مشاهدة النسخة كاملة : سورة الجن (الآيات: 11-17)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:19 AM
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 05:49 PM
{وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ}؛ أي: فُسَّاقٌ وفُجَّارٌ وكُفَّارٌ، {كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً}؛ أي: فِرَقاً مُتَنَوِّعَةً وأهواءً متَفَرِّقَةً، كلُّ حزْبٍ لِمَا لَدَيْهِم فَرِحونَ.
{وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً}؛ أي: وأَنَّا في وَقْتِنا الآنَ تَبَيَّنَ لنا كَمالُ قُدرةِ اللَّهِ وكمالُ عَجْزِنا، وأنَّ نَوَاصِيَنا بِيَدِ اللَّهِ، فلنْ نُعْجِزَه في الأرضِ، ولَنْ نُعْجِزَه إنْ هَرَبْنا وسَعَيْنَا بأَسبابِ الفِرارِ والخروجِ عن قُدرتِه، لا مَلجأَ منه إلاَّ إليه.
{وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى} وهو القرآنُ الكريمُ، الهادِي إلى الصراطِ المُستقيمِ، وعَرَفْنا هِدايتَه وإرشادَه أَثَّرَ في قُلُوبِنا فـ {آمَنَّا بِهِ}، ثم ذَكَرُوا ما يُرَغِّبُ المؤمنَ فقالوا: {فَمَن يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ} إيماناً صادِقاً {فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً}؛ أي: لا نَقْصاً ولا طُغياناً ولا أَذًى يَلْحَقُه.
وإذا سَلِمَ مِن الشرِّ حَصَلَ له الخيرُ، فالإيمانُ سببٌ داعٍ إلى حُصولِ كلِّ خَيْرٍ وانتفاءِ كلِّ شَرٍّ.
{وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ}؛ أي: الجائِرُونَ العادِلُونَ عن الصراطِ المستقيمِ.
{فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً}؛ أي: أَصَابُوا طريقَ الرَّشَدِ، الْمُوَصِّلَ لهم إلى الجَنَّةِ ونَعِيمِها.
{وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً}؛ وذلك جزاءٌ على أعمالِهم، لا ظُلْمٌ مِن اللَّهِ لهم, فإِنَّهم {لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} الْمُثْلَى {لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً}؛ أي: هَنِيئاً مَرِيئاً، ولم يَمْنَعْهُم ذلك إلاَّ ظُلْمُهم وعُدوانُهم {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}؛ أي: لِنَخْتَبِرَهم فيه ونَمْتَحِنَهم لِيَظْهَرَ الصادِقُ مِن الكاذبِ.
{وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً}؛ أي: مَن أَعْرَضَ عن ذِكْرِ اللَّهِ، الذي هو كِتابُه فلم يَتَّبِعْه ويَنْقَدْ له، بل غَفَلَ عنه ولَهَى، يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً؛ أي: شَديداً بَليغاً.
حفيدة بني عامر
11-09-2008, 01:27 AM
11-{وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ} أيْ: قالَ بعضُ الْجِنِّ لبَعْضٍ لَمَّا دَعَوْا أصحابَهم إلى الإيمانِ بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: كُنَّا قَبلَ استماعِ القرآنِ مِنَّا الْمَوْصُوفونَ بالصلاحِ.
{وِمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} أيْ: قومٌ غيرُ ذلكَ. قيلَ: أَرادَ بالصالحينَ المؤمنينَ، وبِمَنْ هم دُونَ ذلك الكافرينَ.
{كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً} أيْ: جَماعاتٍ متَفَرِّقَةً، وأَصنافاً مُخْتَلِفَةً، وأهواءً متَبايِنَةً. وقالَ سعيدٌ: كانوا مُسلمينَ ويَهوداً ونَصارى ومَجوساً.
12- {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ} أيْ: وأَنَّا عَلِمْنَا أنْ لن نَفوتَه إنْ أَرادَ بِنا أمْرًا، {وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا} أيْ: هاربينَ منه.
13-{وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى} يَعنونَ القرآنَ, {آمَنَّا بِهِ} صَدَّقْنَا أنه مِن عندِ اللهِ، ولم نُكَذِّبْ به كما كَذَّبَتْ به كَفَرَةُ الإنسِ، {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} والبَخْسُ النُّقصانُ، والرَّهَقُ العُدوانُ والطُّغيانُ.
14-{وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} أيْ: الجائرونَ الظالمونَ الذينَ حادُوا عن طريقِ الحقِّ.
{فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} أيْ: قَصَدُوا طريقَ الحقِّ والخيرِ واجْتَهَدوا في البحْثِ عنه حتى وُفِّقُوا له.
15-{وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} أيْ: وَقُوداً للنارِ تُوقَدُ بهم، كما تُوقَدُ بكَفَرَةِ الإنسِ.
16-{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} المعنى: وأُوحِيَ إليَّ أنَّ الشأنَ أنْ لو استقامَ الجنُّ أو الإنسُ أو كلاهما على طريقةِ الإسلامِ {لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً} أيْ: ماءً كَثيراً لآتَيْنَاهم خَيْراً كَثيراً واسِعاً.
17-{لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أيْ: لنَخْتَبِرَهم فنَعْلَمَ كيفَ شُكْرُهم على تلك النِّعَمِ.
{وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} أيْ: ومَن يُعْرِضْ عن القرآنِ أو عن الْمَوْعِظَةِ، يُدْخِلْه عَذاباً شاقًّا صَعْباً.
حفيدة بني عامر
11-09-2008, 01:29 AM
قولُه تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} أيْ: سِوَى ذلك. قالَ الحسَنُ البَصريُّ: في الْجِنِّ قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورَوافِضُ وخَوارجُ، وغيرُ ذلك مِن الفِرَقِ، وفيهم العاصي والْمُطيعُ والْمُصْلِحُ، وغيرُ ذلك مِن المؤمنِ والكافِرِ.
وقولُه: {كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً} أيْ: ذا أَهواءٍ مُختلِفَةٍ، وقِدَداً معناه: متَفَرِّقَةً. قالَ الشاعرُ:
القابضُ الباسطُ الهادِي بطَاعَتِه في فِتنةِ الناسِ إذ أَهْوَاؤُهُم قِدَدُ
أيْ: مُتَفَرِّقَةٌ.
قولُه تعالى: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ} معنى الظَّنِّ ههنا: اليَقينُ، أيْ: أَيْقَنَّا أنْ لنْ نُعْجِزَه في الأرضِ، أيْ: لن نَفُوتَه، ولا يَعْجِزُ عنا بأَخْذِه إِيَّانا.
وقولُه: {وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً} قد بَيَّنَّا.
قولُه تعالى: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ} أيْ: بالهدَى، والهدَى هو القرآنُ؛ لأنه يَهدِي الناسَ.
وقولُه: {فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} أيْ: نُقصاناً مِن حَسناتِه ولا زِيادةً في سَيِّئَاتِه، وقيلَ: أيْ: ظُلْماً.
قولُه تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} أي: الجائرونَ؛ هم الكُفَّارُ، يُقالُ: أَقْسَطَ إذا عَدَلَ، وقَسَطَ إذا جارَ. فمِن أَقْسَطَ مُقْسِطٌ، ومِن قَسَطَ قَاسِطٌ.
قالَ الفَرَزْدَقُ:
قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا ابنَ هِندٍ عَنْوَةً عَمْراً وهم قَسَطُوا على النُّعمانِ
أيْ: جَارُوا.
وقولُه: {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً} أيْ: طَلَبُوا الرَّشَدَ وَتَوَخَّوْا له، والْمُتَحَرِّي والْمُتَوَخِّي بمعنًى واحدٍ.
وقولُه: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} أي: الكافرونَ، وهو في معنى قولِه تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}.
قولُه تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} في الطريقةِ قَولانِ:
أحَدُهما: أنها الإيمانُ، وهذا قولُ مُجاهِدٍ وقَتادةَ وعِكرمةَ وجَماعةٍ، وهو في معنى قولِه تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا}.
والقولُ الثاني: أنَّ الطريقةَ ههنا طريقةُ الكُفْرِ والضلالةِ، وهذا قولُ أبي مِجْلَزٍ لاحِقِ بنِ حُميدٍ مِن التابعينَ، وهو قولُ الفَرَّاءِ وجماعةٍ، وهو في معنى قولِه تعالى: {وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ} الآيةَ، فجَعَلَ تَمادِيَهم في الكفْرِ سَبباً لتَوسيعِ النِّعَمِ عليهم.
وكذلك قولُه تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} الآيةَ، ومعناه: أبوابَ كلِّ شيءٍ مِن الخيراتِ والنِّعَمِ، قالوا: والقولُ الأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنه عَرَّفَ الطريقةَ بالألِفِ واللامِ، فيَنصرِفُ إلى الطريقةِ المعروفةِ الْمَعهودةِ شَرْعاً وهي الإيمانُ.
وقولُه: {لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً} أيْ: كثيراً، تقولُ العرَبُ: فرَسٌ غَيْدَاقٌ، إذا كان كثيرَ الْجَرْيِ واسِعَهُ، ومعناه، أكثَرْنَا لهم المالَ والنعمةَ؛ لأن كثرةَ الماءِ سببٌ لكثرةِ المالِ.
وقولُه: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أيْ: لنَبْتَلِيَهُم فيه، ونَخْتَبِرَهم فيه.
واسْتَدَلَّ بهذا مَن قالَ: إنَّ معنى الطريقةِ هو الكُفْرُ والضلالةُ؛ لأنه قالَ: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}. وهذا لا يَلزمُ مَن قالَ بالقولِ الأوَّلِ؛ لأنَّ كثرةَ النِّعَمِ فِتنةٌ للمؤمنينَ والكَفَرَةِ جَميعاً.
وقولُه: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ} أيْ: عن الإيمانِ برَبِّه، {يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} أيْ: شاقًّا، والعذابُ الشاقُّ هو النارُ، ومعناه: يُدْخِلْه النارَ، ومنه قولُ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنه: ما تَصَعَّدَنِي شيءٌ ما تَصَعَّدَتْنِي خِطبةُ النِّكاحِ. أيْ: شَقَّتْ. وعن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ قولَه: {صَعَداً} هو جبَلٌ في جَهنَّمَ. وقيلَ: هو صَخرةٌ مِن نارٍ يُكلَّفُ الصعودَ عليها، فإذا صَعِدَ عليها وقَعَ في الدَّرْكِ الأسفَلِ.
([1] ) كذا بالأصل، ولعلها: " ذوي " .
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir