مشاهدة النسخة كاملة : سورة الجن (الآيات: 6-10)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:18 AM
وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 05:47 PM
(6) {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً}؛ أي: كانَ الإنسُ يَعْبُدُونَ الجِنَّ ويَسْتَعِيذونَ بهم عندَ المخاوِفِ والأفزاعِ، فزَادَ الإنْسُ الجنَّ رَهَقاً؛ أي: طُغياناً وتَكَبُّراً لَمَّا رَأَوُا الإنسَ يَعبُدُونَهم ويَستعِيذُونَ بهم.
ويَحْتَمِلُ أنَّ الضميرَ في زَادُوهُمْ يَرجِعُ إلى الجِنِّ - ضميرُ الواوِ - أي: زادَ الجنُّ الإنسَ ذُعْراً وتَخويفاً لَمَّا رَأَوْهُم يَستعيذونَ بهم ليُلْجِئُوهُم إلى الاستعاذةِ بهم، فكانَ الإِنسِيُّ إذا نَزَلَ بوادٍ مَخُوفٍ قالَ: (أَعوذُ بسَيِّدِ هذا الوادِي مِن سُفهاءِ قومِه).
{وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً}؛ أي: فلَمَّا أَنْكَرُوا البَعْثَ، أَقْدَمُوا على الشِّرْكِ والطُّغيانِ.
{وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ}؛ أي: أَتَيْنَاهَا واخْتَبَرْنَاهَا، {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً} عن الوُصولِ إلى أَرجائِها والدُّنُوِّ منها، {وَشُهُباً} يُرْمَى بها مَنِ اسْتَرَقَ السمْعَ.
وهذا بخِلافِ عادَتِنا الأُولَى؛ فإنَّا كُنَّا نتَمَكَّنُ مِن الوُصولِ إلى خبَرِ السماءِ.
{وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِِ} فنَتَلَقَّفُ مِن أخبارِ السماءِ ما شاءَ اللَّهُ، {فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً}؛ أي: مَرْصَداً له مُعَدًّا لإتلافِه وإحراقِه؛ أي: وهذا له شأنٌ عظيمٌ ونَبَأٌ جَسيمٌ، وجَزَمُوا أنَّ اللَّهَ تعالى أرَادَ أنْ يُحْدِثَ في الأرضِ حادِثاً كبيراً، مِن خيرٍ أو شَرٍّ؛ فلهذا قالوا: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً}؛ أي: لا بُدَّ مِن هذا أو هذا؛ لأنَّهم رَأَوُا الأمْرَ تَغَيَّرَ عليهم تَغَيُّراً أَنْكَرُوه، فعَرَفُوا بفِطْنَتِهم أنَّ هذا الأمْرَ يُرِيدُه اللَّهُ، ويُحْدِثُه في الأرْضِ.
وفي هذا بيانٌ لأَدَبِهم؛ إذ أَضَافُوا الخيرَ إلى اللَّهِ تعالى, والشرَّ حَذَفُوا فاعلَه؛ تَأَدُّباً معَ اللَّهِ.
حفيدة بني عامر
11-09-2008, 01:21 AM
6-{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ} كان العرَبُ إذا نَزَلَ الرجُلُ بِوَادٍ قالَ: أَعوذُ بسَيِّدِ هذا الوادِي مِن شَرِّ سُفهاءِ قَوْمِه. فيَبِيتُ في جِوَارِه حتى يُصْبِحَ.
{فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} أيْ: زادَ رِجالُ الجنِّ مَن تَعَوَّذَ بهم مِن رِجالِ الإنْسِ {رَهَقاً}، أيْ: سَفَهاً وطُغياناً، أيْ: مِن الجنِّ أنفُسِهم على الإنْسِ الْمُستجيرينَ بهم. أو زَادُوهم بَلاءً وضَعْفًا وخَوْفاً.
7-{وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا} المعنى: وأنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كما ظَنَنتُمْ أيها الْجِنُّ أنه لا بَعْثَ ولا جَزاءَ.
8-{وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} أيْ: طَلَبْنا خَبَرَها كما جَرَتْ به عادَتُنا {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا} مِن الملائكةِ يَحْرُسُونَها على استراقِ السمْعِ, {شَدِيداً} قَوِيًّا {وَشُهُباً} هي نارُ الكواكبِ، كما تَقَدَّمَ بَيانُه في تفسيرِ قولِه: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ} مِن سُورةِ "تَبارَكَ".
9-{وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ} ليَسمعوا مِن الملائكةِ أخبارَ السماءِ, فيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فحَرَسَها اللهُ سُبحانَه عندَ بَعْثِه رَسولَه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بالشهُبِ الْمُحْرِقَةِ.
{فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا} أيْ: أُرْصِدَ له ليُرْمَى به، لِمَنْعِه مِن السماعِ.
10-{وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ} بسببِ هذه الحراسةِ للسماءِ.
{أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} أيْ: خيراً. قالَ ابنُ زيدٍ: قالَ إِبليسُ: لا نَدرِي أَرادَاللهُ بهذا الْمَنْعِ أنْ يُنْزِلَ على أهلِ الأرضِ عَذاباً أو يُرْسِلَ إليهم رَسُولاً.
حفيدة بني عامر
11-09-2008, 01:24 AM
قولُه تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ} فإنْ قالَ قائلٌ: قد قُرِئَ هذا كلُّه بالنَّصْبِ، فما وجهُ النصْبِ فيه؟ والجوابُ عنه: قد بَيَّنَّا وَجْهَ النصْبِ فيما سَبَقَ، وباقي الآياتِ نُصِبَتْ بحكْمِ الْمُجَاوَرَةِ والعطْفِ، أو بتقديرِ آمَنَّا أو ظَنَنَّا أو شَهِدْنا، والعرَبُ قد تُتْبِعُ الكلمةَ الكلمةَ في الإعرابِ بنفسِ المجاوَرَةِ والعطْفِ، مثلُ قولِهم: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.
وقولُه: {يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} في التفسيرِ: أنَّ الرجُلَ كان يُسافِرُ والقومَ كانوا يُسافرونَ، فإذا بَلَغُوا مَكاناً قَفْراً مِن الْبَرِّيَّةِ وأَمْسَوْا قالوا: نَعوذُ بسَيِّدِ هذا الوادِي مِن سُفهاءِ قَومِه. وحُكِيَ عن بعضِهم ـ وهو السائبُ بنُ أبي كَرْدَمٍ ـ أنه قالَ: انطَلَقْتُ مع أبي في سَفَرٍ ومعنا قِطعةٌ مِن الغنَمِ، فنَزَلْنا وادياً. قالَ: فجاءَ ذِئبٌ وأَخَذَ حَمَلاً مِن الغنَمِ، فقامَ أبي وقالَ: يا عامرَ الوادي، نحن في جِوارِكَ. فحينَ قالَ ذلك أرْسَلَ الذئبُ الحَمَلَ، فرَجَعَ الْحَمَلُ إلى الغنَمِ فلم تُصِبْهُ كَدْمَةٌ.
فإنْ قالَ قائلٌ: كيف {بِرِجَالٍ مِنَ الْجَنِّ} والجنُّ لا يُسَمَّوْنَ رِجالاً؟! والجوابُ: قلنا: يَجوزُ على طريقِ المجازِ، وقد وَرَدَ في بعضِ أخبارِ العرَبِ في حكايةٍ أنَّ قَوْماً مِن الجنِّ قالوا: نحن أُناسٌ مِن الجنِّ. فإذا جازَ أنْ يُسَمَّوْا أُناساً جازَ أنْ يُسَمَّوْا رِجالاً.
وأمَّا قولُه: {فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} فيه قَولانِ: أحَدُهما: إلا أنَّ الإنْسَ زَادُوا الجنَّ رَهَقاً أيْ: عَظمةً في أَنْفُسِهم، كأنَّ الإنْسَ لَمَّا استَعَاذُوا بالجنِّ ازدادوا الجنُّ في أنفُسِهم عَظمةً.
والقولُ الثاني: هو أنَّ الإنسَ ازْدَادُوا رَهَقاً بالاستعاذَةِ مِن الجنِّ. ومعناه: طُغياناً وإثماً، كأنَّ الإنسَ لَمَّا استَعَاذُوا بالجنِّ وأَمِنُوا على أنفُسِهم ازدَادُوا كُفْراً، وظَنُّوا أنَّ أمْنَهم كان مِن الجنِّ، وقيلَ: {رَهَقاً}؛ أيْ: غِشْياناً للمَحارِمِ، وقيلَ: مُفارَقَةَ اللائمِ.
قالَ الأَعْشَى:
لا شيءَ يَنفعُني مِن دُونِ رُؤيتِها هل يَشتفِي عاشقٌ ما لم يُصِبْ رَهَقَا
قولُه تعالى: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً} في الآيةِ دليلٌ على أنه كانَ في الْجِنِّ قومٌ لا يُؤمنونَ بالبعْثِ كما في الإِنْسِ.
قولُه تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} أيْ: مُلِئَتْ حَرَساً بالملائكةِ.
وقولُه: {شُهُباً} جَمْعُ شِهابٍ، وهو قِطعةٌ مِن النارِ، وقد ذَكَرْنا مِن قَبلُ صورةَ كَيفيَّةِ استراقِ الشياطينِ السمْعَ مِن السماءِ، وأنهم كانوا يَسمعونَ الكلمةَ فيَضُمُّونَ إليها عَشرةً ويُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فلَمَّا كان في زمانِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حُرِسَتِ السماءُ، ورُمِيَ الشياطينُ بالشهُبِ، فإنْ قالَ قائلٌ: لم يَزلْ هذا الأمْرُ مَعهوداً قبلَ الرسولِ، وهو انقضاضُ الكواكبِ، وذَكَرَه شُعراءُ الجاهليَّةِ في أشعارِهم، وقالَ بعضُهم:
فانْقَضَّ كالدُّرِّيِّ يَتبَعُهُ نقْعٌ (يَثورُ) تَخالُه طُنُبَا
(قالَه لا قوه إلا وروى) وإذا كان هذا أمْراً مَعهوداً في الجاهليَّةِ فما معنى تَعليقِه بنُبُوَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وعندَكم أنه كانَ مُعجِزَةً له وأساساً لنُبُوَّتِه؟! والجوابُ عنه مِن وَجهينِ: أحَدُهما: أنه لم يَكنْ هذا مِن قَبلُ، وإنما حَدَثَ في زمانِ نُبُوَّةِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والأشعارُ كلُّها مَنحولَةٌ على الجاهليَّةِ، أو قالُوهَا بعدَ مَوْلِدِه حينَ قَرُبَ مَبْعَثُه.
وَذَكَرَ السُّدِّيُّ: أنَّ أوَّلَ مَن تَنَبَّهَ للرمْيِ بالشهُبِ هو هذا الحيُّ مِن ثَقيفٍ، فخَافُوا خَوفاً شَديداً، وظَنُّوا أنَّ القِيامةَ قد قَرُبَتْ، فجَعَلُوا يُعْتِقونَ العَبيدَ ويُسَيِّبُونَ الْمَوَاشِيَ، فقالَ لهم ابنُ عبدِ يَاليلَ: لا تَعْجَلُوا، وانْظُرُوا إلى النجومِ المعروفةِ هل هي في أَماكنِها؟ فقالوا: هي في أَماكنِها. قالَ: فإنَّ هذا لأَمْرِ هذا الرجُلِ الذي خَرَجَ بِمَكَّةَ.
والجوابُ الثاني ـ وهو الأَصَحُّ ـ أنَّ الرمْيَ بالشهُبِ قد كان مِن قَبْلُ، ولكنه لَمَّا كانَ في زَمانِ الرسولِ كَثُرَ وقَوِيَ، قالَ مَعمرٌ: قلتُ للزُّهْرِيِّ: أكانَ الرميُ بالشُّهُبِ قبلَ الرسولِ في الجاهليَّةِ؟ قالَ: نعم، ولكنه لَمَّا كانَ زَمانُ الرسولِ كَثُرَ واشْتَدَّ.
قولُه تعالى: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ} أيْ: مَقاعِدَ للاستماعِ.
وقولُه: {فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً} أيْ: يَجِدْ شِهاباً أُرْصِدَ له وهِيءَ ليُرْمَى به.
قولُه تعالى: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} أيْ: أُريدَ بهم الصلاحُ في ذلك أو الفسادُ؟ أو الخيرُ أو الشرُّ؟
([1] ) كذا بالأصل.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir