المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سورة الجن (الآيات: 25-28)


عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:20 AM
قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 05:58 PM
{قُلْ} لهم إنْ سأَلُوكَ فقالوا: مَتَى هذا الوعْدُ؟:
{إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً}؛ أي: غايةً طويلةً، فعِلْمُ ذلك عندَ اللَّهِ، {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً} مِن الْخَلْقِ.
بل انْفَرَدَ بعِلْمِ الضمائرِ والأسرارِ والغَيْبِ، {إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}؛ أي: فإنَّه يُخْبِرُه بما اقْتَضَتْ حِكْمَتُه أنْ يُخْبِرَه به.
وذلك لأنَّ الرسُلَ لَيْسُوا كغَيْرِهم؛ فإنَّ اللَّهَ أيَّدَهم بتأييدٍ ما أَيَّدَه أحداً مِن الخَلْقِ، وحَفِظَ ما أَوْحَاهُ إليهم حتَّى يُبَلِّغُوه على حقيقتِه مِن غيرِ أنْ تَتَخَبَّطَهم الشياطينُ، ولا يَزيدُوا فيه أو يَنْقُصُوا.
ولهذا قالَ: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً}؛ أي: يَحْفَظُونَه بأمْرِ اللَّهِ {لِيَعْلَمَ} بذلك {أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} بما جَعَلَه لهم مِن الأسبابِ، {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ}؛ أي: بما عندَهم، وما أَسَرُّوه وأَعْلَنُوه، {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً}.
وفي هذه السورةِ فَوائدُ كَثيرةٌ: منها وُجودُ الجِنِّ، وأنَّهم مُكَلَّفونَ مَأمُورونَ مكَلَّفونَ مَنْهِيُّونَ، مُجَازُونَ بأعمالِهم كما هو صريحٌ في هذه السورةِ.
ومنها: أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ رسولٌ إلى الْجِنِّ، كما هو رسولٌ إلى الإنسِ؛ فإنَّ اللَّهَ صَرَفَ نَفَرَ الجِنِّ لِيَسْتَمِعُوا ما يُوحَى إليه ويُبَلِّغُوا قومَهم.
ومنها: ذَكاءُ الجِنِّ, ومَعْرِفَتُهم بالحقِّ، وأنَّ الذي سَاقَهم إلى الإيمانِ هو ما تَحَقَّقُوه مِن هدايةِ القرآنِ، وحُسْنُ أدَبِهم في خِطابِهم.
ومِنها: اعتناءُ اللَّهِ برسولِه وحِفْظُه لِمَا جاءَ به، فحِينَ ابْتَدَأَتْ بَشائِرُ نُبُوَّتِه، والسماءُ محروسةٌ بالنجومِ، والشياطينُ قد هَرَبتْ عن أماكِنِها وأُزْعِجَتْ عن مَرَاصِدِها، وأنَّ اللَّهَ رَحِمَ به الأرضَ وأَهْلَها رَحمةً ما يُقْدَرُ لها قَدْرٌ، وأرادَ بهم ربُّهم رَشَداً.
فأَرَادَ أنْ يُظْهِرَ مِن دِينِه وشَرْعِه ومَعْرِفَتِه في الأرضِ، ما تَبتَهِجُ له القلوبُ، وتَفْرَحُ به أُولُو الألبابِ، وتَظهَرُ به شعائرُ الإسلامِ، ويَنْقَمِعُ به أهْلُ الأوثانِ والأصنامِ.
ومنها: شِدَّةُ حِرْصِ الجِنِّ لاستماعِ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ وتَرَاكُمُهم عليه.
ومِنها: أنَّ هذه السورةَ قدِ اشْتَمَلَتْ على الأمْرِ بالتوحيدِ والنهيِ عن الشِّرْكِ، وبَيَّنَتْ حالةَ الخلْقِ، وأنَّ كلَّ أحَدٍ منهم لا يَسْتَحِقُّ مِن العبادةِ مِثقالَ ذَرَّةٍ؛ لأنَّ الرسولَ مُحمَّداً صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ إذا كانَ لا يَمْلِكُ لأحَدٍ نفْعاً ولا ضَرًّا، بل ولا يَمْلِكُ لِنَفْسِه ـ عُلِمَ أنَّ الخلْقَ كلَّهم كذلك، فمِن الخطأِ والغَلَطِ اتِّخاذُ مَن هذا وصْفُه إلَهاً آخَرَ معَ اللَّهِ.
ومنها: أنَّ عُلومَ الغَيْبِ قدِ انْفَرَدَ اللَّهُ بعِلْمِها فلا يَعْلَمُها أحَدٌ مِن الخلْقِ إلاَّ مَن ارْتَضَاهُ اللَّهُ وخَصَّهُ بعِلْمِ شيءٍ منها.
تَمَّ تفسيرُ سُورةِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ، وللهِ الحمْدُ.
لعلها حين بدون الفاء ولكنها هكذا بالأصل

حفيدة بني عامر
11-09-2008, 01:40 AM
25-{قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ} أيْ: لستُ أعْلَمُ قُربَ العذابِ الذي يَعِدُكم اللهُ به، {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً} أيْ: غايةً ومُدَّةً فلا يَعرِفُ متى يَومُ القِيامةِ إلاَّ اللهُ وَحْدَه.
26-{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} أيْ: لا يُطْلِعُ على الغيْبِ، وهو ما غابَعن العِبادِ، أحداً منهم.
27-{إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} استَثْنَى مَن ارْتَضَى مِن الرُّسُلِ، فأَوْدَعَهم ما شاءَ مِن غَيبةٍ بطَريقِ الوحيِ إليهم، وجَعَلَه مُعجزةً لهم ودَلالةً صادقةً على نُبُوَّتِهم، وليس الْمُنَجِّمُ ومَن ضَاهَاهُ ممن يَضْرِبُ بالحَصَى ويَنْظُرُ في الكَفِّ ويَزْجُرُ بالطيرِ ممن ارتضاه، فهو كافرٌ باللهِ مُفْتَرٍ عليه بحَدْسِه وتَخْمِينِه وكَذِبِه.
{فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} يَجْعَلُ سُبحانَه بينَ يَدَيِ الرسولِ ومِن خَلْفِه حرَساً مِن الملائكةِ يَحرُسُونَه مِن تَعَرُّضِ الشياطينِ؛ لِمَا أَظْهَرَه عليه مِن الغَيْبِ، ويَحُوطُونَه مِن أنْ تَسْتَرِقَهُ الشياطينُ فتُلْقِيَهُ إلى الكَهَنَةِ.
27-{لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ} أيْ: ليَعْلَمَ اللهُ أنَّ رُسُلَه قد أبْلَغُوا رِسالاتِه، ليَعلَم ذلك عن مُشاهَدَةٍ كما عَلِمَه غَيْباً.
{وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} أيْ: بما عندَ الرصَدِ مِن الملائكةِ، أو بما عندَ الرُّسُلِ الْمُبَلِّغِينَ لرِسالاتِه، وبما لَدَيْهِم مِن الأحوالِ.

حفيدة بني عامر
11-09-2008, 01:41 AM
قولُه تعالى: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً} أيْ: مُدَّةً وغَايةً، والمعنى: لا أَدْرِي أنه يُعَجِّلُ لكم العذابَ أو يُؤَخِّرُه، ويُعَجِّلُ لكم مُدَّةً ومُهْلَةً، وقد رُوِيَ أنَّ الْمُشْرِكينَ كانوا يَستعجلونَه العذابَ، ويَقولونَ: إلى مَتَى تَوَعَّدُنا العذابَ؟ فأينَ العذابُ؟ فأَمَرَه اللهُ تعالى أنْ يَكِلَ ذلك إلى اللهِ تعالى، وأنْ يَقولَ: إنه بِيَدِ اللهِ لا بِيَدِي.
قولُه تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً} أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ فلا يُظْهِرُ على غَيْبِه أَحَداً {إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} فإنه يُطْلِعُه على غَيبِه بما يُنْزِلُه عليه مِن الآياتِ والبَيِّنَاتِ.
وقولُه: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} أيْ: يَجعَلُ مِن بينِ يَدَيْهِ {وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} أيْ: حَفَظَةً، ورَوَى سُفيانُ عن منصورٍ عن إبراهيمَ قالَ: ملائكةٌ يَحْرُسُونَه. وفي التفسيرِ: أنَّ اللهَ تعالى ما بَعَثَ وَحْياً مِن السماءِ إلا ومَعه ملائكةٌ يَحْرُسُونَه. فإنْ قالَ قائلٌ: ومِن ماذا يَحفظونَه ويَحْرُسونَه؟ والجوابُ: أنَّ الحفْظَ والحراسةَ لِخَطَرِ شأنِ الوحْيِ ولتعظيمِه في النفُوسِ، لا بِحُكْمِ الحاجةِ إلى الحراسةِ والْحَفَظَةِ.
يُقالُ: إنَّ الحفْظَ والحراسةَ مِن الْمُسْتَرِقِينَ للسمْعِ؛ لئلاَّ يَسْرِقوا شيئاً مِن ذلك ويُلْقُوهُ إلى الكَهَنَةِ، وقد وَرَدَ في الأخبارِ: أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا أَنْزَلَ سورةَ " الأنعامِ " بَعَثَ معَها سَبعينَ ألْفَ مَلَكٍ يَحْرُسُونَها، وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ مَن قالَ بالنجومِ شيئاً، وادَّعَى عِلْماً مِن الغَيْبِ بجِهَتِها فهو كافِرٌ بالقرآنِ.
وقد قالَ بعضُهم: الطَّرْقُ والْجِبْتُ والكُهَّانُ كلُّهم مضَلِّلُون، ودونَ الغيْبِ أَشَارُوا، وقد وَرَدَ في الأخبارِ: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَهَى عن النظَرِ في النجومِ، والمعنى هو النظَرُ فيها للقولِ بالغَيْبِ عنها، فأمَّا النظَرُ فيها للاهتداءِ أو للاعتبارِ أو لِمَعْرِفَةِ القِبلةِ وما أَشْبَهَ ذلك مُطْلَقٌ جائِزٌ.
وقولُه تعالى: {لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} وقُرِئَ: (رِسَالةَ رَبِّهِمْ) وهي واحدُ الرِّسالاتِ، واختَلَفَ القولُ في قولِه تعالى: {لِيَعْلَمَ} فأحَدُ الأقوالِ هو أنَّ معناه: ليعلَمَ محمَّدٌ أنَّ الرسُلَ الذين كانوا قبلَه قد أبلَغُوا رِسالاتِ ربِّهم على ما أُنْزِلَ إليهم.
والقولُ الثاني: أنه مُنْصَرِفٌ إلى الْجِنِّ، وقُرِئَ: (ليَعْلَمَ الْجِنُّ أنْ قدْ أَبْلَغَ الرُّسُلُ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ عَلَى مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ).
والقولُ الثالثُ: ليَعلمَ المؤمنونَ.
والقولُ الرابعُ: ليعلَمَ اللهُ، أوْرَدَه الزَّجَّاجُ وغيرُه، فإنْ قالَ قائلٌ، ما معنى قولِه: {لِيَعْلَمَ اللَّهُ}، وهو عالِمٌ بالأشياءِ قَبْلَ كونِها ووُجودِها؟
والجوابُ أَنَّا قد بَيَّنَّا الجوابَ فيما سَبَقَ في مَواضِعَ كثيرةٍ، وقد قيلَ: ليَعْلَمَ اللهُ تعالى أنْ قد أبْلَغَ الرسُلُ رِسالاتِ ربِّهم شَهادةً ووُجوداً، وقد كان يَعلمُ ذلك غَيْباً.
وقولُه: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} أيْ: أَحاطَ عِلْمُه بما عِندَهم.
وقولُه: {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} أيْ: وأَحْصَى كلَّ شيءٍ مَعدوداً، ويُقالُ: عَدَّ كلَّ شيءٍ عَدَداً، وهذا على معنى أنه لا يَخْفَى على اللهِ شيءٌ كثيرٌ أو قَليلٌ، جَليلٌ أو دَقيقٌ. واللهُ أَعْلَمُ.