المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سورة المعارج (الآيات: 19-35)


عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:12 AM
إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 05:22 PM
(19 -35) {إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ*}.
وهذا الوَصْفُ للإنسانِ مِن حَيثُ هو وَصْفُ طَبيعتِه الأَصْلِيَّةِ، أنَّه هَلوعٌ.
وفَسَّرَ الْهَلُوعَ بأنَّه {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً}، فيَجْزَعُ إنْ أَصابَه فقْرٌ أو مَرَضٌ، أو ذَهابُ مَحبوبٍ له؛ مِن مالٍ أو أهْلٍ أو وَلَدٍ، ولا يَستعمِلُ في ذلك الصبرَ والرِّضا بما قَضَى اللَّهُ.
{وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} فلا يُنْفِقُ ممَّا آتَاهُ اللَّهُ، ولا يَشْكُرُ اللَّهَ على نِعَمِه وبِرِّه، فيَجْزَعُ في الضَّرَّاءِ ويَمنَعُ في السَّرَّاءِ.
{إِلاَّ الْمُصَلِّينَ} الْمَوْصُوفِينَ بتِلكَ الأوصافِ؛ فإِنَّهم إذا مَسَّهُمُ الخيرُ شَكَرُوا اللَّهَ، وأَنْفَقُوا مِمَّا خَوَّلَهم اللَّهُ، وإذا مَسَّهم الشرُّ صَبَروا واحْتَسَبوا.
وقولُه في وَصْفِهم: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ}؛ أي: مُدَاوِمونَ عليها في أَوقاتِها بشُروطِها ومُكَمِّلاَتِها، ولَيْسُوا كمَن لا يَفعلُها أو يَفعلُها وَقْتاً دونَ وقتٍ، أو يَفعلُها على وَجْهٍ ناقصٍ.
{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} مِن زَكاةٍ وصَدَقَةٍ، {لِلسَّائِلِ} الذي يَتَعَرَّضُ للسؤالِ، {وَالْمَحْرُومِ} وهو الْمِسكينُ الذي لا يَسْأَلُ الناسَ فيُعْطُوهُ, ولا يُفْطَنُ له فيُتَصَدَّقَ عليه.
{وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ}؛ أي: يُؤْمِنونَ بما أَخْبَرَ اللَّهُ به وأَخْبَرَتْ به رُسُلُه مِن الجزاءِ والبعْثِ، ويَتَيَقَّنُونَ ذلكَفَيَستَعِدُّونَ للآخرةِ، ويَسْعَوْنَ لها سَعْيَها.
والتصديقُ بيومِ الدِّينِ يَلزَمُ منه التصديقُ بالرسُلِ، وبما جَاؤُوا به مِن الكُتُبِ.
{وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ}؛ أي: خَائِفُونَ وَجِلُونَ، فيَتْرُكونَ لذلك كلَّ ما يُقَرِّبُهم مِن عَذابِ اللَّهِ.
{إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ}؛ أي: هو العذابُ الذي يُخْشَى ويُحذَرُ.
{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} فلا يَطَؤُونَ بها وَطْأً مُحَرَّماً؛ مِن زِنًى أو لُواطٍ أو وَطْءٍ في دُبُرٍ أو حَيْضٍ ونحوِ ذلك، ويَحفَظُونَها أيضاً مِن النظَرِ إليها ومَسِّها ممَّن لا يَجوزُ له ذلك، ويَتْرُكونَ أيضاً وَسائلَ الْمُحَرَّماتِ الداعيةَ لفِعْلِ الفاحشةِ.
{إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}؛ أي: سُرِّيَّاتِهم.
{فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} في وَطْئِهِنَّ، في الْمَحَلِّ الذي هو مَحَلُّ الْحَرْثِ.
{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ}؛ أي: غيرَ الزوجةِ ومِلْكِ اليَمينِ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}؛ أي: الْمُتَجَاوِزونَ ما أَحَلَّ اللَّهُ إلى ما حرَّمَ اللَّهُ.
ودَلَّتْ هذه الآيةُ على تَحريمِ نِكَاحِ المُتْعَةِ؛ لكونِها غيرَ زوجةٍ مَقصودةٍ، ولا مِلْكِ يَمينٍ.
{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}؛ أي: مُراعُونَ لها حَافِظونَ مُجْتَهِدُونَ على أَدائِها والوَفاءِ بِهَا.
وهذا شامِلٌ لجَميعِ الأماناتِ التي بَيْنَ العبدِ وبينَ رَبِّه، كالتكاليفِ السِّرِّيَّةِ، التي لا يَطَّلِعُ عليها إلاَّ اللَّهُ، والأماناتِ التي بَينَ العبدِ وبَينَ الخَلْقِ، في الأموالِ والأسرارِ.
وكذلك العَهْدُ شامِلٌ للعهْدِ الذي عاهَدَ عليه اللَّهَ، والعهدِ الذي عاهَدَ عليه الخَلْقَ؛ فإنَّ العَهْدَ يُسألُ عنه العبدُ هل قامَ به ووَفَّاهُ أمْ رَفَضَه وخانَهُ فلم يَقُمْ به؟
{وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ}؛ أي: لا يَشْهَدُونَ إلاَّ بما يَعْلَمُونَه، مِن غيرِ زِيادةٍ ولا نقْصٍ ولا كِتمانٍ، ولا يُحابِي فيها قَريباً ولا صَدِيقاً ونحوَه، ويكونُ القصْدُ بها وجْهَ اللَّهِ.
قالَ تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ}، {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} بِمُدَاوَمَتِها على أكْمَلِ وُجُوهِها {أُولَئِكَ}؛ أي: الْمَوصفونَ بتلك الصِّفاتِ، {فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ}؛ أي: قد أَوْصَلَ اللَّهُ لهم مِن الكرامةِ والنعيمِ الْمُقيمِ ما تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وتَلَذُّ الأَعْيُنُ وهم فيها خالِدونَ.
وحاصِلُ هذا أنَّ اللَّهَ وَصَفَ أهْلَ السعادةِ والخيرِ بهذه الأوصافِ الكاملةِ، والأخلاقِ الفاضلةِ، مِن العباداتِ البَدَنِيَّةِ؛ كالصلاةِ والمُداوَمَةِ عليها، والأعمالِ القَلْبيَّةِ؛ كخَشيةِ اللَّهِ الداعيةِ لكلِّ خيرٍ، والعباداتِ المالِيَّةِ, والعقائدِ النافعةِ, والأخلاقِ الفاضلةِ، ومعامَلَةِ اللَّهِ, ومعامَلَةِ خَلْقِه أحسَنَ معامَلَةٍ؛ مِن إنصافِهم وحِفْظِ عُهودِهم وأَسرارِهم, والعِفَّةِ التامَّةِ بحِفْظِ الفُروجِ عمَّا يَكْرَهُ اللَّهُ تعالى.

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 10:12 PM
19-{إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} الْهَلَعُ أشَدُّ الْحِرْصِ وأَسْوَأُ الجزَعِ وأَفْحَشُه.
20-21-{إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} أيْ: إذا أصابَهُ الفَقْرُ والحاجةُ أو الْمَرَضُ أو نحوُ ذلك, فهو كثيرُ الْجَزَعِ، وإذا أصابَه الخيرُ مِن الغنى والْخَصْبِ والسَّعَةِ ونحوِ ذلك, فهو كثيرُ المنْعِ والإمساكِ.
22-{إِلاَّ الْمُصَلِّينَ} أيْ: الْمُقيمينَ للصلاةِ. يَعنِي: أنهم ليسوا على تلك الصفاتِ مِن الْهَلَعِ والْجَزَعِ والْمَنْعِ، وأنهم على صِفاتٍ مَحمودةٍ وخِلالٍ مَرضِيَّةٍ؛ لأنَّ إيمانَهم وديِنَ الحقِّ يَزْجُرُهم عن الاتِّصافِ بتلك الصفاتِ، ويَحْمِلُهم على الاتِّصافِ بصِفاتِ الخيرِ.
23-{الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} لا يَشغَلُهم عنها شاغِلٌ، يُؤَدُّونَ الصلاةَ المكتوبةَ لوَقْتِها.
24-{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ} المرادُ الزكاةُ المفروضةُ. وقيلَ: صِلةُ الرَّحِمِ.
25-{لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} قد تَقَدَّمَ تَفسيرُ السائلِ والمحرومِ في سورةِ "الذَّارِيَاتِ".
26-{وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} هو يومُ القِيامةِ، لا يَشُكُّونَ فيه ولا يَجْحَدُونَه.
27-{وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} أيْ: خائفونَ وَجِلُونَ مع ما لهم مِن أعمالِ الطاعةِ, استحقاراً لأعمالِهم، واعترافاً بما يَجِبُ للهِ سبحانَه عليهم.
28-{إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} أيْ: لا يَنبغِي أنْ يَأمنَه أحَدٌ، وإنَّ حَقَّ كلِّ أحَدٍ أنْ يَخَافَهُ.
29-31-{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} إلى قولِه: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} قد تَقدَّمَ تفسيرُه في أوَّلِ سُورةِ "المؤمنينَ" مُسْتَوْفًى.
32-{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} أي: لا يُخِلُّون بشيءٍ مِن الأماناتِ التي يُؤْتَمَنُونَ عليها، ولا يَنْقُضُونَ شَيئاً مِن العهودِ التي يَعْقِدُونَها على أَنْفُسِهم.
33-{وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} أيْ: يُقيمونَ الشهادةَ على وَجْهِها على مَن كانتْ عليه؛ مِن قَريبٍ أو بعيدٍ، رَفيعٍ أو وَضيعٍ، ولا يَكْتُمُونَها ولا يُغَيِّرُونَها.
34-{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} أيْ: على أَذْكَارِها وأَركانِها وشَرَائِطَها, لا يُخِلُّونَ بشَيءٍ مِن ذلك، ولا يَشْتَغِلُون عنها بشيءٍ مِن الشواغلِ, ويُحافِظونَ عليها بعدَ فِعْلِها مِن أنْ يَفْعَلُوا ما يُحْبِطُها ويُبْطِلُ ثَوَابَها.
35-{أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ} أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فيها مُكْرَمُونَ بأنواعِ الكَراماتِ.

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 10:14 PM
قولُه تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} أيْ: جَزوعاً، قالَ ثَعلبٌ: سأَلَنِي محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ طاهِرٍ عن هذه الآيةِ، فقُلتُ: الْهَلَعُ أسوأُ الْجَزَعِ. وقيلَ: {هَلُوعاً}: ضَجِراً، وعن الحسَنِ: ضَعيفاً، وقالَ الضَّحَّاكُ: بَخيلاً، وعن غيرِهم: حَريصاً، ويُقالُ: تَفسيرُه هو قولُه: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} أيْ: إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ لم يَصْبِرْ، وإذا مَسَّهُ الخيرُ لم يَشْكُرْ.
وقولُه: {إِلاَّ الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ} هذا الاستثناءُ منْصَرِفٌ إلى ابتداءِ الكلامِ، ومَعناه: أنَّ هؤلاءِ يَنْجُونَ مِن العذابِ.
وروى سُفيانُ عن مَنصورٍ عن إبراهيمَ قالَ: الآيةُ في الصلواتِ المكتوبةِ، وقيلَ: إدامتُها هو إقامتُها في أَوقاتِها، ويُقالُ: ليستْ إدامتُها أنْ يُصَلِّيَ أبداً، ولكنَّ إدامتَها أنه إذا صَلَّى لم يَلتَفِتْ يَميناً ولا شِمالاً، ويُقالُ: إدامةُ الصلواتِ: ألاَّ يَتْرُكَها، وهذا قولٌ حسَنٌ، وعن بعضِ السلَفِ هو ألاَّ يُؤَخِّرَها عن الْمَواقِيتِ، فأمَّا إذا تَرَكَها كَفَرَ.
وقولُه: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} وهو الطَّوَّافُ الذي يَسألُ (عن) الناسِ.
وقولُه: {وَالْمَحْرُومِ} هو الذي لا يَسألُ، ويُقالُ: هو الْمُحَارَفُ، وقيلَ: المحدودُ، وكِلاهما بمعنًى واحدٍ، يُقالُ: فُلانٌ مَجدودٌ، وفُلانٌ محدودٌ، والْمَجدودُ الذي يُوافِقُه الْجَدُّ، والمحدودُ الْمَحرومُ، قالَ ابنُ عمرَ: المحرومُ هو الكَلْبُ. وعن الشَّعْبِيِّ قالَ: أَعيانِي أنْ أَعْرِفَ معنى المحرومِ. وقيلَ: هو الفقيرُ الذي لا شَيءَ له.
وقولُه: {وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} أيْ: يُؤمنونَ به.
وقولُه: {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُشْفِقُونَ} أيْ: خائفونَ.
وعن مُعاذِ بنِ جَبلٍ قالَ: إذا كان يومُ القِيامةِ يُنادِي مُنادٍ: أَينَ الخائفونَ؟ فيُحشَرونَ في كَنَفِ الرحمنِ لا يَحْتَجِبُ اللهُ منهم. ذكَرَه أبو الحسينِ بنُ فارسٍ في تَفسيرِه، وفي الخبرِ المعروفِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ حاكياً عن اللهِ تعالى: ((لاَ أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلاَ أَمْنَيْنِ؛ فَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا خَوَّفْتُهُ فِي الآخِرَةِ)).
قولُه: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} ظاهِرُ المعنى.
وقولُه: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} قالَ ابنُ عُيينةَ: مَن لامَ أَحَداً فيما مَلَكَتْ يَمينُه وإنْ كَثَّرَ، أو لامَه في نِسائِه إذا بلَغَ الأربعَ، فقد عصَى اللهَ تعالى؛ لقولِه تعالى: {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} وقالَ أيضاً: مَن تَزوَّجَ بأَرْبَعِ نِسوةٍ، أو تَسَرَّى بِمَمالِيكَ، فلا خَلَلَ في زُهْدِه في الدنيا، فإنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنه قُتِلَ عن أربعِ عَقائلَ، وتِسْعَ عَشْرةَ سُرِّيَّةً. وكان أزْهَدَ الصحابةِ.
وفي الآيةِ دَليلٌ على تَحريمِ الْمُتْعَةِ. وسُئلتْ عائشةُ عن الْمُتعةِ فقالتْ: "بينِي وبينَكم كتابُ اللهِ". وتَلَتْ هذه الآيةَ. وسُئِلَ ابنُ عمرَ عن ذلك فقالَ: "هُوَ زِنًى". فقيلَ: إنَّ فُلاناً يُبِيحُها، فقالَ: "أَفَلاَ تَرَمْرَمَ به في زَمانِ عُمرَ؟! واللهِ لو أَخَذَه فيها لرَجَمَه".
وقولُه: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} هو دليلٌ على ما بَيَّنَّا، والعَادِي والْمُتَعَادِي واحدٌ.
وقولُه: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} أيْ: حافظونَ. وقيلَ: أصْلُ الأمانةِ أنَّ كلمةَ التوحيدِ ائتَمَنَ اللهُ تعالى المؤمنينَ عليها.
وقولُه: {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} وقُرِئَ: (بشَهَادَتِهم) إحداهما بمعنى الجمْعِ، والأُخْرَى بمعنى الوُحدانِ، ومعنى {قَائِمُونَ} أيْ: يُؤَدُّونَها على وَجْهِها.
وقولُه: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} قد بَيَّنَّا المعنى.
وقولُه: {أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} أيْ: بَساتينَ يُكْرِمُهم اللهُ بأنواعِ النِّعَمِ.