مشاهدة النسخة كاملة : سورة القلم (الآيات: 44-52)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:06 AM
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 04:50 PM
ولهذا قالَ تعالى (44 -52): {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلاَ أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}؛ أي: دَعْنِي والْمُكَذِّبِينَ بالقرآنِ العظيمِ، فإنَّ عليَّ جَزَاءَهم، ولا تَستَعْجِلْ لهم فـ {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} فنَمُدُّهم بالأموالِ والأولادِ، ونَمُدُّهم في الأرزاقِ والأعمالِ؛ لِيَغْتَرُّوا ويَسْتَمِرُّوا على ما يَضُرُّهم.
فإنَّ هذا مِن كَيْدِ اللَّهِ لهم، وكَيْدُ اللَّهِ لأعدائِه مَتينٌ قَوِيٌّ، يَبْلُغُ مِن ضَرَرِهم وعذابِهم فوقَ كلِّ مَبْلَغٍ.
{أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ}؛ أي: ليسَ لِنُفُورِهم عنكَ وعَدَمِ تَصديقِهم لِمَا جِئتَ به سببٌ يُوجِبُ لهم ذلك؛ فإنكَ تُعَلِّمُهم وتَدْعُوهُم إلى اللَّهِ لِمَحْضِ مَصلحَتِهم، مِن غيرِ أنْ تَطْلُبَهم مِن أموالِهم مَغْرَماً يَثْقُلُ عليهم.
{أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} ما كانَ عندَهم مِن الغُيوبِ؟ وقد وَجَدُوا فيها أنهم على حَقٍّ، وأنَّ لهم الثوابَ عندَ اللَّهِ؟ فهذا أمْرٌ ما كانَ، وإنَّما كانَتْ حالُهم حالَ مُعانِدٍ ظالِمٍ، فلم يَبْقَ إلاَّ الصبْرُ لأَذَاهُم والتحمُّلُ لِمَا يَصْدُرُ منهم، والاستمرارُ على دَعْوَتِهم.
ولهذا قالَ: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ}؛ أي: لِمَا حَكَمَ به شَرْعاً وقَدَراً، فالْحُكْمُ القَدَرِيُّ يُصْبَرُ على الْمُؤْذِي منه ولا يُتَلَقَّى بالسَّخَطِ والجَزَعِ، والحُكْمُ الشرعيُّ يُقابَلُ بالقَبولِ والتسليمِ والانقيادِ التامِّ لأَمْرِه.
وقولُه: {وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} وهو يُونُسُ بنُ مَتَّى، عليه الصلاةُ والسلامُ؛ أي: ولا تُشَابِهْهُ في الحالِ التي أَوْصَلَتْهُ وأَوْجَبَتْ له الانحباسَ في بطْنِ الحوتِ، وهو عَدَمُ صَبْرِه على قَومِه الصَّبْرَ المطلوبَ منه، وذَهابُه مُغاضِباً لربِّه حتى رَكِبَ في البحْرِ، فاقتَرَعَ أهْلُ السفينةِ حينَ ثَقُلَتْ بأَهْلِها أيُّهم يُلْقُونَ لكَيْ تَخِفَّ بهم؟ فوَقَعَتِ القُرعةُ عليه، فالْتَقَمَه الحوتُ وهو مُلِيمٌ.
وقولُه: {إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ}؛ أي: وهو في بَطْنِها قد كَظَمَتْ عليه، أو نَادَاهُ وهو مُغْتَمٌّ مُهْتَمٌّ، بأنْ قالَ: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}. فاسْتَجابَ اللَّهُ له, وقَذَفَتْهُ الحوتُ مِن بَطْنِها بالعَرَاءِ وهو سَقيمٌ، وأَنْبَتَ اللَّهُ عليه شَجرةً مِن يَقْطِينٍ.
ولهذا قالَ هنا: {لَوْلاَ أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ}؛ أي: لطُرِحَ في العَرَاءِ، وهي الأرْضُ الخاليةُ.
{وَهُوَ مَذْمُومٌ} ولكنَّ اللَّهَ تَغَمَّدَه برَحْمَتِه، فنُبِذَ وهو مَمدوحٌ، وصارَتْ حالُه أحسَنَ مِن حالِه الأُولَى.
ولهذا قالَ: {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ}؛ أي: اخْتَارَهُ وَاصطفَاهُ ونَقَّاهُ مِن كُلِّ كَدَرٍ، {فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}؛ أي: الذينَ صَلَحَتْ أعمالُهم وأقوالُهم ونِيَّاتُهم وأحوالُهم، فامْتَثَلَ نَبِيُّنَا محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ أمْرَ رَبِّهِ، فصَبَرَ لحُكْمِ رَبِّه صَبْراً لا يُدْرِكُه فيه أحَدٌ مِن العالَمِينَ.
فجَعَلَ اللَّهُ له العَاقِبَةَ، {وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} ولم يُدْرِكْ أعداؤُه فيه إلاَّ ما يَسُوءُهُم، حتَّى إنَّهم حَرَصُوا على أنْ يُزْلِقُوهُ بأبصارِهم؛ أي: يُصِيبُوه بأَعْيُنِهم، مِن حَسَدِهم وغَيْظِهم وحَنَقِهم، هذا مُنْتَهى ما قَدَرُوا عليه مِن الأَذَى الفِعْلِيِّ، واللَّهُ حافِظُه وناصِرُه.
وأمَّا الأَذَى القَوْلِيُّ، فيقولونَ فيه أقوالاً بحَسَبِ ما تُوحِي إليهم قُلوبُهم فيَقولونَ تارَةً: مَجنونٌ. وتَارةً: ساحِرٌ. وتارةً: شاعِرٌ.
قالَ تعالى: {وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}؛ أي: وما هذا القرآنُ الكريمُ، والذِّكْرُ الحكيمُ إلاَّ ذِكْرٌ للعالَمِينَ، يَتذَكَّرُونَ به مَصالِحَ دِينِهم ودُنياهم.
تَمَّ تَفسيرُ سُورةِ القَلَمِ، والحمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 09:33 PM
44-{فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} ذَرْنِي، أيْ: خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَه، ووَكِّلْ أمْرَه إلَيَّ، فلا يَشتغِلْ به قَلْبُك، فأَنَا أَكْفِيكَ أَمْرَه. والمرادُ بهذا الحديثِ القرآنُ.
{سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} أيْ: سنَأْخُذُهم بالعذابِ على غَفلةٍ ونَسوقُهم إليه دَرجةً فدَرجةً، حتى نُوقِعَهم فيه مِن حيثُ لا يَعلمونَ أنَّ ذلك استِدْراجٌ؛ لأنهم يَظُنُّونَه إنعامًا، ولا يُفَكِّرونَ في عاقِبَتِه وما سيَلْقَوْنَ في نِهايتِه.
45-{وَأُمْلِي لَهُمْ} أيْ: أُمْهِلُهم لِيَزْدَادُوا إثماً.
{إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أيْ: قَوِيٌّ شديدٌ فلا يَفُوتُني شَيْءٌ.
46-{أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً} أيْ: هل تَطلبُ مِنهم ثواباً على ما تَدْعُوهم إليه مِن الإيمانِ باللهِ.
{فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} الْمَغْرَمُ مَن يَحمِلُ غَرامةَ ذلك الأَجْرِ، أيْ: يَثْقُلُ عليهم حَمْلُه لشُحِّهِم ببَذْلِ الماءِ، فهل طَلَبْتَ مِنهم أَجْراً فأَعْرَضوا عن إجابَتِكَ بهذا السببِ؟
47-{أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} أيْ: بل أَعِنْدَهم علْمُ الغيبِ يَكتبونَ ما يُريدونَ مِن الْحُجَجِ التي يَزعمونَ، ويُخَاصِمُونَك بما يَكتبونَه مِن ذلك، ويَحكمونَ لأنْفُسِهم بما يُريدونَ، ويَستغنونَ بذلك عن الإجابةِ لك والامتثالِ لِمَا تَقولُه؟
48-{وَلاَتَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} يُونُسَ عليه السلامُ، أيْ: لا تَكُنْ مِثلَه في الغَضَبِ والضجَرِ.
{إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} اللهُ يُعَزِّي نَبِيَّهُ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ ويَأمرُه بالصبْرِ، وألاَّ يَعْجَلَ كما عَجِلَ صاحِبُ الحوتِ. وقد تَقَدَّمَ بيانُ قِصَّتِه في سورةِ "الأنبياءِ" و"يونُسَ" و"الصافاتِ". وكانَ النداءُ منه بقولِه: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُمِنَ الظَّالِمِينَ} ولم يَصبرْ على دَعوتِه لقَومِه.
وقولُه:{وَهُوَ مَكْظُومٌ} أيْ: مَغمومٌ مَكروبٌ.
ويَحتمِلُ أنَّ المرادَ: مُقْفَلٌ عليه في بطْنِ الحوتِ.
49-{لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ} وهي تَوفيقُه للتوبةِ، فتابَ اللهُ عليه.
{لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ} أيْ: لأُلْقِيَ مِن بَطنِ الحوتِ على وَجهِ الأرضِ الخاليةِ مِن النباتِ.
{وَهُوَ مَذْمُومٌ} أيْ: يُذَمُّ ويُلامُ بالذنْبِ الذي أَذْنَبَه ويُطْرَدُ مِن الرحمةِ.
50-{فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ} أيْ: استَخْلَصَه واصْطَفَاهُ واختارَه للنُّبُوَّةِ.
{فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} أيْ: الكاملينَ في الصلاحِ.
وقيلَ: رَدَّ إليه النُّبُوَّةَ وشَفَّعَه في نفْسِه وفي قَوْمِه، وأَرْسَلَه إلى مائةِ ألْفٍ أو يَزيدونَ، فآمَنُوا جَمِيعاً كما تَقَدَّمَ.
51-{وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} قالَ ابنُ قُتيبةَ: ليس يُريدُ اللهُ أنهم يُصِيبُونَك بأَعْيُنِهم كما يُصيبُ العائنُ بعَيْنِه ما يُعْجِبُه، وإنما أَرادَ أنهم يَنظرونَ إليك إذا قَرَأْتَ القرآنَ نَظَراً شَديدًا بالعداوةِ والبَغضاءِ يَكادُ يُسْقِطُكَ.
{لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ} أيْ: وقتَ سماعِهم للقرآنِ لكَراهتِهم لذلك أَشَدَّ كَراهةٍ.
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 09:35 PM
قولُه تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} أيْ: خَلِّنِي وإِيَّاهُ وَكِلْهُ إِلَيَّ لأُجَازِيَهُ بعَمَلِه، وقيلَ: ذَرْنِي أيْ: لا تَشغَلْ قلْبَكَ به، ودَعْنِي وإِيَّاهُ فإنِّي مُجازِيهِ ومُكَافِئُه، وهو بمعنى الأَوَّلِ، والعرَبُ تقولُ مِثلَ هذا القوْلِ، وإنْ لم يكنْ هناكَ أحَدٌ يَمنعُه منه، قالَ الشاعِرُ:
ذَرِينِي والثعْلَبَ أُمَّ سَعْدٍ تُقِلُّنِي الأرْضُ (أو بيتك) أمالاَ
وقولُه: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} الاستدراجُ في كلامِ العرَبِ هو الأَخْذُ قَليلاً قَليلاً، ومنه: دَرَجَ الصبيُّ. إذا مَشَى قَليلاً قَليلاً.
وروَى عبدُ الرحمنِ بنُ داوُدَ الْخُرَيْبِيُّ عن سفيانَ الثوريِّ أنه قالَ: الاستدراجُ هو إسباغُ النِّعَمِ ومَنْعُ الشكْرِ، وقيلَ: هو أنه كُلَّما جَدَّدَ ذَنْباً جَدَّدَ اللهُ له نِعمةً.
وعن عُقبةَ بنِ مسْلِمٍ قالَ: إذا كانَ العبْدُ على مَعصيةِ اللهِ ثم أَعطاهُ اللهُ ما يُحِبُّ، فلْيَعْلَمْ أنه في استدراجٍ. وعن الحسَنِ البَصريِّ قالَ: كمْ مِن مُستدرَجٍ بِحُسْنِ الثناءِ عليه، ومَغرورٍ بِسَتْرِ اللهِ عليه.
وقيلَ: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} أيْ: نَمْكُرُ بهم مِن حيثُ لا يَعلمونَ.
وقولُه: {وَأُمْلِي لَهُمْ} أيْ: أُمْهِلُهم ولا أُبَاغِتُهم جَهْراً، بل آخُذُهم وأَمْكُرُ بهم قَليلاً قَليلاً. وقد بَيَّنَّا معنى الإمهالِ والإملاءِ مِن قَبْلُ.
وقولُه: {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أيْ: شَديدٌ.
قولُه تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} أيْ: أَجْراً على تَبليغِ الرسالةِ فهُم مِن الغُرْمِ مُثْقَلونَ.
وقولُه: {أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} أيْ: عِندَهم اللوْحُ المحفوظُ، وسَمَّاهُ غَيْباً لأنه كُتِبَ فيه ما غابَ عن العِبادِ.
وقولُه: {فَهُمْ يَكْتُبُونَ} أيْ: يَكتبونَ منه ما يَحكمونَ لأَنْفُسِهم ويَقَعُ بشَهَوَاتِهم.
قولُه تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} أيْ: في الضَّجَرِ وتَرْكِ الصبْرِ، ويُقالُ: لا تُغَاضِبْ كما غَاضَبَ صاحِبُ الحوتِ، وهو ذو النُّونِ، واسْمُه يُونُسُ بنُ مَتَّى صَلواتُ اللهِ عليه.
وقولُه: {إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} أيْ: مملوءٌ كَرْباً وغَمًّا، ويُقالُ: كَظَمَ البَعيرُ بُجْرَتَه. إذا حَبَسَها، والمعنى: أنه لم يَجِدْ للغَمِّ الذي في قَلبِه نَفَاذاً ومَسَاغاً فكَظَمَ عليه، أيْ: حَبَسَه.
وقولُه: {لَوْلاَ أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ} أيْ: رَحمةٌ مِن رَبِّه.
وقولُه: {لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ} العَراءُ هو وَجهُ الأرْضِ. ويُقالُ: المكانُ الخالِي البارِزُ.
وقولُه: {وَهُوَ مَذْمُومٌ} أيْ: نُبِذَ غيرَ مَذمومٍ، ولولاَ رَحمةُ رَبِّه لكانَ مذموماً.
قولُه تعالى: {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ} أي: اصْطَفاهُ واخْتَارَه.
وقولُه: {فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} أيْ: مِن عِبادِه الصالحينَ، وقد ذَكَرْنا قِصَّتَه مِن قَبْلُ.
قولُه تعالى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} قَرَأَ ابنُ عبَّاسٍ: (لَيُزْهِقُونَكَ بأَبْصَارِهم) والزَّلَقُ هو السُّقوطُ، والإزلاقُ: الإسقاطُ، وفي الآيةِ قولانِ مَعروفانِ: أحَدُهما: ليُزْلِقُونَكَ بأَبصارِهم أيْ: يَعْتَانُونَك، ومعناه: يُصيبُونَك بأَعْيُنِهم، ذكَرَه الكلبيُّ ومُقاتِلٌ وغيرُهما، وذَكَرَه الفَرَّاءُ أيضاً في كِتابِه.
ورُوِيَ أنَّ الرجُلَ مِن العَرَبِ كان يُجَوِّعُ نفْسَه ثَلاثةَ أيَّامٍ، ثم يَخْرُجُ فتَمُرُّ عليه إبِلُ جَارِه أو غَنَمُه فيَقولُ: ما أحْسَنَها، وما أَعْظَمَها، وما أَسْمَنَها. ومِثْلَ هذا، فيَسْقُطُ منها العِدَّةُ فتَهْلِكُ.
وفي بعضِ التفاسيرِ: أنَّ هذا كانَ في بني أسَدٍ مِن العَرَبِ، وكانَ الرجُلُ يَعتانُ إبِلَ الواحدِ منهم أو الغَنَمَ، ثم يقولُ لغُلامِه: اذهَبْ بِمِكْتَلٍ ودِرْهَمٍ لتَأْخُذَ لنا مِن لَحْمِه. وكان يَتيقَّنُ أنه يَسقطُ فيُنْحَرُ.
والقولُ الثاني في الآيةِ ـ وهو أحْسَنُ القَوْلَيْنِ ـ أنَّ المرادَ منها هو أنهم يَنظرونَ إليك نَظَرَ البَغضاءِ والعَداوةِ فيَكادُونَ مِن شِدَّةِ نَظَرِهم أيْ: يَصْرَعُونَك ويُسقِطُونَك، وهذا على مَذهَبِ كَلامِ العرَبِ؛ تقولُ العرَبُ: نَظَرَ فُلانٌ نَظَراً يَكادُ يَصْرَعُه أو يَأْكُلُه، أو يَنظرُ إليَّ فُلانٌ نَظراً يكادُ يَصْرَعُنِي، أو يَكادُ يَأْكُلُني به، أيْ: لو أَمْكَنَه أنْ يَصْرَعَنِي به يَصْرَعُنِي، أو يَأْكُلَنِي به لأَكَلَنِي، وهذا اختيارُ الزَّجَّاجِ وغيرِه مِن أهلِ المعانِي، وأَنْشَدُوا:
يَتلاحَظُونَ إذا الْتَقَوْا في مَوْطِنٍ نَظَراً يُزيلُ (مَوَاطِنَ) الأقدامِ
وقولُه: {لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ} أي: القرآنَ، وكانتْ عَداوَتُهم وبَغضاؤُهم تَشْتَدُّ إذا سَمِعُوهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقرأُ القُرآنَ.
وقولُه: {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} اسمٌ سَمَّوْهُ به.
وقولُه: {وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} أيْ: شَرَفٌ لِلعالَمِينَ، وهو كِنايةٌ عن الرسولِ، والأظهَرُ أنَّ القرآنَ ذكْرٌ للعَالَمِينَ، وقيلَ: الرسولُ مُذَكِّرٌ للعالَمِينَ، وقد بَيَّنَّا معنى العالَمينَ مِن قَبْلُ.
([1] ) كذا بالأصل ، ولعل بعدها: " يُزْلِقُونَكَ "
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir