المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سورة المعارج (الآيات: 1-18)


عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:11 AM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10)
يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18)

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 05:19 PM
تَفسيرُ سُورةِ سَأَلَ سَائِلٌ
وهي مَكِّيَّةٌ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى * إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ * فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ * فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(1-7) {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً *}.
يقولُ تعالى مُبَيِّناً لجَهْلِ المعانِدِينَ واستعجالِهم لعذابِ اللَّهِ؛ استهزاءً وتَعَنُّتاً وتَعجيزاً: {سَأَلَ سَائِلٌ}؛ أي: دَعَا داعٍ واستفتَحَ مُستَفْتِحٌ.
{بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ}؛ لاستحقاقِهم له بكُفْرِهم وعِنادِهم.
{لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ}؛ أي: ليسَ لهذا العذابِ الذي استَعْجَلَ به مَن استَعْجَلَ مِن مُتَمَرِّدِي المُشرِكِينَ أحَدٌ يَدْفَعُه قبلَ نُزولِه، أو يَرفَعُه بعدَ نُزولِه، وهذا حينَ دعا النَّضْرُ بنُ الحارِثِ القُرَشِيُّ أو غيرُه مِن المُشرِكِينَ فقالَ: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ...} إلى آخِرِ الآياتِ.
فالعذابُ لا بُدَّ أنْ يَقَعَ عليهم مِن اللَّهِ؛ فإمَّا أنْ يُعَجَّلَ لهم في الدنيا، وإمَّا أنْ يُؤَخَّرَ عنهم إلى الآخِرةِ، فلو عَرَفُوا اللَّهَ تعالى، وعَرَفوا عَظمتَه وسَعَةَ سُلطانِه وكَمالَ أسمائِه وصِفاتِه ـ لَمَا استَعْجَلُوا ولاَسْتَسْلَمُوا وتَأَدَّبُوا.
ولهذا أَخْبَرَ تعالى مِن عَظمتِه مَا يُضَادُّ أقوالَهم القَبيحةَ، فقالَ: {ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}؛ أي: ذو العُلُوِّ والجلالِ والعَظمةِ والتدبيرِ لسائِرِ الخَلْقِ، الذي تَعْرُجُ إليهِ الملائكةُ بما دَبَّرَها على تَدبيرِه، وتَعْرُجُ إليه الرُّوحُ.

وهذا اسمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الأرواحَ كلَّها؛ بَرَّها وفاجِرَها، وهذا عندَ الوفاةِ، فأَمَّا الأبرارُ فتَعْرُجُ أرواحُهم إلى اللَّهِ، فيُؤْذَنُ لها مِن سماءٍ إلى سماءٍ حتى تَنتهِيَ إلى السماءِ التي فيها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فتُحَيِّي ربَّها وتُسَلِّمُ عليه، وتَحْظَى بقُربِه، وتَبْتَهِجُ بالدُّنُوِّ منه، ويَحْصُلُ لها منه الثناءُ والإكرامُ والبِرُّ والإعظامُ.
وأمَّا أرواحُ الفُجَّارِ فتَعْرُجُ، فإذا وَصَلَتْ إلى السماءِ استَأْذَنَتْ فلم يُؤْذَنْ لها وأُعِيدَتْ إلى الأرضِ.
ثم ذَكَرَ المسافةَ التي تَعْرُجُ إلى اللَّهِ فيها الملائكةُ والأرواحُ، وأنَّها تَعْرُجُ في يومٍ بما يَسَّرَ لها مِن الأسبابِ وأَعانَها عليه مِن اللَّطافةِ والْخِفَّةِ وسُرعةِ السَّيْرِ، معَ أنَّ تلك المسافةَ على السيْرِ المعتادِ مِقدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنةٍ، مِن ابتداءِ العُروجِ إلى وُصولِها ما حُدَّ لها وما تَنْتَهِي إليه مِن المَلأِ الأعْلَى.
فهذا الْمُلْكُ العظيمُ والعالَمُ الكبيرُ؛ عُلْوِيُّهُ وسُفْلِيُّهِ, جَميعُه قد تَوَلَّى خَلْقَه وتدبيرَه العَلِيُّ الأَعلى، فعَلِمَ أحوالَهم الظاهرةَ والباطنةَ، وعَلِمَ مُستَقَرَّهُم ومُستودَعَهم، وأَوْصَلَهم مِن رَحمتِه وبِرِّه ورِزْقِه ما عَمَّهُم وشَمِلَهم، وأَجْرَى عليهم حُكْمَه القَدَرِيَّ وحُكمَه الشرعيَّ وحُكمَه الْجَزَائِيَّ.
فبُؤْساً لأقوامٍ جَهِلُوا عَظمتَه، ولم يُقَدِّرُوه حقَّ قَدْرِه، فاستَعْجَلُوا بالعذابِ على وجهِ التعجيزِ والامتحانِ.
وسبحانَ الحليمِ الذي أَمْهَلَهُم وما أَهْمَلَهم، وآذَوْهُ فصَبَرَ عليهم وعافاهم ورَزَقَهم.
هذا أحَدُ الاحتمالاتِ في تفسيرِ هذه الآيةِ الكريمةِ، فيَكونُ هذا العُروجُ والصعودُ في الدنيا؛ لأنَّ السِّياقَ الأوَّلَ يَدُلُّ على هذا.
ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا في يومِ القِيامةِ، وأنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتعالى يُظْهِرُ لعِبادِه في يومِ القِيامةِ مِن عَظمتِه وجَلالِه وكِبريائِه ما هو أَكبرُ دَليلٍ على مَعرِفَتِه، ممَّا يُشاهِدُونَه مِن عُروجِ الأملاكِ والأرواحِ صَاعدةً ونَازلةً بالتدابيرِ الإلهيَّةِ والشؤونِ في الْخَلِيقَةِ، في ذلك اليومِ الذي مِقدارُه خَمسونَ ألْفَ سَنَةٍ مِن طُولِه وشِدَّتِه، لكنَّ اللَّهَ تعالى يُخَفِّفُه على المؤمنِ.
وقولُه: {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً}؛ أي: اصْبِرْ على دَعوتِكَ لقَوْمِكَ صَبْراً جَميلاً، لا تَضَجُّرَ فيه ولا مَلَلَ، بل استَمِرَّ على أمْرِ اللَّهِ، وادْعُ عِبادَه إلى تَوحيدِه، ولا يَمنَعْكَ عنهم ما تَرَى مِن عَدَمِ انقيادِهم وعَدَمِ رَغبتِهم؛ فإنَّ في الصبرِ على ذلك خَيْراً كثيراً.
{إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً} الضميرُ يَعودُ إلى البَعْثِ، الذي يَقَعُ فيه عذابُ السائلِينَ بالعَذابِ؛ أي: إنَّ حالَهم حالُ المُنْكِرِ له، أو الذي غَلَبَتْ عليه الشِّقْوَةُ والسَّكْرَةُ، حتى تَباعَدَ جميعُ ما أمامَه مِن البَعْثِ والنُّشُورِ، واللَّهُ يَراهُ قَريباً؛ لأنَّه رَفيقٌ حَليمٌ، لا يَعْجَلُ، ويَعلمُ أنَّه لا بُدَّ أنْ يَكُونَ، وكلُّ ما هو آتٍ فهو قَريبٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ أهوالَ ذلك اليومِ وما يكونُ فيه فقالَ:
(8 -18) {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى *}.
أيْ: {يَوْمَ} القِيامةِ تَقَعُ فيهِ هذهِ الأمورُ العظيمةُ، فـ {تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ}، وهو الرَّصاصُ الْمُذابُ مِن تَشَقُّقِها وبُلوغِ الْهَوْلِ منها كلَّ مَبْلَغٍ.
(9) {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} وهو الصُّوفُ الْمَنفُوشُ، ثم تكونُ بعدَ ذلك هَباءً مَنثوراً فتَضْمَحِلُّ، فإذا كانَ هذا القلَقُ والانزعاجُ لهذه الأجرامِ الكبيرةِ الشديدةِ، فما ظَنُّكَ بالعَبْدِ الضَّعيفِ الذي قد أُثْقِلَ ظَهْرُه بالذنوبِ والأوزارِ؟!
أليسَ حَقيقاً أنْ يَنخلِعَ قلْبُه ويَنْزَعِجَ لُبُّهُ، ويَذْهَلَ عن كُلِّ أَحَدٍ؟
ولهذا قالَ: {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ}؛ أي: يُشاهِدُ الحميمُ- وهو القريبُ - حَميمَه، فلا يَبْقَى في قَلْبِه مُتَّسَعٌ لسُؤالِ حَميمِه عن حالِه، ولا فيما يَتعلَّقُ بعِشْرَتِهم ومَوَدَّتِهم، ولا يُهِمُّه إلا نفْسَهُ.
{يَوَدُّ الْمُجْرِمُ} الذي حَقَّ عليه العذابُ {لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ}؛ أي: زَوجتِه، {وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ}؛ أي: قَرابَتِه، {الَّتِي تُؤْوِيهِ}؛ أي: التى جَرَتْ عادَتُها في الدنيا أنْ تَتَنَاصَرَ ويُعِينَ بعضُها بعضاً.
ففي يومِ القيامةِ لا يَنفَعُ أحدٌ أحداً، ولا يَشْفَعُ أحَدٌ إلاَّ بإذْنِ اللَّهِ.
بل لو يَفتدِي الْمُجْرِمُ المستَحِقُّ للعذابِ بجميعِ ما في الأرضِ ثُمَّ يُنْجِيهِ, لم يَنْفَعْهُ ذلك.
{كَلاَّ}؛ أي: لا حِيلةَ ولا مَناصَ لهم، قد حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ على الذينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وذَهَبَ نفْعُ الأقارِبِ والأصدقاءِ.
{إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى}؛ أي: للأعضاءِ الظاهرةِ والباطنةِ مِن شِدَّةِ عذابِها.
{تَدْعُوا} إليها، {مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى}؛ أي: أَدْبَرَ عن اتِّباعِ الحقِّ وأَعْرَضَ عنه، فليسَ له فيهِ غَرَضٌ، وجَمَعَ الأموالَ بعضَها فوقَ بعضٍ، وأَوْعَاهَا فلم يُنْفِقْ منها؛ فإنَّ النارَ تَدْعُوهُم إلى نفْسِها، وتَسْتَعِدُّ للالتهابِ بهم.

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 10:07 PM
سُورةُ الْمَعَارِجِ
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى * إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ * فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ * فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}.
1-{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} السؤالُ مُضَمَّنٌ معنى الدعاءِ، والمعنى: دعا داعٍ على نفْسِه بعذابٍ واقعٍ. وهذا السائلُ قيلَ: هو النضْرُ بنُ الحارثِ حينَ قالَ: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.
2-{لِلْكَافِرِينَ} أيْ: كائنٌ للكافرينَ، {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} لا يَدفَعُ ذلك العذابَ الواقعَ أحَدٌ.
3-{مِنَ اللهِ} أيْ: واقعٌ مِن جِهتِه سُبحانَه {ذِي الْمَعَارِجِ} أيْ: ذي الْمَصَاعِدِ التي تَصْعَدُ فيها الملائكةُ. وقيلَ: المعارِجُ العَظَمَةُ.
4-{تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} أيْ: تَصعَدُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ في تلك المعارِجِ التي جَعَلَها اللهُ لهم. والرُّوحُ جِبريلُ. وقيلَ: الرُّوحُ هنا مَلَكٌ آخَرُ عظيمٌ غيرُ جِبريلَ.
{فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} المرادُ يومُ القِيامةِ، مُدَّةُ مَوْقِفِ العبادِ للحسابِ هي هذا الْمِقدارُ مِن السنينَ، ثم يَستقِرُّ بعدَ ذلك أهْلُ الجنةِ في الجنَّةِ، وأهلُ النارِ في النارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقدارَ يومِ القيامةِ على الكافرينَ خَمسونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعلى المؤمنينَ مِقدارُ ما بينَ الظهْرِ والعصْرِ.
5-{فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً} أيْ: اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ على تَكذيبِهم لك، وكُفْرِهم بما جِئتَ به, صَبراً جميلاً، لا جَزَعَ فيه ولا شَكْوَى إلى غيرِ اللهِ. وهذا معنى الصبْرِ الجميلِ.
6-{إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً} أيْ: يَرَوْنَ يومَ القيامةِ الذي مِقدارُه خَمسونَ ألْفَ سَنةٍ {بَعيداً}: أيْ: مُسْتَبْعَداً مُحالاً.
7-{وَنَرَاهُ قَرِيبًا} أيْ: نَعْلَمُه كائناً قَريباً؛ لأنَّ ما هو آتٍ قَريبٌ.
8-{يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} الْمُهْلُ ما أُذيبَ مِن النُّحَاسِ والرصاصِ والفِضَّةِ. وقِيلَ: هو دُرْدِيُّ الزيتِ.
9-{وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} أيْ: كالصوفِ الْمَصبوغِ، فإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهواءِ أَشْبَهَتِ العِهْنَ الْمَنفوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الريحُ.
10-{وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} أيْ: لا يَسألُ قَريبٌ قَريبَه عن شَأْنِه في ذلك اليومِ لِمَا نَزَلَ بهم مِن شِدَّةِ الأهوالِ.
11-{يُبَصَّرُونَهُمْ} أيْ: يُبْصِرُ كلُّ حَميمٍ حَمِيمَه، لا يَخفى منهم أحَدٌ عن أحَدٍ، ولا يَتساءلونَ, ولا يُكَلِّمُ بعضُهم بَعضاً.
{يَوَدُّ الْمُجْرِمُ} كلُّ مُذْنِبٍ ذَنباً يَستحِقُّ به النارَ، {لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ} يومِالقيامةِ الذي نَزَلَ به {بِبَنِيهِ}.
12-{وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ} فإنَّ هؤلاءِ أعَزُّ الناسِ عليه وأَكْرَمُهم لَديهِ، فلو قُبِلَ منه الفِداءُ لفَدَى بهم نفْسَه،وخَلُصَ مما نَزَلَ به مِن العَذابِ.
13-{وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ} أيْ: عَشيرتِه الأَقْرَبِينَ الذي يَضُمُّونَه في النَّسَبِ، أو عندَ الشدائدِ، ويَأْوِي إليهم.
14-{وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً} أيْ: يَوَدُّ المجرِمُ لو افْتَدَى بِمَن في الأرضِ جَميعاً مِن الثَّقَلَيْنِ وغيرِهما مِن الخلائقِ، {ثُمَّ يُنجِيهِ} الافتداءُ مِن عذابِ جَهَنَّمَ.
15-{كَلاَّ} رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عن تلك الأُمْنِيَةِ، وبيانُ امتناعِ ما وَدَّه مِن الافتداءِ، {إِنَّهَا لَظَى} لَظَى: اسمٌ لِجَهَنَّمَ، واشتقاقُها مِن التَّلَظِّي في النارِ، وهو التَّلَهُّبُ.
16-{نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى} تَبْرِي اللحْمَ والجلْدَ عن العظْمِ حتى لا تَترُكَ فيه شيئاً. والشَّواةُ جِلْدَةُ الرأسِ.
17-{تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ} أيْ: إنَّ جَهنَّمَ تُنَادِي مَن أَدْبَرَ عن الحقِّ في الدنيا، {وَتَوَلَّى} أيْ: أَعْرَضَ عنه.
18-{وَجَمَعَ فَأَوْعَى} أيْ: جَمَعَ المالَ فجَعَلَه في وِعاءٍ، فلم يُنفِقْ منه في سبيلِ الخيرِ.

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 10:09 PM
بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى * إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ * فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِمَّا يَعْلَمُونَ * فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}

تفسيرُ سورةِ الْمَعَارِجِ

وهي مَكِّيَّةٌ

قولُه تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} أيْ: واقعٍ، أيْ: دَعَا داعٍ.
والآيةُ نَزَلَتْ في النضْرِ بنِ الحارِثِ بنِ كِلْدَةَ، وأنه قالَ: اللهمَّ إنْ كانَ هذا هو الْحَقَّ مِن عِندِكَ فأَمْطِرْ علينا حِجارةً مِن السماءِ أو ائْتِنَا بعَذابٍ أَليمٍ. فنَزَلَتْ هذه الآيةُ.
قولُه تعالى: {بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} (الباءُ) صِلةٌ، ومعناه: دَعَا داعٍ، والْتمَسَ ملْتَمِسٌ عَذاباًَ مِن اللهِ تعالى.
وقولُه: {وَاقِعٍ} أيْ: كائنٍ حاصلٍ في حَقِّ الكافرينَ، وذلك يومَ القِيامةِ يَقَعُ بهم ذلك لا مَحالةَ، وقيلَ: هو في الدنيا، وقد وَقَعَ ذلك بالنضْرِ بنِ الحارِثِ، حيثُ قُتِلَ صَبْراً يومَ بَدْرٍ، وهذا الذي ذَكَرْنا معنى قولِ مُجاهِدٍ وغيرِه.
والقولُ الثاني في الآيةِ: سَأَلَ سائلٌ عن عذابٍ واقِعٍ، (فالباءُ) بمعنى (عن) قالَه الفَرَّاءُ وغيرُه، والمعنى: سَأَلَ سائلٌ بِمَنْ يَقَعُ العذابُ؟ وعلى مَن يَنْزِلُ العذابُ؟ فقالَ اللهُ تعالى: {لِلْكَافِرِينَ}. يَعْنِي: على الكافرينَ، وقُرِئَ في الشاذِّ: (سَالَ سَائِلٌ) يُقالُ: سَالَ بمعنى سَأَلَ على الْهَمْزِ، وقيلَ: سالَ سائلٌ أيْ: وادٍ في جَهَنَّمَ يَسيلُ على الكفارِ بالعذابِ.
وقولُه تعالى: {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} أيْ: لا يَدفَعُ العذابَ عن الكافرينَ أحَدٌ، ولا يَمنعُه منهم.
وقولُه: {مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ} أيْ: ذي السماواتِ، وسُمِّيَتِ السماواتُ مَعارِجَ؛ لأنَّ الملائكةَ يَعْرُجُونَ إليها، ويُقالُ: {ذِي الْمَعَارِجِ} أيْ: ذي الفَوَاضِلِ، ويُقالُ: ذي الدَّرَجَاتِ، على معنى إكرامِه المؤمنينَ بالدرجاتِ وإعطائِها إيَّاهُمْ.
وقولُه: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} قد بَيَّنَّا معنى الرُّوحِ، وقيلَ: هم في خَلْقِ السماءِ يُشْبِهُونَ الآدَمِيِّينَ، وليسوا بآدَمِيِّينَ.
وقولُه: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} قالَ ابنُ عبَّاسٍ: هو يومُ الِقيامةِ. وهو أصَحُّ القَوْلَيْنِ، ورَوَى الحسَنُ مُرْسَلاً، وأبو سعيدٍ الخدريُّ مُسْنَداً في بعضِ الغرائبِ مِن الرواياتِ: أنَّ اللهَ تعالى يُخَفِّفُه على المؤمنينَ، فيَجعلُه بقَدْرِ صلاةٍ مكتوبةٍ خَفيفةٍ، وفي بعضِ الآثارِ: بقَدْرِ ما بينَ الظُّهْرِ إلى العصْرِ.
وقالَ وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: مِن قَرارِ الأرضِ إلى فوقِ العرْشِ {خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ} وقيلَ: معنى قولِه: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} يَعنِي: لو عَمِلَ عامِلٌ أو حاسَبَ مُحاسِبٌ ما يَعمَلُ اللهُ تعالى في ساعةٍ أو في يومٍ واحدٍ، لم يَنقطِعْ إلى خَمسينَ ألْفَ سنةٍ، وعن ابنِ عبَّاسٍ في بعضِ الرواياتِ أنَّ قولَه تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} وقولَه: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} آيَتانِ لا يَعلَمُ مَعناهما إلاَّ اللهُ، ومِثلُه عن قَتادةَ.
وقولُه: إنَّ قولَه{أَلْفَ سَنَةٍ} هو مَسافةُ ما بينَ السماءِ والأرضِ صاعِداً ونَازِلاً.
وقولُه: {خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} مَسافةُ ما بينَ الأرضِ إلى العرْشِ صاعداً، واللهُ أعْلَمُ.
وقولُه: {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} أيْ: صَبْراً لا جَزَعَ فيه ولا شَكْوَى، وعن قَيْسِ بنِ الحجَّاجِ في قولِه: {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} قالَ: هو أنْ يكونَ صاحبُ الْمُصيبةِ في القومِ ولا يُدْرَى مَن هو؟ وإنما أَمَرَه بالصبْرِ؛ لأنَّ المشْرِكينَ كانوا يُؤْذُونَه، فَأَمَرَه بالصبْرِ إلى أنْ يُنْزِلَ بهم عَذابَه.
وقولُه: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً} أي: العذابَ.
وقولُه: {وَنَرَاهُ قَرِيباً}؛ لكونِه ووُقوعِه لا مَحالةَ.
قولُه تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} أيْ: كدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، ويُقالُ: كَعَكَرِ القَطِرانِ. وعن ابنِ مَسعودٍ قالَ: هو الْمُذابُ مِن جَواهِرِ الأرْضِ؛ مِثْلُ النُّحَاسِ والرَّصَاصِ والفِضَّةِ، فالكُلُّ مُهْلٌ.
وقولُه: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} والعِهْنُ: الصُّوفُ الْمَصبوغُ، وشَبَّهَهُ به في ضَعْفِه ولِينِه.
وقولُه: {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} أيْ: لا يَسألُ قَريبٌ عن حالِ قَريبِه لشُغْلِه بنَفْسِه، وقُرِئَ: (ولاَ يُسْأَلُ حَميمٌ حَميماً) أيْ: لا يُسألُ أحَدٌ: أين حَمِيمُكَ؟
وقولُه: {يُبَصَّرُونَهُمْ} أيْ: يَعْرِفُونَهُم، ومعناه: يَعْرِفُ بعضُهم بعضاً ولا يَسألُه عن حالِه؛ لشُغْلِه بنَفْسِه، وقيلَ: يَعْرِفُ بعضُهم بعضاً بالسِّمَاتِ والعلاماتِ، فإنَّ لأهْلِ الجنَّةِ سِماتٍ وعَلاماتٍ، وكذلك لأهْلِ النارِ.
وقولُه: {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ} أي: امرأتِه {وَأَخِيهِ} هو الأَخُ المعروفُ.
وقولُه: {وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ} أيْ: عَشيرتِه التي يَأْوِي إليهم، وقِيلَ: أَقْرِبَاؤُه الأَدْنَوْنَ، والفَصيلةُ أحْضَرُ وأَدْنَى مِن الفَحْلِ، ويُقالُ: العبَّاسُ هو مِن فَصيلةِ الرسولِ.
وقولُه: {وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ} أيْ: لو يَفْتَدِي بِمَن في الأرْضِ جميعاً ليَنْجُوَ فلا يَنْجُو.
وقولُه: {كَلاَّ} هو ما بَيَّنَّا مِن المعنى، وعن عمرَ بنِ عبدِ اللهِ مَوْلَى غَفْرَةَ: أنَّ كُلَّ ما جاءَ في القرآنِ (كَلاَّ) هو بمعنى كَذَبْتَ.
وقولُه: {إِنَّهَا لَظَى} اسمٌ مِن أسماءِ جَهنَّمَ، ويُقالُ: {إِنَّهَا لَظَى} عَذابٌ لازِمٌ لا يَنْجُو منها أَبَداً.
وقولُه: {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} الأَكْثَرونَ أنَّ الشَّوَى هو الأَطرافُ مِثلُ اليَدينِ والرِّجلينِ وغيرِ ذلك، وذَكَرَ الفَرَّاءُ أنها جِلدةُ الرأْسِ، وقيلَ: قِحْفُ الرأْسِ، ويُقالُ: الْجِلْدُ واللحْمُ حتى يَبقَى العظْمُ، وقيلَ: الْجِلدُ واللحْمُ والعظْمُ إلى أنْ يَصِلَ إلى القلْبِ وهو نَضيجٌ، ذكَرَه مُجاهِدٌ.
وقولُه: {تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى} أيْ: تُنادِي مَن أَدْبَرَ وتَوَلَّى مِن الكفارِ، فتَقولُ: يا فُلانُ - وتَذْكُرُ اسْمَه- أَقْبِلْ إِلَيَّ. وتَأخذُه.
وقالَ الْمُبَرِّدُ في قولِه: {تَدْعُو} أيْ: تُعَذِّبُ، ورُوِيَ عن النضْرِ عن الخليلِ، أنه سَمِعَ أَعرابيًّا يقولُ لآخَرَ: دَعاكَ اللهُ، أيْ: عَذَّبَكَ اللهُ، وأمَّا ثَعلبٌ فإنه قالَ: تُنادِيهِمْ وَاحِداً واحِداً بأَسمائِهم، وهو الأَظْهَرُ.
وقولُه: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} أيْ: جَمَعَ المالَ فأَوْعَاهُ، أيْ: جَعَلَه في وِعاءٍ وأَوْكَأَ عليه، وهو كِنايةٌ عن البُخْلِ ومَنْعِ الْحَقِّ.
لعل عبارة: " إن قوله " هذه زائدة. والله أعلم.