مشاهدة النسخة كاملة : سورة المزمل (الآيات: 1-9)
عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:22 AM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)
حفيدة بني عامر
11-08-2008, 06:03 PM
تفسيرُ سُورةِ الْمُزَّمِّلِ
وهي مَكِّيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً * إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً * يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً * إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً * فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1 -9) {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً }.
الْمُزَّمِّلُ: الْمُتَغَطِّي بثِيابِه كالْمُدَّثِّرِ، وهذا الوصْفُ حَصَلَ مِن رَسولِ اللَّهِ حِينَ أَكْرَمَه اللَّهُ برِسالتِه وابتَدَأَهُ بإنزالِ وَحْيِه بإرسالِ جِبْرِيلَ إليه، فرَأَى أمْراً لم يَرَ مِثلَه، ولا يَقْدِرُ على الثَّبَاتِ له إلاَّ الْمُرْسَلونَ، فاعْتَرَاه في ابتداءِ ذلكَ انزعاجٌ حينَ رَأَى جِبريلَ عليه السلامُ، فأَتَى إلى أهْلِه فقالَ: ((زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)). وهو تُرْعَدُ فَرَائِصُه، ثم جاءَه جِبريلُ فقالَ: اقْرَأْ. فقالَ: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ)). فغَطَّه حتى بَلَغَ مِنه الْجَهْدُ، وهو يُعَالِجُه على القِراءَةِ، فقَرأَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ, ثم أَلْقَى اللَّهُ عليه الثَّبَاتَ وتَابَعَ عليه الوَحْيُ، حتى بَلَغَ مبْلَغاً ما بَلَغَه أحَدٌ مِن الْمُرْسَلينَ.
فسُبحانَ اللَّهِ! ما أَعْظَمَ التفاوُتَ بينَ ابتداءِ نُبُوَّتِه ونِهَايَتِها؛ ولهذا خَاطَبَه اللَّهُ بهذا الوَصْفِ الذي وُجِدَ منه في أوَّلِ أمْرِه.
فأَمَرَه هنا بالعباداتِ الْمُتَعَلِّقَةِ به، ثم أَمَرَه بالصبْرِ على أَذِيَّةِ أعدائِه، ثم أَمَرَه بالصَّدْعِ بأَمْرِه، وإعلانِ دَعوتِهم إلى اللَّهِ، فأَمَرَه هنا بأَشْرَفِ العباداتِ وهي الصلاةُ، وبِآكَدِ الأوقاتِ وأفْضَلِها وهو قِيامُ الليلِ.
ومِن رَحْمَتِه تعالى أنَّه لم يَأْمُرْه بقيامِ الليلِ كُلِّه، بل قالَ: {قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً}، ثم قَدَّرَ ذلكَ فقالَ: {نِصْفَهُ أَوِ انُقْصْ مِنْهُ}؛ أي: مِن النصْفِ {قَلِيلاً}؛ بأنْ يكونَ الثُّلُثَ ونحوَه، {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}؛ أي: على النِّصْفِ، فيكونُ الثُّلُثَيْنِ ونحوَها.
{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}؛ فإنَّ تَرْتِيلَ القرآنِ به يَحْصُلُ التدَبُّرُ والتفَكُّرُ، وتحريكُ القلوبِ به، والتعَبُّدُ بآياتِه والتَّهَيُّؤُ والاستعدادُ التامُّ له، فإِنَّه قالَ: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}؛ أي: نُوحِي إليكَ هذا القرآنَ الثقيلَ؛ أي: العظيمةَ مَعانِيهِ الجليلةَ أَوصافُه.
وما كانَ بهذا الوصْفِ حَقيقٌ أنْ يُتَهَيَّأَ له ويُرَتَّلَ ويُتَفَكَّرَ فيما يَشْتَمِلُ عليه.
ثم ذكَرَ الحِكْمَةَ في أَمْرِه بقيامِ الليلِ فقالَ: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ}؛ أي: الصلاةَ فيه بعدَ النوْمِ {هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً}؛ أي: أَقْرَبُ إلى تَحصيلِ مَقصودِ القرآنِ، يَتَوَاطَأُ على القرآنِ القلْبُ واللسانُ، وتَقِلُّ الشواغِلُ ويَفْهَمُ ما يَقولُ ويَستقيمُ له أمْرُه.
وهذا بخِلافِ النهارِ؛ فإِنَّه لا يَحْصُلُ به هذا المقصودُ؛ ولهذا قالَ: {إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً}؛ أي: تَرَدُّداً على حوائِجِكَ ومَعاشِكَ يُوجِبُ اشتغالَ القلْبِ، وعَدَمَ تَفَرُّغِه التفَرُّغَ التامَّ.
{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ} شامِلٌ لأنواعِ الذِّكْرِ كُلِّها، {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً}؛ أي: انقَطِعْ إلى اللَّهِ تعالى؛ فإنَّ الانقطاعَ إلى اللَّهِ والإنابةَ إليه هو الانفصالُ بالقلْبِ عن الخلائقِ، والاتِّصافُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وكلِّ ما يُقَرِّبُ إليه ويُدْنِي مِن رِضاهُ.
{رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} وهذا اسمُ جِنسٍ يَشمَلُ الْمَشارِقَ والْمَغارِبَ كلَّها، فهو تعالى رَبُّ الْمَشارِقِ والْمَغارِبِ، وما يكونُ فيها مِن الأنوارِ، وما هي مَصْلَحَةٌ له مِن العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، فهو رَبُّ كلِّ شيءٍ وخالِقُه ومُدَبِّرُه.
{لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ}؛ أي: لا مَعبودَ إلاَّ وَجهُه الأَعْلَى، الذي يَستحِقُّ أنْ يُخَصَّ بالْمَحَبَّةِ والتعظيمِ والإجلالِ والتكريمِ.
ولهذا قالَ: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً}؛ أي: حافِظاً ومُدَبِّراً لأمورِك كلِّها.
حفيدة بني عامر
11-09-2008, 01:44 AM
سُورةُ الْمُزَّمِّلِ
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا * إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا * إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا * فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
1-{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} وهذا الْخِطابُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ كانَ يَتَزَمَّلُ بثِيابِه أوَّلَ ما جاءَهُ جِبريلُ بالوحْيِ خَوْفاً منه، فإنه لَمَّا سَمِعَ صوتَ الْمَلَكِ ونَظَرَ إليه أخَذَتْهُ الرِّعدةُ، فأتى أهْلَه وقالَ: ((زَمِّلُونِي دَثِّرُونِي)). ثم بعدَ ذلك خُوطِبَ بالنُّبُوَّةِ والرسالةِ وأَنِسَ بجبريلَ.
2-{قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً} أيْ: قُمْللصلاةِ في الليلِ، وصَلِّ الليلَ كُلَّه إلاَّ يَسِيراً منه.
4،3-{نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} كأنه قالَ: قُمْ ثُلُثَيِ الليلِ، أو نِصْفَه أو ثُلُثَهُ. أَخْرَجَ أحمدُ, ومسلِمٌ, عن سعْدِ بنِ هِشامٍ قالَ: قلتُ لعائشةَ: أنْبِئِينِي عن قِيامِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قالتْ: ألسْتَ تَقرأُ هذه السورةَ:{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}؟ قلتُ: بلى. قالتْ: فإنَّ اللهَ افْتَرَضَ قِيامَ الليلِفي أوَّلِ هذه السورةِ فقامَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وأصحابُه حَوْلاً، حتى انْتَفَخَتْ أقْدَامُهم، وأَمْسَكَ اللهُ خاتِمَتَها في السماءِ اثْنَيْ عشرَ شَهْراً، ثم أَنزلَ التخفيفَ في آخِرِ هذه السورةِ، فصارَ قِيامُ الليلِ تَطَوُّعاً مِن بعدِ فَرْضِه.
{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} أيْ: اقْرَأْهُ على مَهْلٍ مع تَدَبُّرٍ حَرفًا حرْفاً، والترتيلُ هو أنْ يُبَيِّنَ جميعَ الحروفِ ويُوفِيَ حَقَّها مِن الإشباعِ دُونَ تَنَطُّعٍ وَتَقَعُّرٍ في النُّطْقِ.
5-{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} أيْ: سنُوحِي إليكَ القرآنَ، وهو قولٌ ثَقيلٌ فَرائضُه وحُدودُه، وحَلالُه وحَرامُه، لا يَحْمِلُه إلا قلْبٌ مؤيَّدٌ بالتوفيقِ, ونفْسٌ مُزَيَّنَةٌ بالتوحيدِ.
6-{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} يُقالُ لقيامِ الليلِ: ناشئةٌ. إذا كانَ بعدَ نَومٍ، فإذا نِمْتَ مِن أوَّلِ الليلِ ثم قُمتَ فتلكَ الْمَنْشَأَةُ والنشأةُ.
{هِيَ أَشَدُّ وَطْأً} أثْقَلُ على المصلِّي مِن صلاةِ النهارِ؛ لأنَّ الليلَ للنومِ.
{وَأَقْوَمُ قِيلاً} أيْ: وأَسَدُّ مَقَالاً وأَثْبَتُ قِراءةً، لحضورِ القلْبِ فيها، وأشَدُّ استقامةً؛ لأنَّ الأصواتَ فيها هادئةٌ والدنيا ساكنةٌ.
7-{إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} أيْ: تَصَرُّفاً في حَوَائِجِكَ، وإِقْبَالاً وإِدْبَاراً، وذَهاباً ومَجيئاً، فَصَلِّ بالليلِ.
8-{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ} لَيلاً ونَهاراً واستَكْثِرْ مِن ذلك.
{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} أيْ: انقَطِعْ إلى اللهِ انْقِطَاعاً بالاشتغالِ بعِبادتِه، والتماسِ ما عندَه.
9-{فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} أيْ: إذا عَرفتَ أنه المخْتَصُّ بالرُّبوبيَّةِ، فاتَّخِذْه {وَكيلاً}. أيْ: قائماً بأُمُورِكَ، وعَوِّلْ عليه في جميعِها.
حفيدة بني عامر
11-09-2008, 01:46 AM
بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً * إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً * يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً * إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً * فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
تفسيرُ سورةِ الْمُزَّمِّلِ
وهي مَكِّيَّةٌ، وعندَ بعضِهم هي مَكِّيَّةٌ إلا قولَه تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} إلى آخِرِ السورةِ.
قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} معناه: يا أيُّها الْمُتَزَمِّلُ، أُدْغِمَتِ التاءُ في الزايِ، ومِثلُه قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} أيْ: يا أيُّها الْمُتَدَثِّرُ، أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ.
قالَ ابنُ عبَّاسٍ: لَمَّا تَراءَ له جِبريلُ صَلواتُ اللهِ عليه في ابتداءِ الوحيِ فَرِقَ منه فَرَقاً شَديداً، فرَجَعَ إلى بيتِه وتَزَمَّلَ بثِيابِه، فأَنزَلَ اللهُ تعالى قولَه: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} ثم إنَّ جِبريلَ عليه السلامُ أكثَرَ الْمَجيءَ إليه حتى أَنِسَ.
قالَ إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: وكانَ مُتَزَمِّلاً في قَطيفةٍ. وعن الضحاكِ في قولِه: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}: يا أيُّها النائمُ.
وفي بعضِ الرواياتِ أنَّ جِبريلَ عليه السلامُ جاءَ إليه وهو نائمٌ، فقالَ: يا أيُّها الْمُزَّمِّلُ ـ أي: النائمُ ـ قُمْ واتَّخِذْ لنَفْسِكَ ظِلاًّ يَومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه.
وفي بعضِ التفاسيرِ عن عِكرمةَ: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}: يا أيُّها الْمُتَزَمِّلُ بالنُّبُوَّةِ. وهو غَريبٌ، وأنشدَ في المزَّمَّلِ:
كأن ثَبِيراً في عَرانينِ وَبلةٍ كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلُ
وقُرِئَ في الشاذِّ: (يا أيُّها الْمُزَمَّلُ).
وقولُه: {قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً} أيْ: إلاَّ شَيْئاً يَسيراً منه.
قالَ الكَلْبِيُّ: هو الثلُثُ، ومعناه: قُمْ ثُلُثَيِ الليلِ، وعن وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ: {إِلاَّ قَلِيلاً} هو دُونَ السُّدُسِ.
وقولُه: {نِصْفَهُ} يَدُلُّ على الليلِ أيْ: قُمْ نِصفَه إلاَّ قَليلاً، وقيلَ في القليلِ على هذا القولِ: نصْفُ السُّدُسِ.
وقولُه: {أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} أيْ: مِن النصْفِ إلى الثلُثِ.
وقولُه: {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} أيْ: زِدْ على النصْفِ إلى الثُّلُثَيْنِ. والمعنيُّ مِن الآيةِ: إيجابُ القِيامِ عليه مع تَوسيعِ الأمْرِ في الْمِقدارِ، وذكَرَ النقَّاشُ أنَّ قولَه: {نِصْفَهُ} معناه: أو نِصْفَه.
وقولُه: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} أيْ: بَيِّنْهُ تَبْيِيناً.
قالَ الضَّحَّاكُ: حَرْفاً حَرْفاً.
وحقيقةُ التَّرتيلِ هو التَّرَسُّلُ في القِراءةِ وإلقاءُ الحروفِ حَقَّهَا مِن الإشباعِ بلا عَجَلٍ ولا هَذْرَمَةٍ، ورَوَى أبو جَمرةَ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: "لَأنْ أَقرأَ سُورةَ "البَقرةِ" أُرَتِّلُ تَرتيلاً أَحَبُّ إليَّ مِن أنْ أَقرأَ جَميعَ القُرآنِ هَذرمةً".
وعن أنَسٍ أنه سُئِلَ عن قِراءةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالَ: "كان يَمُدُّ مَدًّا" وفي الحكاياتِ عن صَدَقَةَ الْمُقَابِرِيِّ أنه قالَ: قُمتُ ليلةً وقَرأتُ أَحْدِرُ حَدْراً، فرَأيتُ في المنامِ كأني أزْرَعُ شَعيراً، ثم رَتَّلْتُ فرَأيتُ في المنامِ كأني أزْرَعُ حِنْطَةً، ثم حقَّقْتُ فرَأيتُ في المنامِ كأني أزْرَعُ سِمْسِماً.
وقد صَحَّ براويةِ سعْدِ بنِ هشامٍ أنه قالَ: قلتُ لعائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها: أَخْبِرِينِي عن قِيامِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالليلِ. فقالتْ: "ألستَ تَقرأُ سُورةَ الْمُزَّمِّلِ"؟ قلتُ: نعمْ. قالتْ: "فرَضَ اللهُ تعالى قيامَ الليلِ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِه، فقامُوا سَنَةً حتى تَوَرَّمَتْ أقدامُهم، ثم أَنْزَلَ اللهُ تعالى قولَه: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} فنَسَخَ قِيامَ الليلِ" .
وفي هذا الخبرِ أنه أَنْزَلَ أوَّلَ السورةِ وأَمْسَكَ خاتِمَتَها سَنَةً، وفي بعضِ الرواياتِ: سِتَّةَ عشَرَ شَهْراً. وفي بعضِ الغرائبِ مِن الرواياتِ: عشْرَ سِنينَ.
قولُه تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} قالَ الحسَنُ: ثَقيلاً العمَلُ به.
وقالَ الزَّجَّاجُ: هو الصلاةُ والصيامُ وسائرُ الأوامرِ والنواهِي، لا يَفعلُها الإنسانُ إلاَّ بتَكَلُّفٍ يَثْقُلُ عليه.
وعن قَتادةَ قالَ: ثَقيلٌ واللهِ حُدودُه وفَرائضُه. وقِيلَ: ثَقيلاً في الْمِيزانِ يومَ القيامةِ، قاله الحسَنُ في إِحْدَى الرِّوايتينِ.
وقالَ الفَرَّاءُ: هو قولٌ ثَقيلٌ، أيْ: ليس بخفيفٍ ولا بسَفْسَافٍ، وهو ثَقيلٌ، أيْ: له وزْنٌ بصِحَّتِه وبَيانِه وتَقَشُّعِه، يُقالُ: هذا كلامٌ رَزينٌ صَيِّنٌ. أيْ: ليس بقولٍ لا معنى له.
قولُه تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزبيرِ ومُجاهِدٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ: أنه الليلُ كلُّه. وعن ابنِ عمرَ وأنَسٍ: هو ما بينَ الْمَغْرِبِ والعشاءِ. وعن الكِسائيِّ: أوَّلُ الليلِ. وعن بعضِهم: مِن صلاةِ العِشاءِ الأخيرةِ إلى الصبْحِ، قالَه الحسَنُ والحكَمُ بنُ عُتَيْبَةَ.
وعن ابنِ الأَعرابيِّ: هو أنْ يَسْتَيْقِظَ بعدَ أنْ يَنامَ. ونَاشئةُ الليلِ: ساعاتُ الليلِ، وحقيقتُه هي أنَّ ساعاتِ الناشئةِ مِن الليلِ، أي: التي يَنشأُ بعضُها في إِثْرِ بعْضٍ.
وقولُه: {هِيَ أَشَدُّ وَطْأً} وقُرِئَ: (وِطَاءً) أمَّا قولُه: {وَطْأً} قالَ الأَخْفَشُ سعيدُ بنُ مَسْعَدَةَ: أَشَدُّ قِياماً، والوَطْءُ في اللغةِ هو الثِّقَلُ.
قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ)). يُقالُ: اشتَدَّ وَطْءُ السلطانِ في بَلَدِ كذا: ثِقَلُه، فعلى هذا معنى قولِه: {أَشَدُّ وَطْأً} أيْ: ثِقَلاً.
والمعنى: أنه أَثْقَلُ على البَدَنِ؛ لأنه وقْتُ الراحةِ والسكونِ، فيكونُ القيامُ فيه أثْقَلَ، وإذا كانَ القِيامُ أثْقَلَ فالثوابُ أعظَمُ، فإنَّ الْجَهْدَ إذا كانَ أَشَدَّ، والعمَلُ أَتْعَبَ، فالثوابُ أَكبرُ، وهو المرادُ بالآيةِ في هذه القراءةِ، وأمَّا القراءةُ الثانيةُ أيْ: أشَدُّ مُوَاطَأَةً، ومعناه: مُوافَقَةً بينَ السمْعِ والبصَرِ والقلْبِ؛ وذلك لقِلَّةِ الحركاتِ وهَدْءِ الأصواتِ، فإنَّ بالنهارِ تكونُ العينُ مشْتَغِلَةً بالنظَرِ، والأذُنُ بالسمْعِ، والقلْبُ مشتَغِلٌ بالتَّصَرُّفاتِ، فلا تقَعُ الموافَقَةُ بالاستماعِ والتفَهُّمِ، قالَ الفرَّاءُ: {أَشَدُّ وَطْأً} أيْ: أَجْدَرُ أنْ تُحْصُوا مَقاديرَ قِيامِكم؛ لفَراغِ قُلوبِكم.
وقولُه: {وَأَقْوَمُ قِيلاً} قالَ الكلبيُّ ومُقاتِلٌ: أَبْيَنُ قَوْلاً، وعن أنَسٍ أنه قَرَأَ قولَه: {أَشَدُّ وَطْأً} (أَهْيَأُ وِطْاءً) وهو قريبُ المعنى مِن الأوَّلِ، وعن ابنِ مسعودٍ أنه قالَ: ناشئةُ الليلِ هو جَميعُ الليلِ بالْحَبَشِيَّةِ، وهي مُعَرَّبَةٌ.
قولُه تعالى: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً} أيْ: فَراغاً طَويلاً للاستراحةِ، وقالَ ابنُ قُتَيْبَةَ: {سَبْحاً طَوِيلاً} أيْ: تَصَرُّفاً وإِقبالاً وإِدباراً في أمورِكَ. وقَرَأَ يحيى بنُ يَعْمَرَ (سَبْخاً طَويلاً) بالخاءِ الْمُعْجَمَةِ.
قالَ ثَعلبٌ: السَّبْحُ هو الاضطرابُ، والسَّبْخُ هو السُّكونُ، ومنه قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ لعائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها في السارِقِ منها: ((لاَ تَسْتَبِخِي بِرَأْيِكِ عَلَيْهِ)). أيْ: لا تُخَفِّفِي.
وقولُه: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ} قالَ مُقاتِلٌ: إذا قَرأتَ فقُلْ: بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ عندَ افتتاحِ السورةِ. وقيلَ: اذكُرْ رَبَّكَ.
وقولُه: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} أي: انقَطِعْ إليه انقِطَاعاً.
ومنه العَذراءُ الْبَتُولُ لِمَرْيَمَ، أي: الْمُنْقَطِعَةُ إلى اللهِ تعالى في النُّسُكِ.
وكذلك الزَّهراءُ البَتولُ لفاطمةَ، أي: الْمُنْقَطِعَةُ عن أَقْرَانِها في الفَضْلِ، ومنه صَدَقَةٌ بَتْلَةٌ، أيْ: مُنْقَطِعَةٌ خارجةٌ مِن مالِ الْمُتَصَدِّقِ بها.
وقيلَ: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} أيْ: أَخْلِصْ له إِخلاصاً، وذَكَرَ النَّقَّاشُ عن محمَّدِ بنِ عَلِيٍّ الباقِرِ: أنه رفْعُ اليدينِ في الصلاةِ، وعن زيدِ بنِ أَسْلَمَ: أنه رفْضُ الدنيا، وطَلَبُ ما عندَ اللهِ تعالى.
قولُه تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} قالَ الفرَّاءُ: كَفِيلاً: وقيلَ: إِلَهاً، وقيلَ: كِلْ أُمورَكَ.
([1] ) كذا بالأصل، ولعلها: " تَرَاءَى " .
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir