مشاهدة النسخة كاملة : سورة الملك (الآيات: 1-5)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 12:43 AM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 11:49 AM
تَفسيرُ سُورةِ الْمُلْكِ
وهي مَكِّيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ * وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ * وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ * إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ * أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ * وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1 -4) {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ *}.
أي: تَعَاظَمَ وتعالى، وكَثُرَ خَيْرُه، وعَمَّ إحسانُه، مِن عَظمتِه أنَّ بِيَدِه مُلْكَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، فهو الذي خَلَقَه ويَتَصَرَّفُ فيه بما شاءَ، مِن الأحكامِ القَدَرِيَّةِ، والأحكامِ الدِّينيَّةِ التابعةِ لِحِكمتِه.
ومِن عَظَمَتِه كَمالُ قُدرتِه التي يَقْدِرُ بها على كُلِّ شيءٍ، وبها أَوْجَدَ ما أَوْجَدَ مِن المخلوقاتِ العظيمةِ، كالسماواتِ والأرضِ.
وخَلَقَ الموتَ والحياةَ؛ أي: قَدَّرَ لعِبادِه أنْ يُحْيِيَهم ثم يُمِيتَهم, {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}؛ أي: أَخْلَصَه وأَصْوَبَه، فإنَّ اللَّهَ خَلَقَ عِبادَه، وأَخْرَجَهم لهذه الدارِ، وأَخْبَرَهم أنَّهم سيُنقَلُونَ منها، وأَمَرَهم ونَهَاهُم، وابْتَلاهُم بالشَّهَواتِ المعارِضَةِ لأَمْرِه:
فمَنِ انقادَ لأمْرِ اللَّهِ وأَحْسَنَ العمَلَ، أَحْسَنَ اللَّهُ له الجزاءَ في الدارَيْنِ.
ومَن مالَ معَ شَهواتِ النفْسِ، ونَبَذَ أمْرَ اللَّهِ، فله شَرُّ الجزاءِ.
{وَهُوَ الْعَزِيزُ} الذي له العِزَّةُ كُلُّها، التي قَهَرَ بها جميعَ الأشياءِ، وانْقَادَتْ له المخلوقاتُ.
{الْغَفُورُ} عن الْمُسِيئِينَ والْمُقَصِّرِينَ والْمُذْنِبينَ، خُصوصاً إذا تَابُوا وأَنَابُوا فإنه يَغفِرُ ذُنوبَهم ولو بَلَغَتْ عَنانَ السماءِ، ويَسْتُرُ عُيُوبَهم ولو كانَتْ مِلْءَ الدنيا.
{الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً}؛ أي: كلَّ واحدةٍ فوقَ الأُخْرَى، ولَسْنَ طَبَقةً واحدةً، وخَلَقَها في غايةِ الحُسْنِ والإتقانِ، {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ}؛ أي: خَلَلٍ ونَقْصٍ.
وإذَا انْتَفَى النَّقْصُ مِن كلِّ وَجهٍ، صارَتْ حَسنةً كاملةً، مُتناسِبَةً مِن كلِّ وَجهٍ؛ في لَوْنِها وهَيئتِها وارتفاعِها، وما فيها مِن الشمْسِ والقمَرِ والكواكبِ النَّيِّرَاتِ الثوابِتِ مِنهنَّ والسيَّاراتِ.
ولَمَّا كانَ كَمالُها مَعلوماً، أمَرَ اللَّهُ تعالى بتَكرارِ النظَرِ إليها والتأمُّلِ في أَرجائِها؛ قالَ: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ}؛ أي: أَعِدْهُ إليها، ناظِراً مُعْتَبِراً، {هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ}؛ أي: نقْصٍ واختلالٍ؟
{ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ}، والمرادُ بذلك: كَثرةُ التَّكرارِ.
{يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ}؛ أي: عاجزاً عن أنْ يَرَى خَلَلاً أو فُطوراً، ولو حَرِصَ غايةَ الْحِرْصِ.
ثم صَرَّحَ بذِكْرِ حُسْنِها، فقالَ:
(5 -10) {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ * وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ *}.
أي: ولَقَدْ جَمَّلْنَا {السَّمَاءَ الدُّنْيَا} التي تَرَوْنَها وتَلِيكُم {بِمَصَابِيحَ} وهي النجومُ، على اختلافِها في النورِ والضياءِ؛ فإنه لولا ما فيها مِن النجومِ لكانَ سَقْفاً مُظْلِماً، لا حُسْنَ فيه ولا جَمالَ.
ولكنْ جَعَلَ اللَّهُ هذه النجومَ زِينةً للسماءِ، وجَمالاً ونُوراً وهِدايةً يُهْتَدَى بها في ظُلُماتِ الْبَرِّ والبحْرِ.
ولا يُنافِي إِخبارُه أنه زَيَّنَ السماءَ الدنيا بِمَصابيحَ أنْ يكونَ كثيرٌ مِن النجومِ فوقَ السماواتِ السبْعِ؛ فإنَّ السماواتِ شَفَّافَةٌ، وبذلك تَحْصُلُ الزينةُ للسماءِ الدنيا، وإنْ لم تَكُنِ الكواكبُ فيها.
{وَجَعَلْنَاهَا}؛ أي: المَصابِيحَ، {رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ} الذينَ يُريدونَ اسْتِرَاقَ خَبَرِ السماءِ، فجَعَلَ اللَّهُ هذه النجومَ حِراسةً للسماءِ عن تَلَقُّفِ الشياطينِ أخبارَ الأرضِ.
فهذهِ الشُّهُبُ التي تُرْمَى مِن النجومِ أَعَدَّهَا اللَّهُ في الدنيا للشياطينِ.
{وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ} في الآخِرَةِ {عَذَابَ السَّعِيرِ}؛ لأنَّهم تَمَرَّدُوا على اللَّهِ، وأَضَلُّوا عِبادَه، ولهذا كانَ أَتْبَاعُهم مِن الكُفَّارِ مِثلَهم، قد أَعَدَّ اللَّهُ لهم عَذابَ السَّعِيرِ.
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 08:45 PM
سورةُ الْمُلْكِ
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئأً وَهُوَ حَسِيرٌ * وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ * وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ * إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ * أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ * وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ}.
1-{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} تَبارَكَ أيْ: كَثُرَ خَيرُ اللهِ وعَظُمَ، والملْكُ هو مُلْكُ السماواتِ والأرضِ في الدنيا والآخِرةِ, {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لا يُعْجِزُه شيءٌ, بل هو يَتصرَّفُ في مُلْكِه كيفَ يُريدُ، مِن إنعامٍ وانتقامٍ، ورَفْعٍ ووَضْعٍ، وإِعطاءٍ وَمَنْعٍ، وهذا الأمْرُ يَعلمُه المؤمنونَ في الدنيا ويُنكِرُه الكُفَّارُ.
أمَّا في الآخِرَةِ فلا يَدَّعِي الْمُلْكَ أحَدٌ غيرُ اللهِ، ولا يُنكِرُ مُلكَه أحَدٌ، ولذا قالَ تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وقالَ:{يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}.
2-{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} الموتُ انقطاعُ تعَلُّقِ الرُّوحِ بالبَدَنِ ومُفارَقَتُها له، والحياةُ تَعَلُّقُ الرُّوحِ بالبَدَنِ واتِّصَالُها به، فالحياةُ تَعنِي خَلْقَه إِنْسَاناً وخلْقَ الرُّوحِ فيه.
{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أيْ: خَلَقَ الموتَ والحياةَ, أيْ: جَعَلَكم أُناسًا عُقلاءَ، ليُكَلِّفَكم ثم يَخْتَبِرَكم فيُجَازِيَكم على ذلك، والْمَقْصِدُ الأصليُّ مِن الابتلاءِ هو ظُهورُ كمالِ إحسانِ الْمُحْسنينَ.
{وَهُوَ الْعَزِيزُ} أيْ: الغالبُ الذي لا يُغالَبُ {الْغَفُورُ} لِمَن تابَ وأَنابَ.
3-{الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} أيْ: بعضَها فوقَ بعضٍ، {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} مِن تناقُضٍ ولا تَبَايُنٍ، ولا اعْوجاجٍ ولا تَخَالُفٍ، بل هي مُستويةٌ مُستقيمةٌ دالَّةٌعلى خالِقِها، {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ} أيْ: ارْدُدْ طَرْفَكَ في السماءِ وتَأَمَّلْ, هل تَرى فيها ـ على عَظَمَتِها واتِّسَاعِها ـ مِن تَشَقُّقٍ أو تَصَدُّعٍ.
4-{ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أيْ: مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ، وإنْ كَثُرَتْ تلك الْمَرَّاتُ، فيكونُ ذلك أبْلَغَ في إقامةِ الْحُجَّةِ، وأَقطَعَ للمَعذِرَةِ.
{يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً} ذَليلاً صَاغراً عن أنْ يَرى شيئاً مِن العَيْبِ في خَلْقِ السماءِ، {وَهُوَ حَسِيرٌ} أيْ: كَليلٌ مُنقَطِعٌ.
5-{وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} فَصارَتْ في أحْسَنِ خَلْقٍ وأكمَلِ صورةٍ وأَبهجِ شكْلٍ، وسُمِّيَتِ الكواكبُ مَصابيحَ لأنها تُضيءُ كإضاءةِ السِّراجِ.
{وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ} أيْ: وجَعَلْنَا المصابيحَ رُجوماً يُرْجَمُ بها الشياطينُ، وهذه فائدةٌ أُخْرَى غيرُ كونِها زِينةً للسماءِ الدنيا، قالَ قَتادةُ: خَلَقَ اللهُ النجومَ لثلاثٍ: زِينةً للسماءِ، ورُجومًا للشياطينِ، وعَلاماتٍ يُهتدَى بها في الْبَرِّ والبحرِ.
{وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} أي: وأَعْدَدْنا للشياطينِ في الآخِرةِ بعدَ الإحراقِ في الدنيا بالشهُبِ, عذابَ النارِ.
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 08:49 PM
بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ * وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ * وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ * إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ * أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ * وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَعِينٍ}.
تفسيرُ سورةِ الْمُلْكِ
وهي مَكِّيَّةٌ
روَى أبو هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ قالَ:((إِنَّ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ ثَلاَثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِصَاحِبِهَا حَتَّى غُفِرَ لَهُ،وَهِيَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)).
وروَى أبو الزُّبيرِ عن جابرٍ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان لا يَنامُ حتى يَقرأَ: {الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ} و{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} قالَ طاوُسٌ: يَفْضُلانِ سَائرَ السُّوَرِ بسَبعينَ حَسَنَةً.
وروى أبو الْجَوزاءِ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ رجُلاً ضَرَبَ خِباءَه على قَبْرٍ، وهو لا يَحْسَبُ أنه قَبْرٌ، فسَمِعَ قارئاً: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} حتى ختَمَ السورةَ، فَأَتَى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فذكَرَ له ذلك، فقالَ: ((هِيَ الْمُنْجِيَةُ، هِيَ الْمَانِعَةُ، تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)). ذكَرَ هذه الأخبارَ أبو عيسى التِّرمِذيُّ في جامِعِه بإسنادِه، وفي غيرِه أنَّ الزُّهْرِيَّ روى عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ((سُورَةُ الْمُلْكِ تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
وروى مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ: "أنَّ رجُلاً أُتِيَ في قَبْرِه مِن جوانبِه، فجَعَلَتْ سورةٌ مِن القرآنِ تُجادِلُ عن صاحبِها حتى الجنَّةِ"، قالَ مُرَّةُ: فنَظرْتُ أنا وخَيْثَمَةُ فإذا هي سورةُ الْمُلْكِ، واللهُ أعْلَمُ.
قولُه تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ}. قد بَيَّنَّا أنَّ تَبارَكَ: تَفاعَلَ مِن البَرَكَةِ، والمعنى: أنَّ جميعَ البَرَكاتِ منه تعالى، ويُقالُ: تَبارَكَ أيْ: تَعَظَّمَ وتَقَدَّسَ وتعالى، ومنه البَرْكُ في الصدْرِ.
وقولُه: {الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} أيْ: مُلْكُ السماواتِ والأرضِ، ويُقالُ: مُلْكُ النُّبُوَّةِ، يُعِزُّ به مَن اتَّبَعَه، ويُذِلُّ به مَن خالَفَه، حُكِيَ ذلك عن محمَّدِ بنِ إسحاقَ.
وقولُه: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أيْ: قادرٌ.
وقولُه تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} أي: الموتَ في الدنيا، والحياةَ في الآخرةِ، ويُقالُ: خلَقَ الموتَ أي: النُّطْفَةَ في الرَّحِمِ لأنها مَيِّتَةٌ، والحياةَ: هو أنه نَفَخَ فيها الرُّوحَ مِن بَعْدُ، ويُقالُ: خلَقَ الموتَ والحياةَ أي: الدنيا والآخرةَ، وحكَى أبو صالحٍ عن ابنِ عبَّاسٍ، "أنَّ اللهَ تعالى خلَقَ الموتَ على صورةِ كبْشٍ أَغبَرَ، لا يَمُرُّ بشيءٍ ولا يَطأُ على شيءٍ ولا يَجِدُ ريحَه شيءٌ إلاَّ ماتَ، وخَلَقَ الحياةَ على صورةِ فرَسٍ أنثى بَلقاءَ لا تَمُرُّ على شيءٍ ولا تَطأُ على شيءٍ ولا يَجِدُ رِيحَها شيءٌ إلاَّ حَيِيَ قالَ: وهي دُونَ البَغلةِ وفوقَ الْحِمارِ، خَطْوُها مَدَّ البَصَرِ، وكانَ جِبريلُ راكباً عليها يومَ غَرَقِ فرْعونَ، ومِن تَحْتِ حافرِها أخَذَ السامِرِيُّ القَبْضَةَ".
وقالَ بعضُهم: خلَقَ الدنيا للحياةِ ثم للموتِ، وخَلَقَ الآخرةَ للجزاءِ ثم للبقاءِ.
وقولُه: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أيْ: ليَختبرَكم فيُظْهِرَ مِنكم أعمالَكم الحسنةَ وأعمالَكم السيِّئَةَ ويُجازِيَكم عليها.
وقولُه: {أَحْسَنُ عَمَلاً} فيه أقوالٌ: أحَدُها: أَتَمُّ عَقْلاً وأَوْرَعُ عن مَحارِمِ اللهِ، وهو قولٌ مأثورٌ.
والقولُ الثاني: أحسَنُ عَمَلاً: أخلَصُ عَمَلاً.
والقولُ الثالثُ: أحسَنُ عَمَلاً أيْ: أزْهَدُ في الدنيا وأَتْرَكُ لها، وهو مَرويٌّ عن الحسَنِ وسُفيانَ الثوريِّ.
والقولُ الرابعُ: أحسَنُ عَمَلاً أيْ: أشَدُّكم ذِكْراً للموتِ وأحسَنُكُم له استعداداً، ويُقالُ: أشَدُّكُم للهِ مَخافةً، ويُقالُ: أبْصَرُكم بعُيوبِ نفْسِه.
وقولُه: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} قد بَيَّنَّا.
قولُه تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} أيْ: بعضَها فوقَ بعضٍ، بينَ كلِّ سَمَاءَيْنِ أمْرٌ مِن أمْرِه، وخلْقٌ مِن خَلْقِه.
وقولُه: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} أيْ: مِن خَلَلٍ وعَيْبٍ، ويُقالُ: مِن اضطرابٍ وتَبَايُنٍ، وقُرِئَ: (تَفَوُّتٍ) واختارَه أبو عُبيدٍ، قالَ الفرَّاءُ: تَفَوُّتٌ وتَفَاوُتٌ بمعنًى واحدٍ كما يُقالُ: تَعَهُّدٌ وتَعاهُدٌ وغيرُ ذلك، ويُقالُ: تَفَوُّتٌ أيْ: لا تَفُوتُ([1] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=2838#_ftn1)) بعضُه بعضاً.
وقولُه: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ} أيْ: رُدَّ البَصَرَ.
وقولُه: {هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} أيْ: صُدوعٍ وشُقوقٍ وخُروقٍ، ويُقالُ: فُطِرَ نابُ البَعيرِ أي: انْشَقَّ.
وقولُه: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أيْ: مَرَّتينِ، ومعناه: مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ، وإنْ زادَ على الْمَرَّتينِ، كالرجُلِ يَقولُ لغيرِه: قد قُلتُ لك هذا القوْلَ مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ، وقد كانَ قالَ له مَرَّاتٍ، ذكَرَه القَفَّالُ.
وقالَ بعضُهم: إنما ذَكَرَ الْمَرَّتينِ لأنَّ الإنسانَ في الْمَرَّةِ الثانيةِ يكونُ أحَدَّ بَصَراً، وأَكثرَ بَصَراً، وأكثَرَ نَظَراً. ويُقالُ: الكَرَّةُ الأُولَى بالعَيْنِ والأُخرى بالقلْبِ، قالَ الفرَّاءُ: يَجوزُ أنْ يكونَ معنى كَرَّتينِ كَرةً واحدةً، وأَنْشَدُوا:
ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرَّتَيْن قَطَعْتُه بالسَّمْتِ لا بالسَّمْتَيْنِ
وأرادَ مَهْمَهاً واحِداً.
وقولُه: {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ} أيْ: يَرجِعُ إليك البصَرُ، {خَاسِئاً} أيْ: صَاغِراً، {وَهُوَ حَسِيرٌ} أيْ: كَليلٌ يَعنِي: ضَعيفٌ عن إدراكِ ما أَرادَه مِن طلَبِ العَيْبِ والْخَلَلِ، ويُقالُ: دابَّةٌ حَسْرَى أيْ: كالَّةٌ.
قالَ الشاعِرُ:
به جِيَفُ الْحَسْرَى فأَمَّا عِظامُها فبِيضٌ وأَمَّا جِلْدُها فصَلِيبُ
قالَ الزَّجَّاجُ: معنى الآيةِ: أنه يُبالِغُ في النظَرِ، فرَجَعَ البصَرُ إليه خَاسِئاً ولم يَنَلْ ما أَرَادَه، ولم يَرَ عَيْباً وخَلَلاً.
وقولُه: {خَاسِئاً} مِن ذلك قولُهم للكَلْبِ اخْسَأْ وابْعُدْ، قالَ الفَرزدَقُ في جَريرٍ:
اخْسَأْ إليكَ جَريراً يا معر نِلْنَا السماءَ، نجومَها وهلالَها
قولُه تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} أيْ: بسُرُجٍ، وسَمَّى النجومَ مَصابيحَ لإضاءَتِها.
وقولُه: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ} أيْ: رَجَمْنَا بها الشياطينَ عن استراقِ السمْعِ، قالَ محمَّدُ بنُ كعْبٍ القُرَظِيُّ: إنَّ النجْمَ لا يَطلُعُ لموتِ أحَدٍ ولا لحياتِه، ولكنَّهُ زِينةُ الدنيا ورُجومُ الشياطينِ.
وعنْ قَتادةَ قالَ: خَلَقَ اللهُ النجومَ لثلاثةِ أشياءَ: جعَلَها زِينةً للسماءِ الدنيا، ورُجوماً للشياطينِ، وهَادِياً للناسِ في الطُّرُقِ، فمَن تَكَلَّفَ غيرَ ذلك فقدْ قالَ ما لا علْمَ له به.
وقولُه تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} أي: الْمُسَعَّرَةِ، وعن ابنِ عباسٍ: أنَّ السَّعيرَ هو الطَّبَقُ الرابعُ مِن جَهَنَّمَ.
([1] ) كذا بالأصل، ولعلها: " يَفوتُ "
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir