مشاهدة النسخة كاملة : سورة الحاقة (الآيات: 1-12)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:06 AM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ
(12)
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 04:54 PM
تفسيرُ سورةِ الحاقَّةِ
وهي مَكِّيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ * وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً * إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لاَ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ * فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1 - 8) {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ *}.
{الْحَاقَّةُ} مِن أسماءِ يومِ القِيامةِ؛ لأنَّها تَحِقُّ وتَنْزِلُ بالخَلْقِ، وتَظْهَرُ فيها حقائقُ الأُمورِ، ومُخَبَّآتُ الصُّدورِ، فعَظَّمَ تعالَى شأْنَها، وفَخَّمَه بما كَرَّرَه مِن قولِه: {مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ}. فإنَّ لها شَأْناً عَظيماً وهَوْلاً جَسِيماً، ومِن عَظَمَتِها أنَّ اللَّهَ أَهْلَكَ الأُمَمَ الْمُكَذِّبَةَ بها بالعذابِ العاجِلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ نَموذجاً مِن أحوالِها الْمَوجودةِ في الدنيا المشاهَدَةِ فيها، وهو ما أحَلَّهُ مِن العُقوباتِ البَليغةِ بالأُمَمِ العاتِيَةِ فقالَ: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ}. وهم القَبيلةُ المشهورةُ سُكَّانُ الْحِجْرِ، الذينَ أَرْسَلَ اللَّهُ إليهم رَسولَه صالِحاً عليه السلامُ، يَنْهَاهُم عمَّا هم عليهِ مِن الشِّرْكِ، ويَأْمُرُهم بالتوحيدِ، فَرَدُّوا دَعوتَه وكَذَّبُوه، وكَذَّبُوا ما أَخْبَرَهم به مِن يومِ القِيامةِ، وهي القارِعَةُ التي تَقْرَعُ الخَلْقَ بأهوالِها، وكذلك عادٌ الأُوَلى، سُكَّانُ حَضْرَمَوْتَ، حينَ بَعَثَ اللَّهُ إليهم رَسولَه هُوداً عليه الصلاةُ والسلامُ يَدعُوهُم إلى عِبادةِ اللَّهِ وَحْدَه، فكَذَّبُوهُ وكَذَّبُوا بما أَخْبَرَ به مِن البَعْثِ، فأَهْلَكَ اللَّهُ الطائفتَيْنِ بالهلاكِ الْمُعَجَّلِ.
{فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} وهي الصَّيْحَةُ العَظيمةُ الفَظيعةُ التي انْصَدَعَتْ منها قُلوبُهم، وزَهَقَتْ لها أرواحُهم، فأَصْبَحُوا موتَى لا يُرَى إلاَّ مَساكِنُهم وجُثَثُهم.
{وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ}؛ أي: قَوِيَّةٍ شديدةِ الهُبُوبِ، لها صَوتٌ أبْلَغُ مِن صَوتِ الرعْدِ القاصِفِ.
{عَاتِيَةٍ}؛ أي: عَتَتْ على خُزَّانِها، على قولِ كثيرٍ مِن الْمُفَسِّرِينَ، أو عَتَتْ على عادٍ، وزادَتْ على الْحَدِّ كما هو الصحيحُ.
{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً}؛ أي: نَحْساً وشَرًّا فَظيعاً عليهم، فدَمَّرَتْهُم وأَهْلَكَتْهم.
{فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى}؛ أي: هَلْكَى مَوْتَى، {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}؛ أي: كأنَّهم جُذوعُ النخْلِ التي قدْ قُطِعَتْ رُؤوسُها الخاوِيَةُ، الساقِطُ بعضُها على بعضٍ.
{فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} وهذا استفهامٌ بمعنى النفْيِ الْمُتَقَرِّرِ.
(9 -12) {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً * إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ *}؛ أي: وكذلكَ غيرُ هاتَيْنِ الأُمَّتَيْنِ الطاغِيَتَيْنِ؛ عادٍ وثمودَ، جاءَ غيرُهم مِن الطُّغاةِ العُتَاةِ؛ كفِرْعَوْنَ مِصرَ الذي أَرْسَلَ اللَّهُ إليهِ عَبْدَه ورَسولَه مُوسَى بنَ عِمرانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، وأَرَاهُ مِن الآياتِ البَيِّنَاتِ ما تَيَقَّنُوا بها الحقَّ، ولكنْ جَحَدُوا وكَفَروا ظُلْماً وعُلُوًّا.
وجاءَ مَن قَبْلَه مِن الْمُكَذِّبِينَ {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ}؛ أي: قُرَى قومِ لُوطٍ، الجميعُ جَاؤُوا {بِالْخَاطِئَةِ}؛ أي: بالفَعْلةِ الطاغيةِ، وهي الكُفْرُ والتكذيبُ والظُّلْمُ والْمُعَانَدَةُ، وما انضَمَّ إلى ذلكَ مِن أنواعِ الفواحِشِ والفُسوقِ.
{فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ} وهذا اسمُ جِنسٍ؛ أي: كلٌّ مِن هؤلاءِ كَذَّبَ الرسولَ الذي أَرْسَلَه اللَّهُ إليهم، فَأَخَذَ اللَّهُ الجميعَ {أَخْذَةً رَابِيَةً}؛ أي: زائدةً على الْحَدِّ والْمِقدارِ الذي يَحصُلُ به هَلاكُهم.
ومِن جُملةِ أولئكَ قومُ نُوحٍ, أَغْرَقَهم اللَّهُ في اليَمِّ حينَ طَغَى الماءُ على وَجْهِ الأرْضِ وعلا على مَوَاضِعِها الرَّفيعةِ.
وامْتَنَّ اللَّهُ على الخَلْقِ الْمَوْجُودِينَ بَعْدَهم أنَّ اللَّهَ حَمَلَهم {فِي الْجَارِيَةِ} - وهي السَّفِينةُ - في أَصْلابِ آبَائِهم وأُمَّهَاتِهم الذينَ نَجَّاهُمُ اللَّهُ, فاحْمَدُوا اللَّهَ واشْكُرُوا الذي نَجَّاكُمْ حينَ أَهْلَكَ الطاغِينَ، واعتَبِرُوا بآياتِه الدالَّةِ على تَوحيدِه.
ولهذا قالَ: {لِنَجْعَلَهَا}؛ أي: الجاريةَ، والمرادُ جِنْسُها، لكم {تَذْكِرَةً} تُذَكِّرُكم أوَّلَ سفينةٍ صُنِعَتْ، وما قِصَّتُها، وكيفَ نَجَّى اللَّهُ عليها مَن آمَنَ به واتَّبَعَ رَسولَه، وأَهْلَكَ أهلَ الأرضِ كلَّهم؛ فإنَّ جِنْسَ الشيءِ مذَكِّرٌ بأَصْلِه.
وقولُه: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}؛ أي: تَعْقِلُها أُولُو الألبابِ، ويَعْرِفونَ المقصودَ منها ووَجْهَ الآيةِ بها.
وهذا بخِلافِ أهلِ الإعراضِ والغَفلةِ وأهلِ البَلادَةِ وعَدَمِ الفِطنةِ، فإِنَّهم ليسَ لهم انتفاعٌ بآياتِ اللَّهِ؛ لعَدَمِ وَعْيِهم عن اللَّهِ، وفِكْرِهم بآياتِ اللَّهِ.
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 09:38 PM
سورةُ الحاقَّةِ
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ * وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً * إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ * فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}.
1-{الْحَاقَّةُ} هي القِيامةُ؛ لأنَّ الأمرَ يَحِقُّ فيها، والحاقَّةُ يومُ الْحَقِّ، لأنها تَظْهَرُ فيها الحقائقُ.
2-{مَا الْحَاقَّةُ} المعنى: أيُّ شيءٍ هي في حالِها أو صِفاتِها؟
3-{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} يَعنِي: أيُّ شيءٍ أَعْلَمَك ما هي؟ فكأنها خارِجَةٌ عن دائرةِ علْمِ المخلوقينَ.
4-{كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} أيْ: بالقيامةِ، وسُمِّيَتْ بذلك لأنها تَقْرَعُ الناسَ بأهوالِها.
5-{فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} ثَمودُ هم قَومُ صالحٍ، والطاغيةُ الصيْحَةُ التي جاوَزَتِ الْحَدَّ.
6-{وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} عادٌ هم قومُ هُودٍ، والريحُ الصَّرْصَرُ هي الشديدةُ البَرْدِ، والعاتيةُ: القَاسيةُ التي جاوَزَتِ الحدَّ؛ لشدَّةِ هُبوبِها وطُولِ زَمَنِها وشِدَّةِ بَرْدِها.
7-{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} أيْ: أَرْسَلَها عليهم طِيلَةَ هذه الْمُدَّةَ مُستَمِرَّةً لا تَنقطِعُ ولا تَهدأُ، وكانتْ تَقتلُهم بالْحَصباءِ.
{حُسُومًا} أيْ: تَحْسِمُهم حُسوماً، أيْ: تُفْنِيهِم وتُذْهِبُهم.
{فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا} أيْ: في تلكَ الأيَّامِ والليالي. أو المرادُ: في دِيارِهم، {صَرْعَى} مَصروعينَ بالأرْضِ موتَى.
{كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} أيْ: أُصولُ نَخْلٍ ساقطةٍ أو بالِيَةٍ.
8-{فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} أيْ: مِن فِرقةٍ باقيةٍ، أو مِن نفْسٍ باقيةٍ؟ أيْ: فلم يَبقَ منهم أَحَدٌ.
9-{وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ} أيْ: مِن الأُمَمِ الكافرةِ، {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} وهي قُرَى قومِ لُوطٍ. والمعنى: وجاءَتِ الْمُؤْتَفِكَاتُ {بِالْخَاطِئَةِ} أيْ: بالفِعلةِ الخاطئةِ, وهي الشرْكُ والمعاصِي.
10-{فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ} أي: فعَصَتْ كلُّ أمَّةٍ رَسُولَها الْمُرْسَلَ إليها.
{فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً} أيْ: أَخَذَهم اللهُ أَخْذَةً نَاميةً زائدةً على أَخَذاتِ الأُمَمِ.
11-{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} أيْ: تَجاوَزَ حَدَّه في الارتفاعِ والعُلُوِّ، وذلك ما حَصَلَ مِن الطُّوفانِ في زَمَنِ نُوحٍ لَمَّا أصَرَّ قومُه على الكفْرِ وكَذَّبُوهُ، {حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} أيْ: في أَصلابِ آبائِكم، والجاريةُ سفينةُ نُوحٍ؛ لأنها تَجْرِي في الماءِ.
12-{لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ} يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ, {تَذْكِرَةً} أيْ: عِبرةً ومَوْعِظَةً تَستَدِلُّونَ بها على عَظيمِ قُدرةِ اللهِ وبَديعِ صُنْعِه وشِدَّةِ انتقامِه، {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} أيْ: تَحْفَظُها بعدَ سَمَاعِها أُذُنٌ حافظةٌ لِمَا سَمِعَتْ.
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 09:41 PM
بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
{الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِنْ بَاقِيَةٍ * وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً * إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لاَ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ * فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}.
تفسيرُ سورةِ الحاقَّةِ
وهي مَكِّيَّةٌ
وذَكَرَ النَّقَّاشُ في كتابِه برِوايتِه أنَّ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنه قالَ: تَعَرَّضْتُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَبلَ أنْ أُسْلِمَ، فمَضيتُ إلى المسجِدِ فوَجدتُه قد سَبَقَنِي إليه، وقامَ يُصَلِّي فقُمتُ خلْفَهُ، فقَرأَ سُورةَ الحاقَّةِ، فجَعَلْتُ أتَعَجَّبُ مِن تَأليفِ القرآنِ، وأَقولُ: هو شاعِرٌ. كما يقولُه قريشٌ، حتى بَلَغَ قولَه تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} إلى آخِرِ السُّورةِ، فعَلِمْتُ أنه ليس شاعراً، ووَقَعَ الإسلامُ في قَلْبِي.
قولُه تعالى: {الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ} وهي اسمٌ للقِيامةِ. وسُمِّيَتِ القِيامةُ حاقَّةً؛ لأنَّ فيها حَوَاقَّ الأمورِ، أيْ: حَقَائِقُها، ويُقالُ: لأنها حَقَّقَتْ على كلِّ إنسانٍ عمَلَه مِن خيرٍ وشَرٍّ، وتُظْهِرُ جَزاءَه مِن الثوابِ والعِقابِ.
قالَ الأَزْهَرِيُّ: سُمِّيَتْ حَاقَّةً؛ لأنها تَحُقُّ الكفارَ الذين حَاقُّوا الأنبياءَ في الدنيا إِنكاراً لها. تقولُ العربُ: حاقَقْتُ فُلاناً فحَقَقْتُهُ، أيْ: خاصَمْتُه فخَصَمْتُه.
وقولُه: {مَا الْحَاقَّةُ} مَذكورٌ على وجهِ التعظيمِ والتَّفخيمِ.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وَدَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حجَرَاتِه وَلكِنْ حَدِيثاً مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِلِ
فما للاستفهامِ، وهو مَذكورٌ في هذا الْمَوْضِعِ لتعظيمِ أمْرِ الرَّوَاحِلِ، كذلك ههنا.
وقولُه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كلُّ ما قالَ {أَدْرَاكَ} فقدْ أَعْلَمَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وما قالَ: {وَمَا يُدْرِيكَ} فلَم يُعْلِمْه. وهو مَذكورٌ أَيضاً على طريقِ التعظيمِ والتهويلِ، ومِثلُه قولُ أبي النَّجْمِ شعراً:
أنا أبو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي
قولُه تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} القارِعةُ اسمٌ للقِيامةِ أَيضاً، قالَ الْمُبَرِّدُ: سُمِّيَتِ القِيامةُ قارِعةً؛ لأنها تَقْرَعُ القُلوبَ، وتَهْجُمُ عليها بالشدَّةِ والكَرْبِ.
وقولُه: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} قالَ مُجاهِدٌ: بطُغيانِهم، وهو قولُ أبي عُبيدةَ أيضاً، ويُقالُ: {بِالطَّاغِيَةِ} أيْ: بالصَّيْحَةِ، وقيلَ: بالرَّجْفَةِ، وسَمَّى الصَّيحةَ طاغيةً؛ لأنها زَادَتْ على الْمِقْدارِ الذي تُطيقُه الأسماعُ.
وقولُه: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} أيْ: ذاتِ بَرْدٍ شَديدٍ، وعلى هذا القولِ أُخِذَ مِن الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقيلَ: هي ذاتُ صَيحةٍ، وعلى هذا مَأخوذٌ مِن الصِّرَّةِ وهي الصَّيْحَةُ.
وقولُه: {عَاتِيَةٍ} أيْ: عَتَتْ على خُزَّانِها، قالَ قَبِيصةُ بنُ ذُؤيبٍ: لم يُرْسِلِ اللهُ رِيحاً إلاَّ بقَدَرٍ مَعلومٍ غيرَ الرِّياحِ التي أَرْسَلَها على عَادٍ، فإنها خَرجتْ بغيرِ قَدَرٍ مَعلومٍ غَضَباً بغَضبِ اللهِ تعالى، وقد رُوِيَ هذا عن ابنِ عَبَّاسٍ، ويُقالُ: سَمَّى هذه الريحَ عاتيةً؛ لأنها جاوَزَتِ الْمِقْدَارَ.
وقولُه: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ} أيْ: سَلَّطَها وأَرْسَلَها عليهم، {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} أيْ: مُتتابِعَةً. وقيلَ: مَشَائِيمَ، ويُقالُ: سَمَّاهَا حُسوماً؛ لأنها قَتَلَتْهُم وأَفْنَتْهُم، مِن الْحَسْمِ وهو القَطْعُ.
وفي التفسيرِ: أنَّ ابْتِداءَه كان مِن غَداةِ يومِ الأربعاءِ، ويُقالُ: مِن غَداةِ يَوْمِ الأَحَدِ.
وقولُه: {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى} أيْ: صُرِعُوا وصَارُوا {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ} أيْ: أُصولُ نَخْلٍ مُنْقَطِعَةٍ عن أَمَاكِنِها. {خَاوِيَةٍ} قالَ الأَزْهَرِيُّ: سَمَّاهُ خَاوِيَةً؛ لأنها إذا انْقَلَعَتْ خَلَتْ أَمَاكِنُها منها.
وقولُه: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} أيْ: مِن نفْسٍ باقِيَةٍ. ويُقالُ: مِن بَقاءٍ.
قولُه تعالى: {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ} وقُرِئَ: (ومَن قِبَلَه) أي: الأُمَمُ الذين كانوا قِبَلَه.
وقولُه: {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} هي قرياتُ لُوطٍ. فعلى هذا معناه: وأَهْلُ الْمُؤْتَفِكَاتِ، وقِيلَ: الْمُؤْتَفِكَاتُ: هم قَومُ لُوطٍ؛ لأنه ائْتَفَكَ بهم.
وقولُه: {بِالْخَاطِئَةِ} أيْ: بالْخَطَأِ العظيمِ، أيْ: بالذنْبِ العظيمِ.
وقولُه: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً} أيْ: زَائدةً على الأَخَذَاتِ، ويُقالُ: زادَ العذابُ على قَدْرِ أعمَالِهم.
قولُه تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} قالَ سَعيدُ بنُ جُبيرٍ: غَضِبَ بِغَضَبِ اللهِ فطَغَى.
ويُقالُ: {طَغَى} أيْ: جَاوَزَ الْمِقْدَارَ. فيُقالُ: إنه زَادَ كُلَّ شيءٍ في العالِمَ خَمسةَ أَذْرُعٍ، وقد قِيلَ: أَكثرَ مِن ذلك.
وقولُه: {حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} أي: السَّفينةِ، وجَمْعُها الْجَوَارِي، وهي السُّفُنُ.
وقولُه: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} أيْ: عِبرةً وعِظةً، قالَ قَتادةُ: أَدْرَكَ أوائلُ هذه الأمَّةِ سَفينةَ نُوحٍ، وكَمْ مِن السفُنِ قد هَلَكَتْ، ولكنَّ اللهَ تعالى أبْقَى هذه السفينةَ تَذكِرَةً لهذه الأُمَّةِ وعِبرةً لها، ويُقالُ: جَعَلَها لكم تَذْكِرَةً، أيْ: تَذَكَّرُوا هذه القِصَّةَ فتكونَ لكم ولِمَنْ سَمِعَها عِبرةً وعِظةً.
وقولُه تعالى: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} أيْ: أُذُنٌ عَقَلَتْ أَمْرَ اللهِ وعَمِلَتْ به. ورَوَى مَكحولٌ أنَّ هذه الآيةَ لَمَّا نَزلتْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنه: ((سَأَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ)). قالَ عَلِيٌّ: فما سَمِعْتُ بعدَ ذلك شيئاًَ فنَسيتُه.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir