المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سورة المدثر (الآيات: 11-30)


عبد العزيز الداخل
11-04-2008, 01:25 AM
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12)وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)

حفيدة بني عامر
11-08-2008, 06:20 PM
(11 _30) {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُّ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ }.
هذه الآياتُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بنِ الْمُغيرةِ، مُعانِدِ الحقِّ، والمُبارِزِ لِلَّهِ ولرسولِه بالمُحارَبَةِ والمُشَاقَّةِ، فذَمَّه اللَّهُ ذَمًّا لم يَذُمَّه غيرَه، وهذا جَزَاءُ كلِّ مَن عانَدَ الحقَّ ونابَذَه أنَّ له الْخِزْيَ في الدنيا، ولَعذابُ الآخِرَةِ أَخْزَى، فقالَ: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً}؛ أي: خَلَقْتُه مُنْفَرِداً بلا مالٍ ولا أهْلٍ ولا غيرِه، فلم أَزَلْ أُنَمِّيهِ وأُرَبِّيهِ.
{وَجَعَلْتُ لهُ مَالاً مَمْدُوداً}؛ أي: كَثِيراً،
{وَ} جَعَلْتُ له.
{بَنِينَ}؛ أي: ذُكُوراً .
{شُهُوداً}؛ أي: دائماً حاضِرِينَ عندَه على الدوامِ يَتمتَّعُ بهم، ويَقضِي بهم حَوائجَه ويَستنْصِرُ بهم.
{وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً}؛ أي: مَكَّنْتُهُ مِن الدنيا وأسبابِها، حتى انقادَتْ له مَطالِبُه، وحصَلَ على ما يَشْتَهِي ويُريدُ، {ثُمَّ} معَ هذه النِّعَمِ والإمداداتِ.
{يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ}؛ أي: يَطمَعُ أنْ يَنالَ نَعيمَ الآخِرةِ كما نالَ نَعيمَ الدنيا،
{كَلاَّ}؛ أي: ليسَ الأمْرُ كما طَمِعَ، بل هو بخِلافِ مَقصودِه ومَطلوبِه؛ وذلك لأنه:
{كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً}؛ أي: مُعانِداً، عرَفَها ثم أَنْكَرَها, ودَعَتْه إلى الحقِّ فلم يَنْقَدْ لها, ولم يَكْفِهِ أنَّه أَعْرَضَ وتَوَلَّى عنها، بل جَعَلَ يُحَارِبُها ويَسْعَى في إبطالِها.
ولهذا قالَ عنه: {إِنَّهُ فَكَّرَ}؛ أي: في نفْسِه،
{وَقَدَّرَ} ما فَكَّرَ فيه، ليقولَ قَولاً يُبْطِلُ به القرآنَ.
{فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ}؛ لأنَّه قَدَّرَ أمْراً ليسَ في طَوْرِه، وتَسَوَّرَ على ما لا يَنالُه هو ولا أمثالُه.
{ثُمَّ نَظَرَ} ما يقولُ،
{ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} في وجْهِهِ، وظاهِرُه نَفْرَةٌ عن الحقِّ وبُغْضاً له.
{ثُمَّ أَدْبَرَ}؛ أي: تَوَلَّى.
{وَاسْتَكْبَرَ}؛ نَتيجةَ سَعْيِهِ الفِكْرِيِّ والعَمَلِيِّ، والقَوْلِيِّ، أنْ قالَ:
{إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ}؛ أي: ما هذا كلامَ اللَّهِ، بل كلامَ البشَرِ، وليسَ أيضاً كلامَ البشَرِ الأخيارِ، بل كلامَ الفُجَّارِ منهم والأشرارِ مِن كلِّ كاذِبٍ سَحَّارٍ.
فَتَبًّا له, ما أَبْعَدَه مِن الصوابِ وأَحراهُ بالْخَسارةِ والتَّبَابِ!
كيفَ يَدُورُ فِي الأذهانِ أو يَتَصَوَّرُه ضميرُ كلِّ إنسانٍ، أنْ يكونَ أَعْلَى الكلامِ وأَعْظَمُه؛ كلامِ الربِّ العظيمِ الماجِدِ الكريمِ ـ يُشْبِهُ كلامَ الْمَخلوقِينَ الفُقراءَ الناقصِينَ؟!
أمْ كيفَ يَتَجَرَّأُ هذا الكاذبُ العَنيدُ على وَصْفِه كلامَ الْمُبْدِئِ الْمُعيدِ؟! فما حَقُّه إلا العذابُ الشديدُ والنَّكَالُ.
ولهذا قالَ تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ}؛ أي: لا تُبْقِي مِن الشدَّةِ ولا على الْمُعَذَّبِ شيئاً إلاَّ وبَلَغَتْهُ.
{لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ}؛ أي: تُلَوِّحُهم وتُصْلِيهِم في عذابِها وتُقْلِقُهُم بشِدَّةِ حَرِّها وقَرِّها.
{عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} مِن الملائكةِ, خَزنةٌ لها, غِلاظٌ شِدادٌ, لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرونَ.

حفيدة بني عامر
11-09-2008, 02:07 AM
11- {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} دَعْنِي أنا والذي خَلَقْتُه حالَ كونِه وَحيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ, لا مَالَ له ولا وَلَدَ. أو دَعْنِي وَحْدِي معه, فإني أَكفيكَ في الانتقامِ منه. قالَ الْمُفَسِّرونَ: وهو الوَليدُ بنُ الْمُغيرةِ.
12- {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا} أيْ: كَثيرًا. وقد كانَ الوليدُ بنُ الْمُغيرةِ مَشهورًا بكثرةِ المالِ.
13- {وَبَنِينَ شُهُودًا} أيْ: وجَعلتُ له بَنينَ حُضورًا بِمَكَّةَ معه, لا يُسافرونَ ولا يَحتاجونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرزْقِ لكثرةِ مالِ أَبِيهِم. قيلَ: كانوا ثَلاثةَ عَشَرَ وَلَدًا كلُّهم رِجالٌ.
14- {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا} أيْ: بسَطْتُ له في العَيْشِ وطُولِ العمُرِ والرياسةِ في قُريشٍ.
16- {كَلاَّ} أيْ: لستُ أَزِيدُه، {إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} أيْ: مُعَانِدًا لها, كافِرًا بما أَنْزَلْنَاهُ منها على رَسُولِنا.
17- {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} أيْ: سَأُكَلِّفُه مَشَقَّةً مِن العذابِ, والإرهاقُ: أنْ يُحْمَّلَ الإنسانُ الشيءَ الثقيلَ الذي لا يُطِيقُه.
18- {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} فكَّرَ في شأنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وقَدَّرَ في نفْسِه, أيْ: هَيَّأَ الكلامَ في نفْسِه ما يقولُ, فذَمَّهُ اللهُ.
19- {فَقُتِلَ} أيْ: لُعِنَ وعُذِّبَ {كَيْفَ قَدَّرَ} أيْ: على أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِن الكلامِ.
21- {ثُمَّ نَظَرَ} أيْ: بأيِّ شيءٍ يَدفعُ القرآنَ ويَقدَحُ فيه.
22- {ثُمَّ عَبَسَ} أيْ: قَطَّبَ وَجْهَهُ لَمَّا لم يَجِدْ مَطْعَنًا يَطعُنُ به القرآنَ، {وَبَسَرَ} أيْ: كَلَحَ وجْهُه وتَغَيَّرَ.
24- {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} أيْ: قالَ: ليس هذا القرآنُ إلا سِحْراً يَنْقُلُه محمَّدٌ عن غيرِه ويَرْوِيهِ عنه.
25- {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} يَعنِي: قالَ: إنه كلامُ الإنسِ, وليس بكلامِ اللهِ. وسيأتي أنَّ الوليدَ بنَ الْمُغيرةِ إنما قالَ هذا القولَ إرضاءً لقَوْمِه, بعدَ اعترافِه أنَّ له حَلاوةً, وأنَّ عليه طُلاوةً.
26- {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} أيْ: سأُدْخِلُه النارَ. وسَقَرُ مِن أسماءِ النارِ.
29- {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} تَلُوحُ للناسِ جَهَنَّمُ حتى يَرَوْنَهَا عِيَانًا. وقيلَ: لَوَّاحَةٌ للبشَرِ, أيْ: مُغَيِّرَةٌ لوُجُوهِهم حتى تَسْوَدَّ.
30-{عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} على النارِ تِسعةَ عشرَ مِن الملائكةِ هم خَزَنَتُها. وقيلَ: تِسعةَ عشرَ صِنْفاً مِن أصنافِ الملائكةِ.

حفيدة بني عامر
11-09-2008, 02:09 AM
قولُه تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً}. قولُه: {ذَرْنِي} معناه: دَعْنِي، وقد بَيَّنَّا وَجْهَ ذلك.
وقولُه: {وَحِيداً} فيه قَولانِ:
أحَدُهما: خَلَقْتُه وَحْدَه لا مالَ له ولا ولَدَ،
والثاني: خَلَقْتُه وَحْدِي لم يَشْرَكْنِي في خلْقِه غيرِي، وهو الوليدُ بنُ الْمُغيرةِ على قولِ أكثرِ الْمُفَسِّرينَ.
وقولُه: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً} فيه أقوالٌ كثيرةٌ: أحَدُها: أنه ألْفُ دِينارٍ، قالَه ابنُ عَبَّاسٍ، وعن سُفيانَ: أربعةُ آلافِ دِينارٍ، وقالَ قَتادةُ: ستةُ آلافِ دِينارٍ. وعن مُجاهِدٍ في بعضِ الرواياتِ: مائةُ ألْفِ دِينارٍ، والقولُ الأوَّلُ مَعروفٌ؛ لأنَّ الحسابَ يَمتَدُّ إليه فيُقْطَعُ.
وعن عمرَ بنِ الْخَطَّابِ: غَلَّةُ شَهْرٍ بشَهْرٍ، وقد وَرَدَ أنه كانَ له بُستانٌ بالطائفِ لا يَنقطِعُ دَخْلُه شِتاءً ولا صَيْفاً، ويُقالُ: هو المالُ الذي يَستوْعِبُ جَميعَ وُجوهِ الْمَكاسِبِ مِن التجارةِ والزرْعِ والضَّرْعِ وغيرِ ذلك، وعن ابنِ عَبَّاسٍ في بعضِ الرِّواياتِ: كانتْ له الإبِلُ الْمُؤَبَّلَةُ، والخيلُ الْمُسَوَّمَةُ، والأنعامُ مِن الإبِلِ والبقَرِ والغنَمِ، والذهَبُ والفِضَّةُ وغيرُ ذلك.
قولُه تعالى: {وَبَنِينَ شُهُوداً}. في التفسيرِ: أنه كان له عشَرةُ بَنينَ، وقيلَ: ثلاثةَ عشرَ، وقيلَ غيرُ ذلك.
وقولُه: {شُهُوداً} أيْ: حُضوراً لا يَغيبونَ عنه لحاجةٍ أو لخوْفٍ، رواه مسلِمٌ([1] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=2899#_ftn1)).
ومِن بَنِيهِ أسْلَمَ اثنانِ: خالِدُ بنُ الوليدِ، وهشامُ بنُ الوليدِ، والباقونَ مَاتُوا في الجاهليَّةِ.
وقولُه: {وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً} التمهيدُ هو التَّهْيِئَةُ والتَّوْطِئَةُ، وقيلَ: وسَّعْتُ عليه الأمرَ تَوسيعاً، ويُقالُ: بَسَطْتُ له ما بينَ اليمَنِ والشامِ، أيْ: في التجارةِ، وقيلَ: التمهيدُ هو تَيسيرُ أسبابِ الْمَعيشةِ، كأنه كان يَتَيَسَّرُ عليه كلُّ ما كانَ يَطلبُه ويُريدُه مِن أسبابِها.
وقولُه: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} ورُوِيَ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا ذكَرَ ما أَعَدَّ اللهُ تعالى للمسلمينَ مِن نَعيمِ الجنَّةِ قالَ الوليدُ بنُ الْمُغيرةِ: أنا أيْسَرُكُم وأكثَرُكم بَنينَ، فأنَا أَحَقُّ بالجنَّةِ منكم. فأَنْزَلَ اللهُ تعالى: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاَّ} أيْ: لا أَزيدُ، وقيلَ: هذا في الدُّنيا، وقد أَعْسَرَ مِن بعْدُ واحتاجَ.
وقولُه: {إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً} أيْ: مُعَانِداً. وقيلَ: جَاحِداً.
وقولُه: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} الإرهاقُ في اللغةِ: هو حَمْلُ الرجُلِ على الشيءِ.
وقولُه: {صَعُوداً} روى أبو سعيدٍ الْخُدْرِيُّ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((هُوَ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَتَصَعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَداً)). ذَكَرَه أبو عيسى التِّرْمِذِيُّ في كتابِه، ورُوِيَ أنه صَخرةٌ مِن نارٍ إذا وَضَعَ يَدَه عليها ذابَتْ، وإذا رَفَعَها عَادَتْ.
قالَ الكلبيُّ: يُجَرُّ مِن قُدَّامِه بالسلاسلِ، ويُضربُ مِن خَلفِه بالْمَقامِعِ، فإذا صَعِدَ عليها هَوَى هكذا أبداً، ويُقالُ: الصَّعودُ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ، وهذا القولُ قَريبٌ مما ذَكَرْنا.
قولُه تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ} أيْ: تَدَبَّرَ.
وقولُه: {وَقَدَّرَ} هو بمعنى التفَكُّرِ أيضاً.
وقولُه: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} أيْ: لُعِنَ كيفَ قَدَّرَ، قالَ صاحِبُ النظْمِ: معناه: لُعِنَ على أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ.
وقولُه: {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} على وجهِ التأكيدِ، ومعناه ما بَيَّنَّا.
وقولُه: {ثُمَّ نَظَرَ} أيْ: برأْيِهِ وعَقْلِه في أمْرِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ورَوَى إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الْحَنْظَلِيُّ في كتابِه بإسنادِه عن مُجاهِدٍ أنَّ الْمُشرِكينَ اجْتَمَعُوا عندَ الوليدِ بنِ الْمُغيرةِ وقالوا: هذا الْمَوْسِمُ يَأتِي ويَقْدَمُ فيه الناسُ، ويَسألونَنَا عن هذا الرجُلِ، فإنْ سَأَلُونا نقولُ: إنه شاعرٌ. فقالَ الوليدُ: إنهم يَسمعونَ كلامَه ويَعلمونَ أنه ليس بشاعِرٍ. فقالوا: نقولُ: إنه مجنونٌ. فقالَ: إنهم يَسمعونَ حديثَه فيَعلمونَ أنه عاقِلٌ. فقالوا: نَقولُ: إنه كاهِنٌ. فقالَ: إنهم قد رَأَوُا الكَهَنَةَ فيَعلمونَ أنه ليس بكاهِنٍ. قالوا: فماذا نَقولُ؟ فحينَئذٍ فكَّرَ وقَدَّرَ ونَظَرَ.
وقولُه تعالى: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} أيْ: قَطَّبَ وَجْهَهُ.
يُقالُ للقاطِبِ وجْهَه: بَاسِرٌ، وقيلَ: العُبوسُ بعدَ الْمُحَاوَرَةِ، والبُسورُ قَبْلَ الْمُحاوَرَةِ، والأصَحُّ أنهما بمعنًى واحدٍ، وإنما قالَ ذلك؛ لأنَّ الإنسانَ إذا أَهَمَّهُ الأمْرُ، وجَعَلَ يَتفكَّرُ فيه، ويُؤْتِي بعَبسِ([2] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=2899#_ftn2)) وَجهِه كالْمُتَكَارِهِ بشيءٍ، ثم إنَّ الوليدَ لَمَّا فَعَلَ جَميعَ ما فَعَلَ للقوْمِ [قالَ]: قولوا: إنه ساحِرٌ، فإنَّ الساحرَ يُبَغِّضُ بينَ المتحابَّيْنِ، ويُحَبِّبُ بينَ المتباغِضَيْنِ، وإنَّ مُحَمَّداً كذلك. فخَرجوا واجتَمَعوا على هذا القولِ، وجَعَلُوا يَقولونَ لكلِّ مَن يَلقاهُم: إنه ساحِرٌ، فهو معنى قولِه تعالى: {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ} أي: القرآنُ.
وقولُه: {يُؤْثَرُ} أيْ: يَأْثُرُه عن غَيْرِه، كانوا يَقولونَ: إنه يَتعلَّمُ مِن غُلامِ ابنِ الْحَضْرَمِيِّ، وقيلَ: غيرِه.
وقولُه: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} أيْ: تَوَلَّى وَتَكَبَّرَ.
قولُه: {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ} أي: القرآنُ قولُ البَشَرِ، ليس بقولِ اللهِ تعالى.
وقولُه تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ}: سأُدْخِلُه، وسَقَرُ اسمٌ مِن أسماءِ جَهنَّمَ، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: هو الدَّرْكُ الخامِسُ، والدَّرَكاتُ سَبْعٌ كلُّها في القرآنِ، جهنَّمُ، لَظَى، والجحيمُ، وسَقَرُ، وسَعيرٌ، والهاويةُ، والْحُطَمَةُ.
وقولُه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ} قالَه تَعظيماً لأمْرِ السقَرِ.
وقولُه: {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} قالَ مُجاهِدٌ: لا تُبْقِي حَيًّا فيَستريحَ ولا مَيِّتاً فيَتَخَلَّصَ، وهو معنى قولِه تعالى: {لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى}.
ويُقالُ: {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} أيْ: لا تُبْقِي لَحْماً ولا عَظْماً، {وَلاَ تَذَرُ} أيْ: إذا أَحْرَقَتِ الكُلَّ لم تَذَرْ؛ لأنه يَعودُ خَلْقاً جديداً، وقيلَ: لا تُبْقِي أَحَداً مِن الكافرينَ، أيْ: تَأخُذُ جميعَ الكافرينَ ولا تَذرُهم مِن العذابِ وَقْتاً ما، أيْ: تُحْرِقُهم أَبَداً، وفي بعضِ التفاسيرِ، أنَّ كلَّ شيءٍ يَسْأَمُ ويَمَلُّ سِوَى جَهَنَّمَ.
وقولُه: {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} أيْ: مُحْرِقَةٌ، قالَ أبو رَزِينٍ: تُحْرِقُهم حتى يَصِيرُوا سُوداً كالليلِ المظلِمِ، وقيلَ: {لَوَّاحَةٌ لِلبَشَرِ} أيْ: تُحْرِقُ اللحْمَ حتى تُلَوِّحَ العظْمَ، ويُقالُ: معناه: أنَّ بَشرةَ أجسادِهم تُلَوَّحُ على النارِ، حُكِيَ هذا عن مُجاهِدٍ. وقيلَ: {لَوَّاحَةٌ لِلبَشَرِ}، أيْ: مُعْطِشَةٌ للبَشَرِ، قالَ الشاعرُ:
سَقَتْنِي على لَوْحٍ مِن الماءِ شَرْبَةً سَقاها به اللهُ الربابَ و([3] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=2899#_ftn3))الغَوَادِيَا
وقولُه: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} أيْ: مِن الزَّبانِيَةِ وخَزَنَةِ النارِ.
وفي التفسيرِ: أنَّ مِن مَنْكِبِ أحَدِهم إلى الْمَنْكِبِ الآخَرِ مَسيرةَ سَنَةٍ، ويَأخُذُ بكَفِّه مِثلَ عَددِ رَبيعةَ ومُضَرَ، ويَدفعُ في النارِ بدَفعةٍ واحدةٍ سَبعينَ ألْفاً، وقيلَ: تِسعينَ ألْفاً، وأَعْيُنُهم كالبَرْقِ الخاطِفِ، وأسنانُهم كصَيَاصِ([4] (http://www.afaqattaiseer.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=2899#_ftn4)) البقَرِ. وذَكَرَ الكلبيُّ أنَّ لهم مِن الأعوانِ والْجُنْدِ ما لا يَعلَمُ عددَهم إلاَّ اللهُ تعالى.
______________________
([1] ) كذا بالأصل.
([2] ) لعلها: تعبس.
([3] ) كذا بالأصل، والصواب حذفها والله أعلم .
([4] ) لعلها: " كصياصي ".