابة الدعاء:
السبب الأول: الكسب الطيب
السبب الثاني: الإلحاح في الدعاء والعزم في المسألة
السبب الثالث: الأعمال الصالحة
السبب الرابع: إطالة السفر
السبب الخامس: التبذل
السبب السادس: رفع اليدين
من موانع إجابة الدعاء:
1- غَفْلَةُ القَلْب
2- كَثْرَةُ المَعَاصِي
3- التفريط في الأعمال الصالحة
4- الدُّعَاءُ بإِثْمٍ أو قَطِيعَةِ رَحِمٍ
5- الاسْتِعْجَالُ فِي الدعاء
6- الاعْتِدَاءُ في الدعاء
من فوائد حديث أبي هريرة
تَنْزِيهُ اللَّهِ تعالى عَنِ النَّقائِصِ
حُبُّ اللَّهِ تعالَى للطَّيِّب مِنَ الأَقْوَالِ والأَفْعَالِ
أَنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إِلاَّ الطَّيِّبَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
الحَثُّ عَلَى الكسب الحَلالِ
التَّحْذِيرُ مِن الكسب الحَرَامِ
إِثْباتُ عُلُوِّ اللَّهِ تعالَى

نورة آل رشيد
11-01-2008, 11:34 PM
العناصر
حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا..)
تخريج الحديث
منـزلة الحديث
موضوع الحديث
المعنى الإجمالي للحديث
شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى طيب)
معنى (الطيب)
شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل إلا طيباً)
بيان معنى (القبول)
المقصود بنفي القبول في الحديث
شروط قبول الأعمال
علامات قبول العمل
قبول العمل وزكاته بالكسب الحلال
الكسب الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله
الصدقة من المال الحرام مردودة غير مقبولة
مسألة: هل يجزئ الحج بمال حرام؟
المراد من قوله:(إن الله أمر المؤمنين...)
المراد بالطيبات
الصلة بين الكسب الطيب والعمل الصالح
ذكر بعض ثمرات الكسب الحلال
ذكر بعض مفاسد الكسب الحرام
مثال لأثر الكسب الحرام في رد بعض الأعمال
الحلال أوسع من الحرام
شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (يرفع يديه إلى السماء...)
صفات رفع اليدين بالدعاء:
شرح قوله صلى اله عليه وسلم: (ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام)
ضبط قوله:(وغذي) بالتخفيف وغلط من قال بالتشديد
شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (فأنى يستجاب لذلك)
أسباب إجابة الدعاء
موانع إجابة الدعاء
من فوائد حديث أبي هريرة رضي الله عنه

نورة آل رشيد
11-01-2008, 11:39 PM
الأسئلة
س1: بين منـزلة هذا الحديث؟
س2: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى طيب)؟
س3: بين معاني: (القبول) في الكتاب والسنة؟
س4: ما المقصود بنفي القبول في الحديث؟
س5: ما شروط قبول الأعمال مع الاستدلال؟
س6: ما علامات قبول العمل؟
س7: ما حكم الصدقة من المال الحرام؟
س8: هل يجزئ الحج بمال حرام؟
س9: ما المراد بالطيبات؟
س10: بين الصلة بين الكسب الطيب والعمل الصالح؟
س11: اذكر بعض ثمرات الكسب الحلال؟
س12: اذكر بعض مفاسد الكسب الحرام؟
س13: ما صفات رفع اليدين إلى السماء؟
س14: ما الفرق بين قوله عليه الصلاة والسلام: (ومطعمه حرام) وبين قوله: (وغذي بالحرام)؟
س15: اذكر بعض أسباب إجابة الدعاء؟
س16: اذكر بعض موانع إجابة الدعاء؟
س17: اذكر بعض الفوائد المستنبطة من الحديث؟