مشاهدة النسخة كاملة : سورة الملك (الآيات: 6-12)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 12:44 AM
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 12:37 PM
فلهذا قالَ: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} الذي يُهانُ به أهْلُه غايةَ الْهَوانِ.
{إِذَا أُلْقُوا فِيهَا} على وَجْهِ الإهانةِ والذُّلِّ، {سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً}؛ أي: صَوتاً عالِياً فَظيعاً، {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ}؛ أي: تكادُ على اجتماعِها أنْ يُفارِقَ بعضُها بعضاً، وتَتَقَطَّعَ مِن شِدَّةِ غَيْظِها على الكُفَّارِ، فما ظَنُّكَ ما تَفعلُ بهم إذا حَصَلُوا فيها؟
ثُمَّ ذَكَرَ تَوبيخَ الْخَزَنَةِ لأهلِها، فقالَ: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}؛ أي: حالُكم هذا واستحقاقُكم النارَ، كأنَّكُم لم تُخْبَرُوا عنها، ولم تُحَذِّرْكم النُّذُرُ منها.
{قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} فجَمَعُوا بينَ تَكذيبِهم الخاصِّ والتكذيبِ العامِّ بكلِّ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، ولم يَكْفِهِم ذلك حتى أَعْلَنوا بضَلالِ الرُّسُلِ المنذِرِينَ، وهم الْهُداةُ الْمُهْتدونَ.
ولم يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الضلالِ، بل جَعَلُوا ضَلالَهم ضَلالاً كبيراً، فأَيُّ عِنادٍ وتَكَبُّرٍ وظُلْمٍ يُشْبِهُ هذا؟
{وَقَالُوا} مُعْتَرِفِينَ بعَدَمِ أَهْلِيَّتِهم للهُدَى والرَّشادِ: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}. فنَفَوْا عن أنفُسِهم طُرُقَ الْهُدَى، وهي السمْعُ لِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وجاءَتْ به الرُّسُلُ، والعقْلُ الذي يَنفَعُ صاحبَه، ويُوقِفُه على حقائقِ الأشياءِ وإيثارِ الخيرِ، والانزجارِ عن كلِّ ما عاقِبَتُه ذَميمةٌ، فلا سَمْعَ لهم ولا عَقْلَ.
وهذا بخِلافِ أهْلِ اليَقينِ والعِرفانِ، وأربابِ الصدْقِ والإيمانِ؛ فإنَّهم أَيَّدُوا إِيمانَهم بالأدِلَّةِ السمعيَّةِ، فسَمِعُوا ما جاءَ مِن عندِ اللَّهِ، وجاءَ به رَسولُ اللَّهِ علْماً ومَعرِفَةً وعَمَلاً.
والأدِلَّةُ العقْلِيَّةُ: الْمَعْرِفَةُ للهُدَى مِن الضلالِ، والحَسَنِ مِن القَبيحِ، والخيرِ مِن الشرِّ.
وهُمْ في الإيمانِ بحسَبِ ما مَنَّ اللَّهُ عليهم به مِن الاقتداءِ بالمعقولِ والمنقولِ، فسُبحانَ مَن يَخْتَصُّ بفَضْلِه مَن يَشاءُ، ويَمُنُّ على مَن يَشاءُ مِن عِبادِه، ويَخْذُلُ مَن لا يَصْلُحُ للخيرِ.
قالَ تعالى عن هؤلاءِ الداخلِينَ للنارِ الْمُعْتَرِفينَ بظُلْمِهم وعِنادِهم:
(11) {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ *}؛ أي: بُعْداً لهم وخَسارةً وشَقاءً؛ فما أَشْقَاهُم وأَرْدَاهُم حيثُ فَاتَهم ثوابُ اللَّهِ، وكانوا مُلازِمِينَ للسَّعِيرِ التي تَسْتَعِرُ في أبدانِهم وتَطَّلِعُ على أفْئِدَتِهِم.
(12) {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ *} لَمَّا ذَكَرَ حالةَ الأشقياءِ الفُجَّارِ، ذكَرَ حالةَ السُّعَدَاءِ الأبرارِ فقالَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ}؛ أي: في جميعِ أحوالِهم، حتى في الحالةِ التي لا يَطَّلِعُ عليهم فيها إلاَّ اللَّهُ، فلا يُقْدِمُونَ على مَعاصِيهِ، ولا يُقَصِّرُون فيما أمَرَ به.
{لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} لذُنوبِهم، وإذا غَفَرَ اللَّهُ ذُنوبَهم وَقَاهُمْ شَرَّها، ووَقاهُم عذابَ الجحيمِ، ولهم أجْرٌ كبيرٌ، وهو ما أَعَدَّه اللَّهُ لهم في الجنَّةِ؛ مِن النعيمِ الْمُقيمِ، والمُلْكِ الكبيرِ, واللَّذَّاتِ الْمُتَواصِلاتِ والْمُشْتَهَيَاتِ، والقُصورِ والمنازلِ العالياتِ، والْحُورِ الْحِسانِ، والخَدَمِ والوِلْدانِ.
وأعظَمُ مِن ذلكَ وأكبرُ رِضَا الرحمنِ الذي يُحِلُّه اللَّهُ على أهْلِ الْجِنانِ.
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 08:52 PM
6-{وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} مِن كُفارِ بني آدمَ، أو مِن كُفارِ الفريقينِ؛ مِن بَنِي آدَمَ ومِن الجنِّ, {عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} ما يَصيرونَ إليه، وهو جَهَنَّمُ.
7-{إِذَا أُلْقُوا فِيهَا} أيْ: طُرِحُوا فيها كما يُطْرَحُ الحطَبُ في النارِ، {سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً} أيْ: صَوتاً كصوتِ الْحَميرِ عندَ أوَّلِ نَهِيقِها، {وَهِيَ تَفُورُ} تَغْلِي بهم غَليانَ الْمِرْجَلِ.
8-{تَكَادُتَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} أيْ: تَكادُ تَتَقَطَّعُ ويَنفصِلُ بعضُها مِن بعضٍ، مِن شِدَّةِ غَضَبِها على الكفارِ، {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} الفوْجُ الجماعةُ مِن الناسِ.
{سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا} مِن الملائكةِ، سُؤالَ تَوبيخٍ وتَقريعٍ:
{أَلَمْ يَأْتِكُمْ} في الدنيا.
{نَذِيرٌ} يُنذِرُكم هذا اليومَويُحَذِّرُكم منه؟
9-{قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ} رسولٌ مِن عندِ اللهِ رَبِّنا فأَنْذَرَنا وخَوَّفَنا وأَخْبَرَنا بهذا اليومِ.
{فَكَذَّبْنَا} ذلك النذيرَ.
{وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِن شَيْءٍ} على أَلْسِنَتِكُمْ مِن أُمورِ الغَيْبِ وأخبارِ الآخرةِ والشرائعِ التي تَتضمَّنُ بيانَ ما يُريدُ اللهُ منا، {إِن أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} أيْ: قلنا للرسُلِ: إنكم في ذَهابٍ عن الحقِّ وبُعْدٍ عن الصوابِ.
10-{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} لو كنا نَسمعُ سَمْعَ مَن يَعِي، أو نَعْقِلُ عقْلَ مَن يُمَيِّزُ ويَنظرُ، ما كنا مِن أهلِ النارِ, بل كُنَّا آمَنَّا بما أَنْزَلَ اللهُ واتَّبَعْنَا الرسولَ.
11-{فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ} الذي استَحَقُّوا به عذابَ النارِ، وهو الكفْرُ وتكذيبُ الأنبياءِ.
{فَسُحْقاً لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ} أي: فبُعْدًا لهم مِن اللهِ ومِن رَحمتِه، أَلْزَمَهم اللهُ تعالى العذابَ بعدَ أنِ اعْتَرَفوا بالذنبِ؛ لأنَّ بذلك تَقومُ عليهم الْحُجَّةُ ولا يَبقَى لهم عُذْرٌ.
12- {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} أي: يَخشونَ عذابَه ولم يَرَوْهُ، فيُؤمنونَ به خَوفاً مِن عَذابِه.
{لَهُم مَّغْفِرَةٌ} عَظيمةٌ يَغفِرُ اللهُ بها ذُنوبَهم.
{وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} وهو الجنَّةُ.
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 08:54 PM
وقولُه: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} إنما سَمَّى جَهنَّمَ جَهَنَّماً لبُعْدِ قَعْرِها، تقولُ العرَبُ: رَكِيَّةٌ جَهَنَّامٌ أيْ: بَعيدةُ القَعْرِ.
وقولُه: {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} أي: الْمَرْجِعُ.
قولُه: {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً} أيْ: لِجَهَنَّمَ، والشَّهِيقُ أوَّلُ صوتِ الحمارِ. وقيلَ: الشَّهيقُ أوَّلُ صَوتِه، والزَّفِيرُ آخِرُ صَوتِه، وقيلَ: الشَّهيقُ في الصدْرِ، والزَّفيرُ في الْحَلْقِ، وقيلَ: إنَّ الشهيقَ مِن الكُفَّارِ حينَ يَدْخُلونَ جَهَنَّمَ، والقولُ الأوَّلُ أظْهَرُ في هذه الآيةِ.
وقولُه: {وَهِيَ تَفُورُ} قالَ ابنُ مسعودٍ: تَغْلِي غَليانَ القِدْرِ بما فيه، وعن مجاهِدٍ: تَغْلِي غَليانَ الماءِ الكثيرِ بالْحَبِّ القليلِ.
وقولُه: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} أيْ: تَتَّقِدُ وتَتفرَّقُ، يُقالُ: فُلانٌ امْتَلأَ غَيْظاً حتى يَكادُ يَتَّقِدُ. وغَيْظُها حَنَقاً على أعداءِ اللهِ وانتقامُها.
وقولُه: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} أيْ: قَوْمٌ، {سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} أيْ: رسولٌ، وعن مجاهِدٍ قالَ: الرُّسُلُ مِن الإنْسِ، والنُّذُرُ مِن الْجِنِّ، وهو قولٌ مَهجورٌ.
قولُه تعالى: {قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} أيْ: عظيمٍ، ويُقالُ: خاطئينَ.
قولُه تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ} أيْ: نَسمعُ سَماعَ مَن يُمَيِّزُ ويَتفكَّرُ، ونَعقِلُ عَقْلَ مَن يَتدبَّرُ ويَنظُرُ، {مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} والمعنى: أنَّا لم نَسمعِ الحقَّ ولم نَعْقِلْهُ أيْ: لم نَنتفعْ بأسماعِنا وعُقولِنا، وفي بعضِ الغرائبِ مِن الأخبارِ: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ((لِكُلِّ شَيْءٍ دِعَامَةٌ وَدِعَامَةُ الدِّينِ الْعَقْلُ)).
ورُوِيَ أيضاً أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ وَأَهْلِ الصَّلاَةِ وَأَهْلِ الصِّيَامِ، وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِنَّمَا يُجَازَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ)) وهو حديثٌ حسَنُ الإسنادِ.
قولُه تعالى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ} أيْ: بذُنوبِهم، واحدٌ بمعنى الجمْعِ، وقولُه: {فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} أيْ: بُعْداً، يُقالُ: مكانٌ سَحيقٌ أيْ: بَعيدٌ، وعن مُجاهِدٍ: السُّحْقُ اسمُ وادٍ في جَهَنَّمَ.
قولُه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} أيْ: بالوعْدِ والوَعيدِ الذي غابَ عنه، ويُقالُ: بالجنَّةِ والنارِ، ويُقالُ: في الْخَلَوَاتِ.
وقولُه: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} أيْ: عَظيمٌ.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir