مشاهدة النسخة كاملة : سورة القلم (الآيات: 17-33)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:04 AM
إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 02:43 PM
(17 -33) {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ *} إلى آخِرِ القِصَّةِ.
يقولُ تعالى: إِنَّا بَلَوْنَا هؤلاءِ الْمُكَذِّبينَ بالخيرِ وأَمْهَلْنَاهُم وأَمْدَدْنَاهم بما شِئْنَا مِن مالٍ ووَلَدٍ، وطُولِ عُمُرٍ، ونحوِ ذلك مِمَّا يُوَافِقُ أَهواءَهم, لا لكَرَامَتِهم علَيْنا.
بل ربَّما يَكونُ استِدْرَاجاً لهم مِن حيثُ لا يَشْعُرونَ، فاغْتِرَارُهم بذلك نَظيرُ اغترارِ أصحابِ الجنَّةِ، الذينَ هم فيها شُركاءُ، حينَ زَهَتْ ثِمارُها وأَيْنَعَتْ أشجارُها، وآنَ وَقْتُ صِرَامِها, وجَزَمُوا أنَّها في أَيْدِيهِم وطَوْعُ أمْرِهم، وأنَّه ليسَ ثَمَّ مانِعٌ يَمْنَعُهم منها.
ولهذا أَقْسَمُوا وحَلَفوا مِن غيرِ استثناءٍ أنَّهم سيَصْرِمُونَها؛ أي: يَجُذُّونَها مُصْبِحينَ، ولم يَدْرُوا أنَّ اللَّهَ بالْمِرصادِ، وأنَّ العذابَ سيَخْلُفُهم عليها ويُبَادِرُهم إليها.
{فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ}؛ أي: عذابٌ نَزَلَ عليها ليلاً، {وَهُمْ نَائِمُونَ} فأَبَادَها وأَتْلَفَها.
{فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ}؛ أي: كالليلِ المُظْلِمِ، ذَهَبَتِ الأشجارُ والثِّمارُ، هذا وهُم لا يَشْعُرونَ بهذا الواقِعِ الْمُلِمِّ.
ولهذا تَنادَوْا فيما بينَهم لَمَّا أصْبَحُوا يقولُ بعضُهم لبعضٍ: {اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا} قَاصِدينَ له.
{وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} فيما بينَهم، ولكنْ بِمَنْعِ حقِّ اللَّهِ ويقولونَ: {لاَ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ}؛ أي: بَكِّرُوا قبلَ انتشارِ الناسِ. وتَوَاصَوْا معَ ذلك، بِمَنْعِ الفُقَراءِ والمساكينِ.
ومِن شِدَّةِ حِرْصِهم وبُخْلِهم، أنَّهم يَتَخَافَتُونَ بهذا الكلامِ مُخافَتَةً؛ خَوفاً أنْ يَسْمَعَهم أحَدٌ، فيُخبِرَ الفقراءَ.
{وَغَدَوْا} في هذه الحالةِ الشَّنيعةِ والقَسوةِ، وعَدَمِ الرحمةِ {عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ}؛ أي: على إِمساكٍ ومَنْعٍ لِحَقِّ اللَّهِ، جَازمِينَ بقُدْرَتِهم عليها.
{فَلَمَّا رَأَوْهَا} على الوصْفِ الذي ذَكَرَ اللَّهُ كالصَّريمِ {قَالُوا} مِن الحَيْرَةِ والانزعاجِ: {إِنَّا لَضَالُّونَ}؛ أي: تائِهونَ عنها، لعَلَّها غيرُها.
فلَمَّا تَحَقَّقُوها ورَجَعَتْ إليهم عقولُهم قالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} منها، فعَرَفوا حينَئذٍ أنَّه عُقوبةٌ.
فـ {قَالَ أَوْسَطُهُمْ}؛ أي: أعْدَلُهم وأَحْسَنُهم طَريقةً: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ}؛ أي: تُنَزِّهُونَ اللَّهَ عمَّا لا يَلِيقُ به.
ومِن ذلكَ ظَنُّكُم أنَّ قُدرَتَكم مُستَقِلَّةٌ، فلولا اسْتَثْنَيْتُم فقُلْتُمْ: إنْ شاءَ اللَّهُ. وجَعَلْتُم مَشيئَتَكم تابعةً لِمَشيئةِ اللَّهِ، جَرَى عليكم ما جَرَى، فقالوا: {سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}؛ أي: استَدْرَكوا بعدَ ذلك، ولكنْ بعدَما وَقَعَ العذابُ على جَنَّتِهم؛ الذي لا يُرفَعُ.
ولكنْ لعلَّ تَسبيحَهم هذا وإقرارَهم على أَنْفُسِهم بالظلْمِ يَنْفَعُهم في تخفيفِ الإثْمِ، ويكونُ توبةً؛ ولهذا نَدِمُوا نَدامةً عَظيمةً.
{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ} فيما أَجْرَوْهُ وفَعَلُوه.
{قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ}؛ أي: متَجَاوِزِينَ للحَدِّ في حَقِّ اللَّهِ وحَقِّ عِبادِه.
{عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} فهم رَجَوُا اللَّهَ أنْ يُبْدِلَهم خيراً منها، ووَعَدُوا أنَّهم سيَرْغَبونَ إلى اللَّهِ، ويُلِحُّونَ عليه في الدنيا، فإنْ كانوا كما قالوا فالظاهِرُ أنَّ اللَّهَ أَبْدَلَهم في الدنيا خَيراً منها؛ لأنًّ مَن دَعَا اللَّهَ صادِقاً ورَغِبَ إليه ورَجاهُ ـ أَعطاهُ سُؤْلَهُ.
قالَ تعالى مُبَيِّناً ما وَقَعَ: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ}؛ أي: الدُّنْيَوِيُّ لِمَنْ أتَى بأسبابِ العذابِ، أنْ يَسلُبَ اللَّهُ العَبدَ الشيءَ الذي طَغَى به وبَغَى، وآثَرَ الحياةَ الدنيا، وأنْ يُزِيلَه عنه أحْوَجَ ما يكونُ إليه.
{وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ} مِن عذابِ الدنيا {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}؛ فإنَّ مَن عَلِمَ ذلك, أَوْجَبَ له الانزجارَ عن كُلِّ سَببٍ يُوجِبُ العذابَ ويُحِلُّ العِقابَ.
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 09:21 PM
17-{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} يَعنِي كُفَّارَ مَكَّةَ، فإنَّ اللهَ ابْتَلاَهُمْ بالجوعِ والقحْطِ بدَعوةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليهم.
{كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} المعروفَ خَبَرُهم عندَ قُريشٍ، وذلك أنها كانتْ بأرْضِ اليمَنِ على فَرسخينِ مِن صَنعاءَ حديقةٌ لرجُلٍ يُؤَدِّي حَقَّ اللهِ منها، فماتَ وصارَتْ إلى أولادِه، فمَنَعُوا الناسَ خَيْرَها، وبَخِلُوا بحَقِّ اللهِ فيها، وقالوا: المالُ قَليلٌ، والعِيالُ كثيرٌ، ولا يَسَعُنا أنْ نَفعلَ كما كان يَفعلُ أَبُونَا، وعَزَمُوا على حِرمانِ المساكينِ، فصارَتْ عَاقِبَتُهم إلى ما قَصَّ اللهُ في كتابِه، {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} أيْ: حَلَفُوا أنهم سيَقطعونَ ثَمَرَها عندَ الصباحِ.
18-{وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} يعني ولا يَقولونَ: إنْ شاءَ اللهُ. وقِيلَ: المعنى: ولاَ يَستثنونَ للمساكينِ مِن جُملةِ ذلك القَدْرِ الذي كانَ يَدفعُه أَبُوهُم إليهم.
19-{فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ} أيْ: طافَ على تلك الجنةِ مِن جِهةِ اللهِ سُبحانَه نارٌأَحْرَقَتْها حتى صارَتْ سَوداءَ.
20-{فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} أيْ: كالبُستانِ الذي قد صُرِمَتْ ثِمَارُه, أي: قُطِعَتْ.
21-{فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ} لَمَّا أَصْبَحُوا قالَ بعضُهم لبعضٍ.
22-{أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ} اخْرُجُوا مُبَكِّرِينَ في الصباحِ إلى الثمارِ والزرْعِ.
{إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ} أيْ: قاصدينَ للصَّرْمِ.
24-{أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ} يُسِرُّ بعضُهم إلى بعضٍ هذا القولَ، وهو قولُهم: لا يَدخلُ هذه الجنَّةَ اليومَ عليكم مِسكينٌ فيَطْلُبَ منكم أنْ تُعطوه منها ما كانَ يُعطيهِ أبوكم.
25-{وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ} أيْ: انْطَلَقوا منْفَرِدِينَ عن قَوْمِهم غيرَ مُخَالِطِينَ لهم.
{قَادِرِينَ} على جَنَّتِهِم عندَ أنفُسِهم.
26-{فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ} أيْ: قالَ بعضُهم لبعضٍ: قد ضَلَلْنا طريقَ جَنَّتِنا وليسَتْ هذه. ثم لَمَّا تَأَمَّلُوا وعَلِمُوا أنها جنَّتُهم، وأنَّ اللهَ سُبحانَه قد عاقَبَهم بإذهابِ ما فيها مِن الثمرةِ والزرْعِ قالوا:
27-{بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أيْ: حَرَمَنا اللهُ ثَمَرَ جَنَّتِنا بسببِ ما وَقَعَ منا مِن العزْمِ على مَنْعِ المساكينِ مِن خَيْرِها.
28-{قَالَ أَوْسَطُهُمْ} أيْ: أمْثَلُهم وأَعْقَلُهم وخَيْرُهم:
{أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} أيْ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ: إنَّ فِعْلَكم هذا مِن مَنْعِكم المساكينَ حقَّهُم ظُلْمٌ؟
فهلا تُسَبِّحُونَ اللهَ الآنَ بعدَ أنْ تَيَقَّنتُمْ أنه بالْمِرصادِ للظالمينَ, وتَسْتَغْفِرونَ اللهَ مِن فِعْلِكم وتَتوبونَ إليه مِن هذه النِّيَّةِ التي عَزَمْتُم عليها!
29-{قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} أيْ: تَنزيهًا له عن أنْ يكونَ ظالِماً فيما صَنَعَ بِجَنَّتِنا، فإنَّ ذلك بسببِ ذَنْبِنا الذي فَعَلْنَاهُ في مَنْعِنا للمَساكينِ.
32- {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} أيْ: طالِبونَ منه الخيرَ راجونَ لعَفْوِه.
33-{كَذَلِكَ الْعَذَابُ} أيْ: مِثلُ ذلك العذابِ الذي بَلَوْنَاهم به نَبْلُو أهلَ مَكَّةَ بعذابِ الدنيا، {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أيْ: أَشَدُّ وأَعْظَمُ لو كان الْمُشْرِكونَ يَعلمونَ أنه كذلك، ولكنهم لا يَعلمونَ.
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 09:23 PM
قولُه تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} أيْ: أهلَ مَكَّةَ، وذلك حينَ دَعَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقالَ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ)). فَأَصَابَهُمُ الجوعُ حتى أَكَلُوا العِلْهِزَ والعظامَ الْمُحْتَرِقَةَ.
وقولُه: {كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} في أكثَرِ التفاسيرِ أنَّ هذا رجُلٌ شيخٌ باليمَنِ كان له بَنونَ، وله بُستانٌ يَتصدَّقُ منه على المساكينِ، ويُنفِقُ منه على نفْسِه وأولادِه.
ويُقالُ: كان يَتصدَّقُ بالثُّلُثِ ويُنفِقُ على نفْسِه وأولادِه الثلُثَ ويَرُدُّ الثلُثَ في عِمارةِ الجنَّةِ، فلَمَّا ماتَ الشيخُ قالَ بَنُوهُ: العيالُ كثيرٌ، والدخْلُ قَليلٌ ولا يَفِي بإعطاءِ المساكينِ. فتَوَافَقُوا على أنْ يَذهبُوا إلى البُستانِ حينَ يُصْبِحونَ على سُدْفَةٍ مِن الليلِ، فيَصْرِمُوا ويَقْطَعُوا قبلَ أنْ يَعلمَ المساكينُ، وكان المساكينُ قد اعْتَادُوا الحضورَ عندَ الْجِذَاذِ والصِّرَامِ، فحينَ اتَّفَقُوا على ذلك أَرْسَلَ اللهُ تعالى ناراً مِن السماءِ في تلك الليلةِ فاحترَقَ البُستانُ والأشجارُ، ويُقالُ: إنَّ هذا الرجُلَ هو رجُلٌ مِن ثَقيفٍ.
وقولُه: {إِذْ أَقْسَمُوا} أيْ: حَلَفُوا.
وقولُه: {لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} أيْ: يَقطعونَ في الوقتِ الذي قُلْنَا.
وقولُه: {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} أيْ: لم يَقولوا: إنْ شاءَ اللهُ.
وقولُه: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ} أيْ: طَرَقَ طارِقٌ مِن العذابِ، وهي النارُ التي أَرْسَلَها اللهُ تعالى، والعرَبُ لا تَستعمِلُ الطائفَ إلاَّ في العذابِ. وفي بعضِ التفاسيرِ: أنَّ اللهَ تعالى أمَرَ مَلَكاً حتى اقتَلَعَ تلك الجنَّةَ بأشجارِها وغُروسِها فوَضَعَها في مَوْضِعِ الطائفِ اليومَ.
وقولُه: {وَهُمْ نَائِمُونَ} ذَكَرْنَا.
قولُه: {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} أيْ: كالليلِ الْمُظلِمِ، ويُقالُ: كالنهارِ الذي لا شَيْءَ فيه.
والعرَبُ تُسَمِّي العامِرَ مِن الأرضِ نَهاراً لبَيَاضِه، والغامِرَ ليلاً لسَوَادِه وخُضرتِه، والصَّرِيمُ مِن الأضدادِ، هو اسمٌ لليلِ والنهارِ جَميعاً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُقْطَعُ عن صاحبِه، ويُقالُ: كالصَّرِيمِ، أي: الْمَصرومِ، فاعلٌ ([1] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=2850#_ftn1)) بمعنى مفعولٍ، يَعني أنه لم يَبْقَ شيءٌ فيها.
وقولُه: {فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ} أيْ: نادَى بعضُهم بعضاً عندَ الصباحِ.
وقولُه: {أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ} أي: اقْصِدُوا حَرْثَكم. وفي القِصَّةِ: أنه كانتْ لهم حُروثٌ وأَعنابٌ.
وقولُه: {إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ} أيْ: قاطِعينَ: يُقالُ في العِنَبِ: الصِّرَامُ، وفي الزرْعِ: الْحَصادُ.
قالَ الشاعِرُ:
غَدَوْتُ عليه غَدْوَةً فوجَدتُه قُعُوداً عليه بالصَّريمِ عَواذِلُهْ
والصَّرِيمُ ههنا: هو الْجَرَّةُ السوداءُ، وقد ذَكَرَه ابنُ فارِسٍ في معنى الصَّرِيمِ الذي ذَكَرْنَاهُ مِن قَبلُ، وعن ابنِ جُريجٍ أنه قالَ: خَرَجَتْ عُنُقٌ مِن النارِ مِن جَوْفِ وَادِيهِم فأَحْرَقَتْ جَنَّتَهم.
وقولُه: {إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ} قالَ مجاهِدٌ: المرادُ منه صِرامُ العِنَبِ، وكانَ حَرْثُهم العِنَبَ.
قولُه: {فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} أيْ: يَتكلَّمونَ سِرًّا وخُفْيَةً، وكان كلامُهم: لا يَدْخُلَنَّها اليومَ عليكمْ مِسكينٌ. أيْ: لا تَتركوا المساكينَ يَدخلونَ عليكم.
وقولُه: {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} أشْهَرُ الأقاويلِ أنَّ معناه: على حسَدٍ، وهو قولُ قَتادةَ ومُجاهِدٍ والحسَنِ وجماعةٍ، وعن الشَّعْبِيِّ وسفيانَ أنهما قالاَ: على غَضَبٍ، أيْ: على المساكينِ، وقالَ أبو عُبيدةَ: {عَلَى حَرْدٍ} أيْ: على مَنْعٍ، يُقالُ: حارَدَتِ السنَةُ فليس فيها مَطَرٌ. وحارَدَتِ الناقةُ. إذا لم يكنْ بها لَبَنٌ، ومعنى المنْعِ هو ما عَقَدُوهُ مِن منْعِ المساكينِ، وعن الحسَنِ في روايةٍ: على حِرْصٍ، وقيلَ: على قَصْدٍ، قالَ الشاعِرُ:
أَقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِن أمْرِ اللهْ يَحْرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ الْمُغِلَّهْ
أيْ: يَقْصِدُ. وعن السُّدِّيِّ: أنَّ الْحَرْدَ اسمُ جَنَّتِهم.
وقولُه: {قَادِرِينَ} أيْ: قادِرِينَ عندَ أنْفُسِهم على الصِّرامِ.
وقيلَ: {قَادِرِينَ} أيْ: على أمْرٍ أَسَّسُوهُ بينَهم.
قولُه تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ} يعني: أنهم لَمَّا رَأَوْا مَوْضِعَ الجنَّةِ وليس فيها شَجَرٌ ولا نَباتٌ قالوا: إنَّا لضالُّونَ. أيْ: أَخْطَأْنَا طَريقَ جَنَّتِنَا.
وقولُه: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} معناه: أنهم تَنَبَّهُوا على الأمْرِ، وعَرَفوا أنهم لم يُخْطِئُوا الطريقَ فقالوا: بل نحن مَحْرُومونَ. أيْ: نَزلَ العذابُ وحُرِمْنَا ثِمارَ جَنَّتِنا.
قولُه تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} أيْ: خَيْرُهم وأَعْدَلُهم، ومِثلُه قولُه تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أيْ: عدلاً خِياراً، وقالَ سَعيدُ بنُ جُبيرٍ: أعْقَلُهم.
وقولُه: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} أيْ: هَلاَّ قُلتمْ: إنْ شاءَ اللهُ تعالى. ووَضَعَ التسبيحَ ههنا مَوضِعَ الْمَشيئةِ؛ لأنَّ التسبيحَ هو تَنزيهُ اللهِ تعالى عن كلِّ سُوءٍ، وقولُه: إنْ شاءَ اللهُ. فيه معنى التنزيهِ، وهو أنه لا يَمْلِكُ أحَدٌ فعْلَ شَيءٍ إلاَّ بِمشيئةٍ([2] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=2850#_ftn2))، فيُنَزَّهُ أنْ يكونَ شيءٌ في مُلْكِه إلاَّ أنْ يُريدَه، وعن عِكرمةَ: أنه كان استثناؤُهم هو التسبيحَ، يَعني: أنهم كانوا يَقولونَ مكانَ قَولِنا: إنْ شاءَ اللهُ: سبحانَ اللهِ.
وقولُه: {قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} أيْ: بِمَنْعِ المساكينِ.
وقولُه: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ} أيْ: يَلومُ بعضُهم بَعْضاً، فيقولُ هذا لذاكَ: أنتَ فعَلْتَ والذنْبُ لك. ويقولُ ذلك لصاحِبِه مِثلَه.
وقولُه: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا}. دَعَوا بالوَيْلِ على أنْفُسِهم.
وقولُه: {إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} أيْ: ظالِمِينَ.
وقولُه: {عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا} هذا إخبارٌ عن تَوْبَتِهم ونَدامَتِهم، وسؤالِهم مِن اللهِ تعالى أنْ يُبْدِلَهم بجَنَّتِهم خَيراً منها فيُعْطُوا حقَّ المساكينِ، وفي بعضِ التفاسيرِ: أنَّ اللهَ تعالى قَبِلَ تَوبتَهُم وأَعطاهم جَنَّةً خَيراً مِنها، واللهُ أَعْلَمُ.
وقولُه: {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} أيْ: بسُؤالِنا.
وقولُه: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ} أيْ: كذلك عَذابُ الدنيا.
وقولُه: {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أيْ: عذابَ الآخرةِ. ويُقالُ: كما عَذَّبْنَا هؤلاءِ وأَنْزَلْنا بهم، كذلك نُعَذِّبُ قُريشاً ونُنْزِلُه بهم، ورُوِيَ في التفسيرِ أنَّ اللهَ تعالى أَنْزَلَ العذابَ بهم يومَ بدْرٍ، فإنهم لَمَّا خَرَجُوا إلى بدْرٍ قالوا: لنَقْتُلَنَّهُمْ ولنَقْتُلَنَّ مُحَمَّداً، ولنَأْسِرَنَّهُم ونَرْجِعُ إلى مكةَ فنَطوفُ بالبيتِ، ونَحْلِقُ رُؤوسَنا، ونَشرَبُ الخمْرَ، وتَعْزِفُ على رُؤوسِنا القِيانُ. وحَلَفُوا على ذلك، فأَخْلَفَ اللهُ ظَنَّهُم، ونَزَلَ بهم ما نَزَلَ مِن القتْلِ والأَسْرِ.
([1] ) كذا بالأصل ، ولعلها: " فعيلٌ "
([2] ) لعلها: " بمشيئتِه ".
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir