المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سورة القلم (الآيات: 34-43)


عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:05 AM
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 04:48 PM
(34 -41) {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ *}.
يُخْبِرُ تعالى بما أَعَدَّه للمُتَّقِينَ للكُفْرِ والمعاصي، مِن أنواعِ النعيمِ والعَيْشِ السَّليمِ في جِوارِ أكْرَمِ الأَكْرَمِينَ، وأنَّ حِكمتَه تعالى لا تَقْتَضِي أنْ يَجْعَلَ المُسلمِينَ القانتينَ لرَبِّهم المنقادِينَ لأَوَامِرِه، الْمُتَّبِعِينَ لِمَرَاضِيهِ كالْمُجْرِمِينَ الذين أَوْضَعُوا في مَعاصِيهِ, والكفْرِ بآياتِه, ومُعانَدَةِ رُسُلِه، ومُحارَبَةِ أوليائِه.
وأنَّ مَن ظَنَّ أنَّه يُسَوِّيهِم في الثوابِ، فإنَّه قدْ أَساءَ الحُكْمَ، وأنَّ حُكْمَه حُكْمٌ باطلٌ، ورأيَه فاسِدٌ، وأنَّ الْمُجْرِمِينَ إذَا ادَّعَوْا ذلك فليسَ لهم مُستنَدٌ، لا كتابَ فيه يَدْرُسونَ ويَتْلُونَ أنَّهم مِن أهْلِ الجنَّةِ، وأنَّ لهم ما طَلَبُوا وتَخَيَّرُوا.
وليسَ لهم عندَ اللَّهِ عَهْدٌ ويمينٌ بالغةٌ إلى يومِ القِيامةِ أنَّ لهم ما يَحْكُمُونَ، وليسَ لهم شُركاءُ وأَعوانٌ على إِدراكِ ما طَلَبُوا، فإنْ كانَ لهم شُركاءُ وأَعوانٌ فلْيَأْتُوا بهم إنْ كانوا صادقِينَ.
ومِن المعلومِ أنَّ جَمِيعَ ذلك مُنْتَفٍ، فليسَ لهم كتابٌ ولا لهم عَهْدٌ عندَ اللَّهِ في النجاةِ، ولا لهم شُركاءُ يُعيِنُونَهم، فعُلِمَ أنَّ دَعْوَاهم باطلةٌ فاسدةٌ.
وقولُه: {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ}؛ أي: أَيُّهُم الكَفِيلُ بهذهِ الدَّعْوَى الفاسدةِ؛ فإِنَّه لا يُمْكِنُ التَّصَدُّرُ بها، ولا الزَّعامَةُ فيها.
(42 -43) {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ *}؛ أي: إذا كانَ يومُ القيامةِ، وانْكَشَفَ فيه مِن القَلاقلِ والزلازلِ والأهوالِ ما لا يَدْخُلُ تحتَ الوَهْمِ، وأتَى البارِي لفَصْلِ القضاءِ بينَ عِبادِه ومُجازاتِهم، فكَشَفَ عن ساقِه الكريمةِ التي لا يُشْبِهُها شيءٌ، ورَأَى الخلائقُ مِن جلالِ اللَّهِ وعَظَمَتِه ما لا يُمْكِنُ التعبيرُ عنه ـفحينَئذٍ يُدْعَوْنَ إلى السجودِ للهِ، فيَسْجُدُ المؤمنونَ الذين كانوا يَسْجُدُونَ للهِ طَوْعاً واختياراً، ويَذهَبُ الفُجَّارُ والمنافقونَ ليَسْجُدوا فلا يَقْدِرونَ على السجودِ، وتكونُ ظُهورُهم كصَيَاصِي البَقَرِ، لا يَسْتَطِيعُونَ الانحناءَ.
وهذا الجزاءُ مِن جِنْسِ عمَلِهم؛ فإِنَّهم كانوا يُدْعَوْنَ في الدنيا إلى السجودِ للهِ وتَوحيدِه وعِبادتِه وهم سالِمُونَ لا عِلَّةَ فيهم فيَسْتَكْبِرُونَ عن ذلك ويَأْبَوْنَ، فلا تَسْأَلْ يَومَئذٍ عن حالِهم وسُوءِ مَآلِهم؛ فإنَّ اللَّهَ قد سَخِطَ عليهم، وحَقَّتْ عليهم كَلِمَةُ العذابِ، وتَقطَّعَتْ أسبابُهم ولم تَنْفَعْهُم النَّدامَةُ ولا الاعتذارُ يومَ القِيامةِ، ففي هذا ما لا يُزْعِجُ القلوبَ عن الْمُقامِ على المعاصِي، ويُوجِبُ التدارُكَ مُدَّةَ الإمكانِ.

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 09:26 PM
35-{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} كانَ صَناديدُ كُفَّارِ قُريشٍ قالوا: إنْ صَحَّ ما يَزْعُمُه محمَّدٌ لم يَكنْ حالُنا وحالُ المسلمينَ إلاَّ مِثلَ ما هي في الدنيا،فيكونُ لنا في الآخِرةِ مثلُ ما لهم مِن نَعيمِ الجنَّةِ. فيُخْبِرُ اللهُ تعالى أنه ليس مِن العدْلِ التسويةُ بينَ مَن يَلتزِمُ بطاعتِه وبينَ مَن هو فاجِرٌ مُجْرِمٌ لا يُبَالِي بِمَعصِيَتِه.
36-{مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} هذا الحكْمَ الأَعْوَجَ، كأنَّ أَمْرَ الجزاءِ مُفَوَّضٌ إليكم.
37-{أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} أيْ: تَقرؤونَ فيه فتَجِدونَ الْمُطيعَ كَالْعَاصِي؟
38-{إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} أيْ: هل في ذلك الكتابِ أنَّ لكم في الآخرةِ ما تَختارونَ وتَشتهونَ؟
39-{أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} المعنى: بل أَلَكُمْ عهْدٌ عندَ اللهِ حلَفَ لكم عليه أَيماناً استَوْثَقْتُم بها في أنْ يُدْخِلَكم الجنَّةَ، ثابتةً لكم إلى يومِ القِيامةِ لا يَخْرُجُ عن عُهْدَتِها حتى يَجعلَ لكم حُكْمَكم يومئذٍ؟
40-{سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} أيْ: سَلْ يا محمَّدُ الكُفَّارَ مُوَبِّخاً لهم ومُقَرِّعاً: أيُّهم بذلك كَفِيلٌ لهم بأنَّ لهم في الآخرةِ ما للمسلمينَ فيها؟
41-{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ} المعنى: بل أَلَهُمْ شُركاءُ للهِ بزَعْمِهم قَادرونَ على أنْ يَجْعَلُوهم مِثلَ المسلمينَ في الآخِرةِ؟
42- {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} يَكْشِفُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عن ساقِه. أخرَجَ البُخاريُّ وغيرُه عن أبي سَعيدٍ قالَ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ:((يَكْشِفُرَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقاً وَاحِداً)).
{وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} يَسْجُدُالخلْقُ كلُّهم للهِ سَجدةً واحدةً، ويَبقى الكفارُ والمنافقونَ يُريدونَأنْ يَسجدوا فلا يَستطيعونَ؛ لأنَّ أصلابَهم تَيْبَسُ فلا تَلينُ للسجودِ، لم يكونوا آمَنُوا باللهِ في الدنيا ولا سَجَدُوا له.
43-{خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} الخشوعُ الخضوعُ والذِّلَّةُ والانكسارُ.
{تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} تَغشاهم ذِلَّةٌ شَديدةٌ وحَسرةٌ ونَدامةٌ.
{وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} أيْ: في الدنيا.
{وَهُمْ سَالِمُونَ} أيْ: مُعَافَوْنَ عن العِلَلِ، مُتَمَكِّنونَ مِن الفعْلِ، قالَ إبراهيمُ التَّيْمِيُّ: يُدْعَوْنَ بالأذانِ والإقامةِ فيَأْبَوْنَ.

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 09:30 PM
قولُه تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}: لَمَّا ذَكَرَ عذابَ الكُفَّارِ وما يُنْزِلُه بهم، ذَكَرَ ما وَعَدَه للمؤمنينَ في هذه الآيةِ، فرُوِيَ أنَّ عُتبةَ بنَ رَبيعةَ قالَ لَمَّا نَزلتْ هذه الآيةُ: لئن أَعطاكُم اللهُ تعالى في الآخرةِ جَنَّاتِ النعيمِ فيُعْطِينا مثلَ ما يُعطيكُم أو خيراً منها. فأَنْزَلَ اللهُ تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} أيْ: نُسَوِّي بينَ المسلمينَ والمشرِكينَ في إعطاءِ جَنَّاتِ النعيمِ؟! وهو مذكورٌ على طريقِ الإنكارِ أيْ: لا يَفعلُ كذلك.
وقولُه: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أيْ: كيفَ تَقْضُونَ؟ والمرادُ مِن الحكْمِ هو حكْمُهم في أنْفُسِهم بالجنَّةِ.
وقولُه: {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} أيْ: تَدرسونَ ما تَحكمونَ بِهِ، وقِيلَ: تُرَدِّدونَ النظَرَ فيه، فتَحكمونَ منه لأنْفُسِكم ما حَكَمْتُم.
وقولُه: {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} أيْ: تَختارونَ، وهو بيانٌ لذلك الحكْمِ.
وقولُه تعالى: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ} أيْ: مُؤَكِّدَةٌ، ومعنى البالغةِ في كلامِ العرَبِ في مِثلِ هذه الْمَوَاضِعِ: هو بُلوغُ النهايةِ، يُقالُ: هذا شيءٌ جَيِّدٌ بالغٌ، أيْ: بَلَغَ النهايةَ في الْجَوْدَةِ.
وقولُه: {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} يَعنِي اللزومَ والثباتَ، وقيلَ: ألَكُمْ أيمانٌ مُؤَكِّدَةٌ ألاَّ نُعَذِّبَكُم إلى يومِ القِيامةِ؟
وقولُه: {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} تفسيرٌ لِمَا وَقَعَ عليه اليمينُ.
وقولُه: {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} أيْ: كَفيلٌ.
وقولُه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ} هذا على تَوَسُّعِ الكلامِ، ومعناه: عندَهم وفي زَعْمِهم، وقيلَ: أمْ بهذا شَهِدَ الشركاءُ؟ بمعنى الشهداءِ، ذكَرَه النَّقَّاشُ.
وقولُه: {فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} أيْ: بشُركاءَ فيهم على زَعْمِهم. على القولِ الأوَّلِ، وعلى القولِ الثاني: بشهاداتِهم إنْ كانوا صادِقينَ.
قولُه تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} قالَ عِكرمةُ عن ابنِ عبَّاسٍ: عن الأمرِ الشديدِ. وفي هذه الروايةِ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قالَ: إذا أَشْكَلَ عليكم القرآنُ فالْتَمِسُوهُ في الشعْرِ، فإنه دِيوانُ العرَبِ. وأنْشَدَ:
وقامَتِ الحرْبُ بِنا على ساقِ

وهذا قولٌ مَعروفٌ، وقالَ ابنُ قُتيبةَ: كانتِ العرَبُ إذا اشْتَدَّ بهم الأمْرُ عَبَّرُوا بهذا اللفْظِ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا وَقَعَ له الأمْرُ وأخَذَه بجِدٍّ وجُهْدٍ يَقولُ: شَمَّرَ عن ساقِه. فوُضِعَتِ الساقُ مَوْضِعَ الشِّدَّةِ.
قالَ الشاعِرُ:
أخُو الحرْبِ إنْ عَضَّتْ به الحربُ عَضَّهَا وإنْ شَمَّرَتْ عن ساقِها الحربُ شَمَّرَا
وقالَ دُريدُ بنُ الصِّمَّةِ:
كَمِيشُ الإزارِ خارِجَ نصْفُ ساقِه صَبورٌ على العَوراءِ طَلاَّعُ أَنْجُدِ
وفي رِوايةٍ أُخرَى عن ابنِ عبَّاسٍ: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} أيْ: عن هَوْلٍ وكُربةٍ وشِدَّةٍ، وهو بمعنى الأوَّلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو أوَّلُ ساعةٍ مِن ساعاتِ القِيامةِ، وهي أفْظَعُها وأَشَدُّها على الناسِ. هذا كلُّه قولٌ واحدٌ.
وروى أبو سعيدٍ الْخُدريُّ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنه قالَ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَكْشِفُ رَبُّنَا عَن سَاقِهِ فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَذْهَبُ الْمُنَافِقُونَ لِيَسْجُدُوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ)).
وعن ابنِ مَسعودٍ أنه قالَ نَحْواً مِن هذا، وقالَ الحسَنُ البَصريُّ: يومَ يُكْشَفُ عن ساقٍ، أي: السِّتْرِ بينَ الدنيا والآخِرَةِ، ويُقالُ: الغِطاءُ بينَ الدنيا والآخِرةِ، ومعناهما قَريبٌ.
وقولُه: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} أيْ: لا يَستطيعُ المنافقونَ السُّجودَ، وفي الْخَبَرِ: فيُعْقَمُ أَصلابُهم . أي: أَصلابُ المنافقينَ، وقولُه: يُعْقَمُ أيْ: يَصيرُ طَبَقاً وَاحِداً، وفي رِوايةٍ: تَصيرُ كِسْفاً قَيْدَ الحديدِ، وفي الخبرِ بروايةِ أبي موسى الأَشْعَرِيِّ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنه قالَ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مُثِّلَ لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانَ يَعْبُدُونَهُ فِي الدُّنْيَا فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيَبْقَى أَهْلُ التَّوْحِيدِ فَيُقَالُ لَهُمْ، قَدْ ذَهَبَ النَّاسُ فَمَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّ لَنَا رَبًّا كُنَّا نَعْبُدُه. فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَهُ لَوْ رَأَيْتُمُوهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَيْفَ تَعْرِفُونَهُ وَلَمْ تَرَوْهُ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لاَ شِبْهَ لَهُ. فَيُكْشَفُ لَهُمُ الْحِجَابُ فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وَيَبْقَى الْمُنَافِقُونَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ السُّجُودَ، وَتَصِيرُ ظُهُورُهُمْ كَصَيَاصِي الْبَقَرِ. فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ: ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ فَقَدْ جَعَلْتُ بَدَلَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي النَّارِ)).
وقولُه: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} أيْ: ذَليلةً أَبصارُهم، والمرادُ منه ذُلُّ الندامةِ والْحَسرةِ.
وقولُه: {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أيْ: يَغشاهُم الذُّلُّ والْهَوانُ.
وقولُه: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} أيْ: يُدْعَوْنَ إلى صلاةِ الجماعةِ {وَهُمْ سَالِمُونَ} أيْ: مُعَافَوْنَ، والآنَ السُّجودُ لهم (مهيات) ([1] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=2852#_ftn1)).
وظاهِرُ الآيةِ أنَّ معناها السُّجودُ في الصلاةِ، وعن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ أنه قالَ: هو الصلاةُ المكتوبةُ، وقالَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ: يُدْعَوْنَ إلى السُّجودِ بِحَيَّ على الفَلاحِ وهم سالِمونَ فلا يُجِيبونَ.

([1] ) كذا بالأصل ، ولعلها " هيهات " أي: بَعُدَ.
([1] ) لعلها: " كانوا ".